النص المفهرس

صفحات 481-500

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
فكانُ جوابُنا في ذلك أنَّ الأشياءَ إذا كَثُرَتْ، واتَّسَعَتْ أعدادُها،
جازَ أن يُضاف إلى كلِّها ما يُرادُ به بعضُها دونَ بَقِيتِها، ومن ذلك قولُ
اللهِ لنبِّه في كتابه: ﴿وَكَذِّبَ بِهِقَوْمُكَ﴾ [الأنعام: ٦٦]، ولم يُرِدْ بِهِ كُلَّ
قومه، وإنما أراد منهم المُكَذّبين له في ذلك، لا الْمُصَدِّقِين له فيه، وقولُه
له: ﴿ وَأََّذِكْرُّلك ويقومِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، فلم يُرِدْ بذلك قومَهُ
الُكَذّبِين له على ذلك، وإنما أرادَ به قومَه الْمُصَدِّقين له عليه.
ومثلُ ذلك ما كانَ منه في قُنوتِه في صلاة الصُّبْح من قوله فيه:
((واشدُدِ اللَّهُمَّ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ، وَاجْعَلْها عَلَيهم سِنينَ كسِنِي
يوسُف)).
٢٨٨٣- حدثناه المُزني، أخبرنا الشافعي، حَدَّثْنَا ابنُ عيينة، عن
الزُّهري، عن سعيد، عن أبي هريرة(١).
٢٨٨٤- وحدثنا يونس [أخبرنا ابن وهب]، أخبرني يونس بن
يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد، وأبي سلمة أنهما سمعا أبا هريرة
يقولُ ذلك أيضاً(٢).
(١) حديث صحيح، وهو في ((السنن المأثورة)) للشافعي (١٦٠) برواية الطحاوي
عن المزني. ورواه أحمد ٢٣٩/٢، والحميدي (٩٣٩)، والبخاري (٦٢٠٠)، ومسلم
(٦٧٥)، والنسائي ٢٠١/٢، وابن ماجه (١٢٤٤) من طريق سفيان بن عيينة، به.
(٢) حديث صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار) ٢٤١/١. ورواه مسلم
(٦٧٥) (٢٩٤) عن أبي الطاهر وحرملة بن يحيى، قالا: أخبرنا ابن وهب، به.
ورواه أحمد ٢٥٥/٢، والدارمي ٣٧٤/١، والبخاري (٤٥٦٠)، والنسائي
-٤٨١-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
فلم يُرِدْ بقولِه: ((واشدُدِ اللَّهُمَّ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ) كُلَّ مُضر،
وكيف يكونُ ذلك وهو مِن مُضَر، وخيارُ مَنْ خَلْفَهُ في صلاتِهِ تِلْك من
مُضَر الذين لا أمثالَ لهم، ولكن كانَ قولُه: ((على مضر) يُريدُ به مُضر
المخالفةَ عليه، التي من أجلِ خلافِها عليه، كانَ قُنوتُه ذلك دُون مَنْ
سواها من مُضر.
ومثلُ ذلك نهيهُ عليه السَّلامُ عن كسبِ الإِماءِ، هُنَّ الإماء المذمومُ
أكسابُهن لا الإماءُ المحمودةُ أكسابُهُنَّ.
وقد بيَّن ذلك في حديثٍ رواه عنه أبو هريرة:
٢٨٨٥- كما حَدَّثَنَا يونُس، حَدَّثْنَا ابنُ وهب، حدثني مُسلمُ بنُ
خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: نَهَى
رسولُ الله ﴿ عن كَسْبِ الأَمَةِ إلاّ أنْ يكونَ لها عَمَلٌ واصبٌ، أو
كَسْبٌ يُعْرِفُ(١).
٢٠١/٢ - ٢٠٢، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٤٢/١ من طريقين عن ابن
شهاب الزهري، به. ورواه أحمد ٢٧١/٢ من طريق معمر، عن الزهري، عن أبي
سلمة، به. ورواه أحمد ٤٧٠/٢ و٥٠٢ و٥٢١، والبخاري (٤٥٩٨) و(٦٣٩٣)
و(٦٩٤٠)، ومسلم (٦٧٥) (٢٩٥)، وأبو داود (١٤٤٢)، والطحاوي ٢٤١/١
و٢٤٢ من طرق عن أبي سلمة، به. ورواه أحمد ٣٩٦/٢ و٤١٨، والبخاري
(١٠٠٦) و(٢٩٣٢) من طريقين عن أبي هريرة. ورواه البخاري (٨٠٤) من طريق
شعيب، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي سلمة، عن أبي هريرة.
(١) مسلم بن خالد: هو الزنجي، سيئ الحفظ. ورواه البيهقي ٨/٨ من طريق
-٤٨٢-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
فَدَلَّ ذلك أن الكسبَ الذي دَخَلَ في نهيهٍ في الحديث الأول، هو
النهيُ الذي نَهَى عنه في هذا الحديث.
وكذلك كان مِنْ عثمانَ بنِ عَفَّان في خُطبِه على الناس.
٢٨٨٦- كما حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ أن مالكاً حدثه.
وحَدَّثَنَا ابنُ مرزوق، حَدَّثْنَا أبو عامرٍ، حَدَّثْنَا مالك، عن عمِّه أبي
سُهَيل بنِ مالك، عن أبيه، أنه سَمِعَ عُثمانَ يخطُبُ وهو يقولُ: لا
تُكَلِّفُوا الأمّةَ غيرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الكَسْبَ، فإنكم مَتَى كَلَّفْتموها ذلك،
كَسَبَتْ بِفَرْجها، ولا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الكَسْبَ، فإنّه إن لم يَجِدْ يَسْرِقْ،
وعِقُوا إذ أَعَفَّكُم الله عز وجلَّ، وعليكم مِن المطاعِمِ بما طَابَ(١).
٢٨٨٧ - وكما حَدَّثْنَا يوسُفُ بنُ يزيد، حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ منصور،
حَدَّثْنَا عبدُ العزيزِ الدَّرَاوَرْدي، عن أبي سهيل، عن أبه قال: سمعت
عثمانَ يخطُبُ .. ثم ذكر مثلَه.
وكانت خطبته هذه على أصحاب رسول الله #، الذين قد
سَمِعُوا منه نهيَه عن كَسْبِ الإِماءِ، فلم يَرُدُّوا ذلك عليه، ولم يُخالِفُوه
فيه، فدَلَّ ذلك على متابعتِهِم إِيَّه عليه، وعلى أنَّ ما سَمِعُوا من رسولِ
الله ﴿ بنهيه عن كسبِ الإِماء إنما هو المذمومُ منها، لا المحمودُ منها.
محمد بن عبد الله بن الحكم، عن ابن وهب، به.
(١) إسناده صحيح، وهو في (الموطأ) ٩٨١/٢، ومن طريق رواه البيهقي ٨/٨-٩.
ورواه ابن أبي شيبة ٣٦/٧ عن سفيان، عن أبي النضر، عن أبي أنس مالك بن
أُبي عامر، به.
- ٤٨٣-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
٣٨٧- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في الولاءِ
بالموالاةِ
٢٨٨٨- حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ كثير
العَبْدِيُّ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيمَ التيمي،
عن أبيه، عن علي رَضِيَ الله عنه قال: قال رسولُ اللهِعَ﴾: ((مَنْ وَالى
قوماً بَغِيْرِ إِذْنِ مواليه، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والملائكةِ والنّاسِ أَجْمَعِينَ لا
يَقْبَلُ الله منه عَدْلاً ولا صَوْفَا)(١).
٢٨٨٩ - وحَدَّثْنَا أبو أمية، قال: حَدَّثْنَا عُبيد الله بنُ موسى
العبسي، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن الأعمش، فذكر بإسناده مثلَه.
٢٨٩٠- حَدَّثْنَا يزيد، قال: حَدَّثْنَا حكيمُ بنُ سَيفٍ الرَّقّي، قال:
حَدَّثَنَا عُبِيِّدُ اللهِ بنُ عمرو، عن زيدِ بنِ أبي أُنيسة، عن سُليمان - يعني
الأعمش- ثم ذكر بإسناده مثله.
قال أبو جعفر: ففيما روينا من هذا الحديث عن رسول الله قال:
ما قد دَلَّ أَنَّه جائزٌ للرجلِ أن يتولَّى الرجل، فيكون بذلك مولى بعدَ
قبولِه ذلك منه، لأَنَّه لَمَّا مَنَعَه أن يتولاَّهُ بغير إذن مواليه وهُمُ الَّذين
كانوا موالِيَه قبلَ ذلك، كانَ في ذلك ما قد دَلَّ أن له أنْ يتولاه بإذنهم
(١) حديث صحيح، ورواه البخاري (٣١٧٩)، وأبو داود (٢٠٣٤)، وابن حبان
(٣٧١٧)، والبيهقي ١٩٦/٥ عن محمد بن كثير العبدي، به.
ورواه أحمد ١٢٦/١، والبخاري (١٨٧٠)، والنسائي في الحج من ((الكبرى)) كما
في ((التحفة) ٤٥٨/٧ عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، به.
-٤٨٤-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
إياهُ بذلك وبإطلاقهم إِيَّه له، وفي ذلك ما قد دَلَّ على أنّه كانَ مولىٌ
لهم بخلاف العتاقِ، لأنه لو كان مولى لهم بعتاقهم إياه، لما كان له أن
يوالي غيرهم، ولا أن يكون مولى لأحدٍ سواهم، أذِنُوا له في ذلك أو لم
یأُذُنُوا له فیه.
٢٨٩١- حَدَّثَنَا يزيدُ بن سنان، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرِ الحَنَفي،
قال: حَدَّثْنَا ابنُ أبي ذئبٍ، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة
بن عبد الرحمن أنَّ مروانَ قالَ لهم: اذهبوا، فأصلحوا بين هذينِ سعيدِ
بن زيد وأرْوَى ابنةٍ أويس، فذهبنا، فقُلنا: مالَكَ ولهذهِ المرأة؟ فقال:
أتروني أخَذْتُ من حقِّ هذهِ المرأة شيئاً، وأشهدُ لَسَمِعْتُ رسولَ الله
* يقولُ: «مَنْ أَخَذَ شيئاً من الأرضِ طُوِّفَهُ من سبعٍ أَرَضينَ، ومَنِ
اقتطعَ من مالِ امرىءٍ مسلمٍ بيمينه، فلا بُورِكَ له فيه، ومَنْ
تَوَلَّى مولَى قومٍ بغير إذن أهلهِ، فعليه لعنةُ الله عز وجل، لا يَقْبَلُ اللهُ
عز وجل منْهِ صَرْفاً ولا عَدْلاً)(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحدث من قولِ رسول الله {﴿: ((ومَنْ
تولَّى مولَی قومٍ بغيرِ إِذْنِ أهلِه فَعَلَيْهِ لعنةُ اللهِ».
ففي ذلك ما قد دَلَّ أنه جائزٌ له أن يتولاه بإذن أهله له في ذلك.
وقد رُوِيَ هذا الحديثُ بغيرِ هذا اللفظ:
(١) رواه أحمد ١٨٨/١-١٨٩ و١٩٠، وأبو يعلى (٩٥٥)، والبزار (١٣٤٦)
من طريقين عن ابن أبي ذئب، به. وذكره الهيثمي في («المجمع)) ١٧٩/٤ وقال: رواه
أحمد، ورجاله ثقات، ورواه البزار باختصار وأبو يعلى بتمامه.
- ٤٨٥ -

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
٢٨٩٢- كما حَدَّثْنَا الربيعُ بن سُليمانَ المُرادي، قال: حَدَّثَنَا
خالدُ بنُ عبدِ الرحمن الخراساني
٢٨٩٣- وكما حَدَّثْنَا سليمانُ بن شعيب الكَيْساني، والربيعُ بنُ
سليمان بنِ داود الأزْدي، قالا: حَدَّثْنَا أسدُ بنُ موسى: حَدَّتَنَا ابنُ أبي
ذئب، ثم ذكرَ بإسنادِهِ مثلَه، غير أنَّهم قالوا: ((ومَنْ تَوَلَّى مولىّ بغيرِ
إذنِهِ، فَعَلَيْهِ لعنةُ الثّهِ).
قال: فكانَ في ذلك أيضاً ما قد دَلَّ نه جائزٌ له أن يتولاه بإذنِهِ.
٢٨٩٤- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن ابنِ
جُريج، عن أبي الزُّبير، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال:
كُتَبَ النِيُّ مَ﴿َ على كُلِّ بطنٍ عُقُولَهُ، وقال: ((لا تولّى مَوْلى قوماً إلا
بإذنِهم)) قال: ووجدتُ في حصيفتِه: ((ولعن ... ))(١).
ففي هذا الحديثِ أيضاً أن لا يتولَّى مولىّ قوماً إلا بإذنهم، وفي
ذلك ما قد دَلَّ أنَّ له أنْ يتولاَّهم بإذنِهم، وكان في هذه الآثار كلِّها
إثبات الوَلاءِ قبلَ هذا التّوّي على المتولي بقومٍ آخرين.
(١) حديث صحيح، ابن جريج وأبو الزبير صرحا بالتحديث في بعض الروايات،
ووراه النسائي ٥٢/٨، والبيهقي ١٠٧/٨ من طرق عن أبي عاصم، به.
ورواه عبد الرزاق (١٦١٥٤)، ومن طريق أحمد ٣٢١/٣، ومسلم (١٥٠٧)،
والبيهقي ١٠٧/٨-١٠٨، ورواه أحمد ٣٢١/٣، وأبو يعلى (٢٢٢٨) من طريق
روح، کلاهما (عبد الرزاق، وروح) عن ابن جريج، به.
ورواه أحمد ٣٤٢/٣ و٣٤٩ من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير، به.
-٤٨٦-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
ففي ذلك ما قد دَلَّ على أنّه جائزٌ للرجل أن يتولَّى الرجلَ
بموالاتِه إِيَّاه، وبقبول الذي يتولاه ذلك منه، وفي ذلك إطلاقُ وجوب
الولاء بغير العتاق كما يقول العراقيون في ذلك. وقد عارضَهم معارضٌ
من الحجازيين في ذلك بما قد رُوِيَ، عن رسول الله ﴿ من قوله: ((إنّما
الوَلاءُ لِمَنْ أعْتقَ)، وسنذكرُ ذلك في أسانيده في غيرِ هذا الموضع من
كتابنا هذا مما هو أولى به من هذا الموضع إن شاء الله تعالى.
فكان مِن الحُجةِ عليه في ذلك لمخالفيهِ فيه أنَّ الذي ذكرَه عن
رسولِ الله ﴿ كما ذكره، وهو مقصودٌ به إلى الولاء بالعتاقِ، لا إلى
الوَلاءِ بما سواه، وقد وجدنا الشيء يُقْصَدُ إليه بمثل هذا القول، ولا يمنع
أن يكونَ في شيءٍ سواه شيءٌ من ذلك الجنس، من ذلك قوله عز
وجل: ﴿إِنَّا الصَّدَقَاتُ للفقراء والمساكينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠].
فكان ذلك نفياً منه أن تكونَ تلك الصدقاتُ - وهي الزكوات-
لسوى مَنْ سَمَّى الله في هذه الآية، ولم يمنَعْ عزَّ وجل بذلك أن يكونَ
هناك صدقاتٌ سوى الزكواتِ لقومٍ آخرین سوى الأصنافِ المذكورين
في هذه الآية، وهي الصدقاتُ من بعض الناس على بعضٍ ثَمّنْ ليس
بفقيرٍ ولا بمسكين، ولا مِنْ صنفٍ من الأصناف المذكورين في هذه
الآية، وكان ما في هذه الآية على الزكوات خاصةً، وكان ما سواها
مِن الصدقات بخلافِها، ولأهلِ سوى أهلها، فمثلُ ذلك قولُه ◌َ﴾ في
الولاء: ((إنّما الولاءُ لمن أعتقَ)) هو على الولاء بالعتاق، ولا يمنع ذلك
أن يكون هناك ولاء سواه، وهو الولاء الذي قد ذكرَه رسولُ الله ل﴿
-٤٨٧-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
في أحاديثِ علي، وسعيدٍ بنِ زيد، وجابرِ بنِ عبد الله رضوانُ الله
عليهم بالمولاةٍ، وتصحيح أحاديث علي وسعيد وجابر رضوان الله
عليهم، عن رسولِ الله﴿ أنَّ الولاءَ قد يكونُ بالمولاة وأن يكونَ
للمولَى أن يَنْتَقِلَ بولائه عن مَنْ كان مولىٌّ له بها إلى مَنْ سواه مِنَ
الناس بإذنٍ مَنْ ينتقل به عنه، وبإذنٍ مَنْ ينتقلُ به إليه، وأن لا يكونَ
مولىّ لمن ينتقلُ إليه إلا بهذه الثلاثة الأشياء لا بدونها.
وقد كان أبو حنيفة، وأبو يوسفَ، ومحمَّدٌ يذهبون إلى وجوب
الولاء بالموالاةِ على ما في هذه الأحاديث، ويذهبون إلى أنَّ للمولى أن
ينقُلَ ولاءه إلى مَنْ شاء نقلَه إليه، رَضِيَ مولاه الأولُ بذلك أو كَرِهَه
ما لم يكُنْ عَقَلَ عنه جنايةً جناها، فإنَّه إن كانَ ذلك، لم يكُنْ له في
قولهم أن ينقُلَ ولاءه عنه على حالٍ مِنَ الأحوالِ.
والذي قد رويناه عن رسول الله :﴿ مما قد بيَّنًا معانيه، وكشفناها في
هذا الباب أولى مما قالوا فيهِ نَّا يُخَالِفُ ذلك، لأنّه ليس لأحدٍ أن
يتخلَّفَ عن رسولِ اللهِ﴾ في قولٍ ولا في فعلٍ إلا فيما أبانَه الله عَزَّ
وجَلَّ به من سائر أمته، وجعلَ حکمه فیه خلاف احکامِھم فیه، ولیس
في أحاديثِ رسولِ الله ﴿ هذه ذكرُ عَقْلِ جنايةٍ، فدَلَّ ذلك على أنْ لا
معنى لِمُراعاة عقولِ الجنايات في ذلك، والله نسأله التوفيقَ.
- ٤٨٨-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
٣٨٨- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول اللهِ ﴾ فیما یَدُلُّ
على مراد الله عز وجل بقوله في آیة المكاتبین: ﴿وآتُوهُم مِن
مال الله الذي آتاكم﴾ [النور: ٣٣]
٢٨٩٥- حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبدِ العلى، حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ وهب،
قال: أخبرني رجالٌ مِن أهلِ العلمِ، منهم يونُسُ بنُ يزيد، والليثُ بنُ
سعد، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبيِّ ◌ِ *
رَضِيَ الله عنها، قالت: جاءت بريرةُ إليَّ، فقالت: يا عائشةَ إني قد
كاتبتُ أهلي على تسعِ أواقٍ في كُلِّ عامٍ أُوقية، فأعينيني، ولم تَكُنْ
قَضَتْ مِن كتابتها شيئاً، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلِكِ، فإن
أُحُبُّوا أن أُعْطِيَهُم ذلك جميعاً، ويكون ولأُؤك لي، فعلتُ، فَذَهَبَتْ إلى
أَهْلِها، فعَرَضَتْ ذلك عليهم، فأبَوْا، وقالُوا: إن شاءت أن تحتسِبَ
عليكِ، فَلْتَفْعَلْ ويكونُ ولأُؤك لنا، فذكرتُ ذلك لرسولِ الله ◌ِ﴾،
فقال: ((لا يَمْنَعكِ ذلك منها، ابتاعِي، فأعتِقي، فإنّما الوَلاءُ لِمَنْ
أعْتَقَ)، وقام رسولُ الله ﴿ في النّاس، فحِمِدَ الله، وأثنى عليه، قال:
((أما بَعْدُ: فما بَالُ أُنَاسٍ يشترِطُونِ شُروطاً ليست في كتاب اللهِ، مَنْ
شَرَطَ شرطاً لَيْسَ في كتاب الله عز وجَلَّ، فهو باطلٌ، وإن كان منة
شَرْطٍ، قضاءُ اللهِ أحقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أوثقُ، وإنّما الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)(١).
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار) ٤٣/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ٨١/٦-٨٢ و٢٧١- ٢٧٢، والبخاري (٢٥٦١) و(٢٧١٧)،
-٤٨٩-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
٢٨٩٦ - حَدَّثْنَا يونسُ، أنبأنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني عمرو بنُ
الحارث والليثُ بنُ سعد، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة،
عن النبيِّ : ﴿ بذلك(١).
٢٨٩٧- وحَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهْبٍ أن مالكاً أخبره
عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة رضيَ الله عنها أنها قالت:
جاءت بَرِيرةُ إلى عائشةَ رضي الله عنها، فقالت: إني كاتبتُ أهلي على
تسعٍ أوَاقٍ فِي كُلِّ عامٍ أوقيةٌ، فقالت عائشة: إن أحَبَّ أهلُك أن أعُدَّهَا
لهم، ويكون ولاُؤك لي، فعلتُ، فَذَهَبَتْ بريرةُ إلى أهلِها، فقالَتْ لهم
ذلك فأَبَوْا ذلك عليها، فجاءت مِن عِنْدِ أهلِها ورسولُ اللهِ﴿ حالِسٌ،
فقالت: إنّي قد عَرَضْتُ ذلك عليهم، فأبَوْا إلا أن يكونَ الوَلاءُ لهم،
فسَمِعَ ذلك رسولُ اللهِ﴿، فسألها، فأخبرته عائشة، فقال رسولُ
اللَّه ◌َّ: ((خُذِيها واشتَرِطِي الْوَلاَءَ هم فإِنَّ الوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ) ففعلت
ومسلم (١٥٠٤)، والبيهقي ٣٣٨/١٠ من طرق عن الليث، به.
ورواه أحمد ٣٣/٦، والبخاري (٢١٥٥) من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن
الزهري، به.
(١) إسناده صحيح، ورواه مطولاً ومختصراً عبد الرزاق (١٦١٦٤)، وابن أبي
شيبة ١٣٧/٧، وأحمد ٢٠٦/٦ و٢١٣، والبخاري (٢٥٦٣) ومسلم (١٥٠٤) (٨)،
وابن ماجه (٢٥٢١)، والبيهقي ٣٣٦/٥ و٣٣٨، والخطيب في ((تاريخ بغداد) ٣٢/٣
من طرق عن هشام، به.
- ٤٩٠-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
عائشةُ، ثم قام رسولُ الله ﴿ في الناس، ثم ذكر بقية الحديث (١).
قال أبو جعفر: ففي هذين الحديثين ما قد دَلَّ على أنَّه لا يجبُ
على مَنْ كاتب عبدَه وضعُ شيءٍ من كتابته عنه، وأن قولَ اللهِ تعالى:
﴿وَأُوهُمْ مِنْ مَالِاللهِالَّذِيِ آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] على الحثّ والحضرِّ
على الخير من معونة المكاتبِينَ ممن كاتبهم ومِمن سواهم من أموالهم
حتى يُعْتَقُوا بخروجهم من مكاتباتِهم، كما قال هذا القولَ من قالَه مِن
أهلِ العلم، منهم أبو حنيفة، وومالكٌ، والثوريُّ، وزُفُر، وأبو يوسف،
ومحمد، وخلاف ما قاله مَنْ سِواهم مِن أهل العلم، منهم الشافعيُّ
وذهبوا إلى أن تأويلَ قوله عز وجل: ﴿وَتُّوهُمْ مِنْ مالِ اللهِالّذِي آتَاكُمْ﴾
على الوجوبِ والحتم، لا على الندبِ والحضِّ، وعلى أن ذلك مِن
المكاتبة التي يُکاتبونهم عليها.
وفي الحديثين اللَّذينِ روينا وقوفُ رسولِ اللهِ﴿ على أنَّ بريرةً لم
تكن قضت من كتابتها شيئاً، وعلى قول عائشة لها: ارجعي إلى أهلِكِ،
فإن أحبُّوا أن أعطَيهم ذلك جميعاً، أو أعُدِّهَا لهم جميعاً، ويكون ولأُؤك
لي، فعلتُ، وترك رسول الله ﴿ إنكارَ ذلك عليها، فدلَّ ذلك وجوبٍ
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٤٥/٤ بإسناده ومتنه.
وهو في ((الموطأ) ٧٨٠/٢، ومن طريق مالك أخرجه الشافعي ٧٠/٢ و٧٠-٧١
و٧١- ٧٢، والبخاري (٢١٦٨) و(٢٧٢٩)، ومسلم (١٥٠٤)، وأبو يعلى
(٤٤٣٥)، وابن حبان (٤٣٢٥)، والبيهقي ١٠٣٣٦، والبغوي (٢١١٤). ويرويه
بعضهم مطولاً وبعضهم مختصراً.
-٤٩١-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
المكاتبة كُلِّها للمكاتّبين على المكاتِبِينَ، لأنه لو كان الوضع واجباً
عليهم منها لِمَن يُكاتبوه، لقال لِعائشة: ولِمَ تَدْفَعِينَ إليهم عنها ما لا
يَجِبُ لهم عليها، وما قد أوجبَ الله عز وجلَّ لها عليهم إسقاطُه عنها،
ومثلُ ذلك أيضاً ما قد رُوِيَ عنه:﴿ فيما كان منه في جويرية ابنةٍ
الحارث بنِ أبي ضرار
٢٨٩٨- كا قد حَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، حَدَّثْنَا أسدُ بنُ
موسى، حَدَّثْنَا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة، حَدَّثْنَا محمد بن إسحاق،
حدثني محمدُ بنُ جعفر بن الزبير، عن عُروة، عن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها،
قالت: لما أصابَ رسولُ اللهِلَّ سبايا بني الْمُصْطَلِقِ، وقعت جويريةُ ابنة
الحارثِ في سهمٍ لثابتٍ بن قيس بن شَمَّاس، أو لابنِ عمّ له، فكاتبت
على نفسِها، قالت: وكانت امرأةً مُلاحة لا يكادُ يراها أحَدٌ إلا أخَذَتْ
بنَفْسِهِ، فأتت رسولَ الله:﴿ تستعينُه في مكاتبتها، فواللهِ ما هُو إلا أن
رأيتُها على بابِ الحُجرة، فكرهتُها، وعرفتُ أَنَّه سيرى منها مثلُ الذي
رأيتُ، فقالت: يا رسول الله أنا جُويرية ابنةُ الحارث بنِ أبي ضرارٍ سيد
قومِه، وقد أصابني من الأمرِ ما لم يَخْفَ، فوقعتُ في سهمٍ لثابتِ بنِ
قيس بنِ شماس، أو لابنِ عم له، فكاتبته، فجئتُ رسولَ الله ◌َ﴿ أَستعينه
على كتابني، قال: ((فهل لَكِ في خَيْرِ من ذلك؟)) قالت: وما هُو يما
رسولَ الله؟ قال: ((أقضي عنك كتابتَك وأتزوجِّك))، قالت: نعم، قال:
((قد فعلتُ). وخرج الخبر إلى النّاسِ أنَّ رسولَ اللهِ﴿ٌ تزوَّجَ جويريةَ
ابنةَ الحارث، فقالوا: صِهْرُ رسولِ اللهِينَ﴾ٌ، فأرسلوا ما في
أيديهم، قالت: فلقد أُعْتِقَ بتزويجه إيَّها منهُ أهلِ بيتٍ مِن بني الْمُصْطَلِقِ،
-٤٩٢-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
فلا نعلَمُ امرأةً كانت أعظمَ بركةً على قومها منها(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ أن رسولَ الله :﴿ بَذَلَ لجويريةَ
أداء جميع مُكاتبتها عنها إلى الذي كاتبها، فدلَّ ذلك على أن جميعَ
مكاتبتها قد كانت عليها للذي كاتبها لا حطيطة لها عليه منه، ومثلُ
ذلك ما قد رُويَ عنه أيضاً في سلمان الفارسي
٢٨٩٩- كما حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبد، أنبأنا يعقوبُ بنُ إبراهيم بن
سعدٍ الزهري، قال: حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق (ح)، وكما
حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ بهلول، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ
إدريس الأودي، حَدَّثْنَا محمد بنُ إسحاق، ثم اجتمعا، فقالا: عن عاصم
بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن ابنِ عباس، حَدَّثْنَا سلمانُ
الفارسيُّ حديثَه مِن فيه، قال: قال لي رسولُ اللهِعَ﴿هُ: ((كاتِبْ)، فسالتُ
صاحبي ذلك، فلم أزَلْ به حتّى كاتَني على أن أُخْبِيَ له ثلاثَ مئة نخلة
وبأربعين أوقيةٌ مِن وَرِقٍ، فقال رسولُ اللهِلَ ﴿: ((أعينوا صاحِبَكم
بالنخل))، فأعانني كلُّ رجلٍ منه بقدره بالثلاثين والعشرين والخمسة
عشر والعشرة، ثم قال لي: ((يا سلمانُ اذْهَبْ فَفَقَّرْ لَهَا، فإذا أرَدْتَ أن
تَضَعَها، فلا تَضَعْها حتى تأتيني تُؤْذُنني فأكون أنا الذي أَضَعُها بِيَدِي))
(١) إسناده حسن، ورواه أبو يعلى (٤٩٦٣) عن عبد الله بن أبان، عن يحيى بن
-
ز کریا، به.
ورواه أحمد ٢٧٧/٦ من طريق إبراهيم بن سعد، وأبو داود (٣٩٣١) من طريق
محمد بن سلمة، كلاهما عن محمد بن إسحاق، به.
-٤٩٣-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
فقمتُ في تفقيري، وأعانني أصحابي حتّى فَقْرنا شَرَبَها: ثلاث مئة
وَدِيَّة، وجاء كُلُّ رجلٍ بما أعانني مِن النخل، ثم جاء رسولُ اللهِلَ﴿ه
فجعل يَضَعُها بيده، وجعل يُسوِّي عليها تُرابَها حتّى فَرَغَ منها جميعاً،
قال: والذي نفسي بيده ما ماتت منها واحدة، وبقيت الدراهُم عليَّ،
فبينا رسولُ الله :﴿ في أصحابه إذ جاءهُ رَجُلٌ مِن أصحابه بمثل البَيْضَةِ
مِنْ ذهبٍ أصابها في بعضِ الْمَعَادِنِ يَتصدَّق بها، فقال رسولُ اللهِ لَّ:
«ما فعل الفارسيُّ المسكينُ المكاَتَبُ ادْعُوهُ لي))، فَدُعِيتُ فجئتُ، فقال:
(إِذْهَبْ فأدِّها عَنْكَ فيما عَلَيْكَ مِنَ المالِ))، قلتُ: وأينَ تقعُ هذه مما
علي يا رسولَ الله؟ قال: ((إنَّ اللهَ تعالى سيُؤدِّيها)(١)، واللفظ لفهد.
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث أن رسولَ اللهِ ﴿ لم يأخُذْ
مولى سلمانَ بُحطّ عنه من مكاتّيَتِه، ولا بوضعٍ عنه منها، ففي ذلك
أيضاً دليلٌ على ما ذكرنا.
ثم قد وجدنا أصحابَ رسولِ الله ﴿ قد اختلفوا في تأويل هذه
(١) إسناده حسن، محمد بن إسحاق قد صرح بالتحديث عند غير الطحاوي.
ورواه بأطول مما هنا أحمد ٤٤١/٥ -٤٤٤، وابن سعد ٧٥/٤ - ٨٠، وابن هشام
٢٢٨/١-٢٣٥، والطبراني في ((الكبير)) (٦٠٦٥)، والخطيب في (تاريخ بغداد))
١٦٤/١-٠١٦٩
وقوله: (فقّر لها)، أي: احفر لها موضعاً تُغرس فيه، واسم تلك الحفرة: فُقرة
وفقیر.
والشَّرَبُ، حمع شَرّبة: حوص يكون في أصل النخلة وحولها يملأ ماء لتشربه.
والوَدِيَّة واحدة الوَدِيِّ: فراخ النخل الصغار وهو القسيل.
-٤٩٤-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
الآية كاختلافٍ مَنْ بعدهم في تأويلها، فَرُوِيَ في تأويلها عن علي بن
أبي طالب رضي الله عنه ما قد يُجاوزُه بعضهم به إلى رسول الله ﴿.
٢٩٠٠- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا أبو حُذيفة
موسى بنُ مسعودٍ، عن سفيان الثوري، عن عبد الأعلى الثعلبي، قال:
شَهِدْتُ أبا عبد الرحمن السُّلَمِي، وكاتبَ غلاماً له على أربعةِ آلافٍ
درهمٍ، وشرط عليه إن عجز رُدَّ في الرق، وما أخذتُ منك، فهو لي،
فوضع عنه ألفَ درهم من الأربعةِ آلافٍ، ثم قال: سمعتُ خليلَك علياً
رضي الله عنه يقول: ﴿وَآتُوهُمْ مِنِ مَالِ اللهِالذي آتَاكُمْ﴾ هو الربعُ(١).
هكذا روى الثوريُّ عن عبد الأعلى على ما ذكرنا لم يتجاوز به علياً
رضي الله عنه.
٢٩٠١ - وكما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، أنبأنا إسحاقُ بنُ
إبراهيم، حَدَّثْنَا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن عطاء بن السائب، عن أبي
عبد الرحمن، عن علي رضي الله عنه: ﴿وَآتُوهُمْ مِن مال الله الذي
آتَاكُمْ﴾، قال: رُبْعُ المكاتَبَةِ(٢).
(١) إسناده ضعيف. أبو حذيفة موسى بن مسعود سيئ الحفظ، وعبد الأعلى بن
الثعلبي: ليس بالقوي.
ورواه عبد الرزاق (١٥٥٩١)، والبيهقي ٣٢٩/١٠ من طريق سفيان، به.
ورواه ابن أبي شيبة ٣٦٩/٦، وابن جرير ١٢٩/١٨ و١٣٠، والبيهقي ٣٢٩/١٠
من طرق عن عبد الأعلى، به.
(٢) عطاء بن السائب قد اختلط، وهو عند النسائي في ((الكبرى)) (٥٠٣٧).
-٤٩٥-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
وكما أنبأنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ سليمان
الرُّهاوي، حَدَّثْنَا يزيدُ - يعني ابنَ هارونَ-، أنبأنا عبدُ الملك -وهو ابنُ
أبي سليمان-، عن عبد الملك بن أعْيَنَ، عن أبي عبد الرحمن السلمي
أنَّه كاتب غلاماً له على أربعةِ آلافٍ دِرْهمٍ، ثم وَضعَ عنه ألفاً، ثم قال:
لَوْلا أني رأيتُ علياً رضي الله عنه كاتب غلاماً له، ثم وضع عنه الرُّبُعَ
ما فَعَلْتُ(١).
قال أبو جعفر: وهكذا روى أيضاً حريرٌ عن عطاء بن السائب
هذا الحديثَ فلم يتجاوزْ به علياً، وهكذا رواه أيضاً عبدُ الملك بن أعْيَن
فلم يتجاوز به علياً، وقد رواه ابنُ حُريج، عن عطاء بن السائب
فتجاوزَ به علياً إلى رسول الله ﴿ ..
٢٩٠٢- كما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ علي بن زيد المكي، حَدَّثْنًا أحمد
بن محمد القواس، حَدَّثَنَا عبدُ المجيد بنُ أبي روَّاد (ح)، وكما حَدَّثْنَا
أحمدُ بنُ شعيبٍ، أنبأنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، أنبأنا عبدُ الرزاق، ثم
اجتمعا، فقالا: أنبأنا ابنُ جريجٍ، حَدَّثْنَا عطاءُ بنُ السائب أن عَبْدَ الله
بنَ حبيب أخبره، عن على، عن النبيَِّ﴿، قال: ﴿وَآتُوهُمْ مِنِ مال اللهِ الذي
ورواه ابن جرير ١٣١/١٨ عن ابن حميد، عن جرير بن عبد الحميد، به.
ورواه عبد الرزاق (١٥٥٩٠)، وابن جرير ١٢٩/١٨ و١٣٠ من طرق عن
عطاء، به.
(١) رواه بن جرير ١٣٠/١٨ من طريق محمد بن عبيد، عن عبد الملك بن
سليمان، به.
-٤٩٦-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
آتَاكُمْ﴾، قال: ربع المكاتبة(١).
٢٩٠٣- وكما حَدَّثَنَا أحمد، أنبأنا يوسفُ بنُ سعيد، حَدَّثَنَا
حجاجٌ - يعني ابنَ محمد-، أنبأنا ابنُ جريج، أخبرني عطاءُ بنُ السائب،
عن عبدِ الله بنِ حبيب، عن علي، عن النِيِّ م/ٌ مثله(٢).
قال ابنُ جريجٍ: وأخبرني غيرُ واحد عن عطاء أنّه كان يُحَدِّثُ
بهذا الحديث لا يذكرُ النبيِ ﴾.
قال أبو جعفر: فكان الذي رَفَعَ هذا الحديث عن علي إلى النبي
* هو ابنُ جريج، عن عطاء، وعطاء فقد كان خَلَّطَ بأخَرَةٍ، وحديثُه
الذي لا يختلطُ فيه عنه هو ما يُحَدِّثُ عنه أربعةٌ دونَ مَنْ سِواهم: وهم
الثوريُّ، وشُعبة، وحَمّاد بنُ سلمة، وحمادُ بن زيد(٣)، فحديثُ ابنِ
جريج عنه هو ما أخذ عنه في حال الاختلاط، فلم يَكُنْ ذلك مما
(١) إسناده ضعيف، وهو عند عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٥٥٨٩)، والنسائي في
((السنن الكبرى) (٥٠٣٤).
ورواه البيهقي ٣٢٨/١٠-٣٢٩ من طريقين عن إسحاق بن إبراهيم، به.
ورواه البيهقي موقوفاً ٣٢٩/١٠ من طريق روح، عن ابن جريج وهشام بن أبي
عبد الله، عن عطاء، به. وقال: هذا الصحيح موقوفاً.
(٢) إسناده ضعيف، وهو عن النسائي في ((السنن الكبرى)) (٥٠٣٧).
ووراه البيهقي ٣٢٨/١٠-٣٢٩ من طريق أبي بكر بن زياد النيسابوري، عن
یوسف بن سعید، به.
(٣) وقد سمع منه قبل الاختلاط سفيان بن عيينة وهشام الدستوائي وأيوب
السختياني وزهير بن معاوية وزائدة بن قادمة وسليمان الأعمش.
-٤٩٧-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
يُوجب رفعَ هذا الحدیثِ.
قال أبو جعفر: ولم يكن هذا الحديثُ عندنا أيضاً حجةٌ في
وجوب وَضْع بعضِ المكاتبة عن المكاتب على مولاه، إذا كان ذلك
يحتملُ أن يكونَ كان مِن علي على طلب الخيرِ، لا على وجوب ذلك
کان عليه.
ثم نظرنا هل رُوِيَ في ذلك شيءٌ عن أحدٍ من أصحابِ رسولٍ
٢٩٠٤ - فوجدنا أحمدَ بنّ داود بن موسى قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثْنَا سليمانُ بنُ حرب الواشِحِيُّ، حَدَّثْنَا مباركُ بنُ فضالة، حدثني
عُبيدُ الله، عن أبي، قال: وقال ميمون عن عمِّي، قال: وحدثتني أمي
وأهلي، أن جدِّي قال لِعُمَرَ بن الخطاب رضيَ اللهُ عنه: كاتبني، قال:
اعْرِضْ، قلتُ: بمئةٍ أُوقَيَّة، قال: فما اسْتَزادني، فأراد شيئاً يُعطينيه فلم
يَجِدْ، فأرسلَ إلى حفصة، فقال: إنّي قد كاتبتُ غلامي، وأنا أُريدُ أن
أُعطِيَه شيئاً، فابعثي إليَّ بدراهم، فارسلت إليه بمئتيّ درهم، فقال: خُذْهَا
بارَكَ اللهُ لَكَ فيها، فبارك الله عز وجَلَّ لي فيها قد أعتقتُ غيرَ واحدٍ
منها، فاستأذنتُه، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ إني أُرِيدَ أن تأذَنَ لي أن آتي
العراقَ، قال: أما إذا كاتبتُك، فاذهبْ حيثُ شئتَ، فأراد مَوالٍ لبني
غِفَارِ أن يَصْحَبُوني، فقالوا: كَلِّمْ أميرَ المؤمنين أن يكتُب لنا كِتَاباً نُكرم
به، قال: وقد علمتُ أنَّه سيكره ذلك، فكلمته، فانتهرني وما اننتهرني
قبلَها، فقال: أَتُريدُ أن تَظِلِمَ النَّاسَ أنتَ أسوة المسلمينَ فخرجتُ، فلما
قَدِمْنَا جئتُ معي بنَمَطٍ وطِنْفِسَةٍ، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين هذان هديةٌ
-٤٩٨-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
لك، فنظر إليهما فأعجباه، ثم ردَّهما عليَّ، وقال: إنَّه قد بَقِيَتْ بقيةٌ
من مُكاتبتِك، فاستعِن بهما في مُكاتَبتكَ(١).
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث عن عمر ما قد دَلَّ على أنَّه
لم يَضَعْ عنه مِن مُكاتبته شيئاً.
٢٩٠٥ - ووجدنا إبراهيمَ بنَ مرزوق قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا
سعيدُ بنُ عامرِ الضُّبَعي، عن جُويريةَ بنِ أسماء، عن مسلم بن أبي مريم،
عن عبدٍ لعثمان رضي الله عنه، قال: بعتني عثمانُ أميرُ المؤمنين في
تجارةٍ، فَقَدِمْتُ عليه، فاحْمَدَ ولايني، فقمتُ إليه ذاتَ يومٍ، فقلتُ: إني
أريدُ الكتابةَ، فَقَطِّب، ثم قال: نعم، ولولا آيةٌ في كتابِ الله عز وجل،
ما فعلتُ، أُكاتِبُكَ على مئة ألفِ درهمٍ على أن تَعُدَّها لي في عَدَتَيْنٍ،
واللهِ لا أغُضُّكَ منهما درهماً، فخرجتُ من عنده، فتلقاني الزبيرُ بنُ
العوام رضي اللهُ عنه، فقال: ما الذي أرى بكَ؟ قلتُ: كان أميرُ
المؤمنين بعثني في تجارةٍ، فقدمتُ عليه، فَأَحْمَدَ ولايتي، فقمتُ إليه،
فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينن، أسألُك الكِتابة، فَقَطْبَ، ثم قال: لولا آيةٌ في
كتاب الله عز وجل ما فَعَلْتُ، أُكاتِبُك على مئة ألف درهم على أن
تَعُدَّها لي في عَدَّتَيْنِ، والله لا أغُضُّك منها درهماً، قال: ارْجِعْ، فدخل
(١) المبارك بن فضالة يدلس ويسوي.
ورواه عبد الرزاق (١٥٥٩٢)، وابن جرير ١٣٠/١٨، والبيهقي ٣٣٠/١٠ من
طريق سفيان الثوري، عن عبد اللمك بن أبي بشير، عن فضالة بن أمية، عن أبيه.
مختصراً.
-٤٩٩-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
عليه، فقام قائماً فقال: يا أميرَ المؤمنينَ فلان كاتِبْهُ، فَقَطْبَ، ثم قال:
نَعَمْ، ولولا آية في كتاب الله عز وجل ما فعلتُ، أكاتبه على مئة الف
على أن يَعُدَّهَا لي في عَدَّتَيْنِ، واللهِ لا أَغُضُّه منهما درهماً، فَغَضِبَ
الزبيرُ، وقال: واللهِ الأَمْتُلَنَّ بَيْنَ يديك، فإنما أطْلُبُ إليك حاجةٌ تحولُ
دونها بيمين وقال بيده هكذا كاتِبْه، فكاتبته، فانطلق بي الزبيرُ إلى
أهله، فأعطاني مئة ألفٍ، وقال: انطَلِقْ فاطُلبْ فيها مِن فضلِ الله، فإن
غَلَبَكَ أمر، فأدّ إلى عثمان ما له منها، فانطلقتُ، فَطَلَبْتُ فيها مِن فضلٍ
الله، فأديت إلى الزبير ماله، وإلى عثمان ماله، وفَضَلَتْ في يدي ثمانون
ألفاً.
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ حَلِفُ عثمانَ أن لا يَغُضَّ عن
مكاتبه هذا مما كاتبه عليه درهماً، ووقوف الزبير على ذلك منه، وتركه
خلافه فيه، ففي ذلك ما قد دَلَّ على أن قولَ الله عز وجل في هذه
الآية: ﴿وَآتُوهُمْ مِن مال الله الذي آتَاكُم﴾ لم يَكُنْ عندهما على وضعٍ
شيءٍ من المكاتبة عن مكاتبه.
٢٩٠٦- ووجدنا أحمد بنَ عبد المؤمن المروزيَّ قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثَنَا عليُّ بنُ الحسن بنِ شقيق، عن الحسين بنِ واقدٍ، عن عبد الله بن
بريدة، قال: سمعتُ أبي يقول في قولِ الله عز وجل: ﴿وَآتُوهُمْ مِن مال اللهِ
الذي آتَاكُمْ﴾، قال: حَثَّ النّاسَ على ذلك(١).
(١) رواه ابن جرير ١٣١/١٨ من طريق يحيى بن واضح، عن حسين بن واقد، به.
٥٠-
-