النص المفهرس
صفحات 321-340
کتاب المعاملات - البیوع
نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
قال أبو جعفر: وسَمِعْتُ ولاداً النحويَّ، يقولُ: حدثني
المصادِري، عن أبي عبيدة معمر بنِ المثنى، قال: سَفِهَ نَفْسَهُ: أهْلَكَها
وأوْبَقَها(١)، وقد يكونُ ذلك ممن يكونُ مَعَهُ مِن الحزم في مالِه ما ليس
مع من لا يختلف في صلاحه في دينه.
وقال الكسائي: السفيهُ: الذي يَعْرِفُ الحقَّ، ويَنْحَرِفُ عنه عناداً،
وقرأ: ﴿أُ مِنُ كما آمَنَ السُّعْهَاءُ، أَ إِنْهِمْ هُمُ السُّفْهاء﴾ [البقرة: ١٣]،
قال: يقولُ: الذين عَرفُوا الأمرَ، وعَنَدُوا عنه.
ورُوِيَ عن رسولِ الله ﴿ مما قد تقَدَّمَتْ روايتنا له فيما قد تقدَّم
مِن كتابنا هذا في الكِبْرِ أنّه من يدفعُ الحَقَّ، وفي ذلك ما قد دَلَّ أنه أُريد
بذلك: من معه معرفةٌ والعُنُودُ عنها، والتّمسُّكُ بضدِّها.
ففي ذلك ما قد دَلَّ: أن السَّفَهَ المذكورَ في الآيةِ التي تلونا لَيْسَ
على سَفَهِ الفسادِ في المال، ولكنه على ما سواه من وجوه السَّفَهِ.
وقد قال قائل: إنَّ هذه الآية التي تأولنا أدلُّ أنه في القُرآن على
استعمالِ الحجر - وهو الشافعيُّ- قال: لأنَّ فيها ﴿فَلَيْلِلْ وليه بالعدل﴾
فكان مِن حجتنا عليه في دفع ما تأوَّلَها عليه في أولِ الآية مِن مداينة من
قد وصف في آخرها بالسَّفَهِ، وفي ذلك ما يدفَعُ ما قال.
فإن قال قائل: فَمَنْ ولِيُّه المرادُ في آخر هذه الآية؟ کان جوابا له
(١) ((مجاز القرآن)) ٥٦/١.
- ٣٢١-
كتاب المعاملات - البيوع
في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّه وليُّ الدين الذي هو عليه، وفي
الآية ما قد دَلَّ على هذا، وهي قولُه عز وجل: ﴿وَكَّقِ اللهَ رَبَّه وَلَا يَبْخَسْ
منه شيئاً﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلو كان وَلِيُّه هو الذي يتولّى عليه، كما كر
هذا القائلُ، لم يُخاطب بهذا الخطاب، لأنه لا يَحُرُّ إلى نفسه ببخسه
شيئاً، ولكنه حَذِّرَ مِن ذلك خوفاً عليه أن يَنْقُصَ الذي له عليه الدَّيْنُ
طائفةً مما علیه منه.
وفيما ذكرنا دليلٌ واضحٌ على فسادٍ ذلك التأويلِ، غير أنَّ مذهبنا
في الحَجْر استعمالُه والحكم به، وحفظُ المال على مَنْ يِمِلِكُه إذا كان
مخوفاً عليه منه، وقد دخل أبو حنيفة في بعضِ هذا، فقال: إنّي أمنعُه
بَعْدَ بلوغه مِن ماله حتى يستكمِلَ خمساً وعشرين سنة، ولا أرد أفعالَه
فيه، وهذا مِن القول الذي لا يُشْكِلُ فسادُه على أحدٍ، لأنه إن كان
يمنعُه مِن ماله لِيحفظه عليه من إتلافه فيما لا يجبُ إتلافُه فيه، فإن أفعالَه
التي فيها تَلَفُهُ هي التي حُفِظَ المالُ عليه مِن أجلها. وإن كان لا يمنعُه مع
حفظه إياه عليه مِن إتلافه إيَّه على نفسه، فلا معنى لِحفظه إِيَّاه عليه،
ويقولُ مع هذا فيما فعله من يستحقُّ الحَجْرَ عليه في مالِه قَبْلَ أن يحجر
عليه الاحكمُ ما قد اختلفَ فيه أبو يوسف ومحمد، فأجاز ذلك ابو
يوسف منه، وأبطله محمدُ بنُ الحسن، فراعى أحوالَه لا حكم الحاكم
عليه، فنذهب إلى أن قولَ محمد في ذلك أولى القولين عندنا، لأن الحجر
إنما يكونُ لِمعنى مِن أجله يحجر الحاكمُ على مَنْ فيه ذلك المعنى فيكونُ
بحجره عليه مخففاً له بكونه فيه قبل حجرِه عليه، وهو مذهبُ مالك بنِ
أنس في ذلك، والله عزَّ وجَلَّ نسألُه التوفيق.
- ٣٢٢ -
کتاب المعاملات - البيوع
٣٥٧- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله﴾ فيما كان
منه في الجمل الذي ابتاعه من جابر بن عبد الله في إطلاقه
له ركوبَه إلى المدينة: هل كان ذلك بشرط وقع البيع بينه
وبينه علیه أم بخلاف ذلك؟
٢٦٦٦ - حَدَّثْنَا عليٌّ بنُ شيبة، حَدَّثْنَا يزيد بن هارون، أخبرنا
زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله أنه كان يسير
على جملٍ له، فأعيى، فأدركه رسول الله مُ﴿: فقال: «ما شأنُكَ يا
جابرُ؟) فقال: أعْيَى ناضِحي يا رسولَ الله، قال: ((أمَعَكَ شيءٌ؟)) فأعطاه
عوداً أو قضيباً، فنخسّه به - أو قال: ضَرَّبَه به-، فَسَارَ سَيرةٌ لم يَكُنْ
يَسِيرُ مثلَها، فقال لي رسولُ اللهِ﴿: (َبِيعُنِيهِ بَأُوْقِيَّةٍ؟) فقلتُ: يا رسول
اللهَ هُوَ ناضِحُكَ، قال: فبعتُه بأُوقيةٍ، واستئنيتُ حِملاَتَه حتى أقْدَمَ
المدينة، فلما قَدِمْتُ، أتيتُه بالبعير، فقلتُ: هذا بعيرُك يا رسولَ الله، قال:
(لَعَلَّكَ ترى إنّي إنما مَاكَسْتُكَ لأذهَبَ بِبَعِيرِكَ، يا بلالُ أعْطِهِ مِنَ
الغَنِيمَةِ أُوْقِيَّةٌ))، وقال: (انْطَلِقُ بِبَعِيرِكَ فَهُوَ لَكَ)(١).
(١) حدیث صحیح، ز کریا بن أبي زائدة يُدلس عن الشعبي، لكن تابعه سیار عند
البخاري (٥٠٧٩) و(٥٢٤٢) و(٥٢٤٧)، ومسلم ص١٠٨٨ (٥٧).
ورواه النسائي في (الكبرى)) (٨٨١٧) عن أحمد بن سليمان، عن يزيد بن هارون،
به. ورواه ابن أبي شيبة ٥٧/١٤، وأحمد ٢٢٩/٣، ومسلم ص١٢٢١ (١٠٩)، وأبو
داود (٣٥٠٥)، والترمذي (١٢٥٣)، والنسائي ٢٩٧/٧، وابن الجارود (٦٣٥)،
وأبو يعلى (٢١١٢٤)، وابن حبان (٦٥١٩) من طرق عن زكريا بن أبي زائدة، به.
-٣٢٣-
کتاب المعاملات - البيوع
٢٦٦٧- وحَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ إسحاق الكوفي، وفهدُ بنُ سليمان
جميعاً، قالا: حَدَّثْنَا أبو نُعَيْمِ، أخبرنا زكريا بنُ أبي زائدة، ثم ذكر
بإسناده مثلَه، ويمتنه (١).
٢٦٦٨ - وحَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا عمرو بنُ عون
وروى بعضه البخاري (٥٠٧٩) و(٥٢٤٥) و(٥٢٤٧)، ومسلم ص١٠٨٨
(٥٧)، وأبو يعلى (١٨٥٠) و(٢١٢٣) من طريق هشيم، عن سيار، عن الشعبي، به.
ورواه مطولاً أحمد ٣٧٥/٣-٣٧٦، والبخاري (٢٠٩٧)، ومسلم ص١٠٨٩
(٥٧)، وابن حبان (٦٥١٨) و(٧١٤٣) من طريق وهب بن كيسان، عن جابر.
ورواه أحمد ٣٢٥/٣ و٣٦٢-٣٦٣ و٣٧٢-٣٧٣، والبخاري (٢٤٧٠)
و(٢٨٦١)، ومسلم ص١٢٢٢ (١١٤) من طريق أبي المتوكل الناجي، عن جابر.
وعندهم أن التي # اشترى الجمل بثلاثة عشر ديناراً.
ورواه الطيالسي (١٧٢٥)، وأحمد ٣٠٢/٣، والبخاري (٢٦٠٤) و(٣٠٨٩)،
ومسلم ص ١٢٢٣ (١١٥) وص١٢٢٤ (١١٦) من طريق محارب بن دثار، عن جابر
مختصراً. وعند البخاري (٣٠٨٩) ومسلم (١١٥) أن النبي * اشترى الجمل بأوقيتين
ودرهم أو درهمين. ورواه أحمد ٣٥٨/٣ عن عبيدة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح
العنزي، عن جابر. ورواه البيهقي ٣٣٧/٥ من طريق المنكدر بن محمد بن المنكدر،
عن ابیه، عن جابر.
ورواه البيهقي ٣٣٧/٥ من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جابر.
وقد اختلفت روايات هذا الحديث في بيان ثمن بيع الجمل، وعرض الإمام البخاري
هذا الاختلاف بإثر الحديث (٢٧١٨). وانظر ((الفتح)) ٣٢١/٥.
(١) هو مكرر ما قبله، ورواه أحمد ٢٩٩/٣، والبخاري (٢٧١٨)، والبيهقي
٣٣٧/٥ من طرق عن أبي نعيم، به.
- ٣٢٤ -
كتاب المعاملات - البيوع
الواسطيُّ، حَدَّثْنَا هُشَيْمٌ، عن سيار، حَدَّثَنَا يحيى بنُ عَبَّاد الأنصاريُّ،
عن جابرٍ، قال: كُنْتُ مَعَ النِّ وَ﴿ فِي سَفَرِ، فَتَعتُّلْتُ على بعيرٍ لي،
فلحقني النبيُّ﴿، فَنَخَسَ بعيري، ثم سَاوَمَني، فبعتُهُ إِيَّاه بسبعِ أواقٍ، أو
تَسْعِ أواقٍ، ولي ظَهْرُهُ حَتَى أَقْدَمَ. فلما قَدِمْتُ، أتيتُ رسولَ الله عَلُ
بالبعير، فدفعته إليه، فَقَدَني، فلما خرجتُ إذا رسولُه قد دعاني من
خلفي، فَقُلْتُ في نفسي: أراد أن أُقِيلَهُ، فلما دخلتُ عليه، قال: (أَظَنَّنْتَ
أني أسْتَقِيلُكَ؟) ثم قال: (لَكَ الْبَعِيرُ، انْطَلِقْ به)) فلما خرجتُ مِن
عنده، استقبلني رجلٌ من اليهود، فأخبرتُه، فقال: وَزَنَ لك السَّبَعَ أواقٍ،
وردَّ عليك البعيرَ؟! فَعَجِبَ.
٢٦٦٩ - وحَدَّثْنَا جعفرُ بنُ محمد بن الحسن الفِريابي، حَدَّثَنَا
محمدُ بنُ أبي بكر المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثْنَا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي
الزُبير، عن جابرٍ، قال: أتى عليَّ نبِيُّ اللهِلَ﴿. وأنا على بعيرِ أعْجَفَ،
فَأخَذْ بِخِطَامِهِ، وبيده عُودٌ، فنخَسَهُ ودعا -أو قال: فدعا ونخسه-،
وقال: (ارْكَيْهُ) فركِبْتُ، فكنتُ أحبسُه على رسولِ اللهِ:﴿ لأسْمَعَ
حديثَه، فأتى عليَّ، فقال: (أَتَّبِيعُني جَمَلَكَ يا جابِرُ؟) قلتُ: نَعَمْ يا
رسولَ الله، ولي ظَهْرُهُ، فقال: ((وَلَكَ ظَهْرُهُ))، فاشتراه منه بخمسِ أواقٍ،
فلما قَدِمْتُ المدينة، أتيتُ عليه، فأعطاني الأواقَ وزادَني.
٢٦٧٠ - وحَدَّثْنَا أحمدُ بنُ محمد بن مسلم المكّيِ الخلال، حَدَّثْنَا
ابنُ أبي عمر، حَدَّثْنَا هشامٌ، عن ابنِ جُريج، أخبرني عطاء وغيرُه، يزيدُ
بعضهم على بعضٍ لم يبلغه كله رجلٌ واحدٌ منهم، عن جابر بنِ عبدٍ
الله رضي الله عنهما، قال: كنتُ مع النِّ ◌َ﴿ فِي سَفَرٍ، وكنتُ على
-٣٢٥-
کتاب المعاملات - البیوع
جملٍ فَقَالٍ، يقول: إنما هو في آخر القومِ، فمرَّ بي النِيُّ﴾ فقال: ((مَنْ
هذا؟)) قال: جابرٌ، فقال: ((ما لَك؟) قلتُ: إني على جمل فَفَالِ، قال:
(معك قضيبٌ؟) قلتُ: نَعَمْ يا رسولَ الله، قال: (أعْطِنِيه))، فأعطيتُه،
وضرَبه ونخسه وزجَرَه، وكان مِن ذلك المكان في أوَّل القوم، قال:
((اتبيعُنيه؟) قلتُ: هو لك يا رسولَ الله، قال: ((بل بعنيه، قد أخذتُه
بأربعةِ دنانيرَ، ولكَ ظَهْرُهُ حتى آتي المدينة)(١).
٢٦٧١- وحَدَّثَنَا فهد، حَدَّثَنَا عاصمُ بنُ علي بن عاصم، حَدَّثْنَا
شريكُ بن عبد الله، عن المغيرة، عن عامر، عن جابرٍ. وابن أبي ليلى،
عن أبي الزبير، عن جابرٍ، قال: اشتَرَى النبيُّ نَّهُ مِنْي بعيراً -قال أبو
جعفر: سَقَطَ مِن كتابي ((مني)) - على أنَّ لي ظَهْرَهِ سَفَرَه أو سفري،
ذلك، ثمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهِ(٢).
(١) رواه ابن أبي شيبة ٧٥/١٤، ومن طريقه مسلم ص ١٢٢٤ (١١٧)،
والبيهقي ٣٣٧/٥ عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ورواه البخاري (٢٣٠٩) عن
المكي بن إبراهيم، كلاهما عن ابن جريج، به. ورواية يحيى مختصرة.
الثفال: هو البطيئ الثقيل الذي لا ينبغث إلا كرهاً.
(٢) رواه الطيالسي (١٧٨٨)، ورواه أحمد ٣٩٢/٣ عن الحسين بن محمد
المروذي، كلاهما (الطيالسي، والحسين) عن شريك. بالإسناد الأول.
ورواه البخاري (٢٣٨٥) و(٢٩٦٧)، ومسلم ص١٢٢١ (١١٠)، والبيهقي
٣٣٧/٥ من طريق جريج، والبخاري (٢٤٠٦)، والنسائي ٢٩٧/٧ من طريق أبي
عوانة، والبيهقي ٣٣٧/٥ من طريق شعبة، وأبو يعلى (٢١٢٣) من طريق هشيم،
أربعتهم عن المغيرة، به. وبعضهم يذكره مطولاً، وقرن أبو يعلى مع المغيرة سياراً أبا
الحكم العنزي.
- ٣٢٦ -
كتاب المعاملات - البيوع
فقال قائلٌ: ففي هذا الحديثِ اشتراطُ رسول الله { لجابر ركوبَ
ذلك البعيرِ الذي ابتاعه منه إلى أهلِه، وعَقَدَ البيعَ بينه وبينه على ذلك،
فأجاز بذلك، وفرع البيعَ على مثلِ هذا الشرطِ، واحتج فيه بهذه
الآثارَ.
فتأمَّلْنا هذا الحديثَ لِنَقِفَ على إيجابه ذلك كما قال أم لا؟
٢٦٧٢- فوجدنا فهداً قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثَنَا معلِّى بنُ أسد،
حَدَّثْنَا عبدُ الواحد بن زياد، حَدَّثْنَا الْجُريري، عن أبي نضرة، عن جابر
بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كنتُ مَعَ النِّنَ﴿ فِي سَفَرِ، فَتَخَلَّفَ
ناضِحي، فجعلتُ أركَبُهُ، لا يَكادُ يتحرك، فلحِقَنِي رسولُ اللهَ مَنْ
خلفي، وقال: ((مَنْ هذا الْتَخَلِّفُ عَنِ النّاسِ؟)) فقلتُ: جابرٌ، قال: ((ما
خَلْفَكَ؟) قلتُ: ناضحي هذا أرُكَبُهُ لا يكادُ يَتَحَرَّكُ، فقال رسولُ الله
*: ((أمَعَكَ شَيءٌ؟) قلتُ: نعم، فناولتَه عوداً كان معي، فنخسَه رسولُ
الله ﴿، ثم قال: ((ارْكَبْ، فَسَمِّ الله))، فركبتُه، فوالذي بعثه بسالحقِّ لقد
رأيتُنِي أَكُفُّهُ عن رسولِ اللهِ﴿ِ، ثم قال: «يا جابرُ، أتبيعُني ناضِحَكَ
هذا إذا قَدِمْنَ المدينةَ بدينارِ والله يَغْفِرُ لك؟) قلتُ: يا رسولَ الله، إذا
قَدِمْنا المدينةَ، فهو نَاضِحُكَ، قال: (فيعنيه بدينارَيْن والله يَغْفِرُ لَكَ))،
فما زال يزيدني ويقول مع كُلِّ دينارِ: (بَغْفِرُ الله لك)) حتى بلغ عشرين
ديناراً، فلما قَدِمْنا المدينة، جئتُ بالناضِحِ أقودُه إلى رسولِ الله ◌ِ﴿،
فقلتُ: هذا ناضِحُكَ يا رسولَ الله، فقال: (يا بلالُ، أعطه عشرين
-٣٢٧-
كتاب المعاملات - البيوع
دينارا)(١).
٢٦٧٣ - ووجدنا يزيد بنَ سنان حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ
عُمَرٍ بنِ شقيق، حَدَّثْنَا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن الأعمش، عن سالمٍ
بن أبي الجَعْدِ، عن جابرِ بنِ عبد الله، قال: أقبلنا مِنْ مَكَّةَ إلى المدينةِ مع
رسول الله ﴿، فأعمى جَمَلِيٍ، فتخلّفْتُ عليه أسُوقُه، وكان رسولُ
اللَّهِ ﴿َ تَخَلْف لِحاجة له، فلحقني، فَقَالَ: ((ما لَكَ مُتَخَلّفاً؟)) قلتُ: لا يا
رسولَ الله إلا أنَّ جملي ظَلَعَ عليَّ، فأردتُ أنْ ألحقه بالقَوْمِ، فأخذ
رسولُ اللهِ﴿ بذنبه، فَضَرَبَه، ثم زَجَرَه، وقال: ((ارْكَبْ)، قال: فلقد
رأيْتُنِي يَعْدُو بي، قال: ثم قال لي: (بعني جَمَلَكَ))، قلتُ: لا، بل هُوَ
لك، قال: ((لا، بَلْ بِعْنِيه))، قلت: لا، بل هُوَ لَكَ، قال: ((لا، بَلْ بِعْنِيهِ)،
قلتُ: فإن لرِجُل عليَّ أوقيةً مِنْ ذَهَبٍ، فهو لَكَ بها، قال: ((قد أخذتُه)،
قال: ((فَبَلَّغْ عَلَيْهِ إلى المدينةِ)، فلما قَدِمْتُ المدينةَ، قال رسولُ الله ◌ِ ﴾.
لِبلال: ((أَعْطِهِ أُوقِيَّةً مَنْ ذَهَبٍ، وزِدْه)) فأعطاني أوقيةٌ من ذهب،
وأعطاني قِيراطين، قلتُ: لا تُفَارِقُني زيادةُ رسول الله لَ ﴿، قال: فكان
(١) رواه مسلم ص١٢٢٢ (١١٢) عن أبي كامل الجحدري، عن عبد الواحد بن
زياد، به. ورواه ابن ماجه (٢٢٠٥) عن محمد بن یحی الذهلي، عن یزید بن هارون،
عن الجريري، به. ورواه أحمد ٣٧٣/٣-٣٧٤، ومسلم ص١٠٨٩ (٥٨)، والنسائي
٢٩٩/٧-٣٠٠، وابن حبان (٧١٤٠) من طريق سليمان التيمي، وابن حبان
(٧١٤١) من طريق عبد الملك بن أبي نضرة، كلاهما عن أبي نضرة، به.
- ٣٢٨ -
كتاب المعاملات - البیوع
في كيس لي، فأخذه أهلُ الشَّامِ يَوْمَ الحَرَّةِ(١).
قال أبو جعفر: ففي هذين الحديثين غيرُ ما في الأحاديثِ الأُوَلِ،
وفي الأول منهما مِن قول النبي { # لجابر: ((أتبيعني ناضِحَك هذا إذا
قَدِمْنَا الْمَدِينَة))، وفي الثاني ابتياعُه إِيَّاه منه بلا شرط كان بينهما في ذلك
الابتياع.
وقولُ رسول الله ﴿ بعد ذلك لجابر: (تَبَلَّغْ عليه إلى المدينةِ))
تفضلاً منه عليه، وهذان المعنيان خلاف المعاني الأوَل التي في الأحاديثِ
التي ذكرناها في هذا الباب، وليس رواةُ هذين الحديثين بدون رواةٍ
الأحاديثِ الأول في المقدار في العلمِ، ولا في الضبط، ولا في المقادير
عندَ أهله، فإذا تكافَأتِ الرواياتُ في ذلك، ارتَفَعَتْ، ولم يَكُنْ بعضُها
أولى أن يُحْمَلَ عليه ما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ ﴿ فيها بما رُوِيّ عنه في
غيرها، فخرج بحمدِ الله أن يكونَ في هذا الحديثِ ما يُوجِبُ جوازَ البيع
بهذا الشَّرْطِ، وَوَافَقَ ما قد رويناه عن عُمَرَ، وعبدِ الله بن مسعود، وعبدٍ
الله بن عمر، وزينب زوجةِ عبدِ الله بن مسعود في النهي عن البيع
بالشرط فيه ما ليس منه.
وقد وافق ذلك أيضاً ما قد رُوِيَ عن رسول الله {﴿ من نهيه عن
بيعِ وسَلَفٍ
(١) رواه مسلم ص١٢٢٢ (١١١) عن عثمان بن أبي شيبة، وأبو يعلى
(١٨٩٨)، وعنه ابن حبان (٦٥١٧) عن أبي خيثمة زهير بن حرب، كلاهما عن
جرير، بهذا الإسناد، ورواية زهير مطولة.
-٣٢٩-
كتاب المعاملات - البيوع
٢٦٧٤- كما حَدَّثَنَا نصرُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا الخصيبُ، أخبرنا
حماد بن سلمة، عن داود بنِ أبي هند، عن عمرو بنِ شُعيب، عن أبيه،
عن جدّه: أن رسولَ اللهِ:﴿ُ نهى عن بيعِ وسَلَفٍ، وعَنْ شَرْطَيْنِ في
بَيْعَةٍ (١).
٢٦٧٥ - وكما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال:
حَدَّثْنَا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
جده، عن النبيِّ ﴿﴿ قال: ((لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيْعٌ، ولا شَرْطَانٍ في بيع))(٢).
(١) رواه أحمد ١٧٤/٢ و٢٠٥، والدارمي ٢٥٣/٢، والنسائي ٢٩٥/٧ من
طرق عن عمرو بن شعيب، به.
ورواه الحاكم ١٧/٢ من طريق عطاء الخراساني، عن عمرو بن شعيب، به، وفيه
الإذنُ لعبد الله بن عمرو بكتابة الحديث.
ورواه عبد الرزاق (٥٧٣٥)، ورواه ابن حبان (٤٣٢١) من طريق الوليد بن
مسلم، كلاهما عن عطاء الخراساني، عن عبد الله بن عمرو. وفيه أيضاً الإذن بكتابة
الحدیث.
ورواه مع القصة أيضاً البيهقي ٣٢٤/١٠ من طريق ابن جريج، عن عبد الله بن
عمرو بن العاص، لم يذكر بيتهما أحداً، وقال: كذا وجدته، ولا أراه محفوظاً. وانظر
ما بعده.
(٢) رواه الطيالسي (٢٢٥٧)، ورواه الدارقطني ٧٤/٣ - ٧٥ من طريق إسحاق
بن أبي إسرائيل، كلاهما (الطيالسي وإسحاق) عن حماد بن زيد، بهذا الإسناد.
ورواه الحاكم ١٦/٢-١٧ من طريق عبد الوارث بن سعيد، ومن طريق يزيد بن
زريع، ورواه النسائي ٢٩٥/٧ من طريق معمر، ثلاثتهم عن أيوب، به.
ورواه أحمد ١٧٨/٢-١٧٩، وأبو داود (٣٥٠٤)، والترمذي (١٢٣٤)،
- ٣٣٠ -
کتاب المعاملات - البیوع
٢٦٧٦- وكما حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا سليمان بنُ
حرب، حَدَّثْنَا حماد بن زيد، ثم ذکر یإسنادِه مثلَه.
٢٦٧٧ - وكما حَدَّثَنَا أبو أُمية، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ الفضلِ
السَّدوسي، حَدَّثْنَا حمادُ بنُ زيدٍ، ثم ذكر بإسناده مثلَه.
٢٦٧٨- وكما حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ عبد الله بن منصور، حَدَّثَنَا
الهيئُم بنُ جميلٍ، حَدَّثْنَا هُشيمٌ، عن عبد الملك بنِ أبي سُليمانَ، عن
عمرو بنِ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّل:﴿ُ مثلَه.
٢٦٧٩- وكما حَدَّثَنَا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ
رجاء، قال: أخبرنا هَمَّامُ بنُ يحيى، عن عامرِ الأحول، عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ :﴿ مثلَّه.
٢٦٨٠- وكما حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرني عبدُ الله بنُ نافع المديني،
عن داودَ بنِ قيسٍ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أن النبيَّ
ڑ نھی عن بيع وسلف.
قال أبو جعفر: فَدَلَّ ذلك على أنَّ هذه الأشياء التي ليست من
البياعاتِ إذا كانَتْ فيها أفسدتها، والله الموفق.
والنسائي ٢٨٨/٧ و٢٩٥، وابن الجارود (٦٠١) من طرق عن إسماعيل ابن علية،
حَدَّثَنَا أيوب، حَدَّثَنَا عمرو بن شعيب، قال: حدثني أبي، عن أبيه، حتى ذكر عبد الله
بن عمرو ... فذكره، وأدخلوا بين شعيب وعبد الله بن عمرو أبا شعيب محمد بن عبد
الله.
- ٣٣١-
کتاب المعاملات - الرهن
٣٥٨- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ من قوله
في الرهن: «الظَّهْرُ يُرُكَبُ بنفقَتِه إذا كان مرهوناً، ولَبَنُ الدَّرِّ
يُشْرَبُ بِنَفَقَتِه إذا كان مرهوناً)»
٢٦٨١ - حَدَّثْنَا عليٌّ بنُ شيبةَ، حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ هارونَ، أخبرنا
زكريا بنُ أبي زائدة، عن الشعبيِّ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﴿، قال:
«الظَّهْرُ يُرْكَبُ بنفقَتِهِ إذا كان مرهوناً، وَلَبَنْ الدَّرِّ يُشْرَبُ بنَفَقَتِه إذا
کان مرهوناً)(١).
ولم يُبين لنا في هذا الحديثِ مَن المقصودُ إليه بركوبِ الظَّهْرِ، ومَنْ
يشربُ اللبنَ، المذكورَيْن فيه، وقد حمله بعضُ الناسِ على أنه «الرَّاهنُ))
وهو الشافعي.
فأما مَنْ سِواه مِن أهلِ العِلْمِ، فحمله على خلافٍ ذلك، فنظرنا:
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار) ٩٨/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) (١٦٠) و(٢٨١)، وأحمد ٤٧٢/٢،
والبخاري (٢٥١١) و(٢٥١٢)، وأبو داود (٣٥٢٦)، والترمذي (١٢٥٤)، وابن
ماجه (٢٤٤٠)، وابن الجارود (٦٦٥)، وابن حبان (٥٩٣٥)، والدارقطني ٣٤/٣،
والبيهقي ٣٨/٦، البغوي (٢١٣١) من طرق، عن زكريا بن أبي زائدة، به.
ورواه عبد الرزاق (١٥٠٦٦)، وإسحاق بن راهويه (٢٨٢)، والدارقطني ٣٤/٣،
وابن أبي حاتم في «العلل)) ٣٧٤/١، والبيهقي ٣٨/٦ من طرق، عن الأعمش، عن
أبي صالح، عن أبي هريرة، بلفظ: (الرهن مركوب ومحلوب). رفعه الدار قطني وابن
أبي حاتم والبيهقي في بعض رواياته، ووقفه الباقون، وقال ابن أبي حاتم: رَفَعَه مرة،
ثم ترك بعد الرفع، فکان یقفه. يعني أباه أبا حاتم.
-٣٣٢ -
كتاب المعاملات - الرهن
هل رُوِيَ في شيءٍ من الحديث تبيانُه، من هو؟
٢٦٨٢ - فوجدنا أحمدَ بنَ داود قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ
بنُ سالم الصَّائِغ، حَدَّثْنَا هُشيم، عن زكريا، عن الشَّعبي، عن أبي
هُريرة، ذكر النبيّ ◌َ﴿، قال: ((إذا كانَتِ الدَّابَّةُ مرهونَةً، فعلى المُرْتَهِنِ
عَلَفُها، وَلَبَنْ الدَّرِّ يُشربُ، وعلى الذي يشربُ نفقتُها ويَرْكَبُ)(١).
فَبَّين هذا الحديثُ المقصودَ بركوبِ الظهر، وشربِ لبن الدر، وأنه
المرتَهِنُ دون الرَّاهن، وهذا عندنا - والله أعلمُ- إذ كان أهلُ العلم جميعاً
على خلافِه مع عَدْلِ رواته -منسوخٌ، لأنّهم مأمونونَ على ما عَمِلُوا،
كما كانوا مأمونينَ على ما رَوَوْا، لأَنَّهُ لو لم يَكُنْ ذلك كذلك، لسَقَطَ
عَدْلُهُم، وإذا سَقَط عدلُهم، سقَطَتْ روايتهم.
ومما يَدُلُّ على أن ذلك كما ذكرنا، وعلى أن النسخَ قد طرأ على
هذا الحديثِ، أن فهداً قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا أبو نُعيم، حَدَّثَنَا الحسنُ
بنُ صالح، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، قال: لا يُنْتَفَعُ مِن
الرَّهْنِ بِشَيءٍ(٢).
فهذا الشعبي، وعليه دارَ هذا الحديثُ قد قال ما رويناه عنه في
(١) حديث صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٩٩/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ٢٢٨/٢، وأبو يعلى (٦٦٣٩)، والدارقطني ٣٤/٣ من طرق، عن
هشیم، بهذا الإسناد.
(٢) رجاله ثقات، ورواه عبد الرزاق (١٥٦٨)، والبيهقي ٣٩/٦ من طريق
سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، به.
-٣٣٣ -
كتاب المعاملات - العارية
الحديثِ الأوَّل، فدلَّ ذلك أنَّه لم يَقُلْه إلا وقد ثبت عندَه نسخُ ما في
الحديثِ الأوَّل. ولما كان اللهُ تعالى قد وَصَفَ الرهنَ في كِتابه بما وصفه
فيه، فقال تعالى: ﴿فَرِهَانَّ مَقْوَضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، دلَّ ذلك أن
المقبوضَ ما وقعت عليه يَدُ مرتهنه، وانتفت عنه يد رَاهِنِهِ، وفي هذا
کفایة.
وممن كان يمنعُ من ذلك كما ذكرنا أن لا يجعلَ الرَّاهِن ولا
لِلمُرْتَهِنِ الانتفاعَ بالرَّهْنِ فُقَهَاءُ أهلِ الحِجازِ، وفقهاءُ أهلِ العِراقِ، وبالله
التوفيق.
٣٥٩- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # في العارية
مما يحتجُّ به مَنْ يُوجِبُ ضمانها ومما سوى ذلك،
مما روي عنه فیھا
٢٦٨٣ - حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ مخلد بنِ حازم الكوفيُّ الخزاز، حَدَّثَنَا
يحيى بنُ عبد الحميدِ الحِمَّاني، حَدَّثْنَا شريكُ بنُ عبدِ الله، عن عبد
العزيز - وهو ابنُ رفيع-، عن ابنٍ أبي مُليكة، عن أُمَّيَّةِ بنِ صَفوانَ بنِ
أمية، عن أبيه، قال: استعارَ النِيُّ :﴿ مِن صفوانَ بنِ أميةَ أدراعاً مِن
حديدٍ يَومَ حُنين، فقال له: يا محمدُ مضمونةٌ؟ فقال: ((مضمونةٌ)، فضاعَ
بَعْضُهَا، فقال له النبيُّ ◌َ﴿هُ: ((إِن شِئْتَ غَرِمْنَاها لَكَ))، قال: لا، أنا أرْغَبُ
في الإسلامِ مِن ذلك يا رسولَ الله.
قال: ففي هذا الحديث اشتراطُ رسول الله ﴿ لِصفوان فيما كان
- ٣٣٤ -
كتاب المعاملات - العارية
أعاره إِيَّه من تلك الأدراع الضَّمَان. فتأملنا هذا الحديثَ في إسناده
كيف هُوَ؟
٢٦٨٤ - فوجدنا أحمدَ بنَ شعيب قد حَدَّثَنَا، قال: أخبرنا عبدُ
الرحمن بنُ محمدٍ بنِ سلام، حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارون، أخبرنا شريكُ بنُ
عبدِ الله، عن عبدِ العزيز بنِ رُفيع، عن أُمَيَة بنِ صفوان بن أمية، عن
أبيه، ثم ذكر مثلَه ولم يذكر في إسناده ابن أبي مليكة(١).
فاختلفَ يزيدُ والحِمانيُّ على شريكٍ في إسناد هذا الحديثِ كما
ذكرناه، ثم التمسناه من روايةٍ غيرِ شريك إِيَّاه عن عبدِ العزيز
٢٦٨٥- فوجدنا فهداً قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا أبو غسان، عن
إسرائيلَ منِ يونس، عن عبدِ العزيز بنِ رُفيع، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، عن
ابنِ صفوانَ بنِ أُمية ولم يتجاوزه في إسنادِه إلى أبيه ولا إلى غيره، قال:
استعارَ رسولُ الله :﴿ مِن صفوانَ بنِ أُمية أدراعاً، فضاعَ بعضُها، فقال:
((إن شئتَ غَرِمِنْاها لَكَ)، قال: لا يارسولَ الله(٢).
فقوي في قلوبنا دخولُ ابنِ أبي مليكة في إسنادٍ هذا الحديثِ،
(١) إسناده ضعيف، لسوء حفظ شريك، وجهالة أمية بن صفوان.
وهو في ((السنن الكبرى)) (٥٧٧٩) للنسائي.
ورواه أحمد ٤٠١/٣، وأبو داود (٣٥٦٢)، والدار قطني ٣٩/٣، والحاكم ٤٧/٢،
والبيهقي ٨٩/٦، والبغوي (٢١٦١) من طرق عن يزيد بن هارون، به، وقال أبو
داود: هذه رواية يزيد ببغداد، وفي روايته بواسط تغير على غير هذا، وانظر ما قبله.
(٢) رواه النسائي في (الكبرى)) (٥٧٨٠) عن أحمد بن سيمان عن عبيد الله بن
موسی، عن إسرائیل، به.
- ٣٣٥ -
كتاب المعاملات - العارية
والقضاء في ذلك للحِماني على يزيد. ثم وجدنا شريكاً وإسرائيل قد
اختلفا فيمن بَعْدَ ابنِ أبي مليكة في إسنادِ هذا الحدیثِ، فکان في إسنادٍ
شريكٍ أَنَّه عن أميةً بن صفوان عن أبيه، وفي حديث إسرائيلَ، عن ابن
صفوانَ وهو أُمية، وليس في ذكرهُ إِيَّه: عن أبيه.
ثم نظرنا في هذا الحديثِ أيضاً هل نجده في غيرِ روايتي شريك
وإسرائيل، فَتَقِفَ على حقيقته كيف هو في ذلك؟
٢٦٨٦ - فوجدنا أحمدَ بنَ داود قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا مُسَدَّدُ بنُ
مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنَا أبو الأحوص، حَدَّثْنَا عبد العزيز بنُ رُفيع، عن عطاء بنِ
أبي رباحٍ، عن ناسٍ من آلِ صفوانَ بنِ أُمية، قالوا: استعارَ رسولُ الله
* مِن صفوانَ بنِ أُمية سلاحاً، فقال له صفوان: أعارِيَّةٌ أم غَصْبٌ؟
فقال له رسولُ الله ◌َ﴿: (بَلْ عَارِيَّةَ))، فأعاره ما بَيْنَ ثلاثين إلى أربعين
درعاً. فغزا رسولُ اللهِ:﴿ حُنيناً، فلما هُزِمَ المشركون، قال رسولُ الله
﴿: (اجمَعُوا أذرُعَ صفوانَ))، فَفَقَدُوا من دروعه دروعاً، فقال النبيُّ ◌َل
لَصفوان: (إن شئتَ غَرِمْناها لَكَ)، فقال صفوان: يا رسولَ الله، إن في
قلبي من الإيمان ما لم يَكُنْ يومئذ(١).
٢٦٨٧ - وحَدَّثْنَا أحمدُ بنُ داود، قال: وحدثناه مُسَدَّدٌ مرة
أُخرى، قال: حَدَّثْنَا أبو الأحوص، عن عبد العزيز بنِ رُفيع، عن عطاء
(١) حديث مرسل، ورواه أبو داود (٣٥٦٤)، ومن طريقه الدارقطني ٤٠/٣،
ورواه البيهقي ٨٩/٦ من طريق يوسف بن يعقوب القاضي، كلاهما (أبو داود،
ويوسف) عن مسدّد، بهذا الإسناد.
-٣٣٦-
كتاب المعاملات - العارية
بن أبي رباح، عن صفوان بنِ أُمية: أن النبيَّ :﴿ّ استعارَ منه أدراعاً، ثم
ذكر هذا الحديث.
قال أبو جعفر: فوجدنا أبا الأحوص قد اضطرب في إسنادٍ هذا
الحديثِ هذا الاضطرابَ، فجعلَه مرةً عن ناسٍ من آلٍ صفوانَ، ومرةً
عن صفوانَ نفسِهِ، وكانت روايتاه إيَّه جميعاً عن عطاء بن أبي رباحٍ
[لا] عن ابن أبي مليكة، وكان هذا مما قد خالف فيه شريكاً وإسرائيلَ
في إسنادِ هذا الحديثِ، وليس في روايتيه جميعاً ذكرُ ضمان اشترطه على
رسول الله﴿ فيما كان أعاره إيَّه مِن تلك الأدراعِ. ثم نظرنا هَلْ رواه
عن عبدِ العزيز غيرُ شريكٍ وإسرائيلَ وأبي الأحوص أم لا؟
٢٦٨٨- فوجدنا الربيعَ المُرادِيَّ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا أسدُ بنُ
موسى، حَدَّثْنَا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن عبد العزيز بنِ رُفيع، عن
أناسٍ من آلِ عبدِ الله بن صفوان، قالوا: أرادَ رسولُ اللهِ:﴿ أن يغزوَ
حُنيناً، فقال لصفوانَ: ((ما عندك سِلاحٌ تُعِيرُنَا؟) فقال: أعارِيَّةٌ أم
غَصْبٌ؟ قال: (بَل عارِيَّةٌ) فأعاره ما بَيْنَ الثلاثين إلى الأربعين درعاً،
فأراد أن يَغْزُوَ مع النبيِمَ﴿، فقال له رسولُ اللهِلَ﴿ه: ((إنّكَ مِنْ أشرافِ
مكة وساداتِهم، وإنّ أكره أن أُغزيَ مَكَّةَ، فأقم)) فأقامَ، وغزا رسولُ
الله ﴿، فلما فَرَغُوا من غَزاتهم، أمَرَ بدُروعٍ صفوانَ أن تُجْمَعَ،
فَجُمِعَتْ، فافتقَدُوا منها دُروعاً، فقال النبيُّ :﴿ لِصفوان: ((إن شئتَ
غَرِمْناها لَكَ))، فقال صفوانُ: لا، إنَّ في قلبي من الإِيمان ما لم يَكُنْ
-٣٣٧-
كتاب المعاملات - العارية
يَومئذٍ(١).
فكان في هذا الحديثِ أن الذي أخذه عبدُ العزيز عنه إنما هو من
أخذه عنه من آل عبد الله بن صفوان، فخالف كُلَّ مَنْ ذكرناه قبلَه في
هذا البابِ مِن رُواة هذا الحديثِ عن عبدِ العزيز، وعاد بروايته إيّاه
منقطعاً غيرَ موصول الإسناد، ولَيْسَ في روايته ولا في رواية أبي
الأحوص إِيَّه عن عبدِ العزيز بن رُفيع ذِكْرُ ضمانٍ للعَارِيَّةِ، فوقفنا بذلك
على اضطرابِ هذا الحديث هذا الاضطرابَ الشديدَ، وما كانت هذه
سبيلَه، لم يكن مثلُه تقومُ به حجةٌ لأحدٍ على مخالفٍ له فيه، وبالله
التوفيق.
وكان معقولاً أنَّ العارِيَّةَ لو كانت مضمونةٌ، لَغَنِيَ رسولُ اللهَ وَّ
عن ذِكر ضمانها لَصفوان، ولقال له: وهل تكونُ العارِيَّةُ إلا مضمونةً،
ففي تركه ذلك دليلٌ على أن إحداثَه له بقولِه: (إنّها مضمونة)) ضماناً
أوجبه ذلك القولُ لا نفسُ العارِيَّة، وقد كان صفوانُ يومئذ حديثَ
عهد بالجاهلية، لأن حُنيناً إنما غزاها رسولُ اللهِ﴿ بَعْدَ فتح مكة،
وكان صفوانُ قبلَ ذلك قد عَهِدَ من رسول الله مُ﴿و اشتراطات للحربيين
ما لا تُوجبه الشريعةُ مِن المسلمين بعضهم لبعض، من ذلك اشتراطُه ◌ِ﴿.
يَوْمَ الحديبية أن من جاءَه من المشركين راغباً في دينه، تاركاً لما عليه
المشركون، رَدَّهُ إليه، وأن مَن جاءَ إلى المشركين من أصحابه لم يردوه
(١) حديث مرسل، ورواه ابن أبي شيبة ١٤٣/٦-١٤٤، ومن طريقه أبو داود
(٣٥٦٣)، والدارقطني ٤٠/٣ برقم (١٦٣)، والبيهقي ٨٩/٦ عن جرير، به.
-٣٣٨-
كتاب المعاملات - العارية
إليه، وأن مَنْ جاءه مِن نساء المشركين داخلاً في دينه ردَّ إليه ما كان
ساق إلى زوجته مِن الصَّداق للتزويج الذي كان بينه وبينَها، وكان
صفوان يُوقفه على مثل هذه الأشياءِ التي قد كان رسولُ الله مطار
يشترطُها للمشركين مما لا يجوزُ أمثالُها بَيْنَ المسلمين فيجوز ذلك
للمشركين ويلزم لهم المسلمين سأل مثلَ ذلك ليلزم له رسولُ الله ◌َّه
لا أن مِن شريعته وجوبَ الضمان في العارية، وهذه علةٌ صحيحةٌ
ذكرها لي محمدُ بنُ العباس، عن محمد بن الحسن بغيرِ ذكرٍ منه من
أخذها منه عنه، وذلك شبيه بما كان عليه رسولُ الله ◌ُ/، ثم ما كانت
عليه العربُ في لُغته ولغاتها، لأن الذي كانوا عليه في ذلك هو الإيجازُ
لا ما سواه، وكانت العارِيَّةُ لو كنت شريعته تُوجِبُ ضمانَها، لَغَنِيَ
بذكرها عن ذكر ضمانها، ولكن الذي كان منه بعدَ ذلك مما سأله
صفوان إيّاه أحْدَثَ حكماً لم يكن قبلَه، وهو وجوبُ ضمانها
بالاشتراط الذي اشتراط له فيها، ومما قد دَلَّ على ذلك ما قد رُوِيَ عنه
* في العارية في غير هذا الحديث.
٢٦٨٩- كما قد حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمان، حَدَّثْنَا نُعَيْمُ بنُ حمادٍ،
حَدَّثْنَا ابنُ المبارك، أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ يزيد بن جابر، حدثني سعيدُ
بنُ أبي سعيد، عمن سَمِعَ النِيَّ ﴿ يقول: (ألا إنَّ العَارِيَّةَ مُؤَدَّةٌ،
والِنْحَة مردودةٌ، والدِّيْنِ مَقْضِيٌّ، والزَّعِيمِ غَارٌِ)(١).
٢٦٩٠- وكما حَدَّثَنَا الربيعُ المراديُّ، حَدَّثَنَا أسدُ بنُ موسى،
(١) رواه أحمد ٢٩٣/٥ من طريق ابن المبارك، به.
-٣٣٩-
كتاب المعاملات - العارية
حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، عن شُرَحْبِيلِ بنِ مسلم الخَوْلاني، عن أبي
أمامة الباهلي، عن رسول الله ﴿ مثلَه (١).
فكان في هذين الحديثين إعلامُ رسولِ الله:﴿ُ الناسَ أن العَارِيَّةَ
مؤدَّةٌ، وفي ذلك ما يوجبُ أنها أمانةٌ، كما قال الله عز وجلَّ: ﴿إِنَّالله
بَأْمُرُكُمْ أنْ ◌ُدُّوا الأمَانَاتِ إِلى أَهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]، فكشف ذلك ما قد
ذكرناه مما حَمَلْنَا حَديث صفوانَ عليه مع أن حديث صفوان قد رواه
قتادةُ عن عطاء بنِ أبي رباح، وليس بدون عبدِ العزيز بن رُفيع، ولم
يتجاوزه به بهذا اللفظ أيضاً.
٢٦٩١- كما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ الحسن بنِ القاسم الكوفي، حَدَّنَا
عبدُ الوهَّاب بن عطاء، عن سعيدٍ، عن قتادةً، عن عطاء أن النبيَّ ◌َ﴿.
استعارَ مِن صفوانَ بنٍ أمية دروعاً يوم حُنَيْنِ، فقال له: أمؤدَّاه يا رَسُولَ
الله العَارِيَّة؟ قال: ((نعم)(٢).
فلم يكن ما روى عبدُ العزيز عليه حديثَ صفوان بأولى به مما
رواه عليه قتادةُ مع تكافئهما في انقطاعه في أكثر الروايات، عن عبد
(١) رواه عبد الرزاق (١٤٧٩٦) و(١٦٣٠٨)، والطيالسي (١١٢٨)، وأبو داود
(٣٥٦٥)، والترمذي (١٢٦٥) و(٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٣٩٨)، والطبراني
(٧٦١٥) و(٧٦٢١)، والبيهقي ٨٨/٦، والبغوي (٢١٦٢) من طرق عن إسماعيل بن
عياش، به، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
(٢) مرسل، ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٥٧٧٨) عن علي بن حجر، عن
هشیم، عن حجاج، عن عطاء.
- ٣٤٠-