النص المفهرس
صفحات 81-100
كتاب القضاء والأحكام والحدود ٤٢٣- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه من قوله لأبي برزة لما استأذنه في قتل الرجل الذي استأذنه في قتله: إنّها لم تَكُن لأحدٍ بعدَ رسول الله ﴾، وفي ذلك الشيء ما هو؟ ٣١٥٩- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا عفانُ بنُ مسلم، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبيدٍ، عن حُميد بنِ هِلال، عن عبد الله بن مُطَرِّف بن الشِّخِّير: أنَّه حدثهم عن أبي برزة الأسلميِّ، قال: كُنَّا عند أبي بكر الصدِّيق - رضي الله عنه- في عمله، فَغَضِبَ على رجلٍ من المسلمين، فاشتدَّ غضبه عليه جداً، قال: فلما رأيتُ ذلك، قلتُ: يا خليفةَ رسولِ اللهِمَ﴿ أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فلما ذكرتُ القتل، صَرَفَ عن ذلك الحديثِ أجمع، فلما تفرقنا، أرسلَ إليَّ بعدَّ ذلك، فقال: يا أبا برزة، ما قلتَ؟ ونسيتُ الذي قلتُ، قلت: ذَكِّرْنِيه، قال: أما تَذْكُرُ يومَ قلتَ كذا وكذا، أكنتَ فاعلاً ذلك؟ قلتُ: نعم، واللهِ لو أمرتني فعلتُ. فقال: وَيْحَكَ، إنَّ تلكَ واللهِ ما هِيَ لأَحَدٍ بعدَ محمدٍ﴾(١). (١) رواه أحمد ١٠/١ (٦١)، ورواه النسائي ١١٠/٧ عن أبي داود، كلاهما (أحمد وأبو داود) عن عفان بن مسلم، به. ورواه أبو داود (٤٣٦٣)، واليزار (٤٩)، وأبو يعلى (٧٩) من طرق عن يزيد، به. ورواه النسائي ١١٠/٧، والمروزي في ((مسند أبي بكر)) (٦٧) من طريق عمرو بن - ٨١- كتاب القضاء والأحكام والحدود ٣١٦٠- حَدَّثْنَا أحمد بنُ داود بنِ موسى، قال: حَدَّثْنَا محمد بنُ المِنهال الضَّرِيرُ، قال: حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حَدَّثَنَا يونسُ بنُ عبيد، عن حُمَّيْدٍ بنِ هلال، عن عبدِ الله بنِ مُطرف، عن أبي برزة الأسلميِّ، قال: كنتُ ذاتَ يومٍ عندَ أبي بكرٍ الصدِّيق - رضي الله عنه- فاشتدَّ غضبُه على رجلٍ مِنَ المسلمين، فقلتُ: يا خليفة رسولِ اللهِمَّ، أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قال: فتركني لا يُكَلِّمني، ثم لقيتهُ بَعْدَ أيامٍ، فذكر ما قُلْتُ، قال: قلت: ما قلت؟ قال: تذكرُ يومَ كُنْتَ عندي، فاشتدَّ غضبي على رجلٍ مِن المسلمين، فقلت: يا خليفةَ رسول الله :﴿ٌ، أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قلتُ: الآنَ إن أمرتَني فعلتُ، قال أبو بكر: لَيْسَتْ تِلك لأحدٍ بَعْدَ رسولِ الله .紫 قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ من قولٍ أبي بكر لأبي برزة ما فيه مما قد ذكرناه فيه، فاحتمل أن يكونَ أرادَ -أعني أبا بكر رضي الله عنه- بقوله: إنَّها لم تَكُنْ لأحدٍ بَعْدَ رسولِ اللهِلَّ أن يقتلَ أحداً لِغضبه عليه، واحتمل أن يكونَ لا يُقتل أحدٌ إلا بأمرٍ من يأمرُ بقتله، حتى يعلم المأمورُ استحقاقَه لِذلك، ويكونَ مَن بعدَ الْبِّ :﴿ غيرَ مطاع في ذلك كما كان يُطاع هو ◌َ﴿ فيه، لأنه المأمونُ على أفعاله وعلى أقواله، ولأن أقواله وأفعاله إنما هي مردودةٌ إلى الله عز وجل، واجبٌ التصديقُ بها، مرة، عن أبي نصر حميد بن هلال، به. ولم يذكر في إسناد المروزي عبدُ الله بن مطرف. - ٨٢- كتاب القضاء والأحكام والحدود وإجراءُ الأمور عليها، وغيرُه في ذلك بخلافه. ثم وجدنا هذا الحديثَ قد رُوِيَ بألفاظ أخر ٣١٦١- كما حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سنان، قال: حَدَّثْنَا أبو داود الطيالسيُّ، قال: حَدَّثْنَا شعبةُ، عن عمرو بنِ مُرة، قال: سمعتُ أبا سوار يُحدث، عن أبي برزة، قال: أتيتُ على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه- وقد أغلظَ على رجلٍ، فَرَدَّ عليه الرجلُ، فقلتُ: ألا أضْرِبُ عُنقه؟ فانتهرني، وقال: إنَّها ليست لأحدٍ بَعْدَ رسولِ الله ◌ِ﴿و. غير أنَّ وجدنا هذا الحديثَ قد اختلف علينا في مَنْ بَيْنَ عمرو بن مُرة، وبَيْنَ أبي برزة في إسناده، فقال فيه شعبة: عن عمرو، سمعتُ أبا سوارٍ يُحَدِّثُ عن أبي برزة، وقال الأعمش: عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي برزة. ٣١٦٢- كما قد حَدَّثْنَا فهد بن سليمان، قال: حَدَّثْنَا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حَدَّثَنَا معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي برزة، قال: تَغَيَّظَ أبو بكرٍ على رجل، فقلت: من هو يا خليفة رسولِ اللهِ﴿؟ قال: لِمَ؟ قلتُ: لأضربَ عُنُقُه إن أمرتني بذلك. قال: وكنتَ فاعلاً؟! قلتُ: نعم، قال: فواللهِ لأَذْهَبَ عُظْمُ كَلِمتي التي قلتُ غضبه، ثم قالَ: ما كانَتْ لأحدٍ بَعْدَ رسولٍ اللّه ◌َ﴾(١). (١) رواه المروزي في ((مسند أبي بكر)) (٦٨) عن ابن أبي شبية، به. ورواه النسائي ١٠٩/٧ عن محمد بن العلاء، والحاكم ٣٥٤/٤ من طريق أحمد بن - ٨٣ - كتاب القضاء والأحكام والحدود ثم وجدنا رواته عن الأعمش، عن عمرو يختلِفُونَ فيه أيضاً، فيقولُ فيه أبو معاوية: عن سالم بنِ أبي الجعد، ويقول فيه حفصُ بنُ غياث: عن أبي البَخْتَري، كما حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثَنَا عُمَرُ بنُ حفص بن غياث النخعيُّ، قال: حَدَّثْنَا أبي، قال: حَدَّثْنَا الأعمشُ، قال: حَدَّثَنَا عمرو بنُ مُرة، عن أبي البختري، عن أبي برزة، قال: رأيتُ أبا بكر - رضي الله عنه- ثم ذكر مثلَه(١). ووافق حفصاً على ما رواه عليه عبدُ الواحد بن زياد. ٣١٦٣- حَدَّثْنَا أحمدُ بن داود، قال: حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ الحَجَّاجِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الواحد بن زياد، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ الأعمش، عن عمرو بنِ مُرة، عن أبي البختريِّ، قال: حدثني أبو برزة الأسْلَميُّ، قال: انتهيتُ إلى أبي بكرٍ، ثم ذكر مثله. ووجدنا هذا الحديثَ أيضاً من رواية زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، بموافقة شُعبة إياه عليه. ٣١٦٤- كما حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبد، قال: حَدَّثْنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ عمرو، عن زيدٍ - يعني ابنَ أبي أُنيسة -، عن عمرو بنِ مُرة، عن أبي سوارٍ، عن أبي برزة الأسلميِّ، قال: غَضِبَ أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه على رجلٍ، لم نر أشدَّ غضباً منه يومئذٍ فقال له عبد الجبار العطاردي، كلاهما عن أبي معاوية، به. (١) رواه الحميدي (٦)، والنسائي ١٠٩/٧ من طريق يعلى بن عبيد، والنسائي ١٠٩/٧ - ١١٠ من طريق أبي عوانة، كلاهما عن الأعمش، به. -٨٤- كتاب القضاء والأحكام والحدود أبو برزة: يا خليفةَ رسولِ الله، مُرْنِي، فأضربَ عُنُقَه، قال: فكأنها نارٌ أُطفئت، قال: ثم خَرَجَ أبو برزة، ثم أرْسَلَ إليه أبو بكر، فقال: ثكلتك أُمُّكَ، ما قلتَ؟ قال: قلتُ: واللهِ إنْ أمرتني بقتلِه لأَقْتُلْهُ، قال: تَكِلَتْكَ أُمُّك أبا برزة، إنَّها لم تَكُنْ لأحدٍ بَعْدَ رسولِ اللهِ لَ(١). قال أبو جعفر: فاحتمل أن يكونَ الذي كان لِرسول الله﴾ من ذلك هو: قتلُ مِّنْ كانت سبيلُه السبيلَ المذكورة في هذه الآثار، هوأن ذلك ليسَ لأحدٍ بَعْدَه. ثم وجدنا هذا الحديث أيضاً قد جاء بألفاظٍ أُخَرَ، بمعان سوى معاني ما ذكرناه فيما قبلَه منها. ٣١٦٥- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا عثمانُ بنُ عُمَرَ بنِ فارس، قال: حَدَّثَا شعبة، عن توبة العنبري، عن أبي سَوَّار، عن أبي بَرْزَةَ: أن رجلاً سَبَّ أبا بكر رضي الله عنه، فقلتُ: ألا أضْرِبُ عُنُقَهُ يا خليفة رسول الله؟ فقال: لا، لَيْسَتُ هذه لأحدٍ بَعْدَ رسول الله صَّ المد (٢) (١) رواه النسائي ١١٠/٧، وأبو يعلى (٨٠) من طريق عبيد الله بن عمرو، لكن عند النسائي عن أبي نضرة. وقال: الصواب أبو نصر. (٢) رواه الطيالسي (٤)، ورواه أحمد ٩/١ (٥٤) عن محمد بن جعفر، والمروزي (٦٦)، والنسائي ١٠٨/٧- ١٠٩، وأبو يعلى (٨١)، والحاكم ٣٥٤/٤-٣٥٥ من طريق معاذ بن معاذ، وأبو يعلى (٨٢) عن زهير بن حرب، ثلاثتهم (الطيالسي ومعاذ وزهير) عن شعبة، به. - ٨٥- كتاب القضاء والأحكام والحدود فكان في هذا الحديثِ سَبُّ ذلك الرجل أبا بكرِ، وقولُ أبي بكرٍ لأبي برزة [حين] استأذَنه في قتلِه إِيَّاه لذلك: ليست هذه لأحدٍ بَعْدَ رسول الله ﴿، وكان ذلك المعنى مخالفاً للمعاني المذكورة فيما رويناه قبلَه مِنْ هذه الآثار، وكان معقولاً: أن من سَبَّ رسولَ الله ◌ُّ كان كافراً حلال الدم، وليس مِّنْ سب غيرَه كذلك فاضطرب علينا معنى ما أُرِيدَ به في حديث أبي برزة هذا مِن خصوصية رسول الله مُ ◌ّ ما خُصَّ به دونَ الناسِ الذين يتولّوْنَ الأمورَ بعده. ثم وجدنا أُهْلَ العلمِ قد اختلفوا في هذا وأمثالِه مما يأُمُرُ به الولاةُ غيرَهم مِن النّاس، هل يسعُ المأمورينَ امتثالُ ذلك، أو لا يسعهم، فكان بعضُهم يقولُ: ذلك واسعٌ للمأمورين أن يفعلوه بأمورٍ حكامهم، وبأمورٍ مَنْ سِواهم ممن ولايةُ ذلك لهم، ومِن القائلين بذلك: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد. كما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ العباس، عن عليٍّ بن معبدٍ، عن محمدِ بنِ الحسن، عن يعقوبَ، عن أبي حنيفة بغيرِ خلافٍ ذكره عنهم فيه، غير أن محمدَ بنَ الحسن، قد كان، قال بعدَ ذلك في («نوادره)) التي حكاها عنه محمدُ بنُ سَمَاعَةَ، وأخذناها نحن من ابنِ أبي عمران مذاكرةً لنا بها عنه أنه قال: لا يَسَعُ المأمورَ أن يَفْعَلَ ذلك حتى يكونَ الذي يَأْمُرُهُ به عنده عدلاً، وحتى يشهدَ عنده بذلك عَدْلٌ سواه على المأمور فيه بذلك في غير الزِّنى، ولا يَسَعُهُ في الزِّني ذلك حتى يَشْهَدَ عنده ثلاثةُ رجال على المأمور فيه ذلك، بوجوب لك عليه على ما أمره به فيه بالذي أمره به فيه، ولا نَعْلَمُ لأهلِ العلم في هذا الباب قولاً غيرَ هذين القولين. -٨٦- كتاب القضاء والأحكام والحدود وكان الذي ذكرناه عن أهلِ القولِ الأول منها، إنما أرادوا به العدلَ من الأمرين، لا من سواهم، لأن من خرج عن العدل الذي به استحق الولاية على ما يتولَّى إلى ضدّه ذاك عن الولاية على ذلك، وانعزل عنها، فلم يكن والياً عليها، وكان القولُ الثاني من هذين القولين في القياس لا معنى له، لأَنَّه ليس للمأمور بما ذكرنا استماعُ شهادة من شاهد بها، إذ ليس هو حاكماً، فيسمع ذلك بما إليه من استماع ما يستعملُه في أحكامه، فبانَ بذلك فسادُ هذا القول، وثبت القولُ الأول، إذا لم يكن في هذا الباب غيرُ هذين القولين، فلما انتفى أحدهما ثبت الآخر. ثم نظرنا: هل رُوِيَ في هذا البابِ شيءٌ سِوى حديث أبي برزة الذي ذكرناه أم لا؟ ٣١٦٦- فوجدنا محمدَ بنَ علي بن داود، قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا عفانُ بنُ مسلم، قال: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سلمة، قال: أخبرنا محمدُ بنُ عمرو، عن عُمَرَ بن الحكم، عن أبي سعيدٍ الخُدري: أن رسولَ اللهِ ﴾. استعمل علقمةَ بن مُحَزِّزْ الْمُدْلِجِي على جيشٍ، فبعث سَرِيَّةٌ، واستعمل عليهم عبدَ الله بنَ حُذافة السهمي، فكان رجلاً فيه دُعابة، وبَيْنَ أيديهم نارٌ قد أججت، فقال لأصحابه: أليسَ طاعتِيّ عليكم واجبةً؟ قالوا: بلى، قال: فاقتحِمُوا هذه النارَ، قام رَجُلٌ، فاحتجزَ حَتَّى يدخُلَها، فَضَحِكَ، وقال: إنما كنتُ ألعبُ، فبلغ ذلك رسول اللّهِمَ﴿ه، فَضَحِكَ، وقال: ((أوقَدْ فَعَلُوا هذا، فلا تُطِيعوهم في معصيةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ). ٣١٦٧- ووجدنا يوسفَ بنَ يزيد، قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا -٨٧- كتاب القضاء والأحكام والحدود حجاجُ بنُ إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ جعفر، عن محمد بنٍ عمرٍو، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه، غيرَ أنَّه قال: علقمة بن محزز بالحاء. قال أبو جعفر: فكان معقولاً أن رسولَ الله:﴿ لما ولَّى عبد الله بنَ حُذافة على ما ولاَّه عليه، كان ذلك ليُطيعوه فيما يأْمُرُهُم به مما إليه أن يأُمُرَهُم به، ولذلك أراد منهم أن يُلقي نفسَه في النّارِ لما أمرهم بذلك، فقال لهم رسولُ الله:﴿: ((فلا تُطِيعُوهُم في معصية الله). فأخرج بذلك امرَهُم إيَّهم بمعصية اللهِ مما كان جَعَلَه عليهم من طاعتهم مَنْ ولاَّهُ عليهم، وفي ذلك ما قد دَلَّ على القولِ الأوَّل من القولَيْنِ اللَّذَيْنِ ذكرناهما في هذا البابِ، وبانَ بذلك: أنَّ معنى قولِ أبي بكرِ رضِيَ الله عنه: أَنَّها لم تكن لأحدٍ بعدَ رسولِ الله ﴿، أنّه أراد بذلك: أنَّه لم يَكُنْ لأحدٍ أن يأمُرَ بقتلٍ أحدٍ لسب سبه من سواه مما ينطلِقُ به له مثلُ ذلك فيمن سَبَّ رسولَ اللهِمَ﴿ٌ ومَنْ سِواه في ذلك، لأَنَّ مَنْ سَبَّ رسولَ اللَّهِّ كان كافراً واجباً على أمته قَتْلُه، أُمِرُوا بذلك أو لم يُؤْمَرُوا بذلك، ومن سبَّ مَنْ سِواه من وُلاة الأُمورِ بعده، فالذي يستحِقُّه على ذلك الأدبُ عليه أدب مثله، فأما ما سوى ذلك مما يُوجبه عليه خروجه عن الإسلام إلى الكُفر فلا، والله نسأله التوفيق. -٨٨- كتاب القضاء والأحكام والحدود ٤٢٤- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله عليه السَّلامُ من قوله: ((إِنَّ الأمير إذا ابتغى الرِّيبةَ في الناس أفسدهم)) ٣١٦٨- حَدَّثْنَا أبو أمية، ومحمدُ بنُ علي بنِ داود، قالا: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ سليمان الواسطي، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ عَيَّاش، عن ضَمْضَمٍ بن زُرعة، عن شُرَيْحٍ بن عبيد، عن أبي أمامة، والمقدامِ بنِ مَعْدِي كَرِبَ، وكثيرٍ بِنِ مُرَّةَ، وعمرو بنِ الأسود أن رسولَ الله عليه السَّلامُ قال: ((إِنَّ الأُمِيرَ إذَا ابْتَغَى الرِّيْبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ)(١). ٣١٦٩- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن أبي داود، حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ العلاء بنِ زِبْرِيقِ الحمصي، ومحمدُ بنُ عبد العزيز الواسطي قالا: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ عَيَّاش، عن ضَمْضِم بِنِ زُرْعَة، عن شُرَيْحِ بنِ عُبيد، عن جُبير بن تُفَيْر، وكثيرٍ بِنِ مُرَّة، وعمرو بنِ الأسود، والمِقدام وأبي أمامة، عن النبيِّ څ مثله. ٣١٧٠- حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ عُبْدِ رَبِّهِ الحمصي، حَدَّثْنَا بَقِيَّةُ بنُ الوليد، عن إسماعيل بن عياش، عن ضَمْضَم، عن شُريح بن عُبيد، عن حُبَيْر بنِ نَفيرٍ، وعمرو بنِ الأسود، وأبي أمامة قالا: إن رسولَ الله عليه السَّلامُ قال: ((إِنَّ الأُمِيرِ إذَا ابْتَغَى الرِّيْبَةَ في النّاسِ أَفْسَدَهُمْ). (١) رواه أحمد ٤/٦، وأبو داود (٤٨٨٩)، والحاكم ٣٧٨/٤ من طرق عن إسماعيل بن عياش، به. -٨٩ - كتاب القضاء والأحكام والحدود قال أبو جعفر: معنى ذلك عندنا أنَّ الله قد أمر عِبَادَه بالسِّتر، وأن لا يَكْشِفُوا عنهم سَتْرَهُ الذي سترهم به فيما يُصِيبُونه مما قد نهاهم عنه لِمن سواهم مِن الناسٍ، وروي عنه في ذلك ٣١٧١ - ما قد حَدَّثْنَا نصر بنُ مرزوق أبو الفتح، حَدَّثَنَا أسدُ بنُ موسى، حَدَّثْنَا أنسُ بن عِياض، عن يحيى بنِ سعيدٍ، حدثني عبدُ الله بن دينار، عن ابنِ عُمَرَ أن رسولَ الله عليه السَّلامُ قام بعد أن رجم الأسلمي فَقَال: ((اجتنبوا هذا القاذورَةَ التي نهى الله عنها، فمن أَلَمَّ، فليستتر بستر الله تعالى، وليتب إلى الله، فإنه من يُبْدِ لنا صفحته نُقِمْ عليهِ كتابَ الله))(١). ٣١٧٢ - وما قد حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرني أنسُ بن عِياض الليثي، عن يحيى، حدثني عبدُ الله بنُ دينارِ مولى ابنِ عُمَرَ أنه بلغه أن رسولَ الله عليه السَّلامُ، ثم ذكر هذا الحَدِيثَ حرفاً حرفاً. ٣١٧٣- وما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بن داود، حَدَّثْنَا أبو الوليد الطيالسي، حَدَّثْنَا أبانُ بن يزيدَ، حَدَّثْنَا يحيى بنُ أبي كثير، حدثني أبو سَلَمة، عن يزيد بن نعيم بن هزَّال، وكان هزَّال استرجم لِماعِزِ قال: كان في أهله جاريةٌ ترعى غنماً، وإن ماعزاً وقع عليها، وإن هزَّالاً أخذه، فمكر به وخَدَعَه، فقال: انطلق إلى رسولِ الله ﴿ فَنُخْبِرَهُ بالذي (١) رواه الحاكم ٢٤٤/٤، والبيهقي ٣٣٠/٨ من طريقين عن أنس بن عياض، به. ورواه مالك ٨٢٥/٢ عن زيد بن أسلم مرسلاً. وانظر ((التمهيد)) ٣٢١/٥. - ٩٠ - كتاب القضاء والأحكام والحدود صنعتَ عسى أن يَنْزِلَ فيك قرآنٌ، فأمر به نيُّ اللهِ عليه السَّلامُ أن يرجم فرجِم، فلما عَضَّه مسُّ الحِجَارة، انطلق يسعى، فاستقبله رَجُلٌ بلحْي بعِيرِ فضربه فَصَرِعَهُ، فقال النبيُّ عليه السَّلامُ: (يا هَزَّالُ لَوْ كُنْتَ سَتَرْتَهُ ھ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْراً لَكَ)). قال أبو جعفر: وكأن الأميرَ إذا تَتَبَّعَ ما قَدْ أمر الله بترك تَتَبُّعِهِ، امتثل النَّاسُ ذلك منه، وكان في ذلك فسادهم. فإن قال قائل: فكيف يكونُ ما ذكرتَ كما ذكرتَ، وقد أمر النبيُّ عليه السَّلامُ أَنَيْساً الأسلميَّ أن يأتي امرأةَ الرَّجُلِ الذي ذُكِرَ له عنها أنها زنت، فيسألها عن ذلك، وأن يَرْجُمَها إن اعترفت عنده بذلك، وذكر في ذلك: ٣١٧٤- ما قد حَدَّثْنَا يونس، وعيسى بنُ إبراهيم الغافقي، قالا: حَدَّثْنَا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله، عَنْ أبي هُريرةَ، وزَيدٍ بن خالدٍ، وشِيلٍ قالوا: كنا قعوداً عند النبيِّ:﴿، فقام إليه رَجُلٌ، فقال: أَنْشُدُكَ الله إلا قضيتَ بيننا بكتابِ الله، فقام خَصْمَهُ، وكان أفقه منه، قال: صَدَقَ أَقْضِ بيننا بكتابِ الله وائذَنْ لي، قال: قُلْ، قال: إنَّ ابني كان عَسِيفاً على هذا، فزنى بامرأتِهِ، فافتديتُ منه بمئةِ شاةٍ وخادمٍ، ثم إني سألتُ رجالاً مِن أهل العِلْمِ، فأخبروني أنَّ على ابني جَلْدَ مئة وتغريبَ عام، وعلى امرأةِ هذا الرجم، فقال: ((والَّذِي نَفْسِي بيده لِأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَاب [الله]، المئةُ شاةٍ والخادمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، واغْدُ يا أُنّيْسُ إلى امرأةِ هذا، فإن - ٩١- كتاب القضاء والأحكام والحدود اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا)) فغدا عليها، فاعترفَتْ، فَرَجَمَها (١). ٣١٧٥- وما قد حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ، حَدَّثْنَا الشافعيُّ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهاب، عن عُبَيْدِ الله بنِ عبد الله، عن أبي هُريرة، وزيدٍ بن خالد أنهما أخبراه أنَّ رجلين اختصما إلى رَسُولِ اللهِ﴿، فقال أحدُهما: يا رسولَ الله اقضِ بيننا بكتابِ الله، فقال الآخرُ وهو أفقههما: أجَلْ يا رسولَ الله اقضِ بيننا بكتابِ الله، واْذَدْ لي في أنْ أَتَكُلِّمَ، فقال: (تَكَلَّمْ)، فقال: إنَّ ابني كان عَسيفاً على هذا، فزنى بامرأَتِه، فأخبرت أن على ابني الرجم فافتديتُ مِنه بمئة شاةٍ وبجارية، ثم إني سألتُ أهلَ العلم، فأخبروني أن على ابني جَلْدَ مئةٍ وتغريبَ عامٍ، وإنما الرجمُ على امرأته، فقال رسولُ الله ◌َ﴿: ((أمَا والَّذِي نَفْسِي بيده لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتَابِ اللهِ، أَمَّا غَمُكَ وجَارِيَتُكَ فَرَدُّ عَلَيكَ))، وجلد ابنَه مئةٌ، وغرَّبه عاماً، وأمر أنّيْساً الأسلمي أن يأتيَ امرأةً الآخَرِ، فإن اعترفت رَجَمَها، فاعترفت، فَرجمها(٢). (١) رواه أحمد ١١٥/٤-١١٦، والنسائي ٢٤١/٨-٢٤٢، والترمذي (١٤٣٣)، وابن ماجه (٢٥٤٩)، والدارمي ١٧٧/٢ من طرق عن ابن عيينة، به. وانظر ((الفتح) ٠١٣٧/١٢ (٢) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٢٦٩٥) و(٢٦٩٦) و(٢٧٢٤) و(٢٧٢٥) و(٦٦٣٣) و(٦٦٣٤) و(٣٨٢٧) و(٦٨٢٨) و(٦٨٣٥) و(٦٨٣٦) و(٦٨٤٢) و(٦٨٤٣) و (٦٨٥٩) و(٦٨٦٠) و(٧١٩٣) و(٧١٩٤) و(٧٢٥٨) و(٧٢٥٩) و(٧٢٧٨) و(٧٢٧٩)، ومسلم (١٦٩٧) و(١٦٩٨)، ومالك ٨٢٢/٢، وأبو داود (٤٤٤٥)، - ٩٢- كتاب القضاء والأحكام والحدود قال مَالِك: والعَسِيفُ: الأجير. ٣١٧٦ - وما قد حَدَّثَنَا يونس، أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، أخبرني يونسُ، ومالكٌ، عن ابنِ شِهَاب، عن عُبَيْدِ اللهِ، عن أبي هُريرة، وزيدٍ قالا: كنا جلوساً عند النبيِّ عليه السَّلامُ ثم ذكر مثلَه. قيل له: قد كان الشَّافِعِيُّ يقول في ذلك ما قد حكاه لنا المزنيُّ عنه في (مختصرِه) قوله: إنّه قال: وليس للإمامِ إذا رَمِيَ رجلٌ بالزِّنى أن يبعث إليه، فيسألَه عن ذلك، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾، فإِنْ شُبِّهَ على أحدٍ بأن النبيَّ عليه السَّلامُ بعث أُنيساً إلى امرأةٍ رجل، فقال: (إِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) فتلكَ امرأةٌ ذكر أبو الزاني بها أنَّها زَّنَتْ، فكان يَلْزَمُهُ أن يسأل، فإن اعترفت، حُدَّتْ، وسقط الحَدُّ عمن قَذَّفَها، وإن أنكرت، حُدَّ قاذِفُها. قال أبو جعفر: وأنا أقولُ جواباً عن ذلك لِقائلِه: هذا الحديثُ لم يَسْتَوْعِبْ لنا فيه ما كان مما جرى مِن الْخَصْمَينْ، ومن ابن أحدهما عندَ النبي عليه السَّلامُ، وذلك أنَّ فيه أن أحدَهما قال: إنَّ بني كمان عَسِيفاً على هذا، يعني الآخرَ منهما، فزنى بامرأته، فأخبرت أنَّ على ابني الرَّجْمَ، فافْتَدَيْتُ منه بمئة شاة وخادم، ونحن نُحِيطُ علماً أنه لم يكن خَافَ على ابنه مِن اعترافه عليه، ونَعْلَمُ أنه إنما كان خَافَ عليه مِن والنسائى ٢٤٠/٨-٢٤١، والترمذي ٤٤٠/٤، والشافعي في ((الرسالة)) (٦٩١) من طرق عن ابن شهاب، به. -٩٣- كتاب القضاء والأحكام والحدود اعترافه بذلك على نفسه، لأنَّ أحداً لا يُؤخذ باعترافٍ غيره عليه. ولما عَقَلْنَا ذلك، عَقَلْنَا أن ابنَ هذا الخصم قد كان صادقاً فيما ذكره عن نفسه بزناه بامرأةٍ خصمٍ أبيه، فيكون الذي عليه في ذلك حَدَّ الزنى لا ما سواهٍ، أو يكون كاذباً في ذلك، فيكون الذي عليه فيه حد القذفِ لامرأةٍ خصمٍ أبيه لما رماها مِن الزنى لا ما سوى ذلك. فلما وقف النبيُّ عليه السَّلامُ على وجوب حَدِّ عليه مِن ذينك الخَدَّيْنِ لا يدري أَيُّهُما هو؟ دعته الضرورةُ في ذلك إلى استعلامٍ ما تقولُه المرأة المرميَّةُ بالزنى في ذلك مِنْ تصديق راميها به، فيكون الذي عليها فيه حَدُّ الزنى لا ما سواه، أو تُكذبه في ذلك، فيكون الذي عليه حَدُّ القَذْفِ لها فيما رماها به من الزنى لا ما سواه. فهذا عندنا -والله أعلم - هو المعنى الذي أمر النبيُّ عليه السَّلامُ أنيساً أن يَغْدُوَ إلى تلك المرأةِ فيه، وبالله التوفيق. -٩٤- كتاب القضاء والأحكام والحدود ٤٢٥- بابُ بيانِ مُشْكِل ما روى بعضُ الناسِ عن رسول الله ◌َ ◌ّ في رَدِّ شهادةِ المحدودِ في الإسْلامِ ٣١٧٧ - حَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمانَ المراديُّ، قال: حَدَّثَنَا أُسدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثْنَا مروانُ بنُ معاوية الفَزَارِيُّ، عن يزيدَ بنِ أبي زياد الشَّاميِّ، قال: حَدَّثَنَا الزُّهريُّ، عن عروة، قال: قَالَتْ عائِشَةُ: قال رسولُ اللهِ﴿: ((لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنِ ولا خَائِنةٍ، ولا مجلودٍ حَدّاً، ولا ذِي غِمْرٍ لأخيه، ولا مُجَرَّبٍ عليه شهادةُ زورٍ، ولا القائِعُ مع أَهْلِ الْبَيْتِ لَهُمْ، ولا الظّينِ في ولاءِ، ولا قرابةٍ)(١). فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا فيه مِن قول رسول الله ﴿: أنّه لا تجوزُ شهادةُ مجلودٍ حداً، ووجدنا الأوزاعيَّ قد كان يَذْهَبُ هذا المذهب حتى كان يقولُ في المجلود في الخمرِ: إِنَّه لا تُقبَلُ شهادتُه، وإن تابَ. كما أجاز لنا محمدُ بنُ سِنان الشَّيزريُّ، عن محمود بن خالدٍ، عن عُمَرَ بنِ عبد الواحد، قال: سمعتُ الأوزاعي يقول: لا تجوزُ شهادَةُ محدودٍ في الإسلامِ ولا معلومٍ منه شهادةُ زورٍ، ولا ظنينٍ في وَلاءِ، ولا قرابةٍ، ولا خائنٍ، ولا خائنةٍ، ولا ذي غِمْرٍ على أخيه، ولا خصمٍ، ولا (١) إسناده ضعيف، يزيد بن زياد أو ابن أبي زياد الشامي، قال في ((التقريب)): متروك. ورواه الترمذي (٢٢٩٨)، والبيهقي ١٥٥/١٠ و٢٠٢/١٠، والبغوي (٢٥١٠) من طريق مروان بن معاوية الفزاري، به. ورواه الدارقطني ٢٤٤/٤ من طريق عبد الواحد بن زياد، عن يزيد بن أبي زياد، به. -٩٥- كتاب القضاء والأحكام والحدود مُریبٍ. وكانت ألفاظُ الأوزاعي في هذه الحكاية هي ألفاظَ هذا الحديثِ غيرَ ما في آخره مِن ذِكْرِ الخصمِ والمريبِ، فوقفنا بذلك على أنه أخذ قولَه هذا من ذلك الحديث إما عن يزيدَ الذي حَدَّثَ به عنه مروانُ، أو ممن هو أعلى منه ممن فوقَ يزيد، وهو الزهريُّ، ولم نجد له على قوله: إنه لا تجوزُ شهادةُ محلودٍ حّداً من أهل العلم موافقاً غيرَ الحسن بنِ صالح بن حي، فإنّا وجدنا عنه مما ذكره حُمَيْد بنُ عبد الرحمن الرُّؤَاسي، عنه: أنه كان يقولُ: إذا ضَرَبَ القاضي رجلاً في حَدِّ لم تجز شهادتُه أبداً، وإن تاب، وهذا القولُ مما يُخالِفُهُما فيه فقهاءُ الأمصارِ سواهما. ثم تأملنا ما اختلفا وفقهاء الأمصار فيه من هذا المعنى، فوجدنا أشياءَ مما قد حَرَّمَها الله عز وجلَّ، وتَوَعَّدَ عليها، وغَلَّظَ العقوباتِ فيها من الزنى ومن السرقة، وكانت العقوباتُ فيها كفاراتٍ لمصيبها، منها: قطعُ أيدي السُّرَّاق، ومنها: إقامةُ حدِّ الرِّنى على الأبكارِ من الزناة، وهي الجلدُ، وعلى الثيب منهم، وهي الرجمُ. ووجدنا أهل العلم لا يختلفون في قبولِ شهادةِ المقطوعين في السَّرقاتٍ إذا تابوا، ولا في قبولِ شهادة الزُّناةِ الأبكار المحدودين إذا تأبُوا، وفي ذلك ما قد دَلَّ على أنَّ سائرَ المحدودين فيما سوى الزِّنى والسرقةٍ كذلك أيضاً، غيرَ ما قد أخرجه كتابُ اللهِ عز وجل من ذلك في حدِّ القذف بقوله عز وجل: ﴿وَّذِينَ يَْمُونَ الْمُحْصَاتِ، ثُسمَ لَيَأْتُوا بِأَربِيةٍ شُهَدَاءَ فَاجُلِدُوهُمْ ثمانينَ جَلْدَةً، ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً، وأولِكَهم -٩٦- كتاب القضاء والأحكام والحدود الفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، فأبانهم عَزَّ وجَلَّ ممن سِواهم، وألزمهم الفسقَ الذي جعله وصفاً لهم، وأعقبَ ذلك بقوله: ﴿إِلا الذين تأبُوا مِن بعد ذلك، وأصَلَحُوا، فإنَّاللَّه غَفُورٌ رَحِيم﴾ [النور: ٥]. وكان أهلُ العلم قد اختلفوا في قبول شهادتهم بعد التوبة مما قد كان هذا حكمهم، فقال بعضُهم: يزولُ ذلك عنهم بالتوبةِ، ويرجعون إلى قبول الشهادة، وقال بعضهم: يزولُ الفسقُ عنهم الذي عليه الوعيدُ، ولا تُقبل لهم شهادةٌ أبداً، وكان ممن ذَهَبَ إلى القولِ الأوَّل أكثرُ أهلِ الحجاز، وممن ذهب إلى القول الثاني بعضُ أهل الحجاز، وكثيرٌ ممن سواهم. فأما فقهاءُ الأمصارِ الذين دارت عليهم الفتيا كمالكٍ، ومَنْ سِواه مِن أهل الحجاز، فيقبلون شهادتهم بَعْدَ التوبة، وكذلك كان الشافعيُّ يقولُ في هذا. وأما أبو حنيفة والتوريُّ وأصحابُهما، فكانوا لا يقبلُونَها أبداً، ويجعلون حُكْمَهُم في رَدِّها منهم بعدَ التوبةِ كحكمهم في رَدِّها منهم قبلَ التوبة. وقد تعلَّق الحِجَازِيُّون والذين قبلُوا شهادتهم بَعْدَ التوبةِ بما قد رووه عن عُمَرَ بنِ الخطاب مما كان قاله لأبي بكرة بعد حَدِّه إِيَّاه فيما كان منه في المغيرة بن شعبة. ٣١٧٨- كما حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن سعيد بنِ الْمُسَيِّب: أن عُمَرَ بن الخطاب - -٩٧- كتاب القضاء والأحكام والحدود رضي الله عنه- قال لأبي بَكْرَةَ: إِن تُبْتَ، قبلتُ شهادَتَكَ، أو تُبْ تُقْبَلُ شِهَادَتُكَ(١). قال: فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدناه قد دَخَلَ في إسنادِهِ ما يدفعُ أن یکون فیه حجةٌ لمن احتجَّ به على مخالفه. ٣١٧٩- كما قد حَدَّثْنَا المزنيُّ، قال: حَدَّثْنَا الشافعيُّ، عن سُفيان بنِ عُبينة، قال: سمعتُ الزُّهريَّ، يقولُ: زعم أهلُ العِرَاقِ أن شهادةً القاذِفِ لا تجوزُ، فأشهدُ لأخبرني سعيدُ بنُ المسيب: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخطاب - رضي الله عنه- قال لأبي بكرة: تُبْ، تقْبَلْ شهادتك، أو: إن تَتُبْ، قبلتُ شهادتَك. قال: وسمعت سفيان بن عيينة يُحَدِّثُ به هكذا مراراً، ثم سمعتُه يقولُ: شككتُ فيه: قال الزُّهري: أخبرني. فلما قمت، سألتُ، فقال لي عُمَرُ بنُ قيس - وحضر المجلسَ معي -: هو سعيد بن المسيب، قلت لسفيان: أشككتَ فيه، حين أخبرك أنه سعيدٌ، قال: لا، غيرَ أنه قد كان دخلني الشَّكُّ (٢). قال أبو جعفر: فكان عمر المذكور في هذا الحديث الذي استثبت (١) رجاله ثقات، ورواه الطبري ٧٦/١٨، والبيهقي ١٥٢/١٠ من طريق سفيان بن عيينة، به. وانظر («تغليق التعليق)) ٣٨٢٠٠٣٧٧/٣، و((شرح السنة) ١٣١/١٠. (٢) عمر بن قيس الذي استثبت به سفيان الاسم الذي شك فيه: هو عمر بن قيس المكي أبو حفص، وهو كما قال أبو حاتم: ضعيف الحديث، متروك الحديث، منكر الحديث. وانظر ((تغليق التعليق) ٣٧٧/٣ و٣٧٨. - ٩٨- كتاب القضاء والأحكام والحدود به سفيان فيه هو عُمَرُ بنُ قيسٍ، وهو عندَ أهلِ الرواية غيرُ ثبت فيها، وإذا كان كذلك، لم يكن ما ثبت من قد شكَّ في حديثٍ يكونُ ذلك قطعاً لِشَكّه فيه. ثم قد وجدنا هذا الحديثَ قد رواه عن الزُّهريِّ، مَنْ هُو مِنْ أهلٍ الثقة في روايته والقبولِ لها، وهو الليثُ بنُ سعدٍ. ٣١٨٠- كما قد حَدَّثْنَا هارونُ بنُ كامل، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حَدَّثْنَا الليثُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني ابنُ شهاب، أَنَّه بلغه، أن عُمَرَ بنَ الخطاب استتابَ أبا بكرةً فيما قذف به المغيرةَ بن شعبة، فأبى أن يتوبَ، وزعم أن ما قال حقٌّ، وأقام على ذلك، وأصرَّ عليه، فلم يكن تجوزُ له شهادة وتعلّقوا في ذلك أيضاً ٣١٨١ - بما قد حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا أبو نُعيم الفَضْلُ ين دُكَيْنٍ، وسعيدُ بنُ أبي مريم، قالا: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة، عن سعيد بن المسيب، قال: شَهِدَ على الْمُغيرة أربعة، فَنَكَلَ زيادةٌ، فَجَلَدَ عُمَرُ بن الخطاب الثلاثةَ، واستتابَهم، فتاب اثنان، وأبى أبو بكرة أن يتوبَ، فكانت تُقْبَلُ شهادتُهما حين تابا، وكان أبو بكرةَ لا تُقْبَلُ شهادتُه، لأَنَّه أبى أن يتوبَ، وكان مثلَ النّضْوِ من العِبَادَةِ. فقال الذين تعلّقوا بالحديث الأوَّلِ: هذا الحديثُ لا طَعْنَ فيه، ولا يَسَعُ أحداً التخلفُ عن القولِ به، وكان مِن الحجة لِمخالفيه عليه بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن سعيد بن المسيب لم يأُخذ هذا عن عُمَرَ -٩٩- كتاب القضاء والأحكام والحدود سماعاً منه، وإنما أخذه عنه بلاغاً، لأن سعيداً وإن كان قد رأى عمر، فإنه لا يصحُّ له عنه سماعُ هذا منه، والدليلُ على أن الحديثَ لم يكن عندَ سعيدٍ بالقوي أنه قد كان يذهبُ إلى خلافِ ما فيه. كما قد حَدَّثَنَا محمد بنُ خزيمة، قال: حَدَّثْنَا حجاجُ بنُ منهال، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، قال: حَدَّثْنَا قتادةُ، عن الحسنِ وسعيد بن المسيب: أنهما قالا: القَاذِفُ إذا تاب، توبتهُ فيما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّه عز وجل، ولا تُقبل شهادتُه. وكما حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بن محمد التيميُّ، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، ثم ذكر بإسناده ومتنه مثلَه. فدَلَّ ذلك أن الأولى كان عندَ سعيد بن المسيب تركُ قبولِ شهادةٍ القاذف وإن تابَ، وعقلنا أن ما حدَّث به عنه، عن عُمَرَ، لم يكن صحيحاً عنده، لأنه يستحيلُ عندنا أن يكونَ مع جلالة عمر رضي الله عنه، وعِظَمٍ قدره عندَه يقولُ هذا القولَ لا سيما بحضرةِ أصحابِ رسول الله/ فلا يُنكرونه عليه، ولا يُخالفونه فيه، ثم يتركُه إلى خِلافه. وقال قائل ممن يذهبُ إلى قبولِ شهادةِ القاذفِ بعدَ توبته: قد رُوِيَ هذا القولُ عن عطاء وطاووس ومجاهدٍ، وذكر ما قد حَدَّثَنَا المزنيُّ، قال: حَدَّثْنَا الشافعيُّ، قال: حدثني إسماعيلُ ابنُ عُلية، عن ابنِ أبي نجيحٍ في القاذِفَ إذا تابَ، قال: تُقْبَلُ شهادته، وقال: كلنا يقولُه عطاء وطاوس ومجاهدٌ. وذكر غيره في ذلك - ١٠٠ -