النص المفهرس

صفحات 61-80

كتاب القضاء والأحكام والحدود
قولُه للمدعيين لذلك الفرس: أحدُكما كاذِبُ، فقصد بتحقيق الكذب
في ذلك إلى أحدِ المُدعيين، ولم يقصدْ به إلى واحدةٍ من البينتين، وكان
وجهُ ذلك عندنا - والله أعلم - أن معه إحاطة العلم في المدعيين بكذب
أحدهما فيما ادعى، لأنه لا يكونُ مالكاً لشيءٍ غيرهُ مالكُه، ولم تكن
البينتان عنده كذلك، إذ كان قد يحتمل أن تكون إحداهما رأت التي
نُتِحت تلك الفرس في يدِ أحد مدعييها، فوسعها بذلك أن تشهدَ أنَّها
له، ثم خرجت مِن ملك الذي رأتها في يده من حيث لا يعلمُ بها ببيع
كان منه، أو بما سواه من وجوه التمليكات، ثم رآه الأخرى في يد
المدعي الآخر. ثم كان النّتاج بعدَ ذلك، فوسع كل واحدة من تينك
البينتين أن تشهد أن ذلك النتاج كان في ملك الذي رأت فيه الفرس
الذي أنتجته في ملك الذي ادعاه ممن قد علمت يده كان على ما
أنتجته له، ولم يكلف الله أحداً في الأمور التي تعَّد خلقه في الشهادة
بها في قبولها ممن يشهد بها ظاهر عدله إلا حمل أمره على ظاهره، وترك
التماس باطنه منه.
فلما قامت الحجتان في ذلك على ما قامتا عليه، وعذر الشهود
بهما في شهادتهما بهما، كان في ذلك انتفاء الجرحة عنهم في ذلك،
ووجوب عدالتهم فيه، والقضاء بما أمر العباد من القضاء به بالبيناتٍ
اللاتي تثبت عدلُها عندهم، وترك استعمال الظنون بها، ورد الأمر إلى
ما قد رفع الله عز وجل عن عباده علمه، وردّهم فيه إلى ما قد وقفوا
عليه مما قد أمرهم أن يحكموا بمثلِه، والله نسأله التوفيق.
- ٦١-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤١٨- بابُ بيانِ مُشْكِل الواجبِ فيما اختلف فيه أهلُ العلمِ
من قولِ الرجلُ: لِفلان عليَّ ما بَيْن كذا إلى كذا، بما رُوِيَ
عن رسول الله#
٣١٤٣- حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمانَ، حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ
يونس، حَدَّثَنَا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي
سعيدٍ، قال: قال عُمَرُ: يا رسولَ الله، سمعتُ فلاناً يُثْني عليكَ خيراً،
ويقولُ خَيْراً، زَعَمَ أَنّكَ أعطيتَه دينارينٍ، قال: ((لكن فلاناً ما يقولُ
ذلك، لقد أصابَ مني ما بَيْنَ مئةٍ إلى عشرةٍ) ثم قال: ((إِنَّ أَحَدَكُم
لَيَخْرُجُ من عندِي بِمسأَلَتِهِ يتأَبَّطُهَا - أو نحوه - وما هِيَ له إلا ناٌ))(١).
فقال عمر رضي الله عنه: فَلِمَ تُعطيه؟ قال: ((فما أصْنَعُ،
يسألوني، ويأبى اللهُ عَزَّ وجَلَّ لِي الْبُخل)).
ففي هذا الحديثِ مِن قول رسولِ الله ﴿: ((لَقَدْ أُصابَ مني ما
بَيْنَ مئة إلى عشرةٍ)، وهذا يدخلُ في بابٍ من الفقه قد تَنَازَعَ أُهُه فيه،
وهو قولُ الرجل: لك عليَّ ما بَيْنَ درهمٍ إلى عشرة دراهم.
فقال قائلون منهم يقولون: عليه تسعةً دراهم، منهم: أبو حنيفة،
(١) رواه الحاكم ٤٦/١ من طريق أحمد بن يونس، به. وصححه، ووافقه الذهبي.
ورواه أحمد ٤/٣ و١٦، والبزار (٩٢٥)، وابن حبان (٣٤١٢) و(٣٤١٤) من
طرق، عن أبي بكر بن عياش، به.
ورواه أحمد ١٦/٣، والبزار (٩٢٤)، وأبو على (١٣٢٧) من طريق عطية العوفي،
عن أبي سعيد الخدري.
- ٦٢ -

كتاب القضاء والأحکام والحدود
وقائلون منهم يقولون: له ثمانيةُ دراهم، منهم: زفر، وقائلون منهم
يقولون: له عشرة دراهم، منهم أبو يوسف ومحمد، وقائلون منهم
يقولون: لا شيءَ له عليه، لأنه أقرَّ له بما بَيْنَ الدرهم الواحد، وبين
العشرةٍ كلها، ولا شيءَ بينَهما.
وكان ما في هذا الحديث الذي روينا دَفْعَ هذا القول الأخير من
هذه الأقوال، لأن رسولَ الله / قد أخبر أنه قد كان أعطى ذلك
الرَّجُلَ عطيةٌ يستحقُّ بها الشُّكْرَ، فلم يَشْكُرْها، وهو صَلَّى الله عليه
أفصحُ الناسِ.
وكان الذي وجدناه من كلام العربِ موافقاً للمعنى الذي يوجبُ
دفعَ ذلك، لأَنَّا قد وجدناهم فيما ذكره الفراء (١) عنهم يقولون: مُطِرْنَا
ما زُبَالَةَ فالثَّعْلَبِيَّةَ(٢) يا هذا، وله عشرون ما ناقة فجملاً، يريدونَ ما بَيْنَ
ناقةٍ وجملٍ، والعدد عشرون، أي: عدد الذي له مِن ذينك الجنسين
عشرون.
ومن ذلك ما حكاه الكِسائي أنه سَمِعَ أعرابياً، ورأى الهلال،
فقال: الحمدُ للهِ ما إهْلاَلَك إلى سَرَارِكَ. والإهلال والإسرار جميعاً
داخلان فيما ذُكِرَ، وكذلك قولُهم أيضاً: الشَّنْقُ(٣) ما خمساً إلى خمسٍ،
(١) في ((معاني القرآن)) ٢٢/١-٢٣.
(٢) قوله: ((ما زبالة فالثعلبية)): زبالة كثمامة، والثعلبية: موضعان من منازل طريق
مكة إلى الكوفة.
(٣) الشنق في الصدقة: ما بين الفريضتين.
- ٦٣-

-
كتاب القضاء والأحكام والحدود .
يريدون ما بين خمس إلى خمس مع إدخالهم الخمس التي ابتدؤوا
بذكرها، والخمسَ التي ختموا بذكرها في ذلك، فمثلُ ذلك قولُ رسولِ
الله﴿: ((لقد أعطيتُه ما بَيْنَ مئةٍ إلى عشرةٍ))، فدخل فيه المئةُ مع دخولٍ
العشرةِ التِي هِيَ منها فيها. وفيما ذكرنا ثبوتُ ما كان أبو يوسف،
ومحمد يذهبان إليه في ذلك.
وقال قائل: فقد رأيناهم لا يختلِفُونَ فيمن قال: لِفلان ما بَيْنَ هذا
الحائطِ إلى هذا الحائِطِ: أن له ما بينهما، وليس له من الحائطين شيءٌ
مع وقوفهم على المعنى الذي أوجَبَ القول الذي ذكرنا في المسألة
الأُولى، وهذان لا فرق بينهما.
فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّ الذي ذكر في الحائطين على شيئين
معيَّنَيْنٍ، أقرَّ بما بينهما، فدخل ما بينهما في إقراره، والإقرارُ بما ذكرنا
سوى ذلك غير مُعَيَّنٍ، إنما هو إقرار بشيءٍ لم يعتمد المقرّ فيه عندَ إقراره
إلى شيءٍ بعينه فيمل إقراره إلى ما بَيْنَ الشيئين، وإنما أقرَّ بما بين شيئين
مرسلين، وفي مثلهما ما قد روينا عن رسول الله ﴿، بما ذكرناه من
كلام العرب.
والغايات للأشياء المذكورة منها ليست بأعيان، وقد وجدناها لا
تدخلُ في الأشياء المذكورةِ بها، فمن ذلك قولُ الله تعالى: ﴿ثُمَ اتِّقُوا
الصّامَ إلَى الََّلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، والليلُ غيرُ داخلٍ في ذلك، ووجدناه
تَدْخُلُ فيها، ومن ذلك قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم
وأيدِيكُمْ إِلى المَرَافِقِ، وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكم وأر خَلَكُمْ إلى الحكمبين)
-٦٤-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
[المائدة: ٦]، وكانت المرافقُ والكعبان داخلةٌ في ذلك، وفي هذا ما يَدُلُّ
على أنَّهم قد يدخلونَ ما يجعلونَه غايةٌ فيما قد جعلوه غايةٌ له، وقد لا
يُدخلونه فيه، ولهذا قال أبو حنيفة - رحمه الله- في الدرهم العاشر: إنه
لما احتمل أن يكونَ دخلَ، واحتمل أن لا يكونَ دَخَلَ، لم يُدْخِلْهُ في
ذلك، وقال مع ذلك في رجلٍ باع عبده على أنه بالخيارِ إلى غد: إنّه
بالخِيارِ حتى يمضي غد، لأنَّه قد يحتملُ دخولَ غدٍ في ذلك، وقد يحتمِلُ
أن لا يَدْخُلَ فيه، فلم يُوجِبِ البيعَ حتى علم وجوبه.
فأما ما ذكرناه من القول في المسألةِ الأُولى الذي جاءً عن رسول
الله ﴿ فيما قد ذكرناه عنه قد أغنانا عن الكلام في ذلك بشيء، وبالله
التوفيق.
- ٦٥-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤١٩- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ◌َ﴾ فيما
أَفْسَدَتِ المواشِي شيئاً من الزَّرْعِ في الليل وفي النَّهارِ
٣١٤٤- حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيب، أخبرنا القاسِمُ بنُ ذكريا بنُ
دينار، حَدَّثْنَا معاويةُ بنُ هشامٍ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عن إسماعيلَ بن أُمَيَّةَ
وعبدِ الله بنِ عيسى، عن الزهريِّ، عن حرام بنِ مُحْيِّصَة، عن البراءِ: أن
ناقةٌ لآل البراء أفسدت شيئاً، فقضى رسول الله ﴿ أن حِفْظَ الثَّمارِ
على أهلِها بالنَّهارِ، وضَمَّنَ أهلَ الماشيةِ ما أفسدت ماشيتهم بالليلِ(١).
٣١٤٥- وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ سِنان الشَّيْزَرِيُّ، حَدَّثْنَا عبدُ الوهّاب
بن نَحْدَةَ الحَوْطِي، حَدَّثَنَا شعيبُ بنُ إسحاق، عن الأوزاعيِّ، قال:
أخبرني الزهريُّ، عن حرام بنِ مُحَيِّصَةَ الأنصاريِّ أنّه أخبره: أنَّ البراءَ
بنَ عازبٍ كانت له ناقةٌ ضَارِيَةٌ قد دخلت حائطاً، فأفْسَدَتْ فيه، فكلم
فيها رسولُ الله ﴿، فقضى رسولُ الله ﴿: أنَّ حِفْظَ الحوائِطِ على
أهلِها بالنَّهارِ، وحِفْظَ المواشي على أهلها بالليلِ، وأنَّ على أهلِ الماشِية
ما أصابَتْ بالليلِ (٢).
(١) الحديث في («السنن الكبرى) للنسائي (٥٧٨٦)، ورواه ابن ماجه (٢٣٣٢)،
والبيهقي ٣٤١/٨، والدارقطني ١٥٥/٣ من طريق معاوية بن هشام، عن عبد الله بن
عیسی وحده، به.
ورواه الدارقطني ١٥٥/٣، ومن طريقه البيهقي ٣٤٣/٨ من طريق مؤمل بن
إسماعيل، عن سفيان، به. وانظر ما بعده.
(٢) رواه البيهقي ٣٤١/٨ من طريق أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن
-٦٦-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣١٤٦ - وحَدَّثْنَا محمدُ بنُ سِنان الشَّيزَرِيُّ، حَدَّثْنَا عبدُ الوَهَّابِ،
حَدَّثَنَا بقيةُ، عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن حرامٍ، ثم ذكر مثلَه.
فكان في روايتي شعيب، وبقية عن الأوزاعي هذا الحديثَ ما يَدُلُّ
على أنّه لا تحقيقَ فيه لأخذِ حرامٍ إَِّه عن البراءِ، لأنه قال: ((أنَّ) والفرق
فيما بين ((عن)) و((أن) في الحديثِ، أن معنى ((عن)) على السماع حتى
يُعْلَمَ ما سِواه، وأن معنى ((أن)) على الانقطاع حتى يُعْلَمَ ما سواه.
ولما تضادّ حديثُ الأوزاعي على ما ذكرنا لم يَكُنْ ما يوجبُ
معنى من هذين الحديثين والمعنيين أولى مما يوجبه الآخرُ منهما فيه.
ثم رجعنا إلى رواية الأثبات في الزهري الذين لا أمثال لهم فيها
لِنَقِفَ على روايتهم إِيَّه عنه، كيف هي؟
٣١٤٧- فوجدنا المزنيَّ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا الشافعيُّ، عن
الأوزاعي، به.
ورواه أبو داود (٣٥٧٠)، والحاكم ٤٧/٢-٤٨، والبيهقي ٣٤١/٨، من طريق
محمد بن يوسف الفريابي، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٧٨٥) من طريق الوليد بن
مسلم، وأحمد ٢٩٥/٤، والدارقطني ١٥٥/٣، والبيهقي ٣٤١/٣ من طريق محمد بن
مصعب، والشافعي في ((مسنده)) ١٠٧/٢، والطحاوي ٢٠٣/٣، والدارقطني
١٥٥/٣، والبيهقي ٣٤١/٨ من طريق أيوب بن سويد، والحاكم ٤٧/٢-٤٨ من
طريق محمد بن كثير، خمستهم عن الأوزاعي، به، لكن قالوا: عن حرام، عن الراء ...
ورواه ابن ماجه (٢٣٣٢) من طريق الليث بن سعد، عن الزهري، به.
ورواه النسائي في ((الكبرى) (٢٧٨٤) من طريق محمد بن كثير، عن الأوزاعي،
عن الزهري، عن حرام بن محيصة، عن أبيه محيصة بن مسعود، أنه ناقة للبراء ...
-٦٧-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
مالك بن أنسٍ، [عن الزهري]، عن حرام بنِ سعد بن مُحَيِّصَة: أن ناقةٌ
للبراءِ دخلت حائطَ رَجُلٍ، فَأَفْسَدَتْ فيه، ثم ذكر بقيةَ الحديثِ (١).
٣١٤٨- ووجدنا المزنيَّ قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا الشافعيُّ، عن
سفيانَ، عن الزهريِّ، عن سعيد بنِ الُسَيّب، وحرام بن سعد بن محيصة:
أن ناقةٌ للبراءِ دَخَلَتْ حائطَ رجلٍ، فأفسدت فيه، ثم ذكر بقيةً
الحديثِ(٢).
فعاد الحديثُ إلى الانقطاع كما رواه مالكٌ، وابنُ عيينة عليه، عن
الزهري، وكان ما رواه عنه عبدُ الله بن عيسى، وإسماعيل بنُ أُمية، عن
الزُّهري، وإن كان مقدارُهما مقداراً جليلاً لا يجبُ أن يُضاد به ما رواه
الحجةُ في الزهري، مما يُخالف ما روياه.
ثم تأملنا هذا الحديثَ فوجدنا أن رسولَ اللهِمُ﴿ٌ قال: ((وعلى
(١) إسناده مرسل صحيح، قال ابن عبد البر: هكذا رواه مالك وأصحاب ابن
شهاب عنه مرسلاً، والحديث من مراسيل الثقات، وتلقاه أهل الحجاز وطائفة من
أهل العراق بالقبول، وجرى عمل أهل المدينة عليه.
وهو في («السنن المأثورة)) (٥٢٦)، وفي ((مسند الشافعي)) ١٠٧/٢.
وهو في (الموطأ) ٧٤٧/٢ - ٧٤٨.
ورواه البيهقي ٣٤١/٨ من طريق الربيع بن سليمان، عن الشافعي، به.
(٢) رجاله ثقات، لكنه مرسل كسابقه، وهو في («السنن المأثورة)) للشافعي
(٥٢٥).
ورواه البيهقي ٣٤٢/٨ من طريق سعيد بن منصور، عن سفيان، به.
ورواه أحمد ٤٣٦/٥ عن سفيان، به، لكن لم يذكر حرام بن محيصة.
-٦٨ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
أهلِ الماشيةِ ما أَفْسَدَتْ مواشِيهم بالليل))، فكان ذلك دليلاً أن عليهم
ضمانَ ما أصابت بالليلِ من الزَّرْعِ، ومن بني آدم، وممن سواهم، لأن
مَنْ كان عليه حفظُ شيءٍ كان عليه ضمانُ ما يَخْرُجُ مِن حفظه إلى
الجنایة علیه.
ووجدنا أهلَ العلمِ جميعاً لا يختلفونَ أَنَّه لا يَجبُ على أهلِها ما
أصابت في الليلِ من بني آدم، فظاهرُ الحديثِ يُخالِفُ ذلك، فعقلنا
بذلك أن هذا الحديث قد نسخه قولُ النبيِّ مَ﴿: ((العَجْمَاءُ جُبَارٌ)).
وما كان جباراً، كان هدراً. وهكذا يقولُ فيما أصابت المواشِي
أبو حنيفة وأصحابُه، فأما الحِجازيون، فعلى القولِ الأَوَّلِ، والله تعالى
الموفق.
-٦٩-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٢٠- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ في أمرٍ الرجلين اللذين
كانا اختصما إليه في أشياء قد كان تَقَادَمَ أمرُها، وذهب مَنْ
يَعْرِفُها أن يَقْسِماها بينهما، وأن يحلل كُلُّ واحد منهما بعد
ذلك صاحبه
٣١٤٩- حَدَّثْنَا أبو أمية، حَدَّثَنَا قَبِيصةُ، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن أسامةَ
بن زيد، عن عبد الله بنِ رافع، عن أمِّ سلمة قالت: اختصم إلى رسولٍ
الله عليه السَّلامُ رجلان في أرض قد هَلَكَ أَهْلُهَا، وذهب مَنْ يعلَمُها،
فقال رسولُ الله ﴿: (إنّما أنا بَشَرٌ، ولم يَنْزِلْ عَلَيَّ فيه شيءٌ، ولعلَّ
بعضَكم أن يكونَ أَلْحَنَ بُحُجَّتِهِ مِن بعضٍ، فمَنْ أقطعُ له قِطعةٌ من مالٍ
أخيه ظُلْماً، جاءَ يَوْمَ القيامة إسطاٌ مِن نار في وَجْهِهِ)) فبكى الرَّجُلان،
وقال كُلُّ واحدٍ منهما: يا رسولَ الله، حقّي له، فقال رسول الله حصلت:
(تَوَخْيا، ثمَّ اسْتَهِمَا، ثم لِيُحَلِّلْ كُلُّ واحدٍ منكما صاحِبَه)(١).
٣١٥٠- حَدَّثَنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ، حدثني أسامةُ أنَّ عبد
الله بن رافع مولى أمِّ سلمةَ أخبره، عن أمِّ سلمة أن رَجُلَيْنِ من الأنصارِ
استأذنا على رسول الله﴿، فأذن لهما، فاختصما إليه في أرض قد
تقدم شأنها، وهلك من يعرف أمرَها، فقال لهما رسولُ الله / إنما
أقضي بينكما بجهد رأيي فيما لم ينزل عليَّ، وأنا أقضي بينكما على نحو ما
(١) رواه أبو داود (٣٥٨٤) و(٣٥٨٥)، والدارقطني ٢٣٩/٤، والبيهقي ٦٦/٦
من طرق عن أسامة بن زيد الليثي، به.
- ٧٠ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
أسمع منكما، وأيُّكما كان له في الكلام فضلٌ على صاحبه، فَقَضَيْتُ
له، وأنا أرى أنه حَقَّهُ، وإنما هو من حقّ أخيه، فإنما أقضي له بقطعة
من النار يُطَوَّقُها من سبع أرضين، يأتي بها إسطاماً في عنقه يومَ
القيامة))، فلما سمعا ذلك بكيا جميعاً، وقال كلُّ واحد منهما: يا رسولَ
الله، حَظِّي له، فقال رسولُ اللهَ﴿: اذْهَبَا، فَاجْتَهِدًا في قسم الأرْضِ
شَطْرَيْنِ، ثم اسْتَهِمَا، فإذا أخَذَ كُلُّ واحدٍ منكما نصيبَه، فليُحَلِّلْ
أخاه)).
٣١٥١- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سنان، حَدَّثْنَا صفوانُ بنُ عيسى، حَدَّثَنَا
أسامةُ بن زيدٍ، عن عبد الله بن رافع مولى أمِّ سلمة، عن أمِّ سلمة
قالت: كنتَ جالسةٌ عند النبيِّ﴾ إذ جاءه رجلان يَخْتَصِمان في
مواريث وأشياء قد دَرَسَتْ، فقال رَسولُ اللهِمَ: ((إنما أقضي بينكما
برأيي مما لم ينزل عليَّ، فمن قَضَيْتُ له بقضيةٍ أراها يَقْطَعُ بها قطعةً
ظلماً، فإنما يَقْطَعُ بها قطعةً من نارِ إسطاماً يأتي بها في عنقه يومَ
القيامة))، فبكى الرجلانِ، وقال كُلُّ واحد منهما: يا رسولَ الله، حقي
هذا الذي أطلب لصاحبي، قال: ((لا، ولكن اذهبا توخّيا، ثم استهما،
ثم يُحلّل كُلُّ واحدٍ منكما صاحبَه))(١).
٣١٥٢- حَدَّثْنَا يونسُ، حدثني عبدُ الله بنُ نافع المدني الصائغ،
حدثني أسامةُ بن زيد، سَمِعَهُ من عبد الله بن رافع، عن أمِّ سلمة،
(١) رواه الدارقطني ٢٣٨/٤- ٢٣٩ عن أبي بكر النيسابوري، عن يزيد بن
سنان، به. ورواه البغوي (٢٥٠٨) من طريق أبي عُبيد، عن صفوان بن عيسى، به.
- ٧١-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
قالت: جاء رجلان مِن الأنصار يختصمان إلى النِيِّ :﴿ في مواريث
بينهما قد دَرَسَتْ ليست لهما بَيِّنَةٌ، فقال رسول اللهمَ ﴾: ((إنما أنا بشر،
وإنه يأتيني الخَصْمُ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُم أن يكونَ أبلغَ من بَعْضٍ، فأقضي له
بذلك، وأحسب أنَّه صادق، فمن قَضَيْتُ له بحقٍّ مسلمٍ، فإنما هي
قطعةٌ من نارٍ، فليأخذها، أو فليدَعْهَا))، فبكى الرجلانِ، وقال كُلُّ
واحد منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله : ﴿و: ((أمَا إذا قد فعلتما
هذا، فاذها، فاقتسما، وتوخيا الحقَّ، ثم استهما، ثم لِيحلل كُلُّ
واحدٍ منکما صاحبه)».
٣١٥٣- حَدَّثْنَا ابنُ مرزوق، حَدَّثْنَا عثمانُ بنُ عمر بنِ فارس،
حَدَّثَنَا أسامةُ بن زيد ... ثم ذكر بإسناده مثلَه.
٣١٥٤- حَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، حَدَّثْنَا أسدُ بنُ موسى، حَدَّثَنَا
وكيع، حَدَّثْنَا أسامة بن زيد ... ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه(١).
فقال قائلٌ ممن لا عِلْمَ له بوجوهِ أحاديثِ رسولِ الله :38: الذي في
هذا الحديث مما أُضِيفَ إلى رسول الله ﴿ٌ من أمرٍ كُلِّ واحد من
الرجلين المذكورين فيه، بعد تقاسمهما ما اختصما إليه فيه بتحليل كُلّ
واحدٍ منهما صاحبه من حقّ إن كان له، فيما أخذه صاحبُه بحقٌ
القِسمةِ محالٌ، لأن التحليلَ إنما يعمل في ما كان في ذِمم لمحللين، لا فيما
(١) الحديث في ((شرح معاني الآثار)) ١٥٤/٤ عن الربيع، به.
ورواه أحمد ٣٢٠/٦، وابن أبي شيبة ٢٣٣/٧-٢٣٤، وابن الجارود (١٠٠٠)،
والطيراني ٢٣/(٦٦٣) من طرق عن وكيع، به.
- ٧٢ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
كان في أيديهم مما هو عَرَضٌ، أو حِصة في عَرَضٍ، إلا أن رجلاً لو قال
لرجل: قد حللتُك من داري التي لي في يدك، أو من عبدي الذي لي في
يدك أن ذلك التحليلَ لا يَمْلِكُ به المحلل شيئاً من رقبة تلك الدار، ولا
مِن رقبة ذلك العبد، وهذا مما لا اختلاف فيه، وكيف يجوزُ أن تقبلوا
عن رسولِ الله ◌َ﴿ ما قد رويتموه في هذا الحديث من أمره كل واحدٍ
من الخصمين اللذين اختصما إليه بعدَ مقاسمته صاحبه بتحليله من حق
إن کان له في يده.
فكان جوابُنا له أن التحليلَ الذي في هذا الحديثِ لم يُرِدْ به
رسولُ اللهِمَ﴿ ما توقَّمه عليه، وإنما أراد به أن الشيءَ الذي يقتسمانه
قد يكونُ فيما أخذه أحدُهما حقٌّ لِصاحبه، فيكون حراماً عليه أخذُه،
وحراماً عليه الانتفاعُ به، وإذا حَلَّلَهُ منه، حلَّ له الانتفاعُ به، وكان
ذلك حراماً عليه لو لم يكن ذلك التحليلُ، وكان ما هما فيه لا يَقْدِرُ
فيه على تخليصٍ لهما من شيء من أسبابه خلاف ذلك، لأَنَّهما لا
يَقْدِرَانِ على عقدٍ بيعٍ فيه، إذ كان كُلُّ واحد منهما لا يدري ما يُحاوِلُ
بيعه مِن ذلك، وأن ذلك إذا كان في البيع غيرَ مقدورٍ عليه كان في الهِبة
والصَّدقة كذلك أيضاً، وكانت كُلُّ واحدٍ منهما من العمل في ذلك
أبعدَ من عمل البيع فيه، وكان المقدورُ عليه في ذلك التحليل من كونه
في يدِ الذي ليس له، والانتفاع به، فأمرهما رسولُ الله ◌ُعَل بالمقدور
عليه في ذلك، ونقلهما به من حال حُرمة قد كانت قبلَه إلى حالٍ حِلّ
خلفها، وكان ما كان مِنَّة من الله عليه في ذلك حكمه، وبالله التوفيق.
- ٧٣-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٢١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله في إقراعِه
بینَ الُمدَّعیینِ عندَهُ في الیمینِ أيُّهما يبدأُ به فيها
٣١٥٥- حَدَّثْنَا أحمدُ بن خالد بن يزيدَ الفارسيُّ، قال: حَدَّثْنَا
عليٌّ ابن المديني، قال: حَدَّثْنَا خالدُ بنُ الحارث، قال: حَدَّثْنَا سعيدٌ وهو
ابنُ أبي عَرُوبَةَ، عن قتادةً، عن خِلاَس، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرة
رضي الله عنه أنَّ رَجُلينِ ادَّعَيا دابةٌ، ولم يكنْ لواحدٍ منهما بينةٌ،
فأمرَهُما رسولُ الله ﴿ أَن يَسْتَهما على اليمين(١).
٣١٥٦- حَدَّثْنَا عُبيدُ بن رجال، قال: حَدَّثْنَا مؤمَّلُ بنُ إهاب،
قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرزاقِ، عن معمر، عن هَمَّامٍ بِنِ مُنِّةٍ، قال: سمعتُ أبا
هريرة يقولُ: اخْتَصَمَ قومٌ إلى النِّيِّنَ﴿، فأمرَهم أنْ يحِلِفُوا، فأسرعَ
الفريقان في اليمين، فأمرَ بهم النِيُّ ◌َ﴿ أَن يُقْرَعَ بينَهم أيُّهم يَحْلِفُ(٢).
قال أبو جعفر: فتأمَّلنا هذا الحديث، فكان الذي بيانَ لنا من
(١) إستاده صحيح، ورواه أبو داود (٣٦١٨)، وابن ماجه (٢٣٢٩)، والنسائي
في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٣٨٩/١٠، والدارقطني ٢١١/٤، والبيهقي ٢٥٥/١٠
من طرق عن خالد بن الحارث، به.
ورواه أبو داود (٣٦١٦)، وابن ماجه (٢٣٤٦)، والنسائي في (الكبرى)،
والبيهقي ٢٥٥/١٠، والدارقطني ٢١٢/٤ من طرق عن سعيد، به. وزاد: ((أحبَّ ذلك
أم كرِها)).
(٢) رواه أحمد ٣١٧/٢، والبخاري (٢٦٧٤)، وأبو داود (٣٦١٧)، والبيهقي
٢٥٥/١٠، والبغوي (٢٥٠٥).
- ٧٤-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
وجهه الذي أُريدَ به بتوفيقِ الله عزَّ وجل أنَّ ذَيْنِكَ الخصمين كان
بينهما شيءٌ كان كلُّ واحد منهما فيه مدعياً على صاحبه توجبُ له
عليه اليمينُ فيها، فتكافاً في ذلك، فلم يُقَدِّمْ رسولُ اللهِمِ ﴿ واحداً منهما
في أخْذِ اليمين له من صاحبه في دعواه عليه على صاحبه كراهةً الميل
إلى أحدِهما دُونَ الآخر، لأَنَّ مِنْ سُنِّهِمِ﴿ التعديلَ بين الخصمين، وتركَ
الميل إلى أحدِهما، بمعنى: لا يميلُ به إلى الآخرِ منهما، فرَدَّ ذلك إلى
الإقراعِ بينَهما لتكونَ أمورُهما تجري على ما يكون عن تلك القُرعةِ مما
يُوجبُ تقدم أحدهما على الآخر في أخذِ حقّه منه، كمثل ما كان ◌ِ ﴾
يفعَلُ في أزواجه إذا أرادَ سفراً في الإقراع بينَهُنَّ، فَأيْتُهن خَرَجَ سهمُها
خرجَ بها معه، وسنذكرُ ذلك وما رُوِيَ فيه فيما بعدُ من كتابنا هذا في
موضعٍ هو أولى به من هذا الموضع إنْ شاءَ الله.
ومِنْ ذلك ما أمرَ به الخصمين اللذين أمرَهما بالقسمةِ بالاستهامِ
فيها، وقد ذكَرْنا ذلك بأسانيده فيما تقدم مِنّا في كتابنا هذا.
وهكذا ينبغي للحُكَّام فيما يستعملونه في أمور الناس في تقدُّمِهم
إليهم في خصوماتهم عندَهم إذا احتاجوا إلى أن يُقَدِّمُوا بعضَهم على
بعضٍ فيما لا يَستطيعونَ استعمالَه فيهم معاً، أنْ يُقْرِعُوا بِينَهم فيه، ثم
يُقدِّمون مَنْ قَرَعَ على سواهُ منهم حتّى لا يَقَعَ في القلوبِ ميلُهم إلى
بعضِهم دونَ بعضٍ، والله تعالى نسألُه التوفيقَ.
- ٧٥ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٢٢- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ في إجَازَتِهِ
قضاءً عليّ بن أبي طالب رضي اللهُ عنه في القوم الذين
سَقَطُوا في الزُّبية المحفورة باليَمينِ المتعلّقين بعضُهم
ببعضٍ حتی کان موتهم لذلك
٣١٥٧- حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سُليمان، قال: حَدَّثَنَا أبو غَسَّان مالك
بنُ إسماعيل النَّهْدي، قال: حَدَّثَنَا إسرائيلُ بنُ يونس، عن سِمَاكِ بنِ
حَرْب، عن حنش - وهو ابنُ المعتمر -، عن عليّ رضي الله عنه، قال:
بعثَني رسولُ الله :﴿ إلى اليمنِ، فوجدتُ حيّاً من أحياء العرب قد
حفروا أو قال: قد زَبَوْا زُبْيَةٌ لأسدٍ، فصادوهُ، فَبَيْنَا هُمْ يتطلّعُون فيها، إذْ
سقطَ رجلٌ، فتعلَّق بآخر، ثم هَوَى الآخرُ، فتعلَّق بآخر، ثم تعلَّق الآخر
بآخر، حتّى صاروا فيها أربعةٌ، فجرحهم الأسدُ كلّهم، فتناوَلَهُ رَجُلٌ
فقتَلَهُ، وماتوا مِن جراحِهم كلَّهم، فقام أولياءُ الآخر إلى أولياءِ الأوَّل
فأخذوا السِّلاحَ لَيَقْتَتِلُوا، فأتاهم عليٍّ رضي الله عنه على تفيئةٍ ذلك،
فقال: أتريدونَ أن تقتلوا ورسولُ اللهَ﴿ حِيٌّ، وأنا إلى حَنْكُم، فلو
اقتتلُتم، قَتَلْتُم أكثر ◌َّا تختلفونَ فيه، فأنا أقضي بينكم بقضاءِ، فإِنْ
رَضِيتُم القضاء وإلاّ حُجِزَ بعضُكم عن بعضٍ حتى تأتوا رسولَ اللهِوَآء
فيكون هو الذي يقضي بينكم، فمن عَدَا بعد ذلك فلا حقَّ له. اجْمَعُوا
من القبائلِ الذين حضروا البِثْرَ رُبْعَ الدِّيَة وَتُلْث الدِّيَة ونصفَ الدِّية
والدِّية كاملةً، فِلِلأوَّلِ رُبْعُ الدِّيَة لأَنَّه هَلَكَ مِنْ فَوْقِه ثلاثةٌ، وَلِلَّذِي يَلِيه
ثُلْثُ الدِّيَة لأنّه هلك من فوقه اثنان، ولِلَّالِث نصف الدِّيَة لأنَّه هلك من
-٧٦ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فوقه واحدٌ، وللرابعِ الدِّية كاملة. فأَبَوْا أن يَرْضُوا فَأَتَوْا رسولَ اللهِ ◌ُّ
فَلَقُوه عند مقامَ إبراهيمِ ﴿، وقصُّوا عليه القِصَّة، فقال: «أنا أقضِي
بينكم)» واحْتَبَى بِيُرْدِهِ، فقام رجلٌ من القوم: إنَّ عليّا قد قَضَى بَيْنَنَا،
فلما قصُّوا عليه القَصَّة، أجازَهُ(١).
٣١٥٨ - حَذَّثْنَا رَوْح بنُ الفرج، قال: حَدَّثْنَا يوسف بنُ عدي
الكُوفِيُّ، قال: حَدَّثْنَا أبو الأحوص، عن سِمَاك بن حَرْب، عن حنش بنِ
المعتمر، قال: حُفِرَتِ زُبْيَةٌ لأسدٍ باليمنِ، فوقع فيها الأسدُ، فاصبح
الناسُ يتدافَعُونَ على رَأْسِها، فهَوَى فيها رجلٌ فتعلّق بآخر، فتعلَّق الآخر
بآخر، فتعلَّق الآخر بآخر، فهوى فيها أربعةٌ، فهلكوا جميعاً، فلم يدْرِ
النَّاسُ كيفَ يصنعون؟ فجاء عليٍّ رضي الله عنه فقال: إنْ شِئْتُم أن
أقضي بينكم بقضاء يكونُ حاجزاً بينكم، حتى تأتوا رسول الله :﴿
قال: فإنّي أَجْعَلُ على مَنْ حَضَر الثْرَ الدِّيَة، فأجعَلُ لِلأوَّل الذي هوى
في البئرِ رُبْعُ الدِّيَة، ولِلثاني تُلْتُ الدِّيَةِ، ولِلَّالِث نصف الدِّيَة، وللرابعِ
(١) إسناده ضعيف، حنش بن المعتمر: فيه ضعف.
ورواه أحمد ٧٧/١، والبزار (١٥٣٢)، وابن أبي عاصم في ((الديات)) ص١٠٤-
١٠٥، والبيهقي ١١١/٨ من طرق عن إسرائيل، به.
ورواه الطيالسي (١١٣) ومن طريقه البيهقي، حَدَّثْنَا حماد بن سلمة، وقيس بن
الربيع، وأبو عوانة، کلهم عن سماك بن حرب، به.
وقوله: ((وقد زَبَوْا زبية)) الزبية: حفرة تحفر للأسد والصيد، ويُغطى رأسها بما
يسترها ليقع فيها، وقد زَبَاها وتزبَّاها، قال:
فكان والأمرُ الذي قد كيدا
كاللَّذْ تزَّی زبية فاصطيدا
-٧٧-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
الدِّية كاملة. قال: فرغبوا عن ذلك حتى أَتّوا رسولَ اللهُمُ /، فأخبروه
بقضاء عليّ رضي الله عنه فأجازَ القضاءَ.
قال أبو جعفر: فتأمَّلنا هذا الحديث لنقفَ على الوجه الذي فيه
حكم علي رضي الله عنه بما حَكَمَ به مما ذكر فيه إن شاء الله، فوجدنا
في حديث رَوْح أنَّ الذين كانوا على رأس الزُّبِيَة كانوا يتدافعون حتّى
يسقطوا فيها.
ووجدنا في حديث فهد سقوطَ بعضهم على بعضٍ، لأن فيه
فللأول ربع الدية، لأنه هلك من فوقه ثلاثة، وللذي يليه ثلث الدِّية،
لأنه هلك من فوقه اثنان، وللثالث نصف الدِّية، لأنه هلك من فوقه
واحد.
فعقلنا بما في حديث روح أنَّ الذين كانوا على الرُّبْيَة جَانُون على
السَّاقَطين، واحتمل أن يكون الساقِطُونَ فيها كانوا مع ذلك مُتشابِکین.
فكان الأول منهم سقوطاً بجره الذي يليه جارًاً للآخرين الذين
يليانِهِ، إذا كان بعضُهم متشابكاً لبعضٍ كان جَرُّ الذي جر أوَّلهم جرّاً
منه لبقيتهم، وكان موتُ الأوَّل منهم مِنْ دفعٍ مِنْ كان على رأسِ الزُّبِيَةِ
إياه في الزُّبِيَة، ومن سُقوط ثلاثة من الرِّجالِ السَّاقَطين فيها عليه بجرّه
إياهم على نفسِه، فكان ميتاً بالأربعة الأشياء:
أحدها: الدفعُ المجهول فاعلوهُ من القومِ الذين كانوا على شَفِير
الرُّبِيَة، فعاد حكمهُ إلى حكمٍ دفع رجلٍ واحدٍ، ومِن ثقل ثلاثة رجال
هو الذي جرَّهم على نفسِهِ حتى سقطوا عليه، فوجب له ربعُ دية نفسه
بالدَّفْعَة وسقط من ديته ثلاثة أرباعها، إذ كان هو سبب سقوطِ الثلاثة
-٧٨-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
الرجال الذين سقطوا عليه.
ووجدنا الثاني من السَّاقطين فيها مَيِّناً من الدفعةِ المجهولة فاعلُوها
من الرِّجالِ الذين على شَفِير الزُّبِيَةِ ومن جَرِّه رجلين عليه حتى مات من
ثِقَلِهما عليه ومن سقوطه في الزُّبِيَة، فكان ثلثُ ديته بالدفعة واجباً له
على أهلِها، وكان ما بقي من ديته مِمَّا كان هو سببه هَدَراً.
ووجدنا الثالث أيضاً كان تلفُهُ بالدفعة المجهول أهلُها، وبجرِّه
الرابع عليه، فوجب له نصف ديته بالدفعة، وبَطَلَ نصفُ ديتِهِ، لأنه
كان السبب لتلفِ ما تَلَفَ منها بجرِّه الذي جَرَّه على نفسه.
ووجدنا الرابع تالِفاً من الدفعة المجهول فاعلُوها لا مِنْ سواها،
فوجب له بذلك جميعُ ديته على من وجبت عليه.
فإن قال قائلٌ: فكيف وجب على ذوي الدفعة ما ذكرتَ وأنت
تعلم أنَّ الدفعة التي بها كان ذلك السقوط إنما كان من حاضرٍ مِمَّن
كان على الزُّبْيَة لا مِنْ كلّهم، فقد كان ينبغي إذا جهلتَ ذلك الحاضر
أن تجعلَ الواجبَ في ذلك هدراً، لأَنَّه لا يُدرى على من هو.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ الأمرَ في
ذلك ليس كما ذكر، ولكنَّه رجع الحكمُ في ذلك إلى نفرٍ اجتمعوا،
فاقتتلوا فأجلوا عن قتيلٍ منهم، ولم يُدْرَ مَن قتلّه منهم، فديتُه على
عواقِلِهم جميعاً، كما جعل رسولُ اللهِ ﴿ ديةَ القتيلِ من الأنصار
الموجود بَخَيْبَرَ لا يُدْرَى مَنْ قتله على اليهود الذين كانوا بَخَيْبَر حينئذٍ،
وكانت خَيْبَرُ دارَهم، فمثل ذلك هؤلاء الْمُقْتِلُونَ الذين قد حضروا
المكانَ الذي اقتتلوا فيه، وصارت أيديهم عليه دُون أيدي غيرهم يكونُ
- ٧٩-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
به مَنْ أُصِيبَ فيه قتيلاً مِمَّن جَهل من قتله عليهم جميعاً على عواقلِهم.
فإن قال قائلٌ: فإنَّ في حديث فهد الذي ذكرتَ، فجرحَهم
الأسدُ كُلَّهم، وماتوا من جراحهم كُلَّهم، ففي ذلك ما قد دلَّ على أن
حكم موتهم من الجراح التي كانت من الأسد فيهم لا مِمَّا سواها.
كان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ سبب
جراحةٍ الأسد إيّاهم كان من الدَّفْعةِ التي كان عنها سقوطهم في الزُّبْيَةِ،
ومن ثِقَلِ بعضهم على بعضٍ حتى كان عن ذلك موتهم بجراحةٍ الأسد
إيَّهم، فكان مثل ذلك كرجلٍ دفعَ رجُلاً في بئرٍ حتى وقعَ فيها على
حجرٍ، فمات من سقوطِه على ذلك الحجر، أو كانت فيها سِكّين
فماتَ من سقوطه على تلك السكّين، فالحكمُ فِي ذَهاب نفسه أنَّ
الواجب فيه على مَنْ كان سبباً لموته مما ماتّ منه مما ذكرنا دُون ما
سواه، وفي هذا الحكم ما دفع ما قد كان الأوزاعي يقوله فيمن قتلَ
نفسه على سبيلٍ خطأ كان منه عليها أن ديته تكون على عاقلته كما
تكونُ عليها لو قتله رجلٌ منها سواه، ولم نجد هذا القولَ عن أحدٍ من
أهلِ العلم غيره. والله تعالى نسأله التوفيق.
- ٨٠-