النص المفهرس
صفحات 121-140
كتاب القضاء والأحكام والحدود
على ما في حديث حُضَين عن علي رضي الله عنه أربعين قصداً منه إلى
الأربعين، ولكن قصداً منه إلى جلد لا توقيتَ فيه، ودلَّ على ذلك أيضاً
ما قد رُوِيَ عن علي رضي الله عنه من غير هذه الجهة
٣٢٠٨- كما حَدَّثَنَا عليٌّ بنُ شَيْبَة، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيْم، قال:
حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، قال: أُتي علي
بالنَّجَاشِي قد شَرِبَ الخمر في رمضان، فضربه ثمانين، ثم أمَرَ به إلى
السجنٍ، ثم أخرجه من الغَدِ، فضربَهُ عِشرين، ثم قال: إنَّما جلدْتُك
هذه العشرين لإفطارك في رمضانَ وجُرأتِك على الله عز وجل.
قال: فدلَّ ذلك مِن تجاوز علي الأربعينَ إلى ما فوقها في الخمر أن
الذي كان من النبي # في الجلد فيها لم يكن طلباً منه لعددٍ معلوم. وفي
ذلك ما قد دلَّ على أنّه لم يكن حدًّاً، وإنما كان تعزيراً. وقد دلَّ على
ذلك أيضاً ما قد رواه غيرُ علي رضي الله عنه عن النبي ®. في ذلك.
فمنهم: عبد الرحمن بن أزْهَر
٣٢٠٩ - كما حَدَّثْنَا عليُّ بِنُ شَيْبَة، قال: حَدَّثْنَا رَوْحُ بنُ عُبَادة،
قال: حَدَّثْنَا أُسامةُ بنُ زيد، قال: حَدَّثْنَا ابْنُ شِهَاب، قال: حدثني عبد
الرحمن بن أزْهِر الزهري، قال: رأيتُ رسولَ الله ◌ُ﴿ يوم حُنَيْن يتخلَّلُ
الناسَ يسألُ عن منزل خالدٍ بن الوليد، فأتي بسكران، فأمر من كان
عنده، فضربُوه بما في أيديهم، ثم حَثًا عليه الترابَ، ثم أُتي أبو بكر
رضي الله عنه بسكران، فتوحّى الذي كان من ضربهم عندَ رسول الله
- ١٢١ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
*، فضربَهُ أربعين، ثم أُتي عمر رضي الله عنه بسكران، فضربه
أربعين(١).
أفلا ترى أنَّ أبا بكر رضي الله عنه إنما كان ضربَ بعدَ النّبِيَِّ*
أربعين في ذلك على التحرِّي لَضرب النبيَ ﴿ الذي كان في مثله، لا
(١) أسامة بن زيد الليثي مولاهم المدني ليس بالقوي، وله أوهام. وفي تصريح
الزهري بسماعه من عبد الرحمن بن أزهر نظر، فقد قال الإمام أحمد: ما أراه سَمِعَ
عبد الرحمن بن أزهر إنما يقول الزهري: كان عبد الرحمن بن أزهر يُحدث، فيقول
معمر وأسامة عنه: سمعت عبد الرحمن ولم يصنعا عندي شيئاً.
وقال أبو داود في ((السنن)): أدخل عقيل بن خالد بين الزهري، وبين ابن الأزهر في
هذا الحديث عبد الله بن عبد الرحمن بن الأزهر عن أبيه.
وقال ابن أبي حاتم في «العلل) ٤٤٦/١-٤٤٧: سألت أبي وأبا زرعة عن هذا
الحديث، فقالا: لم يسمعه الزهري من عبد الرحمن بن أزهر.
ورواه أبو داود (٤٤٨٧) من طريق أسامة بن زيد، عن الزهري، عن عبد الرحمن
بن أزهر.
ورواه أيضاً (٤٤٨٨) حَدَّثْنَا ابنُ الصرح، قال: وجدت في كتاب خالي عبد
الرحمن بن عبد الحميد، عن عقيل، عن ابن شهاب أخبره أن عبد الله بن عبد الرحمن
بن الأزهر أخبره، عن أبيه ...
ورواه أحمد ٨٨/٤ و٣٥٠ عن زيد بن الحباب، حدثني أسامة بن زيد، حدثني
الزهري، عن عبد الرحمن بن أزهر ...
وقال المنذري في ((مختصره) ٢٩١/٦: في هذين الطريقين انقطاع.
ورواه أيضاً ٨٨/٤ و٣٥٠ عن عثمان بن عمر، حَدَّثَنَا أسامة بن زيد، عن الزهري
أنه سمع عبد الرحمن بن أزهر ...
وله طرق عند النسائي في ((الكبرى)) انظرها في «التحفة)) ١٩١/٧-١٩٢.
- ١٢٢ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
لأنَّ ذلك الضرب كان مقصوداً به إلى عدد معلوم.
ومنهم: أبو سعيد الخدري
٣٢١٠- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا وَهْبُ بنُ
جَرِير، قال: حَدَّثْنَا شُعْبة، عن أبي النِّيَّاحِ، عن أبي الوَدَّاك، عن أبي
سعيد، قال: لا أشرب نبيذَ الجَرِّ بعد إذا أُتي رسولُ الله ◌ِ﴿ّ بَنَشْوَانَ،
فقال: يا رسول الله ما شربتُ حمراً إنما شربتُ نبيذَ تمرٍ وزبيبٍ في دُبَّاء،
فأمر به النبيُّمَ﴿، فَلُهِزَ بالأيدِي، وخُفِقِ بِالنَّعَال(١).
٣٢١١ - وكما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ يحيى بن مَطَر، قال: حَدَّثْنَا يزيد
بنُّ هارون، قال: حَدَّثْنَا المسعوديُّ، عن زيدِ العَمِّيِّ، عن أبي الصِّدِّيق
أبو أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه أنَّ رسول الله عَ #.
ضَرَبَ في الخمر بنعلين أربعين، فجعل عُمَرُ رضي الله عنه لِكل نَعْلِ
سوطاً.
ومنهم: أبو هريرة
٣٢١٢- كما قد حَدَّثْنَا يونس، قال: حَدَّثَنَا أنسُ بنُ عِياض، عن
يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة
رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله:﴿ أُتي بشاربٍ، فقال: ((اضربوه)) فمنهم
(١) رواه النسائي في ((الكبرى) (٥٢٩٢) وكما في ((التحفة) ٣٣٩/٣ عن محمد
بن حاتم، عن حبان بن موسى، عن عبد الله بن المبارك، عن شعبة به.
وأورده الحافظ في ((الفتح)) ٦٧/١٢ عن النسائي وصحح إسناده.
ورواه أحمد ٣٤/٣ و٤٦ عن محمد بن جعفر وحجاج، كلاهما عن شعبة، به.
-١٢٣ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
من ضربه بيده وبثوبه ونعلِه(١).
ومنهم: عُقبة بن الحارث
٣٢١٣- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا عفّان،
(ح)، وكما حَدَّثْنَا ابن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا سليمان بن حَرْب،
وكما حَدَّثَنَا محمدُ بنُ خُزَيْمة، قال: حَدَّثَنَا المُعَلَّى بن أسد، قالوا: حَدَّثْنَا
وُهَيْب، عن أُوب، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن عُقْبة بن الحارث، قال: أُتي
بالنَّعيمان إلى النبيِّ:﴿ وهو سكران، فشقَّ على النبي {# مشقةٌ شديدة،
فأمر مَنْ كان في البيت أنْ يضربُوه فضربوه بالنّعَال والجَرِيد على عَقِبه،
وكنت فيمن ضربَهُ، غيرَ أنَّ ابنَ أبي داود، قال في حديثه بالنِّعَيْمَان أو
ابن النُّعَيْمَان(٢).
(١) رواه البخاري (٦٧٧٧) عن قتيبة و(٦٧٨١) عن علي بن عبد الله، كلاهما
عن أنس بن عياض، به.
ورواه أبو داود (٤٤٧٧) عن قتيبة بن سعيد، والنسائي في ((الكبرى)) كما في
(التحفة) ٤٧٤/١٠ عن يونس بن عبد الأعلى، كلاهما عن أنس بن عياض.
ورواه أبو داود (٤٤٧٨) عن محمد بن داود بن أبي ناجية، حَدَّثَنَا ابن وهب،
أخبرني يحيى بن أيوب، وحيوة بن شريح، وابن لهيعة، عن ابن الهاد، به.
(٢) الحديث في ((شرح معاني الآثار)) ١٥٧/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه البخاري (٦٧٧٥)، وفي ((تاريخه)) ٤٣٠/٦ عن سليمان بن حرب،
والنسائي في (الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٣٠١/٧ عن هلال بن العلاء، عن معلى،
كلاهما عن وهيب، به.
ورواه أحمد ٨/٤، والطبراني في «الكبير)) ١٧/(٩٧٧) عن سليمان بن حرب
- ١٢٤ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
ومنهم: أنسُ بنُ مالك رضي الله عنه
٣٢١٤- كما حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمد بنُ حُشيش البصري،
قال: حَدَّثَنَا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حَدَّثْنَا هِشام، عن قَتَادة، عن أنس
رضي الله عنه أنَّ النبيِ ﴿ٌ جَلَّدَ في الخمر بالجريدِ والنعالِ، وجَلَدَ أبو
بكر رضي الله عنه أربعين، فلما ولي عمر رضي الله عنه دعا النَّاسَ
فقال: ما تَرَوْن في حدِّ الخمر؟ فقال له عبدُ الرحمن بنُّ عوف: أرى أنْ
تجعلَه كأخفِّ الحدودِ، وتجعلَ فيه ثمانين(١).
وعفان، کلاهما عن هيب، به.
ورواه البخاري (٢٣١٦) عن محمد بن سلام و(٦٧٧٤) عن قتيبة، والطبراني
١٧/(٩٧٨) من طريق محمد بن المثنى، ثلاثتهم عن عبد الوهّاب الثقفي، عن أيوب،
به.
ورواه أحمد ٧/٤ و٣٧٤ عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن أيوب،
به.
وبعضهم رواه ((بالنعيمان أو بابن النعيمان)) على الشبك، وبعضهم رواه
((بالنعيمان)) بلا شك، ورجح الحافظ في ((الإصابة)) ٥٤٠/٣ أنه التعيمان بلا شك.
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٥٧/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه البخاري (٦٧٧٦)، وأبو داود (٤٤٧٩) عن مسلم بن إبراهيم، به.
ورواه الطيالسي (١٩٧٠) عن هشام، به.
ورواه أحمد ١١٥/٣ و١٨٠، والبخاري (٦٧٧٣)، ومسلم (١٧٠٦) (٣٦)
و(٣٧)، وأبو داود (٤٤٧٩)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٣٤٨/١،
وأبو يعلى (٣٠١٥)، والبيهقي ٣١٩/٨ من طرق عن هشام، به. وصححه ابن حبان
- ١٢٥ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣٢١٥- وكما حَدَّثَنَا فهد، قال: حَدَّثْنَا موسى بنُ داود، قال:
حَدَّثَنَا همَّام (ح)، وكما حَدَّثْنَا الكَيْسَاني، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرحمن بن
زياد، قال: حَدَّثْنَا شُعْبة، قالا جميعاً، عن قَتَادة، عن أنس بن مالك
رضي الله عنه أن رسول الله ﴿ أُتِي برجل قد شرب الخَمْر، فأمر به
فضُرِبُ بالجريدِ نحواً من أربعين، ثم صنع أبو بكر مثلَ ذلك، فلمَّا كان
عُمر رضي الله عنه استشارَ الناسَ، فقال عبدُ الرحمن بنُ عَوْف: يا أميرَ
المؤمنين أُخَفُّ الحدود ثمانين. ففعل ذلك(١).
قال أبو جعفر: أفلا ترى إلى ما قد رويناه عن علي مِن قوله في
حدِّ الخمر: إنه شيء صنعناه، وما في حديث غيره من التحرِّي المذكور
فيه. وفي ذلك ما قد دلَّ أنه لم يكن في الخمر في زمنِ النسبي ﴿ حدٍّ
معلوم، ولا من بعده حتى كان مِن أصحابه رضوان الله عليهم في ذلك
(٤٤٤٨) و(٤٤٤٩).
(١) صحيح وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٥٧/٣-١٥٨ بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ٢٤٧/٣ عن عفان، وبهز، وأبو يعلى (٢٨٩٤) عن هدية، والبيهقي
٣١٩/٨ عن بهز، ثلاثتهم عن همَّام، به.
ورواه من طرق عن شعبة به: البخاري (٦٧٧٣)، ومسلم (١٧٠٦) (٣٥)،
والدارمي ١٧٥/٢، والترمذي (١٤٤٣)، وابن الجارود (٨٢٩)، والنسائي في
(«الكبرى)) (٥٢٧٦)، وكما في «التحفة) ٣٢٧/١، والبيهقي ٣١٩/٨، والبغوي
(٢٦٠٤)، وصححه ابن حبان (٤٤٥٠).
ورواه ابن الجارود (٨٣٠) من طريق شبابة، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن،
عن أنس، فزاد في إسناده الحسن البصري بين قتادة وبين أنس.
-١٢٦ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
ما كان منهم فیه.
وإذا كان الذي قد كان من رسول الله # في ذلك لم يكن حدًّ
كان تعزيراً، وفيه تجاوزُ العشرة إلى ما فوقها مما ذكر في تلك الأحاديث
وفيها عن علي ما كان منه في النّجَاشِي تعزير العشرين، وفي ذلك ما قد
تجاوز العشرة، وفيما ذكرنا عن رسول الله ﴿ ما قد دلَّ على أنَّ للإمام
أنْ يتجاوزِ العشرة في التعزير إلى ما فوقها مما يجوز أن يتجاوزَها إليه،
وفي ذلك ما قد عارض حديث أبي بُرْدَة الذي ذكرنا، وفي معارضته
إِيَّاه ما قد تكافأ الحديثان، إذ لا نعلم المنسوخَ منهما من الناسخ، فإذا
تكافآً، اتسع النظرُ للمختلفين في ذلك، وطلب الأوْلى من ذَيْنِك
المعنيين، فوسعهم بذلك تركُ حديث أبي بُرْدة إلى خلافه مما قد كان
مِن رسول الله ﴿ من العقوبة في شرب الخمر، بل لو قال قائلٌ: إنّه
أوْلى من حديث أبي بُرْدة لِعمل أصحاب رسول اللهمُ﴿ من بعده به،
فكان غير مُعَنِّفٍ في ذلك. والله عز وجل نسأله التوفيق.
-١٢٧-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٢٩- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ مما يَدُلُّ
على لزوم الكفالات بالأنفس
٣٢١٦- حَدَّثْنَا محمد بنُ خزيمة، حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ عدي الكوميُّ،
حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ المبارك، عن معمر، عن أيوبَ، أبي قِلابة، عن أبي
الْمُهَلَّبِ، عن عِمرانَ بنِ الحصينِ، قال: أسرت ثقيفُ رَجُلَيْنٍ من
أصحابِ رسول الله :﴿، وأسر أصحابُ رسول الله:﴿ رجلاً من بني
عامر بن صَعْصَعَةَ، فَمُرَّ به على النبيِّ :﴿ٌ وهو مُوتَقٌ، فأقبل إليه رسولُ
الله﴿، فقال: على ما أُحْبَسُ؟ فقال: ((لِجَرِيرةِ حُلفائك))، قال: ثم
مضى رسولُ اللهِمَ ﴿، فناداه فأقبلَ إليه، فقال له الأسيرُ: إنّي مسلم،
فقال رسولُ الله ◌َ﴿: «لو قُلْتَهَا وأَنْتَ تَمْلِكُ أمْرَكَ، لأفلحتَ كلَّ
الفلاح))، ثم مضى رسول الله﴿، فناداه أيضاً، فأقبل، فقال: إني
جائعٌ، فَأطعمني، فقال النبيَُّ﴿: «هذه حاجَتُكَ))، ثم إنَّ النبيَّنَ﴿ فداه
بالرجلينِ اللذينِ كانت ثقيفُ أسرتهما(١).
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٢٦١/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه ابن حبان (٤٨٥٩) من طريق هناد بن السري، عن ابن المبارك، به.
ورواه عبد الرزاق (٩٣٩٥)، ومن طريقه الطبراني ٤٥٣/١٨ عن معمر، به.
ورواه مطولاً ومختصراً الشافعي ١٢١/٢، والحميدي (٨٢٩)، وسعيد بن منصور
(٢٨٢٠) و(٢٩٦٧)، وابنُ أبي شيبة ٤١٦/١٢، وأحمد ٤٣٣/٤-٤٣٤، ومسلمٌ
(١٦٤١)، والترمذي (١٥٦٨)، والنسائي في (الكبرى)) (٨٥٩٢)، وابنُ الجارود في
((المنتقى)) (٩٣٣)، والطحاوي ٢٦٠/٣، والطبراني ١٨/(٤٥٥) و(٤٥٦)، والبيهقي
-١٢٨-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣٢١٧- وحَدَّثْنَا فهد، حَدَّثْنَا أبو نعيم الفضل بن دُكين، حَدَّثْنَا
حمادُ بنُ زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المُهَلْبِ، عن عِمرانَ
بن حُصينٍ، قال: كانت العضباءُ لِرجلٍ من عُقَيل أُسِرَ، فأخذت العضباءُ
منه، فأتى عليه رسولُ الله:﴿، فقال: يا محمد على ما تأخُذُوني،
وتأخذون سابقةَ الحاج وقد أسلمتُ؟ فقال له رسولُ اللهِ وَالَ: ((لو قُلْتَهَا
وأنْتَ تَمْلِكُ أمْرَكَ، لأفلحتَ كلَّ الفلاح)»، فقال رسول الله صل:
((آخُذُكَ بجريرةٍ حُلَفَائِكَ))، وكانت ثقيفٌ قد أسرت رجلين من
أصحاب النبيَِّ﴿ ورسولُ الله:﴿ على حمارِ عليه قطيفةٌ، فقال: يا محمد
إني جائع، فأطعمني، وظمآن فاسقني، فقال رسولُ اللهِلَ﴿ُ: «هذهِ
حاجَتُك))، ثم إنَّ الرجلَ فدي بالرجلين وحبس رسول الله :﴿ العضباءَ
لِرحله(١).
فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه ما قد دلَّنا على أن القومَ الذين
كان منهم ذلك الأسيرُ، لم يَكُنْ بينهم وبَيْنَ النِيِ﴿ أمانٌ ولا مُوادَعَة
لاحتباسه الراحلةَ، ولا يجوز أن يحبسَها إلا لأَنَّه لا أمانَ ولا مُوادعة
كانتا فيما بينه وبينَ أهلها. وكان في هذا الحديث وقوفُ رسول اللّه ◌َا﴾
٧٢/٩ و١٠٩ و٧٥/١٠، والبغوي (٢٧١٤). وانظر ما بعده.
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٢٦١/٣ بإستاده ومتته.
ورواه أحمد ٤٣٠/٤، ومسلم (١٦٤١)، وأبو داود (٣٣١٦)، والبيهقي في
((السنن)) ١٠٩/٩، وفي «الدلائل)) ١٨٨/٤-١٨٩ من طرق عن حماد بن زيد، به.
وانظر ما قبله.
-١٢٩-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
على إسلامٍ ذلك الأسير، وتركه رفعَ الأسرِ عنه بإسلامه، لأن الإسلام
في هذا لا يرفع واجباً قبلَه، ألا ترى أن الأسيرَ لو كمان كتابياً، وكان
يُسترق لو لم يُسْلِمْ، أنه يُسترق وإن أسلَم، وأن الإسلامَ لا يرفعُ عنه إلا
القتلَ خاصة، فكذلك ذلك الأسيرُ لم يرفع عنه إسلامُه الذي كان منه
الحبسَ الذي كان عليه بجريرة حُلفائه وهم غيرُه، وأنه لا يُرَدُّ إليهم،
وإن كان قد أسلم حتى يَرُدُّوا إلى رسولِ الله ﴿ الرجلينِ اللذين
أسروهما مِن أصحابه، وكان ما وجب عليه مِن ذلك لما بينّه وبَيْنَ
حُلفائه على ما كانوا عليه من الحرب لِرسول الله :﴿، ولما كان مأخوذاً
بذلك، وإن كان لم يوجبه على نفسه إنما أوجبته عليه الشريعة، كان لو
أوجبَ على نفسه مثلَ ذلك مِن تخليصٍ من أسرٍ من المسلمين عليه
أو جب، وفي الحکم له ألزم.
وإن كان ذلك كذلك، كانت مثلُه الكفالاتِ بالأنفسِ إذا
أوجبها بعضُ الناسِ على نفسه تجبُ كذلك كما كان الكوفيون
والمدنيون جميعاً يذهبون إليه في ذلك، وكما كان الشافعي يذهب إليه
فيه غيرَ أنه ضعفها مرةً ولم يُبْطِلها، فجئنا بما جئنا مما ذكرنا لِنعلم
قوتها، وأنه لا يجب ضعفها من جهة، وكيف يضعفُ ما قد دَلَّ عليه ما
قد ذكرنا.
ومثلُ ذلك أيضاً توليةُ رسول الله ﴿ النقباءَ على الأنصارِ وهمُ
الأمناءُ عليهم الذين يدفعون إليه ما يكونُ منهم مما يستحقون به الحمدَ
عليه، ومما يستحقونَ به الذَّم عليه، وكانوا مأخوذين بذلك، فهم
کالگفلاء به، وقد ذ کر محمدُ بنُ إسحاق في «مغازیه».
- ١٣٠ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣٢١٨- ما قد حَدَّثَنَا فهدٌ، حَدَّثْنَا يوسفُ بن بُهلول، حَدَّثْنَا عبد
الله بنُ إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن عبدِ الله بنِ أبي بكر أن
النبيََّّ قال للأنصار: ((إني أُوَّلِي عليكم نُقباء يكونون عليكم كنقباء
بني إسرائيلَ كُفَلاَءَ)(١).
وفي ذلك ما قد حَقَّقَ الكفالة بالأنفس لا سيما عندَ من يحتجٌ
بالمغازي، ويجعلها حجةً على مخالفه.
وقد وَجَدْنَا عن جماعةٍ من أصحابِ رسولِ اللهِمُ﴿ ما يُوجب
ثبوتها، ومِن ذلك
٣٢١٩- ما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريم، أخبرنا
ابنُ أبي الزِّناد، حدثني أبي، عن محمد بن حمزة بنِ عمروٍ الأسلميِّ، عن
أبيه، أنَّ عمر بعثه مُصَدِّقاً على سَعْدِ هُذيم، فأُتيَ حمزةُ بمالِ لَيُصَدِّقه،
فإذا رجلٌ يقولُ لامرأته: أدِّي صَدَقَةَ مالِ مولاك، وإذا المرأةُ تقولُ له:
بَلْ أنتَ فأدِّ صدقَة مال أبيك، فسأله حمزةُ عن أمرهما وقولِهما، فأُخْبَرَ
أن ذلك الرجلَ زوجُ تلك المرأة، وأنه وَقَعَ على جارية لها، فَوَلَدَتْ
ولداً، فأعتقته امرأتهُ قالوا: فهذا المالُ لأبيه من جاريتها، فقال حمزة:
الأرجمنك بأحجارك، فقيل له: أصلحك الله، إن أمرَه قد رُفعَ إلى عمر
بن الخطاب، فجلده عُمَرُ مئةٌ ولم ير عليه الرحمَ، فأخذ حمزة بالرجل
كفيلاً حتى قَدِمَ على عمر فسأله عما ذكر من جلدٍ عمر إياه ولم ير
عليه الرجم، فصدقهم عُمَرُ بذلك، وقال: إنما درأ عنه الرجمَ، لأنه
(١) ضعيف معضل، ومحمدُ بنُ إسحاق مدلس قد عنعن.
-١٣١-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
عذره بالجَهَالَةِ(١).
٣٢٢٠ - ومن ذلك ما قد حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ عبد الرحمن الجزريُّ
الَّافارِقيني، حَدَّثْنَا أحمد بنُ سليمان أبو الحسين الرُّهاوي، حَدَّثَنَا يحيى
بنُ آدم، حَدَّثْنَا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن حارثةَ بنِ مُضَرِّبٍ، قال:
صليتُ الغداةَ مع عبدِ الله بنِ مسعود في المسجدِ، فلما سَلَّمَ قام رجلٌ،
فحَمِدَ الله، وأثني عليه، ثم قال: أما بعدُ، فوالله لقد بتُّ هذه الليلةَ وما
في نفسي على أحَدٍ مِن الناس حِنة، وإني كُنْتُ استطرقتُ رجلاً مِن بني
حنيفة لِفِرسي، فأمرني أن آتِيَهُ بِغَلَسٍ، وإني أتيتُه، فلما انتهيتُ إلى
مسجد بني حَنيفةَ مسجدِ عبدِ الله بن النَّوَّاحة، سمعتُ مؤذّنَهُمْ وهو
يشهدُ أن لا إله إلا الله، وأن مُسيلمَةَ رسولُ الله، فاتهمتُ سمعي،
وكففتُ الفرسِ حتى سَمِعْتُ أهلَ المسجد اتفقوا على ذلك، فما كذبه
عبدُ الله، وقال: مَنْ هاهنا؟ فقام رجالٌ، فقال عَليَّ بعبد الله بنِ النواحىة
وأصحابه. قال حارثة: فجيءَ بهم وأنا جالس، فقال عبدُ الله لابنٍ
النواحةِ: ويلَكَ! أين ما كنتَ تقرأْ مِن القُرآن؟ قال: كنتُ أَنَّقِيكُم به،
قال له: تُبْ، فأبى، فأمر به عبدُ الله قُرظةً بن كعبٍ الأنصاري،
(١) الحديث في ((شرح معاني الآثار)) ١٤٧/٣ بإسناده ومتنه.
وعلقه مختصراً البخاري في (صحيحه)) (٢٢٩٠) بصيغة الجزم، ولفظُ: وقال أبو
الرِّناد عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي، عن أبيه: ((أنَّ عمر رضي الله عنه بعثه
مُصدقاً، فوقع رجلٌ على جاريةِ امرأتِه، فأخذه حمزةً مِن الرجلِ كُملاء حتّى قَدِمَ على
عمر، وكان عمر قد جلده مئة جلدة، فصدقهم، وعذره بالجهالة)).
- ١٣٢-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
فأخرجه إلى السوق فَحَلَدَ رأسَه. قال حارثة: فسمعتُ عبدَ الله يقول:
مَنْ سَرَّه أن يَنْظُرَ إلى عبدِ الله بنِ النَّواحة قتيلاً بالسوق، فليخرج،
فلينظر إليه. قال حارثةُ: فكنتُ فيمن خَرَجَ ينظرُ إليه. ثم إن عبدَ الله
استشار أصحابَ البِيِّ ﴿ في بقية النفرِ، فقام عديُّ بنُ حاتم الطائي،
فحِمِدَ الله، وأثني عليه، ثم قال: أما بعدُ فَتَوْلوُلٌ من الكفرِ أطلعَ رأسَه،
فاحْسِمْه، فلا يكون بَعْدَهُ شيء، وقام الأشعثُ بنُ قيس، وجريرُ بنُ
عبد الله، فقالا: بل اسْتَتِبْهُم، وكَفّلْهُم عشائرَهم، فاستتابهم فتابوا،
وكَفْلَهم عَشَائِرَهم، ونفاهُم إلى الشام (١).
ففي هذين الحديثين استعمالُ عبدِ الله الكفالةَ بالأنفسِ بمشورة مَنْ
أشار عليه بها، وبحضورِ من حضرها، فلم ينكر عليه ذلك، ولم يُخالفه
فيه، فَدَلَّ ذلك على متابعتهم إيّاه عليه، وما جاء هذا المجيء، كان
بالقوة أولى، وبنفي الضعف عنه أحرى. والله أعلم.
(١) رواه بأخصر مما هنا أبو داود (٢٧٦٢)، ومن طريقه البيهقي ٢١١/٩ عن
محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، به.
ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٨٦٧٥) عن محمد بن العلاء، عن أبي معاوية، عن
الأعمش، عن أبي إسحاق، به.
- ١٣٣-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٣٠- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله {# ممَّا رُوِيَ
عنه فیما کان فعله بالذین أغاروا علی لقاحِهِ وارتدوا عن
الإسلام هل كان ذلك عقوبةً منه لهم لمحارَبَتِهِم بما یکون
عقوبةً للمحاربین لذلك مُرتدِین کانوا أو غیر مرتدِین، أو
لارتدادهِم مع أفعالهم التي فعلُوها
٣٢٢١ - حَدَّثْنَا يحيى بن عثمان بن صالح، قال: حَدَّثْنَا أحمد ابن
شَبُّوَيَه، قال: حَدَّثْنَا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد
النحويِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ ﴿أَّا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَسُولَهُ
وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداًأنْ يَُّوا أَوْيُصَُّوا﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِمٌ﴾
[المائدة: ٣٣] نزلت هذه الآيةُ في المشركين، فَمَنْ تَابَ منهم من قبلٍ أن
تقدِّرُوا عليه لم يكن عليه سبيلٌ، وليست تُحْرِزُ هذه الآيةُ الرجلَ المسلمَ
من الحَدِّ إِنْ قَتَلَ أو أفسدَ في الأرضِ، أو حاربَ اللهَ ورسولَه، ثم لَحِقَ
بالكفَّار قبل أن يُقْدَرَ عليه، لم يمنعْهُ ذلك أنْ يُقام فيه الحدُّ الذي أصابَهُ.
٣٢٢٢- وحَدَّثْنَا أحمد بن شعيب: قال: أخبرني زكريا بن يحيى،
قال: حَدَّثْنَا إسحاقُ بن إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن الحسين بن وَاقِد،
قال: حدثني أبي، قال: حَدَّثْنَا يزيد النَّحْوِي، عن عِكْرمة، عن ابن
عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: ﴿أَنَّا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُنَ اله
وَرَسُولَهُ﴾ الآية، قال: نزلت هذه الآية في المشركين فَمَن تاب منهم قبل
أن يُقْدَرَ عليه، لم يكن عليه سبيلٌ، وليست هذه الآية للرجل المسلم مَنْ
-١٣٤-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
قَتَل وأفسد في الأرض وحارب الله ورسوله، ثم لَحِقَ بالكفار قبل أن
يُقْدَرَ عليه، لم يمنعْهُ ذلك أن يُقَامَ فيه الحدُّ الذي أصاب(١).
٣٢٢٣- حَدَّثَنَا أحمد بنُ شُعيب، قال: أخبرني محمد بن وَهْب
بن أبي كَرِيمة، قال: حَدَّثْنَا محمد بنُ سَلَمة، قال: حدثني أبو عبد
الرحيم، قال: حدثني زيد بن أبي أُنَيْسَة، عن طلحة بن مصرّف، عن
يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قال: قدم أعرابٌ من
عُرَيْنة إلى نِيِّ الله :﴿ّ فأسْلَموا، فاجْتَوَوا المدينةَ حتَّى اصفَّرت ألوانُهم،
وعظُمَت بُطُونهم، فبعثَ بهم نِيُّ الله :﴿ إِلى لِقَاحٍ له، فأمرهم أنْ
يشرّبُوا من ألْبانِها وأبْوَالها حتى صَحُوا، فقتلوا رُعاتَها، واسْنَاقوا الإبلَ،
فبعث في اللّه ◌ِّ في طلبهم، فأُتِيَ بهم، فقَطَعَ إِيدِيَهم وأرجُلَهُم، وسَمَرَ
أعيُنَهم.
قال أمير المؤمنين عبدُ الملك لأنس وهو يحدثُّه هذا الحديث: بكُفر
أو بذنبٍ؟ قال: بِكُفرِ (٢).
ففي الحديث الأوّل من هذين الحديثين أنَّ الحُكْمَ المذكور فيه في
المشركين إذا فعلُوا هذه الأفعالَ، لا فِيمَن سواهم مِمَّن هو مُتمسِّكٌ
بالإِسلام.
وفي الحديث الثاني منهما ما قد دلَّ على أنَّ العُقوبة في ذلك
كانت عند أنس بن مالكٍ، إذْ كانت تلك الأفعال مع الزيادةِ لا مع
(١) إسناده لا بأس به، وهو في ((سنن النسائي) ١٠١/٧.
(٢) صحيح، وهو عند النسائي ١٦٠/١ و٩٨/٧.
-١٣٥ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
الإسلام.
ولَمَّا اختلفوا في ذلك هذا الاختلاف طلبنا الوجهَ فیه، ووجدنا
الله قد قال في كتابه: ﴿أَّا جَاء ◌َّذِينَ يُحَارِبُنَاللَّه وَسُوَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي
الأَرْضِ فَسَادَا أنْ يَُّوا أَوْيُصَُّوا أَوْتَطَّ ابِهُمْ وَأْخُلُهُم مِنْ خِلافٍ أَوْ نْقَوْا مِنَ
الأرْضِ ذلِكَهُمْ خِيُّ فِي الدُّنْيَا﴾ الآية [المائدة: ٣٣]، فكان ما ذَكَرَ الله
في هذه الآية قد ذكر فيه أنَّ العقوباتِ المذكوراتِ فيها جزاءٌ لمن أصاب
تلك الأشياءَ التي تلك العقوباتُ عقوباتٌ لها، وقد تكونُ تلك الأشياءُ
مِمَّنْ يَنْتَحِلُ الإِسلام ومِمَّن سِواهم، وكانت المحاربةُ هي العداوة للهِ عز
وجل بالأفعال التي لا يرضاها.
٣٢٢٤- كما حَدَّثْنَا نصرُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ أبي
مريم قال: وأخبرنا نافع بنُ يَزيد، قال: حدثني عَيَّاش بن عباس - وهو
القِتْبَانيُّ- عن عيسى بن عبد الرَّحمن، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أنَّ
عُمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى مسجدٍ رسولِ الله:﴿ فإذا هو
ثُمعَاذ بن جَبَل بيكي عندَ قبر رسولِ اللهِ:﴿، فقال: ما يُبكيكَ يا مُعاذُ؟
قال: يُبكِيني شيءٌ سعمته من صاحب هذا القبر. قال: وما هو؟ قال:
سمعته يقول: ((إِنَّ يَسِيراً من الرِّيَاءِ شركٌ، ومَنْ عَادَى أولياءَ اللهِ فقد
بارزَ الله بِالْمُحَارَبَةِ، إنَّ الله عزَّ وجلَّ يُحبُّ الأبرارَ الأَخْفِيَاءَ الأَثْقِيَاءَ،
الذين إذا غَابُوا لم يُفْقَدُوا، وإِنْ حَضَرُوا لم يُدْعَوْا ولم يُقَرَّبُوا، قُلوبُهم
-١٣٦ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
مصابيحُ الهُدَى يَخْرُجُونَ من كلِّ غَبْرَاءَ مُظْلمةٍ)(١).
٣٢٢٥ - وكما حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان الْمُرَادي، قال: حَدَّثَنَا
عبدُ الله بنُ وَهْبٍ، عن الليث بن سعدٍ، عن عَيَّاش بن عبَّاس، عن زيد
بن أسلم، عن أبيه، ثم ذكر مثلَه. ولم يذكر في إسنادِهِ عيسى بنِ عبدِ
الرحمن.
قال أبو جعفر: فوجب بذلك استعمالُ ما في هذه الآية على من
يكونُ منه هذه المحاربة والسعي المذكور فيها إلى يومِ القيامة من أهل
الملّة الباقين على الإسلام، ومن أهل الملّة الخارجين عن الإسلام إلى
ضدِّه، ومن أهل الذَّمَّة الباقين على ذِمِّتِهم، ومن أهل الذَّمَّة الخارجين
عن ذِمَّتِهم بنقدِ العهدِ الذي كان عليهم فيها.
وقد رُوِيَ عن رسول الله :﴿ في ذلك حديثٌ يُوجب ما قُلْنا
٣٢٢٦- وهو ما قد حَدَّثْنَا فَهْد بنُ سليمان، قال: حَدَّثَنَا محمد
بن سِنان العَوَقي، قال: حَدَّثْنَا إبراهيم بن طَهْمَان، عن عبد العزيز بن
رُفَيْع، عن عُبيد بن عمير، عن عائشة، قالت: قال رسولُ اللهِ مَ ا: ((لاَ
يَحِلُّ قتلُ امرىءٍ مُسلمٍ يَشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله إلاّ بإِحْدَى ثَلاث:
(١) إسناده ضعيف جداً، عيسى بنُ عبد الرحمن بن فروة الزرقي: متروك.
ورواه الطبراني ٣٢١١/١٠)، والحاكم ٣٢٨/٤ من طريق سعيد بن أبي مريم، به.
ورواه ابن ماجه (٣٩٨٩) من طريق ابن لهيعة، عن عيسى بن عبد الرحمن به.
ورواه الحاكم ٤/١ عن أبي العباس محمد بن يعقوب، عن الربيع بن سليمان، به.
ورواه الطبراني ٣٢٢/٢٠) من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث، به.
-١٣٧ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
زان بعد إحصائِهِ، أو رجلٌ قَتَلَ فَقُتِلَ بِهِ، أو رجلٌ خرجَ مُحارِباً لله
ولِرَسولِه فَيُقْتَلُ أو يُصلَبُ أو يُنْفَى مَنَ الأرضِ)) (١).
فقال قائلٌ: فقد خُولِفَ محمد بن سنان في هذا الحديث عن
إبراهيم بن طَهْمَان فرُوي عنه
٣٢٢٧- كما قد حَدَّثْنَا أحمد بن شُعيب، قال: أخبرنا العباسُ بن
محمد - يعني الدُّورِي- قال: حَدَّثَنَا أبو عامر العَقَدي، عن إبراهيم بن
طَهْمَان، عن عبد العزيز بن رُفَيْع، عن عُبيد بن عُمَير، عن عائشة رضي
الله عنها أنَّ رسول الله :﴿: قال: «لاَ يَحِلُّ دمُ امرىءٍ مُسلم إلاّ بإحْدَى
ثلاثٍ خَصال: زان محصن يُرْجَمُ، أو رجلٌ قَتَلَ مُتعمَّداً فَيُقْتَل، أو
رجلٌ يخرجُ مِنَ الإِسلامِ فَيُحَارِبُ اللهَ عزَّ وجلَّ ورسولَهِ﴾﴿ فَيُقْتَل أو
يُصْلَب أو يُنْفَى من الأرضِ»(٢).
قال أبو جعفر: فكان جوابنا له أنَّ قولَه ◌َ﴿: «أو رجلٌ يخرجُ من
الإسلامِ)) بعد قوله: ((لا يَحِلُّ دمّ امرىءٍ مسلمٍ إلاّ بإحدَى ثلاثٍ
(١) إسناده صحيح، ورواه أبو داود (٤٣٥٣)، والدارقطني ٨١/٣ من طريق
محمد بن سنان، به.
ورواه البيهقي ٢٨٣/٨ من طريق محمد بن سابق، عن إبراهيم بن طهمان، به.
(٢) إسناده صحيح، والحديث في ((سنن النسائي)) ١٠١/٧- ١٠٢، ومن طريقه
أخرجه أبو جعفر بن النحاس في ((الناسخ والمنسوخ)» ص١٥٨.
رواه الحاكم ٣٦٧/٤، والدارقطني ٨١/٣ من طريق أبي عامر العقدي، به.
ورواه النسائي ٢٣/٨ من طريق حفص بن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان،
-١٣٨-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
خِصالِ)) فيثبت الإسلام لأهلِها، ثم ذكْرُ هذه الحوادث منهم دليلٌ على
أنَّه أرادَ مَنْ له في الإسلامِ نصيبٌ إذا فعلَ هذه الأفعالَ، وكان قولُه:
(يخرجُ من الإسلامِ) مِمَّا قد يُحتمل أن يكون أراد به: يخرجُ عن جُملةٍ
أهلٍ الإسلام إلى الخروج عليهم بسيفه. فيكون ذلك مُوافقاً لما روى
محمد بن سنان هذا الحديث عن إبراهيم بن طَهْمان عليه، ولولا ذلك،
لما كان لذكرِ الإسلام، في أوله معنى إذ كانت هذه الأفعال لو كانت
من غير أهل الإِسلام، لاسْتَحَقُّوا هذه العقوبةَ في قول أهل العلم جميعاً،
ولكن ذكرُ الإسلامِ يوجبُ أن يكونَ أهلُ هذه الأفعالِ الثلاثة من أهل
الإسلام خارجين عن أخلاق أهله إلى تلك الأفعال المَذْمومة، ونعوذُ
باللهِ منها.
فقال قائلٌ: فقد احتَجَجْتَ بحديث إبراهيم بن طَهْمان هذا، وفيه
تخُّر الإمام في هذه الأشياء إيَّها رأى أنه يُقِيمه على أهل المحاربة، وأنت
لا تقولُ هذا، وقد قال بالتخيُّرَ قبلَك في هذه العقوبة غيرُ واحدٍ من أهل
العلم؟
فذكر ما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريم، قال: حَدَّثْنَا الفرِيَابي، قال:
حَدَّثَنَا سفيان، عن عصام، عن الحسن في قوله: (أو .. أو ... )) قال:
الإِمام مُخَّر: (إن شاءَ قَتَلَ، وإنْ شاءَ صَلَبَ، وإنْ شاءَ قَطَع)(١).
(١) رواه ابن أبي شيبة ١٤٥/١٠ و٢٨٥/١٢ عن هشيم بن بشير، عن حجاج،
عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، وعن ليث عن عطاء ومجاهد، وجويبر عن
الضحاك، وأبي حرة عن الحسن.
-١٣٩ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
وما قد حَدَّثَنَا ابن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا عَمرو بن عَوْن
الوَاسطي، قال: حَدَّثْنَا هُشَيم، عن عُبَيْدَةً، عن إبراهيم، وأبي حُرَّة عن
الحسن، وجُوَيِير عن الضَّحَّاك، والحجاج عن عطاء، وليث عن عطاء
ومجاهد أنهم كانوا يقولون: الإِمامُ خَّرٌ في ذلك، أيَّ ذلك ما شاء فَعَل.
وما قد حَدَّثَنَا أحمد بن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا محمد بن عَوْن
الزِّيادي، عن حماد، عن عمران بن حُدَيْر عن أبي مِحْلَز.
وما قد حَدَّثْنَا أحمد، قال: حَدَّثْنَا محمد، عن حماد، عن قتادة،
قال: الإمام مُخَّر.
وما قد حَدَّثْنَا يحيى بن عثمان، قال: حَدَّثْنَا سعيد بنُ أسد، قال:
حَدَّثْنَا ضَمْرَة، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن، وابن جريج، عن
عطاء: ﴿أَنّا جَاءُ الَّذِينَ يُحَاسِبُنِ الله وَسُولَهُ﴾ قال: الإِمام مُخَّر: إنْ شاءَ
قتلَ، وإنْ شاءَ قتلَ وصلَبَ، وإنْ شاءَ قَطَعَ، وإنْ شَاءَ نَفَى.
وما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبد الله بنِ عبد الجَّار المرَادِي أبو العَوَّامِ،
قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ حسَّان، قال: حَدَّثَنَا أبو هلال، عن قَتَادة، عن
سعيدٍ، قال: إذا أخذ الإمامُ المحارِبَ، حَگم فیه بماء شاءَ.
قال: فهذه الآثارُ كلها عن هؤلاء التابعين في تخيُّر الإمام، وقد
كان مالكُ بنُ أنس يذهب إلى هذا، فإلى قولِ مَنْ خالفت لك؟
وانظر الطبري (١١٨٤٤) - (١١٨٤٩) و(١١٨٥٣).
ورواه أيضاً (١١٨٤٥) عن يعقوب، عن هشيم، عن عُبيدة، عن إبراهيم.
- ١٤٠ -