النص المفهرس
صفحات 21-40
كتاب القضاء والأحكام والحدود
ثم قال: (( يا زُبِيرُ، اسْقٍ، ثم احبسِ الماءَ حَتَّى يَبْلُغَ إلى الجَدْر)) -قال
ابن وهب: وهو الأصل -واستوعى رسولُ الله﴿ للزُّبير حقّه، وكانَ
رسولُ اللهِلَ﴿ قَبْلَ ذلك أشارَ على الزُّبير برأي، أراد فيه السَّعَةً له
وللأنصاري، فلما أحفظَ رسولَ الله ﴿ الأنصاريُّ، استوعى للزُّبير
حقُّه في صريح الحكم، فقالَ للزُّبير: ما أحْسِبُ هذه الاية نَزَلَتْ إلاَّ في
ذلك: ﴿فلا وربك لا يُؤْمنُونَ حَتّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَبَينَهُم﴾ الآية
[النساء: ٩٥] يَزِيدُ أحدُهما على صاحبه في قصةِ الحديث(١).
٣٠٩٨ - وكما حَدَّثَنَا هارونُ بنُ كامل، حَدَّثَنَا عبدُ الله بن
صالح، حدثني اللِّيث، حدثني ابنُ شهاب، عن عُروةَ أَنَّه حدَّته، عن عبد
الله بن الزُّبير حدَّثْه أن رجلاً من الأنصار خاصَمَ الزُّبير إلى رسولِ الله
* في شراجِ الحَرَّة التي يَسْقُون بها النخل، فقال للأنصاريِّ: سَرِّحِ الماءَ
يَمُرُّ، فَأَبَى عليه، فاختَصَموا عندَ رسولِ اللهِلَ﴿ِ، فقالَ رسولُ الله حصل:
((اسْقِ يا زُبِيرُ، ثم أرْسِلْ إلى جارِكَ))، فَغَضِبَ الأنصاري، وقالَ: يا
رسولَ اللهِ، إنْ كانَ ابنَ عَمَّتِك؟! فتلَوَّن وجهُ رسولِ اللهِلَ﴾، ثم قال:
(يا زُبِيرُ، اسْقٍ، واحبسِ الماءَ ثَم أرجع إلى الجَدْر)) قال الزُّبير: واللهِ ما
أُحسِبُ هذه الآية نَزَلَتْ إلى في ذلك: ﴿فلا ورَبِّك ◌َلَا يُؤْمنُونَ﴾ .
٣٠٩٩- وكما حَدَّثَنَا يحيى بنُ عثمان بنِ صالح، حَدَّثَنَا نُعَيْم بنُ
حمّاد، حَدَّثَنَا ابنُ المبارك، أخبرنامعمر، عن الزُّهري ثم ذكر بإسناده مثلَهُ.
(١) وقد تقدم الحديث في المعاملات - المزارعة.
- ٢١-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
فكانَ جوابُنا له في ذلك أنَّ الذي رَوَيناه عن أبي بكرةَ، عن
رسول الله﴿ على غيرِهِ مِنْ الْحُكّامِ للخوفِ عليهم فيما ينقُلُهم إليه
الغَضَبُ من العَدْل في الحكمِ إلى خِلافِه، والذي في حديث الزُّبير،
فمُخالفٌ لذلك، لأَنَّه في رسولِ اللهِ عَ﴾، ورسولُ اللهِلَهٌ فِي تَوَّلّي اللهِ
تعالى إِيَّاه، وعَصْمَتِه له، وحِفْظِه عليه أمورَه بخلافِ الناس في مثلٍ ذلك،
فانطلقَ ذلك لرسول الله ﴿، فاستعمَلَه، ولم يَنْطَلِقْ ذلك لغيرِهِ، فَنَهَاهُ
رسولُ الله عليه السَّلامُ عنه كما حَدَّثَه أبو بكرة عنه.
٤١١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ثَّ مما يُقضى
بينَ المختلفين من أهلِ العلمِ في الارتزاقِ على القضاءِ مما
يُبیحه بعضهم، ومما یمنع منه غیرُهم منه
قال أبو جعفر: لا نَعْلَمُ أحداً من المتقدمينَ رُوي عنه النهيُ عن
ذلك إلا عمرَ بنَ الخطاب - رضي الله عنه- مِن جهةٍ قد رُوِيَ عنه مِن
خلافها خلاف ذلك:
٣١٠٠- كما حَدَّثْنَا فهدٌ، حَذَّثْنَا أبو غسان، حَدَّثْنَا أبو بكر بنُ
عياش، عن القاسم بنِ عبدِ الرحمن، عن أبيه، أن عُمَرَ - رضي الله عنه-
قال: لا تَأْخُذْ على شيءٍ من حُكومَةِ المسلمين أجراً(١).
وكان الذي رُوِيَ عنه مما يُخالِفُ ذلك من الجهةِ الأُخرى:
(١) عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، لم يسمع من عمر. الحكومة: القضاء بين
الناس.
- ٢٢ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣١٠١- كما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبد الرحمن بن وهب، حَدَّثَنَا
عمي عبدُ الله بنُ وهب، أخبرني عمرو بنُ الحارث، عن بُكير بن عبد
الله بنِ الأشجِّ، عن يُسْر بنِ سعيد، عن ابن الساعدي، هكذا قال: قال
استعملني عُمَرُ بنُ الخطاب - رضي الله عنه- على الصدَّقةِ، فلما أديتُها
إليه، أعطاني عُمالتي، فقلت: إنما عَمِلْتُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأجْرِي على
اللهِ عَزَّ وَلَّ، قال: خُذْ ما أعطيتُك، إنّي عَمِلْتُ على عهدِ رسولِ
اللّهَ﴾، فعمَّلني، فقلتُ مثل قولِك، فقال لي رسولُ الله ◌َ﴿: ((إذا
أَعْطَيْتُكَ شيئاً مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْألَ، فَكُلْ وَتَصَدَّقْ)(١).
٣١٠٢- وما حَدَّثْنَا الرَّبيع المراديُّ، حَدَّثْنَا شعيبُ بنُ الليث بنِ
سعدٍ، حَدَّثَنَا الليثُ، عن بُكَير بن عبد الله، عن بُسْر بن سعيدٍ، عن ابنِ
السَّاعِدي المالكي، أنه قال: استعملني عُمَرُ بنُ الخطاب - رضي الله
عنه- على الصَّدقةِ، ثم ذكر مثلَه حرفاً حرفاً(٢).
(١) إسناده صحيح، ورواه مسلم (١٠٤٥) (١١٢) عن هارون بن سعيد الأيلي،
عن ابن وهب، به، لكن قال: ابن السعدي.
ورواه ابن أبي شيبة ٥٥٢/٦-٥٥٣، وعبد بن حميد (٤٢)، والبيهقي ١٨٤/٦
من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بنحوه. ورواه مالك في ((الموطأ)) ٩٩٨/٢،
ومعمر في ((الجامع)) الملحق (مصنف عبد الرزاق)) (٢٠٠٤٤)، كلاهما عن زيد بن
أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عمر بنحوه.
(٢) إسناده صحيح، ورواه ابن خزيمة (٢٣٦٤) عن الربيع بن سليمان، به.
ورواه أحمد (٣٧١)، ومسلم (١٠٤٥) (١١٢)، والنسائي ١٠٢/٥، وابن حبان
(٣٤٠٥) من طرق، عن الليث، به.
-٢٣ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣١٠٣- وما قد حَدَّثْنَا يزيد بن سنان، حَدَّثَنَا أبو الوليد
الطيالسي، حَدَّثْنَا ليتُ بنُ سعد، عن بُكَيْرِ، عن يُسْرِ بنِ سعيد، عن ابنِ
السَّعديِّ، ثم ذكر مثلَه(١).
هكذا كان الليثُ حَدَّثَ بهذا الحديثِ بالعراق، فقال فيه: عن
ابنِ السَّعدي، وكان قبلَ ذلك بمصرَ يقولُ فيه: عن ابنِ السَّاعدي،
فكان في هذا عن عمر خلاف ما عنه في الحديث الأوَّل، وكان
الصوابُ فيما اختلف فيه عن الليث من ابنِ السَّعدي أو الساعدي ابنَ
السَّعْدِي، والسعدي: هو رجلٌ من بني عامر بنِ لُؤَي مِن أصحابِ
رسول اللّهِيَّة، واسمه عبدُ الله بنُ وقدان، وقيل: السَّعدي، لأنه
اسْتُرْضِعَ فيهم.
وقد ذكرنا ما رُوِيَ عنه مما ذُكِرَ فيه اسمُه ونسبُه هذان فيما تقدَّمَ
منا في كتابنا هذا في باب الهجرة: هل انقطعت، أو لا تنقطع ما قُوتِلَ
الكُفَّارُ؟.
٣١٠٤- وحَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثَنَا أبو اليَمَانِ الحَكَمُ
بنُ نافعِ البهراني، أخبرنا شُعَيْبُ بن أبي حمزة، عن الزهري، حدَّثْني
السائبُ بن يزيد: أن حُوَيْطِبَ بن عبدِ العُزَّى، أخبره: أنَّ عبدَ الله ابنَ
السَّعدي، أخبره: أنَّه قَدِمَ على عمر بنِ الخطابِ في خلافته، فقال له
(١) إسناده صحيح، ورواه الدارمي ٣٨٨/١، وأبو داود (١٦٤٧) و(٢٩٤٤)،
والبزار في ((مسنده)) (٢٤٥) من طريق أبي الوليد الطيالسي، به. ووقع عند أبي داود
والبزار (ابن الساعدي). وانظر تهذيب الكمال ٢٤/١٥.
- ٢٤ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
عُمَرُ: ألم أُحَدَّثْ أَنَّكَ تلي مِن أعمال المسلمين أعمالاً، فإذا أعطيتَ
العمالة كرهتها؟ فقال: نعم. فقال: فما تُريدُ إلى ذلك؟ قلتُ: إن لي
أفراساً وأعْبُدً، وأنا أَنَّجرُ، وأنا أريدُ أن تكونَ عُمالتي صدقةٌ على
المسلمين. فقال عُمَرُ: لا تَفْعَلْ، إنِّي كنتُ أردتُ الذي أردتَ، فكان
البِيُّلِ﴿ٌ يُعطيني العَطَاءَ، فاقولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أفقرُ إليه مني، حتى
أعطاني مرةً، فقلتُ له ذلك. فقال النبيُّ ◌ِ﴾ٌ:
((خُذْه فَتَمَوَّلْهُ، فما جَاءَكَ مِنْ هذا المالِ وَأَنتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ، ولا
سائل فخُذْه، وإلاّ فلا تُتْبعْهُ نفسَكَ))(١).
وفيما ذكرنا من هذا الحديثِ في أمرِ عبدِ الله المختلَف فيما نُسِبَ
إليه من الروايات فيه عن الليث، ما قد دَلَّ أنَّ الصوابَ منها في ذلك أنَّه
ابنُ السعدي، لا ابنُ الساعدي.
٣١٠٥- وحَدَّثْنَا محمدُ بنُ عُزيز الأيليُّ، حَدَّثْنَا سلامةُ بنُ رَوْحٍ،
عن عُقيلِ بنِ خالدٍ، عن ابنِ شهاب، حدثني السائبُ بنُ يزيد ابنِ أختِ
نَبِرٍ: أن حويطبَ بنَ عبدِ العُزَّى، أخبره: أن عبدَ الله بن سعد بن أبي
سَرْحٍ، أخبره أنه قَدِمَ على عُمَرَ بنِ الخطّاب في خلافته، ثم ذكر مثلَه إلا
أنَّه قال: ((خذه فتقرَّب به وتصدَّق)(٢).
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٢١/٢. ورواه أحمد (١٠٠)،
والدارمي ٣٨٨/١، والبخاري (٧١٦٣)، والنسائي ١٠٤/٥ من طريق أبي اليمان،
به. ورواه الحميدي (٢١)، والنسائي ١٠٣/٥ و١٠٤ من طرق، عن الزهري، به.
(٢) إسناده ضعيف. سلامة بن روح ضعيف وله أحاديث منكرة محل الغفلة.
- ٢٥ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
فكان في هذا الحديثِ مكان عبدِ الله ابن السَّعدي عبدُ الله بنُ
سعد بن أبي سَرْح، والناسُ على خلافه في هذا الإسنادِ.
فَمِمَّنْ خالفه: عمرو بنُ الحارث
٣١٠٦- كما حَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثْنَا ابنُ وهب، أخبرني عمرو بنُ
الحارث، عن ابنٍ شهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله، عن أبيه: أن رسولَ
الَّهَّ كان يُعطِي عُمَرَ بن الخطاب - رضي الله عنه- العطاء، فيقول له
عمر: أعطه يا رسولَ الله مَنْ هُوَ أفقر إليه مِنِّي، فقال له رسولُ اللهِ لٌ:
«خُذْهُ، فتموَّلْ أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غيرُ
مشرفٍ - هكذا قال، أعني يونس- ولا سائلٍ، فخُذْه، وما لا، فلا
تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ). قال سالم: فمن أجلِ ذلك كان ابنُ عمر لا يسأل أحداً
شيئاً، ولا يردُّ شيئاً أعطيه (١).
ورواه ابن خزيمة (٢٣٦٥) عن محمد بن عزيز الأيلي، به.
(١) إسناده صحيح، ورواه ابن خزيمة (٢٣٦٦) عن يونس بن عبد الأعلى، به.
ورواه مسلم (١٠٤٥) (١١١) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح،
والبيهقي ١٨٤/٦ من طريقي أبي الطاهر وأحمد بن صالح، وهما عن ابن وهب، به.
ورواه أحمد ٩٩/٢ عن يحيى بن غيلان، عن رشدين، عن عمرو بن الحارث، به.
ورواه أحمد (١٣٦)، والبخاري (٧١٦٤)، والبزار (١١٠)، والنسائي ١٠٥/٥،
والبيهقي ١٨٤/٦-١٨٥، والبغوي (١٦٢٩) من طريق شعيب بن أبي حمزة،
والدارمي ٣٨٨/١، والبخاري (١٤٧٣)، ومسلم (١٠٤٥) (١١٠) من طريق يونس
بن يزيد الأيلي، كلاهما عن الزهري، به.
- ٢٦ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣١٠٧- وكما حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال
عمرو: حدثني ابنُ شِهَابٍ مثلَ ذلك عن السَّائِبِ بنِ يزيد، عن
حُويطب بن عبدِ العُزَّى، عن عبدِ الله ابن السَّعدي، عن عُمَر بن
الخطّاب - رضي الله عنه-، عن رسول الله وَل﴾(١).
غير أنَّا قد هوجدنا لما رواه سلامةُ، عن عُقيل، عن ابنِ شهاب في
هذا الحديثِ من ما خالف الناسَ فيه موافقاً له على ذلك
٣١٠٨- كما حَدَّثَنَا مصعبُ بنُ إبراهيم بن حمزة الزُّبيري،
حَدَّثْنَا أبي، عن الدَّرَاوَرْدِي، عن محمد بنِ عبدِ الله بن مسلم بنِ
شهاب، عن محمد، ثم ذكر مثلَ حديثٍ محمد بن عزيز، عن سلامة
سواء (٢)، وقال فيه: إنَّ عبدَ الله بنَ سعدِ بن أبي سَرْحٍ، مكانَ ما قال
غيرُهُ: إنَّ عبدَ الله ابن السعدي، فكان فيما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه في هذا الفصل الثاني، خلافُ ما رُوِيَ عنه في الفصل
الأوَّلِ.
فتأملنا الوجهَ في هذا الاختلافِ، وكان أولى القولين فيه ما رُوِيَ
في الفصلِ الثاني من إباحةِ الاجتعال على مثله على القضاء، لأنا قد
وجدنا في كتابِ الله عَزَّ وجَل ما قد دُلِّنا على إباحةِ الاجتعالِ على
مثلِه، وهو الاجتعالُ على الصدقةِ للعَاملينَ عليها منها، لِقيامهم بها،
(١) إسناده صحيح، ورواه ابن خزيمة (٢٣٦٦) عن يونس بن عبد الأعلى، به.
ورواه أحمد ٩٩/٢ عن يحيى بن غيلان، عن رشدين، عن عمرو بن الحارث، به.
(٢) انظر التعليق على حديث رقم (٣١٠٥).
- ٢٧-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
وتحصيلها لأهلها، وإن كان العاملون عليها ليسوا من أهلها لِغناهُم،
وتحريمها عليهم بذلك، وهو قولُه عز وجل: ﴿أَنَّا الصَّدَقَاتُ للفُقَرَاءُ
م
والمساكِينَ وَالْعَامِلِينَ عَليها﴾ [التوبة: ٦٠]، وكان مثلَ ذلك أيضاً
الاجتعالُ على ولاةٍ أمصارِ المسلمين لحفظها عليهم، ولِلقتال من
ورائهم، ولدفعِ مَنْ حاول البغيَ عليهم فيها، فكان طلقاً للولاةِ عليها
الاجتعالُ من أموالِ المسلمين التي يجتعل ذلك منها، وكذلك أيضاً الجعلُ
◌ِجندهم الذي لا يَقُومُ، ولا يَنْهَضُ إلا بهم مِن تلك الأموال أيضاً،
وكذلك ولاةُ خراجِ المسلمينَ في جمعه وتحصيله وحفظِه على الوجوه
التي يجبُ صرفُه فيها جائزٌ لمن تولَّى ذلك الاجتعالَ مما يتولاه على ما
يتولاه منها، وإذا كان ذلك كذلك، كان مَنْ يَتَولِّى حكوماتِ المسلمين
التي يأخذُ بها من أبدانهم ما يجبُ للهِ تعالى فيها، ويأخذ مِنْ أموالهم ما
يجب لله تعالى فيها، ويأخذ من بعضهم لبعضٍ ما يجبُ له عليه في بدنه
وفي ماله، ويمنع بولايته ذلك من يُحَاوِلُ غيرَ الواجب فيه، فجائزٌ له
أيضاً الاجتعالُ على ذلك من أموال المسلمين التي تجعل منها على مثلٍ
ذلك ما يجعلُه عليه.
-٢٨-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤١٢- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله من قوله:
((مَنْ دُعِيَ إلى حُكم الرسولِ، ليقضيَ بَيْنَه وبَيْنَ خَصْمه، فلم
یجیء، فلا حقَّ لە))
٣١٠٩ - حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن أبي داود، حَدَّثْنَا مروانُ بنُ جعفر بنِ
سعد بن سَمُرَة بنِ جُندُبٍ، قال: حدثني محمدُ بنُ إبراهيم بنِ خبيب بن
سُليمان بن سَمرة بن جندب، عن جعفر بنٍ سعد بن سمرة بن جندب،
عن حُبيب بن سليمان، عن أبيه، عن سمرة بن جندب: بسم الله الرحمن
الرحيم: من سمرة بن جندب إلى بَنِيه، أما بعد، فإن رسولَ اللهِلُ﴿ كان
يقولُ: ((إذا خَاصَمَ الرَّجُلُ الآخَرَ، فدعا أحدُهُما صاحبَه إلى الرسول
* ليقضي بينهما، فأبى أن يجيءَ، فلا حقَّ له))(١).
فتأملنا هذا الحديثَ، وكان أحسنَ ما حضرنا فيه ما كان بكارُ
بنُ قتيبة يحكيه لنا عن هلال بن يحيى أن معناه: أن مِن حقِّ الرجلِ إذا
ادَّعَى عليه الرجلُ عندَ الحاكم دعوى بغيرِ محضرٍ من ادَّعاها عليه أن
يبعث إلى المُدَّعَى عليه حتى يَسْمَعَ دعوى الُدَّعِي عليه، وحتى يَسْمَعَ
الحاكمُ منه ما كان يكونُ منه من إقرارِ بها، أو من جُحُودٍ ها، ثم يفعلُ
الحاكم في ذلك ما يفعلُه فيه، فإن دُعِيَ لذلك، فلم يُحِبْ، ذهب ذلك
الحقُّ منه، ووجبَ للحاكم أن يُقيم له وكيلاً، فيكون ذلك الوكِيلُ،
(١) إسناده ضعيف، محمد بن إبراهيم بن خبيب، قال ابن حبان في ((الثقات))
٥٨/٩: لا يعتبربما انفرد به من الإسناد، وجعفر بن سعد ليس بالقوي، وخبيب بن
سليمان مجهول. ورواه الطبراني (٧٠٧٨) عن موسى بن هارون، عن مروان، به.
-٢٩ -
-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
كهو لو أقامه ذلك المقام، ثم يَسمع من بينة للمدعي إن أقامها عنده بما
أدعى، ويقضي بها إن ثبت عدلها عندَه كما يقضي بها عليه لو كان
حاضراً، غير أنه يجعله على حجته إن كانت عنده في ذلك، أو على
مخرجٍ إن کان عنده فیه.
وهذه مسألةٌ من الفقه مما قد اختلفَ أهلُ العلمِ فيها، فمنهم: مَنْ
ذَهَبَ فيها هذا المذهبَ، وهم أبو يوسف، وكثيرٌ من البصريين، ومنهم
من لا يسمع من بينة عليه في ذلك، ولا يُقيم له فيه وكيلاً حتى يحضرَ
المُدَّعَى عليه فيكون منه في ذلك ما يكونُ من إقرارٍ به، أو من جحودً
له، وممن قال بذلك منهم: أبو حنيفة ومحمد.
ومنهم من يَسْمَع من البينةِ عليه في كُلِّ شيءٍ سوى العقار، ولا
يسمعها عليه في العقار حتى يَحْضُرَ، وممن قال ذلك منهم: مالكُ بنُ
أنس.
ومنهم من يسمع البينة عليه في ذلك كُلِّه، ويقضي بها عليه،
ويجعله على حجة إن كانت في ذلك، منهم: الشافعي، ولما اختلفوا في
ذلك، تأملنا ما اختلفوا فيه منه، فوجدناهم لا يختلفون أنه لو كان
حاضراً مع خصمه عند الحاكم، فامتنع مِن الجواب عن الدعوى التي
ادَّعاها عليه خصمُه عندَ الحاكم، أن الحاكم لا يخلي بينه وبينَ ذلك،
ويأخذه بالجوابِ عما ادعى عليه خَصْمُهُ، وأنه لا يسمعُ مِن بينة عليه،
وإن أحضرها خصمه تشهد له على دعواه عليه حتى يكونَ منه الجوابُ
الذي يحتاجُ مَنْ بعده إلى بينةٍ على ما ادّعى عليه، وإذا كان ذلك
كذلك في حضوره، وجب أن يكون كذلك في مغيبه، والله الموفق.
- ٣٠ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤١٣- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ في الدلیلِ
على الواجبِ فيما اختلف فيه أهلُ العلمِ في حكم الحُكمِ
الذي يحكمه الرجلان بينهما ھَلْ يكونُ جائزاً عليهما كما
یکونُ حكم الحاكم عليهما به، وحتی لا یکون للحاكم إذا
رُفعَ إليه نقضُه إذا كان مما يراهُ بعض أهلِ العلم وإن كان هو
یری خلافه
٣١١٠ - حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيب، حَدَّثْنَا عمارُ بنُّ خالد
الواسطيُّ، أخبرنا القاسمُ بن مالك - يعني المزني - عن الأعمش، عن
زيد بن وهبٍ، قال: قال عمر: إذا كان في سَفَر ثلاثةٌ، فَلْيُؤمِّروا
أحدَهُم، فذلك أمِيرٌ أمَّرَهُ رسولُ الله ◌ِ ﴾(١).
٣١١١- وحَدَّثْنَا محمدُ بنُ علي بنِ داود البغداديُّ، حَدَّثَنَا عليّ
بنُ بحر بن بري، وأبو مسلم عبدُ الرحمن بنُ يونس، قالا: حَدَّثَنَا حاتِمُ
بنُ إسماعيلَ، قال: أخبرني محمدُ بنُ عجلانَ، عن نافعٍ مولى ابنِ عمر،
عن أبي سلمة بنِ عبد الرحمن، عن أبي سعيدٍ الخُدري، أنَّ النبيَّ ◌َ﴿،
قال: ((إذا كانَ ثَلاثَةٌ فِي سَفَرِ، فَلُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ)، قال نافع: فقلتُ
(١) القاسم بن مالك ليس بالقوي، ورواه البزار (١٦٧٢) عن عمار بن خالد
الواسطي، به.
ورواه الحاكم ٤٤٣/١ -٤٤٤ من طريق القاسم بن مالك، به.
وقد خالف القاسم بن مالك المزني غيرُ واحد، فروه عن الأعمش، عن زيد بن
وهب، عن عمر قوله. قال الدارقطني في («العلل)) ١٥١/٢: وهو الصواب.
- ٣١ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
لأبي سلمة: فأنتَ أميرُنا(١).
قال أبو جعفر: ففي هذين الحديثين أن رسولَ اللهمُ﴿ قد جعل
الأميرَ الذي يُؤَمِّرُهُ الناسُ عليهم حيث يَبْعُدُونَ مِن أمرائهم، كأمرائهم
عليهم في وجوب السمعِ منهم، والطاعة له فيما يأمرهم به أمراؤهم،
إذا كانوا بحضرتهم، وإذا كان ذلك كذلك في الإمرة، كان مثله في
القضاء، إذا حكم الرجلانِ المتنازعانِ في الشيءٍ، حكماً بينهما فيما
يتنازعان فيه، فأمرُ ذلك الحَكَمِ فيما حكماه فيه، كالحُكم عليهما فيما
يحكم به عليهما الحكم الذي جعله إمامُهما الذي إليه توليةُ الحُكام
عليهما فيما يلزمهما مِن الحكم لهما وعليهما.
وهذه مسألة قد تنازع أهلُ العليم فيها:
فقال طائفةَ منهم: ما حَكَمَ به ذلك الحَكَمُ بَيْنَ اللَّذَيْنِ حكِّماه،
ثم رفع إلى الحاكم الذي جعله الإمامُ للناس حاكماً، تأمل ذلك، فإن
وافق ما يراه فيه، أمضاه، وإن خالف ما يراه فيه -وإن كان غيرُه من
العلماء يراه - رده.
وممن كان يذهب إلى ذلك من أهل العلم أبو حنيفة وأصحابُه.
ومنهم مَنْ قال: ليسَ للحاكم المرفوع ذلك الحكمُ إليه ردُّه ولا
إيطالُه إلا أن يكونَ خارجاً مِن أقوال أهل العلم جميعاً، فيرده ويُبْطِلُه،
(١) رواه أبو داود (٢٦٠٨)، والبيهقي ٢٥٧/٥، والبغوي (٢٦٧٦) من طريق
علي بن يحر، به، وقرن البغوي بأبي سعيد الخدري أبا هريرة. وأفرده بنفس الإسناد
أبو داود (٢٦٠٩)، والبيهقي ٢٥٧/٥ عن أبي هريرة.
- ٣٢ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
وأما إذا لم يكن كذلك، فَلَيْسَ له رَدُّهُ ولا إبطالهُ، وكان عليه أن
يُمضيه كما يُمضي حُكْمَ حاكِمٍ كان قبلَه مِن الحكام.
وممن كان يقول ذلك مِن أهل العلم ابنُ أبي ليلى، وفقهاءُ المدينة،
وقد كان الشافعيُّ قال القولين جميعاً.
وكان أولى القولين عندنا في ذلك وأشبَهَهما بالحق ما قاله ابنُ
أبي ليلى وأهلُ المدينة فيه لإجماعهم، ومَنْ خالفهم على ما يُوجب
ذلك، وذلك أنا رأيناهم لا يختلِفُون أن ذينك الرجلين لو ارادا بعد ما
كان مِن ذلك الحكم ما كان مِن الحُكم بينهما رَدَّ ذلك الحكم عنهما،
أو أراده أحدُهما قبل أن يصيرَ إلى الحكم أن ذلك ليس لهما ولا لِواحد
منهما، إذ كان قد لزمهما بحكم الحكم فيه بينَهما بما حكم بينهما فيه،
ولما كان ذلك كذلك في لزمه إياهما قبلَ أن يصيرَ إلى الحاكم، ثم صار
إلى الحاكم، وهو لازمٌ لهما، وكان سبيلُ الحكام فيما يتناهى إليهم مما
قد لزم قَبْلَ ذلك شدُّه لا إبطالُه، وجب عليه بذلك شدُّ ما كان من
ذلك الحكم بين ذينك الرجلين، وإمضاؤه بينهما كما يمضي حُكم
حاكم حُكم بينهما من حكام الأئمة الذين يُولونهم الأحكام بينَ
الناسِ، والله الموفق.
- ٣٣-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤١٤- بابُ بيانِ مُشْكِل ما اختلف أهلُ العلم في کیفیة
الشهاداتِ في الحقوقِ عندَ الحكّام بما رُوِيّ عن رسول الله
* في ذلك
حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ محمد الصيرفيّ، قال: حَدَّثَنَا عارِمُ بنُ الفضلِ،
قال: حَدَّثْنَا أبو عَوانة، عن المغيرةٍ، عن إبراهيم، أنَّ عبد الرحمن بن يزيد
شَهِدَ بشهادةٍ عندَ يزيدَ بنِ أبي مسلم، فقال: أتشهدُ بشهادةِ اللهِ عَزَّ
وجَلَّ؟ قال: أشهدُ شهادةَ نفسي، فأعادَ عليه مَرَّتَيْنِ كُلَّ ذلك يقولُ:
أشهدُ شهادةَ نفسي.
حكى لنا عليُّ بنُ عبد العزيز، عن أبي عُبيدٍ، قال: حَدَّثْنَا حجاجٌ
-يعني ابن محمد-، عن شُعبة، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبد الرحمن
بن يزيد: أنَّ يزيدَ بنَ أبي مسلم، قال له: أتشهدُ بشهادةِ اللهِ؟ فقال: لا،
ولكني أشهدُ شهادتي، قال حجاج: قال شعبةُ: وشهدتُ عند سَوَّار،
فقال لي: أتشهدُ بشهادة الله عز وجل؟ فقلت: لا، وحدتْته بهذا
الحديثِ، فقال: لَعَمْرِي بشهادِتِكَ.
قال أبو جعفر: فكان في هذه الحكاية عن سَوَّارِ طلبه الشهادةَ من
شعبة على ما حَضَّرَ لِيشهد به عنده أن تكونَ شهادته على ذلك عنده
بشهادَةِ الله عز وجل على ما يَشْهَدُ به، وهذا القولُ، فقد وجدنا فقهاءَ
الأمصارِ جميعاً على خلافِه، وأن الشهادةَ المطلوبةَ في ذلك شهادةُ
الشُّهودِ على شهادات أنفسهم، لا على شهادةِ الله بها على من
يَشْهَدُونَ بها عليه.
- ٣٤ -
کتاب القضاء والأحکام والحدود
وقد رُوِيَ مثلُ ذلك عن شُريح
كما قد حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حَدَّثَنَا أسدُ بنُ موسى،
قال: حَدَّثْنَا حماد بنُ زيد، عن أيوبَ وهشامٍ، عن محمد بنِ سيرين، أن
رجلاً شهد عند شُرَيْحٍ بشهادِةٍ، فقال: أشهد بشهادة اللهِ، فقال شُرَيحٌ:
لا تَقُلْ شادَةَ اللهِ، فإنَّ اللهَ لا يَشْهَدُ إلَّ على حَقِّ، ولكن اشْهَدْ
بشھَادَتِكَ.
ثم نظرنا: هل رُوِيَ عن رسول الله {﴾ في ذلك شيءٌ يَدُلُّ على
المستعملِ فيها، أم لا؟
٣١١٢- فوجدنا فهدَ بنَ سُليمان قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا أبو
اليمان،، قال: حَدَّثْنَا شعيبُ بنُ أبي حمزة، عن الزهريِّ، قال: حدثني
عُمارَةُ بنُ خزيمة الأنصاريُّ: أنَّ عمه حدَّثه - وهو من أصحابِ
النَِّ ﴿ -: أنَّ رسولَ الله ﴿ ابتاعَ فرساً مِن أعرابِيِّ، فاسْتَنْبُعَهُ، لِيقضيه
ثمن فرسِه، فأسرعَ النِبُّ الَمَشْيَ، وأبطأ الأعرابيُّ، فَطَفِقَ رجالٌ يعرِضُون
الأعرابيَّ، فيُساومُونَه بالفَرَسِ، لا يشعرون أن النبيَّ ◌ِ﴿ٌ ابتاعَه حتى زادَ
بعضُهم الأعرابيَّ في السَّوْمِ على ثمنِ الفرسِ الذي ابتاعه به النبيُّ، فنادى
الأعرابيَّ النبيَّلَ﴿، فقال: إن كنت مبتاعاً لهذا الفرسِ، فَابْتَعْهُ، وإلا بِعْتُه،
فقام النبيُّ ◌َ﴿﴿ حينَ سَمِعَ نِداءً أعرابي، فقال: ((أَوَلَيْسَ قد ابتعتُهُ منكَ؟))
فقال الأعرابيُّ: لا، والله ما بَعْتُكَ، فقال النبيُّمَ﴾: ((بلى قد ابتعتُه
منكَ))، فطَفِقَ الناسُ يلوذونَ بِالنِّ ﴾ والأعرابيِّ وهما يتراجَعان،
من
وطَفِقَ الأعرابيُّ يقولُ: هَلُمَّ شهيداً يَشْهَدُ أَنّي قد بايعتُك، فمرَّ رَجُلٌ مِن
المسلمين، فقال الأعرابيُّ: ويَلَكَ، إنَّ النبيَّ لَ﴿ لم يَكُنْ يَقُولُ إِلاَّ حقّاً،
- ٣٥ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
حتى جاءَ خُزَيْمَةَ، فاستمع لِمراجعة النبيِّ ◌َ﴿ ومراجعةِ الأعرابيِّ، وهو
يقولُ: هلم شهيداً يَشْهَدُ لكَ أَنّي قد بايعتك، فقال خُزيمة: أنا أُشهدُ
أنك قد بايعتَه، فأقبلَ النِيُّ:﴿ على حُزَيْمَةَ، فقال: ((بِمَ تَشْهَدُ؟)) فقال:
بتصديقِكَ يا رسولَ الله، فجعل رسولُ الله ﴿ شهادةَ خُزيمة شهادةً
رجلين(١).
قال: فكان في هذا الحديثِ مِن شهادةِ خزيمة على الأعرابيِّ
لِرسول الله ﴿﴿ عندَ حاجتِه إلى الشهادة له على ما جَحَدَه إِيَّاه الأعرابي،
بأن شَهِدَ له على بيعه إيّاه، لا على أن شَهِدَ له بشهادةِ اللهِ عز وجل
على بيعه إِيَّاه، فاستحقَّ بذلك الشرفَ والرتبة التي خصَّه اللهُ بهما، فدلَّ
ذلك أن الشهاداتِ كُلُّها عندَ الحكّام على الحقوقِ كذلك، على ما
كان سَوَّارٌ ذَهَبَ إليه فيه.
ثم وجدنا ما هُوَ أعلى من هذا، وهو ما ذكره الله في كتابه في آيةٍ
اللّعان من قوله عز وجل: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِ هِمْ أَرَبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾ [النور:
٦]، ولم يَقُلْ: شهادةُ أحدِهم بشهادةِ الله عز وجل بما يشهد به في
اللّعان، وفي ذلك دليلٌ على كيفية الشهاداتِ على الحقوق، أنها كما
ذكرنا، لا على ما كان سَوَّارٌ كَلَّفَ شعبةَ في شهادته عندَه، وفي ذلك
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار) ١٦٤/٤ بإسناده ومنته. إلا أنه
في ((شرح معاني الآثار)): أخبرني عمارة بن خزيمة الأنصاري أن عمر حدثه.
ورواه أبو داود (٣٦٠٧) من طريق الحكم بن نافع، عن شعيب، به.
ورواه النسائي ٣٠١/٧ -٣٠٢ من طريق الزبيدي، عن الزهري، به.
-٣٦-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
معنى يجبُ أن يُوقَف عليه وهو: أنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يعلمُ حقائقَ الأشياءِ
التي لا يَعْلَمُها خَلْقُهُ، وكان قد يجوزُ أن يَشْهَدَ الرجلُ للرجل على
وجوبِ حَقٌ له عليه، ثم يَبْرَأ إليه منه، ويَعْلَمُ اللهُ ذلك منه، ويخفى على
المخلوقين، فَيَسَعُ مَنْ كان عَلِمَ وجوبَ الحقِّ في البدءِ أن يَشْهَدَ بوجوبه
لمدعيه على المدَّعى عليه، والله يشهدُ فيه بخلاف ذلك مما قد أخْفَاهُ
على خَلْقِهِ، وفيما ذكرنا ما قد دَلَّ على ما وصفنا مما بيناه في هذا
الباب، والله نسألهُ التَّوْفِيقَ
-٣٧-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤١٥- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ من البَیِّنَةِ
على المُدَّعي واليمين على المُدَّعى عليه، هَلْ يقومانِ عنه
مِن طریق الإسناد أم لا؟
قال أبو جعفر: الذي وجدناه عن رسول الله مُ﴿ مما لا يَتَدَافَعُ
صِحتَه أهْلُ الأسانيدِ
٣١١٣- ما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريم، حَدَّثَا الفريابيُّ، حَدَّثْنَا نافعُ
بنُ عمر الجمحي، عن ابن أبي مُلَيْكَةً، عن ابن عباس رضي الله عنهما
أن النبيَّ ◌َّ، قال: ((اليمينُ على المُدَّعِى عَلَيْهِ)(١).
٣١١٤- وحَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرنا ابنُ جريج،
عن ابنِ أبي مليكة، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ اللهَ وَّ
قال: (لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَغْوَاهُمْ، لاذَّعى ناسٌ دماءَ قَوْمٍ وأموالَهم،
ولكن اليمينُ على الْمُدَّعَى عليه))(٢).
(١) حديث صحيح، ورواه الترمذي (١٣٤٢) من طريق الفريابي، به.
ورواه البيهقي ٢٥٢/١٠ من طريق إبراهيم بن كثير الصوري، عن الفريابي، عن
سفيان، عن نافع، به. ونقل البيهقي قول الطبراني: لم يروه عن سفيان إلا الفريابي.
ورواه أحمد (٣١٨٨) و(٣٢٩٢) و(٣٣٤٨) و(٣٤٢٧)، وابن أبي شيبة
١٥٦/١٠، والبخاري (٢٥١٤) و(٢٦٦٨)، ومسلم (١٧١١) (٢)، وأبو داود
(٣٦١٩)، وأبو يعلى (٢٥٩٥)، والبيهقي ٢٥٢/١٠ من طرق عن نافع بن عمر، به.
ورواه الشافعي ١٨٠/٢، والطبراني (١١٢٢٥) من طرق عن ابن أبي ملكية، به.
(٢) صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٩١/٣ به.
- ٣٨-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
فنظرنا في هذا الحديث، فوجدنا ابنُ أبي مليكة لم يأخذه عن ابنِ
عباس سماعاً، وإنما أخذه عنه بكتابه به إليه
٣١١٥- كما قد حَدَّثَنَا نَصر(١) بن مرزوق، حَدَّثَنَا خالدُ بنُ نزارٍ
الأيليُّ، أخبرنا نافعُ بن عمر (٢)، عن ابنِ أبِي مُلَيْكَةً، قال: كنتُ عاملاً
لابنِ الزبير على الطائفِ، فكتبتُ إلى ابنِ عباسٍ: إن امرأتين كانتا في
بيتٍ تخرزان حصيراً لهما، فأصابت إحداهما يدَ صاحبتها بالإِشْفَى،
فخرجت وهي تدمي، وفي الحُجرة حُدَّاثٌ، فقالت: أصابتني، فأنكرت
ذلك الأخرى، فكتب إليَّ ابنُ عباسٍ: إن النبيَّ :﴿ قضى أن اليمينَ على
المُدَّعَى عَلَيْهِ، ولو أنَّ الناسَ أُعْطُوا بدعواهم، لادَّعى أُناسٌ مِن الناسِ
دماءَ ناسٍ وأموالَهم. فدعُها فاقرأ عليها هذه الآية: ﴿إِنَّالذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدٍ
اللهِوأمانِهِم ثمناً قليلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]، فقرأتُ عليها الآيةَ، فاعترفَتْ،
ورواه مسلم (١٧١١) (١)، وابن ماجه (١٣٢١)، وابن حبان (٥٠٨٣)،
والدار قطني ١٥٧/٤، والبيهقي ٢٥٢/١٠، والبغوي (٢٥٠١) من طرق عن ابن
رهب، به.
ورواه الشافعي ١٨١/٢، وعبد الرزاق (١٥٩٣)، والبخاري (٤٥٥٢)، والنسائي
في «الكبرى» (٥٩٩٤)، وابن حبان (٥٠٨٢)، والطبراني (١١٢٢٤) و(١١٢٢٥)،
والبيهقي ٢٥٢/١٠ من طرق عن ابن جريج، به.
(١) في المخطوط (إبراهيم)) والتصويب من ((شرح معاني الآثار) ١٩١/٣.
(٢) في الأصل (المخطوط): نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، وهو خطأ.
-٣٩ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
قال نافع: وحَسِبْتُ أنه قال: فبلغ ذلك ابنَ عباس فسرَّه(١).
فوقفنا بذلك على أن هذا الحديثَ إنما حدَّث به ابنُ أبي مليكة
عن كتابِ ابنِ عباس به إليه، لا عن سماعِه إِيَّه منه.
ثم نظرنا: هل رُوِيّ ذلك عن ابنِ عباس بمعنى أقوى مِن معنى
المكاتبة؟
٣١١٦- فوجدنا إبراهيمَ بنَ مرزوق قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا
حَبَانُ بنُ هلال، حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي
يحيى، عن عبد الله بنِ عباس: أنَّ رَجُلَيْنِ اختصما إلى النبيِّلَ﴿، فسأله
رسولُ الله ◌ِ﴿ الطالبَ البينةَ على ما ادَّعى عنده، فلم يكن له بَيِّنَةٌ،
فاستحلفَ المطلوبَ: باللهِ الذي لا إله إلا هُوَ، [فحلف بالله الذي لا إله
إلا هو]، فقال رسولُ اللهِ وَ﴿: ((إِنَّك قد فَعَلْتَ، ولكن الله قد غَفَرَ لَّكَ
بقولِك: لا إله إلا الله)(٢).
(١) رواه النسائي ٢٤٨/٨ من طريق يحيى بن أبي زائدة، عن نافع، به.
(٢) إسناده ضعيف. عطاء بن السائب قد اختلط بأخرة، وقد عدَّ الإمام الذهبي
هذا الحديث في ((الميزان)) ٧٢/٣ من مناكيره.
ورواه أحمد (٢٢٨٠) و(٢٦١٣) و(٥٣٧٩)، وأبو داود (٣٢٧٥)، واليبهقي
٣٧/١٠ من طرق عن حماد بن سلمة، به.
ورواه أحمد (٢٦٩٥) و(٢٩٥٦)، وأبو داود (٣٦٢٠)، والنسائي في («الكبرى))
(٦٠٠٦) و(٦٠٠٧)، والحاكم في ((المستدرك)) ٩٥/٤-٩٦ من طرق عن عطاء بن
السائب، به. بألفاظ متقاربة، وفي رواية أحمد: فنزل جبريل على النبي *، فقال: إنه
كاذب، إن له عنده حقه، فأمره أن يُعطيه حقه، وكفارةُ يمينه معرفته أن لا إله إلا الله،
- ٤٠-