النص المفهرس

صفحات 261-280

کتاب المعاملات - البیوع
نهى عنه فيه كان على النسيئةِ، وفي ذلك ما قد دلَّ على فسادٍ متنِه مما
تقدَّم في هذا البابِ من فساد أسانيده.
ثم وجدنا هذا الحديثَ قد رُوِيَ عن رجلٍ أُضِيفَ ولاؤُه إلى بني
مخزومٍ، ولم يُسَمّ الذي روى عنه عمران بن أبي أنس، فالذي رواه عن
عِمران بن أبي أنس ليس بدون يحيى بن أبي كثير، وهو ابنُ الأشج.
٢٥٩٢- كما حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني عمرُو بنُ
الحارث: أن بُكَيْرَ بنَ عبدِ الله ابنِ الأشج، حدثه عن عمران بن أبي
أنسٍ، حدَّثْه: أن مولىّ لبني مخزوم حدَّثه: أنَّه سَألَ سعدَ بنَ أبي وقّاص
عن الرَّجُلِ يُسْلِفُ مِن الرجلِ الرُّطَبَ بالتمرِ إلى أجلٍ. فقال سعدٌ: نهانا
رسولُ الله څ/# عن هذا. قال بُکیر: وهذا ننھی عنه.
فبانَ بحمدِ الله ونعمته فسادُ هذا الحديث في إسناده وفي متنه
جميعاً، وأنه لا حُجَّة على مَنْ خالفه من أبي حنيفة ومَنْ تابعه على
خلافه فيه.
وكان القياسُ أيضاً يُوجِبُهُ، لأنَّ السُّنَّةَ قد أجازت بَيْعَ الرُّطَبِ
بالرُّطَبِ مثلاً بمثل، ولم يُنظر في ذلك إلى ما يعودُ إليه بالحقوقِ من
الاستواءِ ومن الاختلاف، فدلَّ ذلك أنه كذلك الرُّطَبُ بالتمرِ إذا بيعا
مثلاً بمثلٍ سواء بسواء أن يكونا جَائِزَيْنِ وأن لا يُنْظَرَ في ذلك إلى ما
يَعُودُ إليه الرُّطَبُ منها بعدَ الجفوفِ من النّقصان عن التمر المبيعِ به،
وأجازت السَّنَةُ أيضاً بَيْعَ الَتَّمرِ بالتَّمرِ مثلاً بمثل، والحنطة بالحنطة مثلاً
بمثل، والشعير بالشعير مثلاً بمثل، وهي أشياءُ مما يُحيطُ بالعلمُ بتغيرها
بعدَ البيع بالجفوف والنقصان، فلم ينظر إلى ذلك فيها، ونظر إلى
-٢٦١ -

کتاب المعاملات - البیوع
أحوالها التي تكون عليها يوم يقع البيع عليها لا ما سوى لذلك منها،
مع أن في فساد الأصل الذي تعلّق به الذاهبون إلى ذلك القول ما يقطع
حجتهم، ويمنع ما كانوا يحتجون به مما بان عليهم فساده كما ذكرنا مما
ذكرنا، وبالله التوفيق.
٣٤٠- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله / في
الزيادات في أثمان الأشياء المبيعات: هل تلحق بالأثمان
التي عقدت تلك البياعاتُ عليها أم لا؟
قال أبو جعفر: قد ذكرنا فيما تَقَدَّمَ مِنَّا في كتابنا هذا حديثَ
جابر بن عبد الله في بيعه جمله رسول الله 8# في إقباله إلى المدينة، وأمرٌ
رسول الله﴿ بلالاً لما قَدِمَ المدينةَ أن يدفع إليه ثمنه، وأن يزيدَه قيراطاً،
فقلت: لا تُفارقني زيادةُ رسولِ اللهِوَ﴿ أبداً، فكان في كيسي حتى
أخذه أهلُ الشام یومَ احرَّةِ، و کان إسناده الذي ذكرناه به:
٢٥٩٣- أن يزيدَ بنَ سنان حدثناه، قال: حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ عُمَرَ
بن شقيق، حَدَّثْنَا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن الأعمش، عن سالم بن أبي
الجعد، عن جابر بن عبد الله(١).
وأَعَدْنَا ذكرَ إسناده هاهنا، لأنا بعدَ أن كرنا أنا قد كنا جئنا به
فيما تقدَّم مِنا في كتابنا هذا ظننا أنا لم نكن جئنا به، فأعدنا إسنادَه
(١) متفق عليه، وسيأتي في باب رقم (٣٥٧).
- ٢٦٢ - .

کتاب المعاملات - البيوع
احتياطاً، ففي حديث جابرِ الذي ذكرناه زيادةُ رسول الله ﴿ إِيَّه بعدَ
البيع الذي کان بينهما في ثمن البعير الذي کان ابتاعه منه به، وفي ذلك
دليلٌ على أن الزيادةَ قد لَحِقَتْ بذلك الثمن، فصارت منه، وصارت
كمن عَقَدَ البيعَ به مع ما سواه مما عقد البيعَ به، وكان محالاً أن يكونَ
رسولُ الله:﴿ ملك جابراً ما ملكه إياه بمعنى، ولا يملكه بذلك المعنى،
ويملكه بغيره، كما يقول من يقول: إن الزيادة في الثمن هِبَةٌ مِن الذي
يزيدُها للذي يزيدُها إياه، وممن كان يقولُ ذلك مالكٌ وزُفَرُ، لأن
الأشياء إنما تُمْلَكُ من حيث ملكت لا مما سواها، وقد رُوِيَ عن رسول
الله﴿ من الزيادة في غير البياعات
٢٥٩٤- ما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا محمد
بن إسماعيل بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن إياس بن سلمة بن
الأكوع، عن أبيه أنَّ رسولَ اللهِمَ ﴿وَه قال: «أَيُّما رَجُلٍ شَارَطَ امرأةٌ،
فَعِشْرَتُهُما ثلاثُ ليال، فإن أحبا أن يتناقضا تناقضا، وإن أحبا أن
يَزِيدَا في الأجل، زادا)). قال سلمة: لا أدري أكانت لنا خاصة أم
للنّاسِ عامَّةٍ (١).
(١) إسناده صحيح، وهو منسوخ.
وعلقه البخاري في («صحيحه)) (٥١١٩)، فقال: وقال ابن أبي ذئب: حدثني إياس
بن سلمة، بهذا الإسناد. ووصله الطبراني في (الكبير)) (٦٢٦٦)، وأبو نعيم في
(المستخرج) كما في ((تغليق التعليق) ٤١٢/٤ من طريق محمد بن عباد المكي، حَدَّثْنَا
حاتم بن إسماعيل، عن ابن أبي ذئب، به.
- ٢٦٣ -

كتاب المعاملات - البيوع
٢٥٩٥- وما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا أبو عاصم،
عن ابنٍ أبي ذئب، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله
*: (أيُّما رَجُلٍ وامرأةٍ تمتّعًا، فعِشرَتهما بينهما ثلاثُ ليال، فإن أحبا
أن يزدادا ازدادا)).
وكان في هذا الحديث في الوقت الذي كانت المتعةٌ طلقاً،
وكانت حلالاً أنها إذا عقدت على وقتٍ بعينه، فانعقدت عليه، ثم
أحبَّ مُتعاقداها أن يزيدا في ذلك الوقت مدة أحبَّاها، وذكرا مقدارها
أن تلك الزيادة لاحقةٌ بالمدة الأولى، وأن حكم المدة الثانية في ذلك
حكمُ المدة الأولى، فمثلُ ذلك أيضاً البيعُ إذا وقع على شيءٍ بعينه بثمنٍ
بعينه، ثم أراد واحدٌ مِن متعاقديه زيادةً صاحبه فيما ملكه إِيَّاه فيه شيئاً،
فزاده إِيَّه، وقبلَهُ منه أنَّ تلك الزيادة لاحقةٌ به، وداخلٌ في حكمه، وقد
روينا حديث جابر الذي قد رويناه في هذا البابِ في تثبيت هذا المعنى.
٢٥٩٦- وقد حَدَّثَنَا أبو أمية في مثله، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم
الفضلُ بنُ دكين، حَدَّثْنَا عبدُ السَّلامُ بنُ حرب، عن الأعمش، عن سالم
بنِ أبي الجعد، عن جابرٍ أن النبيَّ ◌َ﴿ اشترى منه بَعِيراً بأُوقية من ذهب،
فأمر بلالاً فَوَزَنَ له، وزاده قيراطاً (١).
وقد رُوِيَ عن أصحاب رسول الله 18 في استعمالهم في الزيادات
وانظر مسلم (١٤٠٦) و((شرح السنة)) ٩٩/٩.
(١) إسناده صحيح، وانظر باب (٣٥٧).
-٢٦٤ -

کتاب المعاملات - البيوع
في البياعات بَعْدَ رسول الله {﴿ ما يُوافِقُ هذا المعنى، فمن ذلك:
٢٥٩٧- ما قد حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بنُ رِحَالٍ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ صالح،
حَدَّثَنَا عبدُ الرزاق، أنبأنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن ابنِ الْمُسَيِّب، قال:
قال أصحابُ النِّ ◌َ﴿، ورضِيَ عنهم: وَدِدْنا لو أنَّ عُثمان وعبدَ الرحمن
تبايعا حتى ننظر أيُّهما أعْظَمُ حَدّاً في التجارة، فاشترى عبدُ الرحمن من
عُثمان فرساً بأرضٍ لَهُ أُخرى بأربعين ألفَ درهمٍ، أو نحو ذلك - شكَّ
عبدُ الرزاق في العدد- إن أدركتها الصفقة وهي سالمة، ثم أجاز قليلاً،
فرجع، فقال: أزيدُك ستةً آلاف إن وجدها رسولي سالمةٌ، قال: نعم،
فوجدها رسولُ عبد الرحمن قد ماتت، قال: فخرج منها بالشرط
الآخرِ، فقالَ رجلٌ للزُّهري: فإن لم يشترط؟ قال: فهي من مال
البائع(١).
فكان في هذا الحديثِ ما قد دَلَّ عليه مما قاله الزهريُّ في آخره:
أن البيعَ لو مضى على العقدِ الأولِ كان موتُ الفرسِ من مال مبتاعها
وهو عبدُ الرحمن، ثم زاد عبدُ الرحمن عثمانَ في ثمنها زيادةً زاده بها
عثمان شرطاً أوجبَ له إن ماتت قَبْلَ وصولِ رسولِه إليها ماتت مِن
مال عثمان وهو بائعها، ففي ذلك ما قد دّلَّ على إلحاق الزيادات في
العُقود، وقد كان ذلك من عثمان وعبد الرحمن بحضرة أصحاب رسول
الله﴿ الذين كانوا يَتَّمَّنَّوْنَ أن يتبايعا ليقفوا على أيهما أعظمُ حَدّاً في
التجارة، فلم يُنْكِرُوا ما كان منهما عليهما، ولم يُخالفهوهما في ذلك،
(١) رجاله ثقات، وهو في ((مصنف عبد الرزاق) (١٤٢٤٠).
-٢٦٥ -

کتاب المعاملات - البيوع
فدل ذلك على متابعتهم إياهما عليه، ومن ذلك:
٢٥٩- ما قد حَدَّثْنَا يزيدُ بن سنان، حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ هارون،
أخبرنا الأجلحُ الكندي، عن عبدِ الله بن أبي الهذيل، قال: رأيتُ عمارَ
بن ياسرٍ خرج مِن القصر، فاشترى قِتّاً بدرهم، فاستزاد صاحبَ القت
حبلاً، فنازعه حتى أخذ هذا قطعة منه، وهذا قطعة منه، ثم احتمله
على عاتقه حتى دخل القصر.
قال أبو جعفر: وهذا كان مِن عَمَّارٍ وهو أميرٌ، لأنه لم يسكن
القصرَ الذي كان الأمراء يسكنونه إلا وهو أميرٌ، وقد حَقَّقَ ذلك:
٢٥٩٩- ما قد حَدَّثَنَا يحيى بنُ عثمان، حَدَّثْنَا نُعَيْمُ بنُ حمادٍ،
حَدَّثْنَا ابنُ المبارك، أخبرنا سفيانُ، عن أبي سِنان والأجلح، عن ابنٍ أبي
الهذيل، قال: رأيتُ عمارَ بنَ یاسرٍ خرج وهُوَ أميرٌ، فاشترى قتاً،
فاستزاده حبلاً، فجعل هذا يمدُّ، وهذا يمدُّ، فقال أبو سنان: فلا أدري
أيُّهما غلب، وقال الأجلح: فاقتسماه نصفين(١).
ففي هذا الحديثِ أن عماراً -وهو أميرٌ لا تَصْلُح له الهديةُ، ولا
يصلح له قبولُ هِبةٍ من أحدٍ - استزاد بائعه ذلك القت، وذلك لا يكونُ
منه إلا لأنه يلحق البيعَ، فيكون منه بحصته مِن ثمنه، كهو لو وقع البيعُ
عليه مع ما وقع عليه سواه، وفي ذلك ما قد دَلَّ على القولِ الذي
أخبرناه فيما تَقَدَّم منا في هذا البابِ فيما قيل فيه، وهذه الزيادات عندنا
(١) رواه عبد الرزاق (١٤٣١٠) عن سفيان الثوري، بهذا الإسناد. ولم يبين
اختلاف روايتي الأجلح و أبي سنان.
-٢٦٦-

کتاب المعاملات - البيوع
إنما تَلْحَقُ بما زِيدَتْ فيه بعد أن يكونَ الذي زيدت فيه في الحال الذي
استؤنف البيعُ فيه عليها جاز، فأما إن كان قد دخله ما يمنع من ذلك
كموتِ المبيع، أو كعِتاق مبتاعة إِيَّاه، أو كخروجه مِن مِلكِه إلى مِلك
مَنْ سواه، فإن تلك الزيادات إن كانت، كانت بخلاف هذا المعنى، ولم
تلحق بذلك العقدِ الذي قد زِيدت فيه. وهو الموفقُ وهو المستعان.
٣٤١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في الزيادة
فيما لا تجوزُ الزيادة فيه، بل ترجعُ إلى زائدها، أو تكونُ هبةً
منه للذي زادها إيَّاه
٢٦٠٠- حَدَّثْنَا صالحُ بنُ شعيب بن أبان البصري أبو شعيب،
أخبرنا الحسينُ بنُ مهدي الأَبْلَّي، أخبرنا عبدُ الرزاق، أخبرنا معمرٌ، عن
الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبيَّ :﴿ بعث أبا
جهم بنَ حُذيفة مُصَدِّقاً فلاحاه رجلٌ في صدقته، فأخذه، فضربه فشجَّه
أبو جهم، فأتوا النبيَّ :﴿، فقالوا: القود يا رسولَ الله، فقال النبيُّ ◌َ﴾.
((كم كَذَا وكَذا))، فلم يَرَضوْا، فقال: ((لكم كذا وكذا))، فرضوا، فقال
رسول الله (: (إني خاطِبٌ العشیةَ على الناسِ ومُخبِرُهُم برضاكُم))،
[فقالوا: نعم، فخطب رسول الله مع ﴿، فقال: ((إنَّ هؤلاء اللَّيِّين أتوني
يريدون القَوَد، فَعَرَضتُ عليهم كذا وكذا فرضوا)) قال: ((أرضيتم؟))
قالوا: لا، قال: فهمَّ بهم المهاجرون، فأمرهم النبيُّ عليه السَّلامُ أن يَكُفُّوا
عنهم، ثم دعاهم النبيُّ :﴿، فزادهم، فقال: (أرضيتم؟) قالوا: نعم، قال:
-٢٦٧-

كتاب المعاملات - البيوع
((فإني خاطبٌ على الناسِ ومخبرُهم برضاكم))، قالوا: نعم. فخطب
الناسَ، فقال: «أرضيتُم؟) قالوا: نعم (١).
ففي هذا الحديثَ معنى لطيفٌ مِن الفقه يجبُ أن يُوقف عليه،
ويُوقف به على أن الزيادةَ في هذا المعنى بخلافِ الزيادة في المعنيين
اللذين ذكرناهما في الباب الذي قبل هذا الباب وذلك أن الزيادة في
المعنيين اللذين ذكرناهما في الباب الذي قبل هذا البابِ زيادةٌ في بيعٍ قد
يجوز أن یتناقضه متعاقِداه، ثم يتعاقدانه من ذي قبل، وتزويجٌ قد يجوزُ
أن يتناقضاه، أو يتعاقدانه من ذي قبلٍ بما يتعاقدانه، فجازت في ذلك
الزيادةُ، وكان الصلحُ عن أبي جهم بن حذيفة مما لا يجوز أن يتناقضَه
رسولُ الله:﴿ والذين صالحهم به عنه، لأن رجلاً لو شجَّ رجلاً شجَّةٌ،
أو جنى عليه جنايةً، فصالحه منها على شيءٍ أو صُولح عنه منها على
شيءٍ، ثم أراد متعاقدا ذلك الصلح أن يتناقضاه بينهما أنهما لا يَقْدِران
على ذلك، وأنهما إن نقضاه، لم ينتقض، وما هذه سبيلُه، فالزيادةُ فيه
غيرُ لاحقة بأصلِه ومختلف فيها، فطائفة مِن أهلِ العلم تقولُ: إنّها
باطلة، وإنها راجعةٌ إلى الذي زادها، وممن كان يقولُ ذلك منهم أبو
حنيفة وأبو يوسف، وطائفة منهم تقولُ: إنها هبةٌ من الذي زادها للذي
(١) إسناده حسن، وهو في ((مصنف عبد الرزاق) برقم (١٨٠٣٢).
ومن طريق عبد الرزاق رواه أحمد ٢٣٢/٦، وأبو داود (٤٥٣٤)، والنسائي
٣٥/٨، وابن ماجه (٢٦٣٨)، وابن حبان (٤٤٨٧)، والبيهقي ٤٩/٨. ورواية ابن
حبان مختصرة.
- ٢٦٨-

كتاب المعاملات - البيوع
زادها إياه، فإن سلمها إليه جازت له، وإن منعه منها لم يُجبر على
تسليمها إليه، وهذا معنى قد ذكر عبد الرحمن بن قاسم ما يَدُلُّ في
جواباته اشتهاره عن مذهب مالكٍ فيه، وهو قولُ زفر فيه، وقد مال
إليه محمدُ منُ الحسن في بعض مسائله التي تَدْخُلُ في هذا البابِ، ونحن
نعلم أن رسولَ الله ﴿ّ لم يدفع إلى أولئك القومِ ما لا يَحِلُّ هم أخذُه،
وأنه لا يدفع إلى أحدٍ إلا ما يَكُونُ طيباً له، لأن مِن شريعته في مثل هذا
تحريمَ أكلِ الربا، وتحريمَ إطعامه، وفي إباحته إيّاهم ذلك دليلٌ على طيبه
لهم، وأن ذلك قد صار إليهم هبةً منه لهم، كما قال ذلك مَنْ قاله ممن
ذكرناه عنه، ورسولُ اللهِ﴿ هو الحجةُ على الناس جميعاً. وبالله
التوفيق.
٣٤٢- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ من قولِهِ
جواباً لابنِ عمرَ لما سألَهُ عن أخذِهِ الدنانيرَ بالدراهمِ،
والدراهم بالدنانیر في البیع: «إذا كانَ ذلك من صرفٍ
يومِكُمَا وافتَرڤْتُمَا وليسَ بينَهُما شيءٌ فلا بأس»
٢٦٠١ - حَدَّثْنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثْنَا عبيدُ الله بن موسى
العبسيُّ، قال: حَدَّثَنَا إسرائيلُ بنُ يونسَ، يعني عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عمرَ، قالَ: أتيتُ رسولَ الله:﴿ وهو في حُجْرَةً
حفصةً، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، رُوَيْدَكَ أسألُكَ، إني أبيعُ الإِبِلَ بِالنقيعِ،
فأبيعُ بالدنانير، وآخذُ الدراهمَ، وأبيعُ بالدراهم وآخذُ الدنانيرَ. فقالَ
-٢٦٩-

كتاب المعاملات - البيوع
رسول الله (8: ((إذا كانَ ذلكَ من صَرْفِ يومِكُمَا، وافترقْتُمَا، وليسَ
بينَكُما شيءُ، فلا بأسَ)(١).
٢٦٠٢- حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سنان، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ كثير، قال:
حَدَّثَنَا إسرائيلُ، ثم ذَكَرَ بإسنادِهِ مثلَهُ، غيرَ أنه قال: ((لا بأسَ إذا
أخذْتَ بسِعْرِ يومِكَ)).
٢٦٠٣- حَدَّثَنَا صالحُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأنصاريُّ، قال: حَدَّثْنَا أبو
عبدِ الرحمن المُقرِئُ (ح)، وحَدَّثَنَا يونسُ، قال: حَدَّثْنَا بنُ حسانَ (ح)،
وحَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سنان. قالوا: حَدَّثَنَا أبو الوليدِ الطيالسِيُّ، وعُبَيْدُ اللهِ بنُ
محمدٍ التيميُّ، وعبدُ الملكِ بنُ إبراهيمَ الجُدِّيُّ، وحَدَّثْنَا محمدُ بنُ العباسِ
بنِ الربيعِ اللَّوْلُويُّ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ مَسلمةَ القعنبي أبو بشرٍ ثم
اجتموا جميعاً، فقال كل واحد منهم: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سلمة، عن
سِمَاكٍ، عن سعيد بن جُبير، عن ابنِ عمر، ثم ذكرُوا جميعاً مثلّه.
غير أنَّ بعضَهم جاءَ بِهِ على لفظِ حديثٍ أبي أميةً، وجاءَ بِهِ
بعضُهم على لفظِ حديثِ يزيدَ، عن محمدِ بنِ كثيرٍ.
فقال قائلٌ: ما معنَى سِعْرِ اليومِ الذي يتصَارَفَانِ فيهِ، وقد رأينا
البياعاتِ تجوزُ بينَ الناسِ في مثلِ هذا بسعرِ يومِها، وبأكثرَ من سعرِ
يومِها، وبأقلَّ من سعرِ يومِها، لا اختلافَ بينَ أهلِ العلمِ في ذلك، وفي
(١) رواه أبو داود (٣٣٥٥) عن حسين بن الأسود عن عُبيد الله بن موسى، به.
ورواه أحمد ٨٣/٢ ,١٥٤ عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل، به. والنقيع، موضع
بسوق المدينة.
- ٢٧٠ -

كتاب المعاملات - البيوع
جوازِهِ، وفي استقامَتِهِ، فما بالُ سعرِ يومِها التّمِسَ في هذا الحديثِ؟
فكان جوابُنا له في ذلكَ بتوفيقِ الله جلَّ وعزَّ وعونه: أنَّ رسولَ
الله :﴿ دلَّ عبدَ الله بنَ عمر في سؤالِهِ إِيَّاهُ عمَّا سألَهُ عنه في هذا الحديثِ
على الوَرعِ الذي يجبُ على الناسِ استعمالُهُ فيما سألَهُ عنه، وإنْ كانَ
الأمرُ لو جَرَى بخلافِهِ فيما سألَهُ عنه، لم يمنع ذلكَ من جوازِ البيعِ
ووجوبِهِ. وذلك أنَّ مَنْ كانتْ لَهُ دنانيرُ على رَجُلٍ، أو كانتْ لهُ
دراهمُ، فجاءَ يطلُبُها منه، فبدَّلَ له مكانَ الدنانيرِ دراهمَ، أو مكانَ
الدراهم دنانيرَ، ودعاهُ إلى أخذِهَا بالذِي لهُ عليه من خلافِها، جازَ أنْ
يكونَ يُرِيدُ منه أن يهضِمَهُ ثَمّا لَهُ عليه بإعطائِهِ بِهِ غيرَهُ، وتدعُو الضرورةُ
صاحبَ الدَّينَ إلى أخذِ ذلكَ واحتمالِ الضيم فيهِ، والهَضِيمةٍ من دَيْنِهِ،
فَعَلَّمَ رسولُ اللهِ ﴿ ابن عمرَ ما يكونُ إذا فعلَهُ بخلاف ذلك، وأنْ
يكونَ يَعْتَبِرُ سعْرَ يومِهِ فيما يُعطِيهِ غريمه بِمَا لَّهُ عليهِ من خلافِ جنسٍ
ما يُعطيهِ، فإنْ كانَ ما يُعطيهِ سعرَ يومِهِ يهنأُ لغرِهِ أنْ يتحوَّلَ عنهُ بما
يأخذُهُ منهُ إلى مَنْ سِوَاهُ من الباعة، فَيُعطيهِ ذلك يمثلِ دَيْنِهِ الذي كانَ لهُ
على غريمِهِ، فينصرفُ موفُوراً، ويصيرُ أخذُهُ ذلكَ من غيرِ غريِهِ كأخذِهِ
إيّاهُ غريمه، لأنه قد عاد إليه مثل الذي كان على غريمه، واستوى أخذُه
إياهُ من غيرِ غريِهِ، وأخذُهُ إِيَّهُ لو أخَذَهُ من غريِهِ. وإذا أعطاهُ بغيرِ سعرٍ
يومِهِ خلاف دَيْنِهِ ثَمّا إذا تحوَّلَ به إلى غيرِهِ من الباعَةِ، ثمَّ طلبَ منهُ أنْ
يعطيَهُ بِهِ مثلَ ديْنِهِ الذي كانَ لَهُ على غرِهِ لَمْ يُعْطِهِ ذلك لما عليه فيه
من الهضيمة، فعلّم رسول الله ﴿ عبد الله بن عمر التَّوَرُّعَ مِنْ ذلكَ،
واستعمالَ مَا لا هَضِيمَةَ فيهِ على غرِهِ، وما يستطيعُ غريُه أنْ يتعوَّضَ
- ٢٧١ -

كتاب المعاملات - البيوع
بهِ من غيرِهِ مثلَ دَيْنِهِ لا ما يستطيعُ ذلكَ. وهذه حكمةٌ جليلةٌ لا
يحتمِلُها إلّ الله عز وجل، وهِيَ التي ينبغي لذوي المعاملات أنْ لا
يَعْدُوها في معامَلاتِهم إلى ما سِوَاها من أضْدَادِها، والله نسألُهُ التوفيقَ.
٣٤٣- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله# في الأشياءِ
الموزوناتِ أنَّها كَالأَشْياءِ المکیلاتِ في دُخُولِ الربا فیھا
كَدُخُولِهِ في الأشياءِ المکیلاتِ
٢٦٠٤ - حَدَّثْنَا يونسُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وهبٍ، أنَّ مالكاً أخبره
عن عبدٍ لمجيدِ بنِ سُهِيلِ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ، عن سعيدٍ بن
المسيّبِ، عن أبي سَعيدٍ الخدريِّ، وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله مُ ﴾.
استعملَ رَجُلاً على خيبر، فجاءَ بتمرٍ جَنِيبٍ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِصَ﴿:
((أَكُلُّ تَمْرٍ خَيْبَرِ هِكَذا؟) فقالَ: لا واللهِ يا رسولَ الله، إنّا لِنَأْخُذُ الصَّاعَ
من هذا بالصاعَيْنِ، والصاعَيْنِ بالثلاثةِ، فقالَ رسولُ الله:﴿: ((فلا تَفْعَلْ،
بِعِ الجمْعَ بالدراهمِ، ثم ابْتَعْ بالدراهم جَنِباً)) وقال في الميزانِ مثلَ
ذلك(١).
٢٦٠٥ - حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي دَاودَ، قال: حَدَّثَنَا الوُحَاظِيُّ،
(١) إسناده صحيح، وهو في (الموطأ) ٦٢٣/٢.
قال البغوي في ((شرح السنة) ٧١/٨: والجنيب نوعٌ من التمر، وهو أجود
تُمورهم، والجمع: الدَّقل، ويقال: هو أخلاط رديئة من التمر، قال الأصمعي: المع:
کل لون من النخل لا يُعرف اسمه، يقال: کثر الجمع في أرض بني فلان.
- ٢٧٢-

کتاب المعاملات - البيوع
قال: حَدَّثْنَا سُليمانُ بنُ بلال، قال: حَدَّثْنَا عبدُ المجيدِ بنُ سهيلِ بنِ عبدٍ
الرحمن بنِ عوفٍ، أنه سَمِعَ سعيدَ بِنَ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ، أن أبا سعيدٍ
الخدريَّ، وأبا هريرةَ حدثاهُ أنَّ رسولَ اللهِ:﴿ٌ بعثَ أخا يَنِي عديّ
الأنصاريَّ، واستعملَهُ على خيبرَ، فَقَدِمَ بتمرٍ جنيبٍ، فقالَ لهُ رسولُ الله
*: ((أكُلُّ تمرٍ خَيبرَ هكذا؟) فقالَ: لا والله يا رسولَ الله، إنّا لَنَشْترِي
الصَّاعَ بالصاعينِ، فقالَ رسولَ اللهِ:﴿: ((لا تفعَلُوا، ولكنْ مِثْلاً بِمِثْلِ،
٤
أو بيعُوا هذا، واشتَرُوا هذا بثمنِهِ، وكذلكَ الميزائ)(١).
٢٦٠٦ - حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمانَ، قال: حَدَّثَنَا نُعيمُ بنُ حَمَّادٍ، قال:
حَدَّثَنَا عبدُ العزيزِ الدَّرَاورْديُّ، عن أبي سهيلٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي
سعيدٍ، وأبي هريرةً أنَّ رسولَ اللهِلَ﴿ل بعثَ أخا بني عدي من الأنصارِ
إلى خَيِبرَ أميراً، فَقَدِمَ عليه بتمرٍ جنيبٍ - يعني طَيِّاً - فقالَ رسولُ اللهَ
*: ((أكُلُّ تمرٍ خَيبرَ هكذا؟) قالَ: لا والله يا رسولَ الله، إنَّا نَشْتَرِي
الصَّاعَ بالصاعينِ، والصاعينِ بالثلاثةِ آصعٍ(٢) من الجمعِ، فقالَ رسولُ
الله *: ((لا تفعَلْ، ولكنْ تَبِيعُ هذا وتَشْترِي بثمنِهِ من هذا، وكذلك
الميزان).
(١) إسناده صحيح، وأخرجه الدارمي ٢٥٨/٢، والبخاري (٧٣٥٠)
و(٧٣٥١)، ومسلم (١٥٩٣) (٩٤)، والدارقطني ١٧/٣، والبيهقي ٢٨٥/٥ من
طريقين عن سليمان بن بلال، به.
(٢) جمع ((صاع) ويجمع أيضاً على أصواع، وأصْوُع، وأصُوع، وصُوع،
وصيعان.
- ٢٧٣ -

کتاب المعاملات - البیوع
٢٦٠٧- وحَدَّثَنَا مصعبُ بنُ إبراهيمَ بنِ حمزةَ الزُّبِيرِيُّ الَدينيُّ،
قال: حَدَّثْنَا أبي، قال: حَدَّثْنَا الدَّرَاورديُّ، عن عبدِ المجيدِ، عن سعيدِ بنِ
المسيِّبٍ، أن أبا سعيد الخدريَّ، وأبا هريرة حَدَّاهُ أن رسولَ اللهِ *و
بعثَ أخا بني عديٍّ بنِ النجارِ على خيبرَ، فَقَدِمَ عليه بتمرٍ جنيبٍ - يعني
طَيِّباً - فقالَ رسولُ الله: ((أكُلُّ تمرٍ خَيبرَ هكذا؟)) قالَ: لا والله يا رسولَ
الله، إنّا نَشْتَرِي الصَّاعَ بالصاعينِ، والصاعينِ بالثلاثةِ من الجمعِ، فقالَ
رسولُ اللهِ :﴿: «لا تفعَلْ، ولكنْ بعْ هذا واشْترِ بثمنِهِ من هذا،
فكذلك الميزان))(١).
٢٦٠٨- حَدَّثَنَا مُصعبٌ، قال: حَدَّثْنَا أبي، قال: حَدَّثْنَا
الدَّرَاورديُّ، عن عبدِ المجيدِ بنِ سُهِيلٍ، عن أبي صالحِ السَّمَّانِ، عن أبي
هُريرةً، وعن أبي سعيدٍ الْخُدريِّ مثلَهُ.
قال أبو جعفر: هكذا هو في كتابِ مُصعبٍ الذي أخبرنا أنه أصلُ
أبيهِ: عن عبدِ المجيدِ بنِ سهيلٍ، عن أبي صالحٍ، وهذا خلافُ ما ذكرناهُ
من حديثٍ يحيى بنِ عثمانَ، عن نعيمٍ، عن الدَّرَاورديِّ لأنه جعلَ مكانَ
عبدِ المجيدِ أبا سُهيلٍ والذي قال مصعب في هذا هو الصوابُ عندنَا،
والله أعلمُ.
(١) رواه الدارقطني ١٧/٣ من طريق يحيى بن سليمان بن نضلة، وإبراهيم بن
حمزة، كلاهما عن الدراوردي، به.
وعلقه البخاري في ((صحيحه) (٤٢٤٦) فقال: ((قال عبد العزيز بن محمد عن عبد
المجيد .. ) وانظر ((تغليق التعليق)) ١٣٦/٤-١٣٧.
-٢٧٤ -

کتاب المعاملات - البيوع
فكانَ في هذه الآثارِ ردُّ رسولِ الله:﴿ حكمَ الميزانِ في دخول
الربًا في الأشياءِ الموزونةِ بِهِ كدخولِهَا في المِكيالِ في الأشياءِ المَكِیلاتِ
به، ولم يقصِدْ في ذلكَ إلى مأكولٍ ولا إلى مشروبٍ دونَ ما سِواهُما ثَمّا
لا يُؤْكَلُ ولا يُشربُ. فكانَ ظاهرُ ذلك يوجبُ ما قالَ الذين يقولونَ:
لا يجوزُ الحَديدُ بالحديدِ، ولا النُّحاسُ بالنَّحاسِ، ولا الرَّصاصُ بِالرَّصاصِ
إلاَّ مِثْلاً مِثْلٍ، وزناً بوزن، وأنَّ هذه الأشياءَ لما كانتْ موزونةَ في دخولِ
الرِّبا إِيَّها كالذهبِ والفضَّةِ في دخولِ الرِّبا إياهُما، وكالأشياء
المكيلاتِ من التمرِ والحِنْطَةِ والشَّعيرِ في دخولِ الربا إياهُما، كما يقولُهُ
أبو حنيفةً وأصحابُهُ في ذلك، وذلكَ بخلافِ ما قالَ أهلُ المدينةِ فیه،
وحملِهم ذلك على الأشياء المكِيلاتِ مما يُؤْكلُ ومما يُشربُ خاصة دونَ
ما لا يُؤكلُ وما لا يُشربُ.
فقال قائلٌ مَمن ذهبَ إلى ما يقولُه أهلُ المدينةِ في ذلك: إنَّ سعيدَ
بنَ المسيبِ قد ذهبَ في هذا المعنى إلى ما ذهبنا إليه فيهِ، وإلى خلافٍ ما
ذهبَ الآخرونَ إليه فيه.
وذكر ما قد حَدَّثَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبِ أن مالكاً أخبره
عن أبي الزِّنادٍ، أنه سَمِعَ سعيد بنَ المسيِّبِ يقولُ: لا رِبَا إلاَّ في ذهبٍ أو
فضةٍ أو فيما يُكالُ أو يُوزَنُ مما يُؤْكلُ أو يُشربُ(١).
(١) إسناده صحيح وهو في (الموطأ) ٦٣٥/٢.
ورواه من طريق مالك عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٤١٣٩).
ورواه الدارقطني ١٤/٣ من طريق المبارك بن مجاهد، عن مالك بن أنس، عن أبي
- ٢٧٥-

کتاب المعاملات - البیوع
وقال: فإلى قول من خالفتهم قولَ سعيدٍ هذا؟ فقِيلَ لَهُ: إلى قولٍ
عمَّارِ بنِ ياسرِ الذي يُخالِفُهُ، فقولُهُ في ذلك أعلى من قولِ سعيدٍ،
والذي يُروى عن عمار في ذلك.
٢٦٠٩ - ما قد حَدَّثَنَا يحيى بنُ عثمانَ، قال: حَدَّثَنَا موسى بنُ
هارونَ البُرْدِيُّ، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ سعيدِ القطانُ، عن صدقةً بنِ
المثّى، عن جدِّهِ رِيَاحِ بنِ الحارثِ، قال: قال عمارُ بنُ ياسرٍ رضي الله
عنه: العبدُ خيرٌ من العبدين، والأمَهُ خيرٌ من الأمَتَينِ، والْبَعِيرُ خيرٌ من
البَعِيرِينِ، والتّورُ خيرٌ من الثَّورِينِ، فما كانَ يداً بيدٍ، فلا بأسَ، إنَّما الربا
في النساء لا ما كِيلَ أُو وُزِنَ.
٢٦١٠ - وما قد حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمانَ، قال: حَدَّثَنَا أصبغُ بنُ
الفَرَجِ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ يونسَ، عن صدقةَ بنِ المتّنّى، عن رياحِ
بنِ الحارثِ، عن عمارِ بنِ ياسر، مثلَه، إلاَّ أنَّهُ لم يقلْ: والثّورُ خيرٌ من
الثّورينٍ. وقالَ مكانَ ذلك: والثوبُ خيرٌ من الثّوبَينِ.
قال أبو جعفرِ: فَلَمَّا كانَ أُوْكَدَ الأشياءِ في دخولِ الرِّبا عليها
R
الذهبُ والفضةُ وليسا بِمَأْكُولَيْنٍ ولا مَشْرُوبَينِ، عَقِلْنا بذلك أنَّ العِلَّةَ
التي لها دخولُ الربا إلى الوزنِ فيما يُوزَنُ والكَيْلِ فيما يُكَالُ، مأكولاً
كانَ ذلكَ أو مشروباً، أو غيرَ مأكول أو مشروبٍ. والله نسألُهُ التوفيقَ.
الزناد، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله * قال : ... فذكره. قال الدارقطني: هذا
مرسل، ووهم المبارك على مالك يرفعه إلى النبيِّ ﴾، وإنما هو من قولِ سعيد بنٍ
المسيب، مرسل.
- ٢٧٦ -

کتاب المعاملات - البيوع
٣٤٤- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ من قولِهِ:
((الوزنُ وزنُ أهلِ مكةَ، والمكيالُ مِكْيالُ أهلِ المدينةِ))
٢٦١١ - حَدَّثْنَا أبو بشرِ عبدُ الملكِ بنُ مروانَ الرَّقيُّ، قال: حَدَّثْنَا
الفِرِيَائِيُّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ الثوريُّ، عن حنظلَةَ، عن طاووسَ، عن
ابن عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِمَ ◌ّ: «الوزنُ وزنُ أهلِ مكةً، والمكيالُ
مِكْيالُ أهلِ المدينةِ)(١).
قال أبو جعفرٍ: فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدْنَا مكة لم يكنْ بها
ثمرةٌ، ولا زرعٌ حينئذٍ، وكذلكَ كانتْ قبلَ ذلكَ الزمانِ، ألاَ تَرَى إلى
قولِ إبراهيمَ ◌َ﴾: ﴿رََّ إِنِي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِِّي بِوادٍ غَمِ ذِي نَزْعِ
[إبراهيم: ٣٧]، وإنّما كانتْ بلدَ مَتْجَرِ، يُوافِي الحاجُّ إليهِ بالتجاراتِ،
فيبيعُونَها هناكَ بالأثْمانِ التي تُبَاعُ بها التجاراتُ، وكانتِ المدينةُ
بخلاف ذلكَ، لأنَّها دارُ النخلِ، ومِنْ ثمارِها حياتُهم، وكانتٍ
الصَّدَقاتُ تَدْخُلُها، فيكونُ الواجبُ فيها من الصدقَةِ يُؤْخَذُ كيلاً، فجعلَ
رسولُ اللهَ﴿ الأمصارَ كلِّها لِهِذِين المِصْرَيْنِ أتباعاً، وكانَ الناسُ
يحتاجُونَ إلى الوَزْنِ في أثمانِ ما يَتَبَايَعونَ، وفيما سِوَاها ثَمَا يَتَصرَّفُونَ فِيه
(١) إسناده صحيح، ورواه أبو داود (٣٣٤٠)، والنسائي ٥٤/٥ و٢٨٤/٧،
والطبراني (١٣٤٤٩)، والبيهقي ٣١/٦، وأبو نعيم في ((الحلية) ٢٠/٤ من طريق أبي
نعيم الفضل بن دكين، وأبو عبيد في ((الأموال)) (١٦٠٧)، ومن طريقه البغوي
(٢٠٦٣) عن أبي المنذر إسماعيل بن عمر، كلاهما عن سفيان، به.
-٢٧٧ -

کتاب المعاملات - البیوع
من التزويجاتٍ، ومِن العُروض، ومن أداءِ الزَّكَواتِ، وما سِوَى ذلكَ مما
يُسلمونه فيه مِنْ غيرِهِ من الأشياءِ التي يأكُلُونَها، وكانتِ السُّنَّةُ قد
منعتْ من إسلامٍ موزونٍ في موزونٍ، ومن إسلامٍ مكيلٍ في مكيلٍ،
وأجازتْ إسلامَ المكيلِ في الموزونِ، والموزون في المكيلِ، ومنعت من بيع
الموزونِ بالموزونِ إلَّ مثلاً بمثل، ومن بيعِ المكيل بالمكيلِ إلاَّ مثلاً يمثلٍ.
وكانَ الموزونُ في ذلك أصلُهُ ما كانَ عليهِ بمكةَ يومَ قالَ لهم النِيُّ ◌ِ﴿ٌ:
(الميزانُ ميزانُ أهلِ مكةَ)، وكان المكيلُ في ذلكَ أصلُهُ ما كانَ الناسُ
عليهِ بالمدينةِ يومَ قال لهم النِيُّ﴿: ((المكيالُ مكيالُ أهلِ المدينةِ)) لا
يتغيّرُ عن ذلكَ، وإنْ غَيَّرَهُ النَّاسُ، كما كانَ عليهِ إلى ما سِواهُ من ضدِّهِ.
فيرجعونَ بذلكَ إلى معرفةِ الأشياءِ المكيلاتِ التِي لَهَا حكمُ المِكيالِ إلى
ما كانَ عليهِ أهلُ الميزان فيها يومئذٍ، وإلى الأشياءِ الموزوناتِ إلى ما
كانَ عليهِ أهلُ المكاييلِ فيها يومئذٍ، وأنَّ أحكامَها لا تتغيرُ عن ذلكَ ولا
تنقلبُ عنها إلى أضدادِها.
ومِنْ هذا أخَذَ أبو حنيفةً وأصحابُه أنَّ ما لَزِمَهُ اسمُ مختومٍ، أو
اسمُ قَفِيزٍ، أو اسمُ مكُّوكٍ، أو اسمُ مُدِّ، أو اسمُ صاعٍ، فهو كيلٌ يجري
فيه أحكامُ الكَيلِ في جميعٍ ما وصفْنًا، وأنَّ كلَّ ما لَزِمَهُ اسمُ الرِّطْلِ
والوفِيَّة فهو وَزٌْ في جميعٍ ما وصفْنَا، حَدَّثَنَا بذلكَ من قولِهِمْ محمدُ بنُ
العباسِ بنِ الربيعِ اللؤلؤيُّ، عن عليٍّ بنِ معبدٍ، عن محمدِ بنِ الحسنِ، عن
أبي يوسفَ، عن أبي حنيفةَ، ولم يُحكَ فيه خلافٌ بينَهُمْ.
-٢٧٨ -

كتاب المعاملات - البيوع
٣٤٥- بابُ بیانِ مُشْکل ما رواه نافع، عن ابن عمر، عن رسول
الله* في المتبایعین أنهما بالخيار حتی یتفرّقا، إلا بيع الخِیارِ
٢٦١٢ - حَدَّثْنَا أحمدُ بن شُعيب، قال: أخبرنا عمرو بن علي،
قال: حَدَّثَنَا عبد الوهاب - يعني الثّقَفي-، قال: سمعت يحيى بن سعيد،
يقول: سمعت نافعاً يحدِّثُ، عن ابن عمر، عن رسول الله مح *: (إنَّ
المتبايِعَيْنِ بالخِيارِ في بَيْعِهِما ما لم يَتَفَرَّقا، إلا أن يكونَ البيعُ خِياراً).
قال نافع: فكان عبدُ الله إذا اشترى شيئاً يعجبه، فارقَ صاحبَه(١).
٢٦١٣ - وحَدَّثَنَا أحمدُ بن شعيب، قال: أخبرنا علي بن حُجْر،
قال: حَدَّثَنَا هشيم، عن يحيى بن سعيد، قال: حَدَّثْنَا نافعُ، عن ابن
عمر، قال: قال رسول الله ﴿: «المُتبايعان لا بَيْعَ بينهما حتى يَفْتَرَقا إلا
بيع الخیار)).
قال أبو جعفر: فتأمَّلْنا هذا الحديث، فوجدنا في حديث الثقفي أن
رسول الله :﴿ جَعَلَ المتبايعين بالخيار ما لم يتفرَّقا، فاحتمل ذلك التفرق
أن يكون هو ما ذكره في حديثه هذا عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى
شيئاً يُعجبُه فارق صاحبه، فيكون ذلك التفرقُ المذكور في حديثه هذا،
هو التفرقَ بالأبدان، ويحتمل أن يكون ذلك التفرق الذي كان ابن عمر
يستعمله، ليس هو التفرق الذي نراه ينقطعُ به الخيار المذكور في حديثه
(١) إسناده صحيح، وهو في ((سنن النسائي)) ٢٤٩/٧ -٢٥٠.
ورواه البخاري (٢١٠٧)، ومسلم (١٥٣١) (٤٣)، والبيهقي ٢٦٩/٥ من
طرق، عن عبد الوهاب الثقفي، به.
-٢٧٩ -

كتاب المعاملات - البيوع
-
هذا، ويكون كان يفعل ذلك لأن الحديث يحتمله، وإن كان الذي يراه
هو فيه غير ذلك، فكان يفعلُ ما يفعل مما ذكره نافعٌ عنه في ذلك
احتياطاً من قول غيره، حتى لا يَلْحَقَه فيه من قول غيره خلافُ ما
يريده في بيعه ذلك، كمثل الذي لحقه في البيع الذي باعه بالبراءة من
عيوبه، على أنه يرى أن الحكم في ذلك هو الذي يراه فيه، فخوصم فيه
إلی عثمان بن عفان رضي الله عنه، فَحَگم علیه فیه بخلاف ما کان یراه
فيه مما رواه عثمان رضي الله عنه الواجب فيه، ورأى عليه اليمين في
ذلك: بالله عز وجل ما بعته ذا [ولا] علمتُه ولا كتمتُه، فأبى أن يَحْلِفَ
على ذلك، وارتجع العبد.
فاحتمل أن يكون ما ذكره عنه نافع مما كان يفعله في الحديث
الذي ذكرناه عنه لمثل ذلك المعنى أيضاً.
وقد وجدنا عنه مما قد دلّنا على أن مذهبه كان في ذلك المعنى:
أن البيع يَتِمُّ فِي الَمِيعِ قبل افتراق متبايعيه بعد تعاقُدِهما البيع بأبدانهما.
٢٦١٤- كما حَدَّثْنَا يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبد الله
بن وَهْب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن حمزة بن
عبد الله: أن عبد الله بن عمر، قال: ما أدْركتِ الصفقةُ حياً، فهو من
مال المبتاع.
٢٦١٥- وكما حَدَّثْنَا سليمان بن شعيب الكَيْساني، قال: حَدَّثَنَا
بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: حدثني الزُّهري، عن حمزة
بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر قال، ثم ذكر مثله.
فكان ما في هذا الحديث قد دَلِّنا أن مذهب ابن عمر كان فيما
- ٢٨٠ -