النص المفهرس
صفحات 221-240
کتاب المعاملات - البيوع (إن كان يداً بيدٍ، فلا بأسَ، وإن كان نسيئةً فلا يَصْلُحُ)(١). فكان ما في هذا الحديثِ مِن روايتي عمرو بن دينار، وعامر بن مُصْعب، عن أبي المِنهال عن الصَّرف، وأجاب رسولُ اللهِلَ ﴿ من سأله عنه عن النقد أنه جائز، وعن النسيئة أنها لا تَصْلُحُ. وكان الحديثُ الأولُ فيه هذا المعنى، وفيه ما ليس في هذا الحديثِ، فكان أولى منه، وعَقَلْنا بذلك أن عَمراً، وعامراً سألا أبا المِنهال عن شيءٍ واحدٍ مما هو عنده مع شيءٍ آخر مجموعَيْنِ في حديثٍ واحدٍ، فأجابهما بجوابِ ما سألاه عنه، وأمسكَ عما سِواه مما هو عنده في ذلك الحديثِ عن البراءِ، وزيد بن أرقم، عن رسول اللهلح﴿®، فكان حديث سليمان بن أبي مسلم أولى منه. ٢٥٤٢ - وحَدََّنَا القاسمُ بنُ عبد الله بنِ مهدي، حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عبد الرحمن، حَدَّثْنَا سفيانُ بنُ عُيينة، حَدَّثَنَا عمرو بن دينار: أنه سمع أبا المنهال، يقولُ: باعَ شريكٌ لي دَرَاهِمَ بدراهمَ بينهما فَضْلٌ. فقلت: إن هذا لا يَصْلُحُ. فقال: لقد بعتُها في السوقِ، فما عابَ عليَّ أحدٌ، فأتيتُ (١) الحديث في ((سنن السناتي) ٢٨٠/٧، ورواه البخاري (٢٠٦٠) و(٢٠٦١)، والدارقطني ١٧/٣ من طريق الفضل بن يعقوب الرخامي، عن حجاج بن محمد، بهذا الإِسناد. ورواه أحمد ٣٦٨/٤ و٣٧٢ عن روح بن عبادة، والبخاري (٢٠٦٠) و(٢٠٦١)، والبيهقي ٢٨٠/٥-٢٨١، من طريق أبي عاصم النبيل، كلاهما عن ابن جريج، به. ولم يذكر في إسناد البخاري متابعة عامر بن مصعب لعمرو بن دينار، ولم یذ کر فیه البراء بن عازب. - ٢٢١ - کتاب المعاملات - البیوع البراء، فسألتُه، فقال: قَدِمَ النبيُّ ﴿ وتجارتنا هكذا، فقال: ((ما كان يداً بيَّدٍ فلا بأسَ، وما كان نَسيئةً، فلا خيرَ فيه)). وائت زيدَ بنَ أرقم، فإنَّه كانَ أعظمَ تجارةً مني، [فأتيته] فذكرتُ ذلك لَهُ، فقال: صَدَقَ الْبَرَاءُ(١). قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ تقصيرٌ عما في حديث سليمان، فحدیثُ أبي المنهال أولى منه. ثم نظرنا: هَلْ رواه عن أبي المِنهال غيرُ من ذكرناه؟ ٢٥٤٣- فوجدنا إبراهيمَ بنَ مرزوق قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا وهبُ بنُ جرير، حَدَّثْنَا شعبةُ، حَدَّثَا حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، حدثني أبو المِنهال، قال: سألتُ البراءَ بنَ عازبٍ، وزيدَ بنَ أرقم، عن الصَّرْفِ، فقالا جميعاً: نهانا رسولُ الله ﴿ عن الذهبِ بالوَرِقِ ديناً(٢). ٢٥٤٤- ووجدنا ابنَ أبي داود قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا أبو الوليد، حَدَّثَنَا شعبةُ، أخبرنا حبيبُ بنُ أبي ثابت، قال: سمعتُ أبا المنهال يقول: سألتُ البراءَ عن الصَّرْفِ، فقال: نهى رسولُ اللهِلُ﴿ عن (١) إسناده صحيح، ورواه الحميدي (٧٢٧)، والبخاري (٣٩٣٩)، ومسلم (١٥٨٩) (٨٦)، والنسائي ٢٨٠/٧، والدارقطني ١٦/٣-١٧ من طرق، عن سفيان بن عيينة، بهذا الإِسناد. ورواه أحمد ٣٦٨/٤ من طريق إبراهيم بن نافع، عن عمرو بن دينار، به، بنحوه. (٢) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٣٦٨/٤ و٣٧١ و٣٧٢ و٣٧٤، والبخاري (٢١٨٠) و(٢١٨١)، ومسلم (١٥٨٩) (٨٧)، والنسائي ٢٨٠/٧، والطبراني (٥٠٣٨)، والبيهقي ٢٨١/٥ من طرق، عن شعبة، بهذا الإسناد. - ٢٢٢ - كتاب المعاملات - البيوع بَيْعِ الوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيناً. فكان في هذا الحديثِ أيضاً طائفةٌ مما في حديث سليمان، وثبت أن حديثَ سليمان، عن أبي المنهال أولى من أحاديث الآخرين عن أبي المنهالِ لِحفظه ما قصَّرُوا عنه. ثم التمسنا ذلك من طريقِ النظرِ لِنقف على ذلك كيف هو فيه؟ فراينا البيعَ قد يَقَعُ على شِقْصٍ من دارِ واجبِ الشُّفْعة للشريكِ في الدارِ الذي هو منها، وعلى ما سواه من عرض كعبدٍ أو أمةٍ، أو ما سوى ذلك مِن العروض، فتكون الشفعةُ واجبةً في ذلك الشِّقْصِ بحصته مِن الثمن غيرَ واجبةٍ فيما سِواه مما لا شُفْعَة فيه، ثم يعودُ ما سواه مبيعاً بحصته من الثمن، وذلك مما لا يجوزُ استئنافُ البيع أيضاً عليه بذلك، فعقلنا بذلك: أن كُلَّ واحدٍ من العَرَضَيْنِ اللَّذينِ تجمعُهُما الصَّفْقَةُ مضمناً بحكم نفسه، لا يُحُكْم صاحِبِهِ، وكذلك رأيناهم أجمعوا في العَرَضَيْنِ إذا بيعا في صَفْقَةٍ واحدٍ بثمنٍ واحدٍ، والعرضان مما يجمع أنَّهما إذا هَلَكَا في يدِ البائع من قبل قبضِ المبتاع منهما شيئاً مِن المبيع أنَّ عليهما ينتقِضُ البَيْعُ كَصُبْرَتَيْنِ، إحداهما قمحٌ، والأُخرى شعيرٌ، وقع البيعُ عليهما بكفل مشروطٍ في كُلِّ واحدةٍ منهما، فضَاعَتْ إحداهما في يدِ بائِعها قبلَ قبضٍ مبتاعها إيّاها منه أنها تضيعُ بحصتها مِن الثمن، وتبقى الأُخرى مبيعةً بحصتها من الثمنِ، وذلك مما لا يجوزُ استئنافُ البيعِ عليه كذلك وحدَه دونَ صاحبه الذي كان مضموناً معه فيها، وفي ذلك ما قد دَلَّ على ما كان أبو حنيفة، وأصحابُه يقولون في ذلك. - ٢٢٣ - كتاب المعاملات - البيوع ٣٣٤- بابُ بیانِ مُشکل ما روي عن رسول الله ﴾ فیما استدلّ به محمدُ بنُ الحسنِ مما كانَ أبو حنيفة رحمه الله یقوله في إباحة الرِّبا بين المسلمين وبين المشركين في دار الحرب ٢٥٤٥- حَدَّثَنَا يحيى بنُ عثمان بن صالح، قال: حَدَّثْنَا نعيمُ بنُ حَمّادٍ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ المبارك، عن مُحَمَّد بنُ ثورِ، عن معمر، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أنَّ الحجّاج بن عِلاط السُّلَمي، قال: يا رسولَ الله: إنَّ لِي بمكة أهلاً ومالاً، وقد اردتُ إتيانَهم، فإن أذِنْتَ لي أن أقولَ فيك فعلتُ، فأذِنَ له رسولُ الله ﴿ أن يقولَ ما شاءَ، فلما قَدِمَ مَكَّةَ قال لامرأته: إنَّ أصحاب محمد قد استُبِيحُوا، وإنما جئتُ لآخُذَ مالي لأشتريَ مِن غنائمهم، وفشا ذلك في أهلِ مكة، فَبَلَغَ ذلك العباسَ، يعني ابنَ عبد المطلب، فعَقِرَ(١)، واختفى مَنْ كن فيها مِن المسلمين، وأظهر المشركون الفرحَ بذلك، فكان العباسُ لا يَمُرُّ بمجلس ء من مجالسهم إلا قالوا: يا أبا الفضلِ: لا يَسُوؤُكَ اللهُ، قال: فبعث غلاماً له إلى الحجاج بن عِلاط، فقال: وَيُلَكَ، ما الذي جئتَ به، فالذي وَعَدَ الله ورسولُه خيرٌ مما جئتَ به، فقال الحجّاج لِغلامه: اقْرَأُ على أبي الفضل السَّلَامَ، وقُلْ له: لِيُخْلِ لي في بعضٍ بيوته، فإن الخَبَرَ على ما يَسُرُّه، فلما أتاه الغلامُ، فأخبره، فقام إليه فَقَبَّلَ ما بَيْنَ عينيه واعْتَنَقَهُ، ثم (١) أي: فجئه الروع، فدهش، فلم يقدر أن يتقدم أو يتأخر، قال ابن الأثير: العقر بفتحتين: أن تُسْلِمَ الرجلَ قوائمُه إلى الخوف، فلا يقدر أن يمشي من الفرق والدهش. -٢٢٤ - کتاب المعاملات - البیوع أتاه الحجاجُ بنُ عِلاط، فخلا به في بعض بيوته، وقال له: إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد فتح على رسولِ الله ﴿ خيبرَ، وجرت فيها سِهَامُ المسلمين، واصطفى رسولُ اللهِل:﴿ صفيَّةَ لنفسه، وإني استأذنتُ رسولَ الله ◌ِ﴾ أن أقول فيه ما شئتُ، فإن لي مالاً بمكة آخذه، فَأَذِن لي أن أقولَ فيه ما شئتُ، فَاكْتُمْ عليَّ ثلاثاً، ثم قُلْ ما بَدَا لك. ثم أتى الحجَّج أهلَه، فأخذ مالَه، ثم استمرَّ إلى المدينة، قال: ثم إن العباسَ أتى منزلَ الحجَّاج إلى امرأته، فكان العباسُ يَمُرُّ بمجالس قريش فيقولون له: يا أبا الفضل: لا يسوؤُكَ الله، فيقول: لا يسوؤُني الله، قد فَتَحَ الله على رسولِ اللهِلَ﴿ خيبرَ، وجرت فيها سِهَامُ المسلمين، واصطفى رسولُ الله ﴿ٌ صَفِيَّةَ لِنفسه، أخبرني الحجاجُ بنُ عِلاط بذلك، وسألني أن أكثُمَ عليه ثلاثاً حتى يأخُذَ ما لَه عند أهله. قال: ثم أتى امرأتَه، فقال: إن كان لَكِ بزوجك حاجةٌ فالحقي به، وأخبرها بالذي أخبره الحجاجُ بنُ عِلاط بفتح خيبر، فقالت امرأته: أظنُّكَ واللهِ صادقاً. قال: فرجع ما كان بالمسلمين من كآبة على المشركين، وظهر مَنْ كان استخفى من المسلمين مِن المواضع التي كانوا فيها(١). (١) حديث صحيح، نعيم بن حماد متابع. ورواه عبد الرزاق (٩٧٧١)، ومن طريقه أحمد ١٣٨/٣-١٣٩، والنسائي في السير من ((الكبرى) كما في ((التحفة)) ١٥٣/١، وأبو يعلى (٣٤٧٩)، وابن حبان (٤٥٣٠)، والبزار (١٨١٦)، والطبراني (٣١٩٦)، والبيهقي في ((السنن)) ١٥١/٩، - ٢٢٥- کتاب المعاملات - البيوع فتأملنا هذا الحديث، فوجدنا ما قد دلّنا على أن إسلام العباسِ كان قبلَ ذلك، وهو إقرارُه كان لِرسول الله: # بالرسالة من الله عز وجل وتصديقه ما وَعَدَهُ، وقد كان الرِّبا حينئذ في دار الإسلام حرام على المسلمين. ٢٥٤٦- كما حَدَّثَنَا يونسُ، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ وهب، قال: أخبرني قُرَّةُ بنُ عبد الرحمن، وعمرو بنُ الحارث، أن عامرَ بنَ يحيى المعافري أخبرهما، عن حنشٍ، أنه قال: كنا مع فَضَالَةَ بنِ عُبيد في غزوة، فطارت لي ولأصحابي قِلادة فيها ذَهَبٌ ووَرِقٌ وجوهرٌ، فأردتُ أن أشترِيَها، فسألتُ فضالة، فقال: انزِع ذهبَها، فاجعله في الكفة، واجعل ذهباً في الكفة، ثم لا تأخذنَّ إلاَّ مِثْلاً يمِثْل، فإني سمعتُ رسولَ الله:﴿ يقول: ((مَنْ كان يؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخر، فلا يأخُذْ إلاَّ مِثْلاً يمِثْلِ)(١). ٢٥٤٧- وكما حَدَّثَنَا يونسُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني أبو هانئ الخَوْلانِيُّ، أنه سَمِعَ عُلَيَّ بنَ رباحِ اللخميَّ، يقول: سمعتُ فَضَالَةَ بنِ عُيدِ الأنصاري، يقول: أُتي رسولُ الله :﴿ وهو بخيبر بقلادةٍ فيها ذهبٌ وخَرَزٌ، وهي من المغانم تُباعُ، فأمر رسولُ الله 8* وفي ((دلائل النبوة)) ٢٦٨/٤، عن معمر، به. (١) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٧٤/٤ بإسناده ومتنه. ورواه مسلم (١٥٩١) (٩٢)، والطبراني ١٨/(٨١٣)، والبيهقي ٢٩٣/٥ من طريق ابن وهب، بهذا الإسناد. -٢٢٦ - كتاب المعاملات - البيوع بالذَّهب الذي فى القِلادة، فَنْزِعَ وحدَهُ، ثم قال رسولُ الله ◌َ﴾ .. (الذَّهَبُ بالذّهبِ وَزْناً بِوَزْنٍ))(١). ٢٥٤٨ - وكما حَدَّثَنَا بكرُ بنُ إدريس، قال: حَدَّثْنَا المقرئ، قال: حَدَّثنَا حيْوة، عن أبي هانئ، ثم ذكر بإسناده مثله. قال أبو جعفر: فكان في هذه الآثار أن الرِّبا قد كان يومئذ في دارِ الإِسلام حراماً بين أهِلِ الإسلام. ثم وجدنا رسولَ الله : ﴿ قد كان منه في خطبته في حَجَّةِ الوداع ٢٥٤٩- ما قد حَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، قال: حَدَّثْنَا أسد، قال: حاتِمِ بنُ إسماعيل، قال: حَدَّثْنَا جعفرُ بنُ محمد، عن أبيه، عن جابر بنِ عبد الله، رضي الله عنهما، أن رسولَ الله ﴿ قال في خُطبته يومَ عَرَفة في حجَّةِ الوداع: «ورِبَا الجاهِليَّةِ مَوْضوعٌ، وأَوَّلُ رِباً أَضَعُ رِبا العَبَّاسِ بنِ عبد المطلب، فإنَّه موضوع كُلُّه))(٢). ٢٥٥٠- وما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: حَدَّثْنَا هنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، عن أبي الأحوص، عن ابنِ غَرقدة - يعني شَبِيباً-، عن سليمان بنِ عمروٍ، عن أبيه عمرو بنِ الأحوص، قال: سمعتُ رسولَ اللهِحَ﴿ (١) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار) ٧٣/٤ بإسناده ومتنه. ورواه مسلم (١٥٩١)، والدار قطني ٣/٣، وابن الجارود (٦٥٤)، والبيهقي ٢٩٢/٥، والطبراني ١٨/(٨١٣) من طريق ابن وهب، بهذا الإسناد. (٢) هذا الحديث قطعة من حديث مطول في حجة النسبي * رواه مسلم في ((صحيحه)) (١٢١٨) من طريقين عن حاتم بن إسماعيل. -٢٢٧- كتاب المعاملات - البيوع يقولُ: ((ألا إنَّ كُلَّ رِباً مِنْ رِبا الجَاهِلِيَّةِ يُوضَعُ، لَكُم رءوسُ أموالِكُم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمونَ»(١). ٢٥٥١- وما قد حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثْنَا يونسُ بنُ محمد، قال: حَدَّثْنَا حسينُ بنُ عازب بن شبيب بن غَرْقَدة أبو غرقدة، عن شبيبِ بنِ غَرْقَدَة، عن سليمان بنِ عمروٍ، عن عمر بنِ الأحوص، عن رسول الله 8# مثلَه. فكان في ذلك ما قد دلَّ على أنَّ الرِّبا قد كان بمكة، قائماً لَّا كانت دارَ حربٍ حتى فُتِحَتْ، لأن ذهابَ الجاهلية إنما كان بفتحها، وكان في قول رسول الله ﴿: «أول رباً أضع ربانا، ربا العباس بنِ عبد المطلب))، فدلَّ ذلك أن ربا العباس قد كان قائماً حتَّى وضعه رسولُ اللهِ ﴿، لأنّه لا يَضَعُ إلا ما قد كان قائماً، لا ما قد سَقَطَ قبل وضعه إيّاه. وكان فتحُ خيبرَ في سنة سبعٍ من الهجرة، وكان فتحُ مكة في السنة الثامنة من الهجرة، وكانت حجة الوداع في السنة العاشرة من الهِجرة. ففي ذلك ما قد دَلَّ أَنْه قد كان للعباس رباً إلى أن كان فتحُ مكة، وقد كان مسلماً قَبْلَ ذلك، وفي ذلك ما قد دلَّ على أن الربا قد (١) حديث حسن، وهو في المناسك من ((سنن النسائي الكبرى)) (٣٩٩٢). ورواه أبو داود (٣٣٣٤)، وابن ماجه (٣٠٥٥)، والطبراني ١٧/(٥٨) من طرق عن أبي الأحوص، به. -٢٢٨ - كتاب المعاملات - البيوع - كان حلالاً بَيْنَ المسلمين وبين المشركين بمكة لما كانت دارَ حرب، وهو حينئذٍ حرامٍ بَيْنَ المسلمين في دارِ الإسلام، وفي ذلك ما قد دلَّ على إباحةِ الربا بين المسلمين وبَيْنَ أهلِ الحرب في دار الحرب كما يقوله أبو حنيفة والثوري. حَدَّثْنَا محمدُ بنُ العباس، قال: حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبد، عن محمد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة بذلك، قال محمد وهو قولُنا. وكما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا نُعَيْمٌ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ المبارك، عن سفيان بذلك. قال أبو جعفر: وقد قاله قَبْلَهُم إبراهيمُ النّخَعِي. كما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ العباس، قال: حَدَّثْنَا عليٌّ، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ أبان بنِ صالح، عن حَمّادٍ، عن إبراهيمَ، قال: لا بأسَ بالدينار بالدينارين في دار الحرب بَيْنَ المسلمين، وبَيْنَ أهلِ الحرب. ومما يَدُلُّ على أن حكم الرِّبا بين المسلمين وبَيْنَ أهل الحرب في دار الحرب بخلاف حكم الربا بينهم في دارِ الإسلام أنه لا يخلوا ربا العباس الذي أدركه وضعُ النبي ◌ُ﴿ ربا الجاهلية من أحد وجهين: أن يكونَ أصلُه كان قبلَ تحريم الربا، ثم طرأ عليه تحريم الربا. أو كان في حالٍ تحريم الربا، أعني بذلك التحريم في هذين الوجهين في دارِ الهجرة. فإن كان قبل تحريمِ الرِّبا ثم طرأ عليه تحريمُ الربا وفي دار الهجرة وفي دارِ الحرب، فإنه يجب أن يبطل في أيِّ الأماكن كان من دارٍ الحرب ومن دارِ الإسلام. -٢٢٩ - كتاب المعاملات - البیوع وإن كان بعد تحريم الربا فهو أبطل، فلما أخبر النبيُّ ﴾ في خطبته بما يدل أنه كان قائماً حتى وضعه، دل ذلك أنه كان قبلَ وضعه إياه بمكان الربا فيه، خلاف الربا في دار الهجرة، لأنه لو کان في دار الهجرة، ما كان قائماً في حالٍ من الأحوال بعد تحريم الربا، لأنه إن كان أصله في حال تحريمه، كان غيرَ ثابت، وإن كان قبلَ تحريمه، ثم طرأ عليه تحريمه، وضعه. فإن شُبِّهَ على أحدٍ بما كان في أمر العبّاسِ من أسرِ المسلمين إيّاه، ومِن أخذ الفِداء منه، تَحَقِّقَ بذلك أنه لم يكن بمكة مسلماً. قال: ولو كان مسلماً قبل فتحها، لنفى ذلك عنه إسلامه. فإنه يُقال له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنه لم يكن بمكة مسلماً حين جرى عليه ما جرى مِن الأسرِ، لأنه لما فُدِيَ في غزوة بدر، رجع هو ومن سواه من الأسرى إلى مكة على دينهم الذي أُسِرُوا عليه، وكانت بدر في سنة اثنتين(١) من الهجرةِ. وقد حكى محمدُ بنُ إسحاق في ((مغازية) أن العباسَ قد كان اعتذرَ إلى رسولِ الله ﴿ لما أمره أن يَفْدِيَ نفسَه بأنه كان مسلماً، وأنه أخرج إلى قتاله كرهاً، وأن رسولَ الله ﴿ قال له: ((أمَّا ظَاهِرُ أمْرِكَ، فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا، فَاقْدٍ نَفْسَكَ)). حَدَّثَنَا بذلك فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ بُهلول، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ إرديس، عن محمد بن إسحاق، ولم يتجاوزه (١) في الأصل (المخطوط): أربعاً. - ٢٣٠ - كتاب المعاملات - البيوع به(١)، وبقي العباسُ بعد ذلك بمكة. فإن يكن ما ذكره ابنُ إسحاق كما ذكره قد تقدم إسلامُه بدراً، وإن يكن بخلاف ذلك، كان ما ذكره أنس بن مالك في حديث الحجاج بن عِلاط، يوُجب له الإسلامَ، وذلك عند فتح خيبر، وكلا القولين يُوجب إقامته بمكة مسلماً وهي دارُ حرب، وإقامته بها فيما ذكره محمدُ بنُ إسحاق أوسع مدة من إقامته بها كذلك في حديث أنس الذي ذكرناه. وفي ذلك ما يُوجب أنه كان بمكة مسلماً، وله بها رباً قائم، والربا مُحَرَّمٌ بَيْنَ المسلمين في دارِ الهجرة، والله عز وجل نسأله التوفيقَ. ٣٣٥- باب بیان مشکل ما رُوِي عن رسول الله ګ مِنْ نھیہ عن بيعِ الطعام حتى يجري فيه الصَّاعَانِ ٢٥٥٢- حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم، حَدَّثْنَا محمد بنُ عبد الرحيم البزاز المعروف بصاعقة، أخبرنا مسلمٌ الَجَرْميُّ، حَدَّثْنَا مَخْلَدُ بنُ الحُسين، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هُريرة، قال: نَهى رَسُولُ الله﴿ عن بَيْعِ الطَّعامِ حتى يجريَ فيه الصَّاعَانِ، فيكون لِصاحبه [الزيادة]، وعليه النقصانُ(٢). (١) ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة) ١٤٢/٣-١٤٣ مطولاً فانظره. (٢) رواه البزار (١٢٦٥- كشف الأستار) عن محمد بن عبد الرحيم، بهذا - ٢٣١- کتاب المعاملات - البیوع قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ، فكان أحسنَ ما حَضَرَنا فيه أن يكونَ ذلك أُرِيدَ به اكتيال مبتاعِ الطعامِ بعدَ ابتياعه إَّاه ممن كان باعه إيَّه قبلَ ذلك، ثم كان بيعُه إِيَّه من مبتاعٍ سواه كيلاً، فكان البيعُ لا يحلُّ لذلك المبتاعِ في ذلك الطعام حتى يكتالَ منه الاكتيالَ الذي يجبُ له عليه بحقِّ البيعِ الذي بَيْنَهُ وبينَه مما قد تقدَّم اكتيالُ بائعه إِيَّاهُ مِن البائع الذي كان باعه إِيَّه قَبْلَ بيعِهِ إِيَّه ذلك البيع الثاني، فيكون البيعُ لا يحِلُّ للمبتاع الثاني فيما قد ابتاعَهُ من البائع الذي كان ابتاعَهُ كيلاً إلا بعدَ أن يتقدَّمه الاكتيالان بالصاع الذي يُكالُ به ذلك الطعام. فإن قال قائل: ولم احتيج إلى ذكر ما كان بَيْنَ البائع وبائعه في هذا الطعام، وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك الطعامُ قد صارَ إليه بما لا اكتيالَ له فيه، من واهبٍ له ذلك الطعام أو متصدق عليه به؟ فكان جوابُنا له في ذلك: أن القومَ كانوا تجارٌ يبتاعون ويبيعون، فَخُوطِيوا في ذلك بما خوطبوا به من هذا الحديث إيجازاً مِن الْمُخاطِب لهم به﴿، لأنّهم علموا بذلك الْحُكْمَ في بيعين يوجِبُ كُلُّ واحدٍ منهما الإسناد. وقال بإثره: لا نعلمه عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، تفرد به مخلد، عن هشام. ورواه البيهقي ٣١٦/٥ من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، عن مسلم، به. وروى ابن أبى شيبة ٣٦٩/٦، وعنه مسلم (١٥٢٨) (٣٩) من طرق سليمان بن يسار، عن أبي هريرة أن رسول الله # قال: ((من ابتاع طعاماً، فلا يبعه حتى يكتاله)). - ٢٣٢ - كتاب المعاملات - البيوع اكتيالاً غيرَ الاكتيالِ الذي يُوجِبُ البَيْعَ الآخر مِن ذينك البيعين، ولو خاطبهم بذلك في البيعِ الآخر مِن ذينك البيعين لما عَلِمُوا بذلك حُكْمَ البيعِ الأوَّلِ منهما، وقد زادهم﴿ معنى حسناً مما يحتاجُ الفقهاءُ إليه في هذا المعنى، وهو أن الزيادةَ التي تكونُ في الكيل الثاني على الكيلِ الأَوَّلِ تكونُ للبائعِ، ولا يمنعُه من ذلك دخولُهما فيما كِيل له بالاكتيالِ الأوَّلِ. وفي ذلك ما قد يَدُلُّ على أن ما يجري بينَ النّاسِ مما يستعملونَ فيه الكيلَ قد يقعُ فيه بينَهم اختلاف، ويزيدُ بعضهم فيه على بعضٍ، ويَنْقُصُ بعضُهم عما كان غيرُهم يتجاوزُ به فيه، وإن ذلك لا يمنع من استعمالهِ إذ كان رأياً كما تُستعمل الآراء في الحوادث في أمور الدينِ مما لا توقيفَ فيها، ولا يمنعُ ذلك وقوعُ الاختلاف بَيْنَ العُلماءِ فيها، والله أعلم. ٣٣٦- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله # في اختلاف المتبايعين في الثمن قال أبو جعفر: هذا بابٌ يَزْعُمُ أهلُ العلم بالأسانيدِ أنَّ الذي يجدونه فيه عن النبي ټ# هو: ٢٥٥٣- ما قد حدثناه يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثْنَا المؤمَّل بنُ إسماعيل، حَدَّثَنَا سيان الثوري، حَدَّثْنَا معنُ بنُ عبد الرحمن، عن القاسم، قال: قال عبدُ الله، قال رسولُ اللهِ﴿: «الْبَيِّعَان إذا اخْتَلَفا وَلَيْسَ بَيْنَهُما -٢٣٣- کتاب المعاملات - البیوع شَاهِدٌ، فالقولُ ما قَالَ الْبَائِعُ أو يَتَرادَّان))(١). ٢٥٥٤- وما حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ حرب ومُسدَّد، قالا: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ زيد، عن أبانَ بنِ تغلب، عن القاسم بنٍ عبد الرحمن، أنَّ الأشعثَ بنَ قيسِ اشترى من عبدِ الله رقيقاً من رقيق الإمارة، فأتاه يتقاضاه، فاختلفا في الثمن، فقال له عبدُ الله: ترضى أن أقضيَ بيني وبينك بما قضى به النبيُّ﴾؟ قال رسولُ اللهِ﴿: ((إذا اختلف البَيِّعان، فالقَوْلُ ما قالَ الْبَائِعُ، أو يَتَرَادَّانِ، أو يَتَارَ كَانٍ))(٢). (١) حديث إسناده ضعيف لانقطاعه بين القاسم -وهو ابن عبد الرحمن- وبين جده عبد الله بن مسعود. ورواه أحمد ٤٤٦/١، والطيالسي (٣٩٩)، والدارقطني ٢٠/٣، والبيهقي ٣٣٣/٥ من طريق المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، بهذا الإسناد. وعلقه الترمذي بإثر الحديث (١٢٧٠)، وقال: مرسل. ورواه موصولاً أبو داود (٣٥١٢)، والدارمي ٢٥٠/٢، وابن ماجه (٢١٨٦)، وأبو يعلى (٤٩٨٤)، والدار قطني ٢٠/٣، والبيهقي ٣٣٣/٥ من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن جده. ورواه الطبراني (١٠٣٦٥) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن معن بن عبد الرحمن، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود. ورواه أحمد (٤٤٤٦) عن عبد الرحمن بن مهدي، ولم يذكر فيه: ((عن أبيه). ورواه الطبراني (١٠٣٧٧) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي سعد البقال، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه. وأبو سعد البقال ضعيف، ومدلس. (٢) رواه أبو يعلى (٥٤٠٥) عن إبراهيم بن الحجاج، عن حماد بن زيد، به. - ٢٣٤ - کتاب المعاملات - البیوع ٢٥٥٥- وما قد حَدَّثْنَا بكارُ بنُ قتيبة، حَدَّثْنَا الحسينُ بنُ حفصٍ، حَدَّثْنَا سفيانُ، حَدَّثْنَا معنُ بنُ عبد الرحمن، عن القاسم بن عبد الرحمن، ثم ذكر مثلَ حديث يزيد عن مؤمل سواء (١). قال أبو جعفر: فذكرتُ هذا البابَ لأحمد بنٍ شعيب، وقلت له: هل عندك شيءٌ يتصل برسولِ اللهِ﴿، فقال لي: نَعَمْ ٢٥٥٦- أخبرنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ إدريس - يعني أبا حاتم-، حَدَّثْنَا عُمَرُ بنُ حفص بن غياث، حَدَّثْنَا أبي، عن أبي عُميسٍ، حدثني عبدُ الرحمن بن مُحمد بن الأشعث، عن أبيه، عن جده، قال: قال عبدُ الله: سمعتُ رسولَ الله ﴿ يقول: ((إذا اخْتَلِفَ الْبَيِّعَان، وليسَ بَينَهُمَا بَيِّنَةٌ، فهو ما يَقولُ ربُّ السِّلْعةِ، أو يتار كان)(٢). (١) رجاله ثقات، لكنه منقطع، ورواه الدارقطني ٢٠/٣، وابن الجارود (٦٢٤) من طريق عمرو بن قيس الماصر، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: باع عبدُ الله بن مسعود الأشعث بن قيس سبياً من سبي الإمارة بعشرين ألفاً، فجاءه بعشر آلاف، فقال: إنما بعتك بعشرين ألفاً، قال: إنما أخذتها بعشرة آلافٍ، قال: فإني أرضى في ذلك برأيك، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن شئت حدثتك عن رسول الله * فعلتُ، قال: أجل، قال: قال رسول الله *: (إذا تبايع المتبايعان بيعاً ليس بينهما شهود، فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع))، قال الأشعث: فإني قد رددت عليك. (٢) الحديث في ((سنن النسائي)) ٣٠٢/٧ -٣٠٣. ورواه مطولاً بالقصة أبو داود (٣٥١١)، وابن الجارود (٦٢٥)، والدار قطني ١٨/٣، والحاكم ٤٥/٢، والبيهقي ٣٣٢/٥، والبغوي في ((شرح السنة) (٢١٢٢) من طرق عن عمر بن حفص، بهذا الإسناد. وقال البيهقي: إسناده حسن موصول! - ٢٣٥- کتاب المعاملات - البیوع قال: فكان هذا الحديثُ هو الذي وجدناه موصولاً عن رسول اللّهَ في هذا البابِ وإن كان بعضُ الناسِ يذكر أنه يَبْعُدُ في قلبه لقاءُ أبي عُميس عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، لأن عبد الرحمن هذا ممن كان الحجاج قتله، وذلك مما عسى أن يكون بعدَ التسعين إلى مئة، فإنَّ ذلك من قوله عندنا ليس بشيءٍ، لأن أبا عُمَيس كبيرُ السن، ولأنه يقول في هذا الحديث: حدثني عبدُ الرحمن ابنُ الأشعث وأبو عميس، فقد روى عن أمثال عبد الرحمن بن محمد من عطاء بن أبي رباح، ومن الشعبي، ومن القاسم بن عبد الرحمن. وقد كنتُ أنا ذكرتُ هذا البابَ قبلَ هذا لأحمد بنِ أبي عمران، وقلتُ له: عندك شيءٌ مُتَّصلّ عن رسولِ اللهِل:﴿، فقال لي: أما أنْ أجدَهُ منصوصاً عن رسول الله / فلا، ولكن الحجة قد قامت به من قولِ رسول الله ﴿: ((اليمينُ على المُدَّعى عليه)، وكان المتبايعان لما اختلفا في ثمن المبيع قد ادَّعى كُلُّ واحد منهما بيعاً بثمن غيرِ البيع الذي ادَّعه صاحبهُ بالثمن الذي ادعاه، فكانا بذلك متداعيين بَيْعَيْنِ مُختَلِفَيْنِ، وقد عَقَلْنا عن رسول الله :﴿ أن اليمينَ على المُدَّعَى عليه، فعقلنا بذلك أنهما مِن أجل ذلك يتحالفان، وتنتفي دعوى كلِّ واحد منهما عن صاحبه، ویکونُ العبدُ بحاله في يد المدعى عليه بغير حجةٍ قامت له على الذي ادَّعى عليه البيعَ الذي ادعاه عليه فيه، وبغير حدة قامت لمدعي وقد رُوِيَ من أوجه بأسانيد مراسيل إذا جمع بينهما صار الحديث بذلك قوياً. -٢٣٦ - كتاب المعاملات - البيوع البيع عليه بالبيع الذي ادَّعاه عليه فيه. فإن قال قائل: إن هذين المتداعيين قد أجمعا جميعاً على أن المبتاعَ للعبد قد ثبت البيعُ فيه، وإنما اختلفا في الثمن، فالواجبُ أن يعوداً إلى حُكْم رجلين ادَّعى أحدُهما على الآخر مالاً، فصدقه في بعضه، وأنكر بقيتَه، فيلزمه ما أقَرَّ له به، ويحلف له إن طلب يمينَه على ما بقي مما ادَّعى عليه منه، ويكون العبدُ سالماً للمطلوب لاتفاقه وبائعه علی ملکه. فكان جوابي له في ذلك: أن الأمرَ ليس في ذلك، كما ذكروا أن الاختلافَ في الثمنين اختلافٌ في العقدين، وذلك إني رأيتُ الرجل إذا ادَّعى على رجل ألفَ درهم وخمسَ مئة، وأنكر ذلك المدَّعى عليه، وأقام عليه المدعي شاهداً بألفٍ وشاهداً بألف والخمس مئة التي ادِّعاها أنه يُقضى له بالَّذي اتفق شاهداه عليه، ورأيتُ ذلك لو كان منه في دعوى البيع بألف وخمس مئة، وأقام شاهدين فَشَهِدَ له أحدُهما على ما ادعى، وشهد له الآخر أن البيعَ كان بألفٍ أن الشهادةَ باطلة، وأَنَّه لا يجبُ له فيها شيء، فعقلتُ بذلك أن الاختلافَ في الثمنينِ اللذي ذکرنا يُوجبُ دعوى بَيْعَيْنِ مِن المتداعيين، وأن الاختلافَ في مقدار الثمن الْمُدَّعى به ولا إضافة له إلى ثمنٍ بيعٍ يوجبُ مالاً واحداً مختلفاً في مقداره. وإذا كان البيِّعان مختلفيْن فيما ذكرنا، وحلف على ذلك متداعياهما، وجب فسخُ ما ادَّعاه كُلٌّ واحدٍ منهما على صاحبه، ووجب سلامةُ العبد لمن هو في يده، إذ لم تقم عليه حجةٌ بما ادُّعي عليه فيه، فغنيتُ بهذا عن طلبِ الإسنادِ عن رسولِ اللهِ ﴾ في حكم المتداعيين في الثمن المختلفين فيه. قال: وقد كان أبو حنيفة وأبو يوسف -٢٣٧- كتاب المعاملات - البيوع جميعاً يذهبان إلى ما قال هذا القائل الذي حاجحتهُ بهذه الحجة، والذي عندي في ذلك ما قد ذكرته مما قد احتججت به في هذا البابِ، وهو مذهبُ محمد بن الحسن فيه. ولما قد ذكرتُ عن أبي حنيفة وأبي يوسف كانا يقولان: إذا اختلفا في ثمن المبيع؛ تحالفا وترادا إذا كان المبيعُ قائماً، وإذا اختلفا فيه وهو فائت، كان القولُ فيه قولَ المشتري، قال أبو حنيفة: لأن الذي يُوجبه القياسُ عندي في ذلك كُلِّه أن يكونَ القولُ قولَ المشتري، ولكنه لما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ:﴿ فيه ما ذكرت، قلت به، ورددتُ الجوابَ بعده إلى ما يُوجبه القياسُ. قال ابنُ أبي عمران: ولكني أقولُ: لو لم يكن عن رسولِ الله ◌ِ﴿ في هذا شيءٌ، لكان القياسُ يُوجبُ ما قد رُوِيَ عن رسولِ اللهِعَ﴿ فيه، وإذا كان ذلك كذلك، وجب استعمالُه في الحيِّ وفي الميت، لأن ما وجب رَدُّه إذا كان حيا، وجب رَدُّ قيمته إذا كان فائتاً. قال أبو جعفر: وهذا معنى لطيف حسن، وبالله التوفيق. ٣٣٧- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # فيما اختلف ألوانُه من الحنطة ومن الشعير ومن التمر ومن الملح أنه لا بأس به مثلین بمثل ٢٥٥٧- حَدَّثْنَا أبو أُمية، حَدَّثْنَا الْمُعَلَّى بنُ منصور، أخبرنا محمد بنُ فضيل، حَدَّثَنَا أبي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله ◌َ﴿: ((التّمرُ بالتّمرِ، والحِنطةُ بالخِنْطَةِ، والشَّعيرُ -٢٣٨- كتاب المعاملات - البيوع . بالشَّعبرِ، والمِلْحُ بالملحِ مثلاً بمثلٍ، فمن زادَ أو استزادَ، فهو رباً إلا ما اخْتَلَفَتْ ألوانُه)(١). فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا الألوانَ المذكورة فيه هي الأنواعُ مِن الأجناسِ المختلفاتِ من هذه الأشياء التي يدخلها الرِّبا لا ما سواها، لأنا لم تجد بين أهل العلم اختلافاً أن الأسودَ مِن التمر، وغير الأسود منه جنسٌ واحد لا يُباع باللون الآخر إلا مثلاً بمثل، ووجدنا ذلك مروياً عن عبد الله بن عمر: ٢٥٥٨- كما قد حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمان، حَدَّثْنَا نُعيمُ بنُ حَمّاد، حَدَّثْنَا ابنُ المبارك، أخبرنا معمرٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالم، عن ابنٍ عُمر، قال: ما اختلفت ألوانُه مِن الطَّعامِ، فلا بأسَ به يداً بيدٍ، التّمرُ بالبُر، والزبيبُ بالشعير، وكرهه نسيئة(٢). (١) إسناده صحيح، ورواه مسلم (١٥٨٨) (٨٣)، والنسائي ٢٧٣/٧-٢٧٤ من طريق واصل بن عبد الأعلى، ومسلم أيضاً (١٥٨٨) (٨٣)، والبيهقي ٢٨٢/٥ من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، وأبو يعلى (٦١٠٧) من طريق أبي معمر إسماعيل بن إبراهيم، ثلاثتهم عن محمد بن فضيل، بهذا الإسناد. ورواه مسلم (١٥٨٨) من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن فضيل بن غزوان، به. ورواه ابن أبي شيبة ١٥٧/٦-١٥٨، ومن طريقه أبو يعلى (٦١٦٩)، وأحمد ٢٣٢/٢ من طريق محمد بن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة. وفيه: ((كيلاً بكيل، ووزناً بوزن)، ولم يذكر ابن أبي شيبة في روايته: ((التمر بالتمر، والملح بالملح)). (٢) رواه عبد الرزاق (١٤١٧٥) عن معمر، بهذا الإسناد. -٢٣٩ - کتاب المعاملات - البيوع ووجدنا كلامَ الناسِ يجري على هذا، لأنا وجدناهم يقولون: جاءنا فلان بألوان من الطعام، يريدون أنواعاً من الطعام، ويقولون: كلمنا فلان بألوان من الكلامِ، وكان هذا أولى ما حُمِلَ عليه حديثُ رسول الله:﴿ الذي قد ذكرناه لما قد صَدَّقه ما رويناه فيه عن ابنٍ عمر، ولما وجدناه مستعملاً في كلام الناس مما يَدُلُّ عليه. والله نسأله التوفيق. ٣٣٨- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن فضالة بن عُبیدٍ في القِلادة ذاتِ الذهبِ والخَرَزِ التي بيعت بذهب، وما رواه بعضهم في ذلك مما رفعه إلى النبيّ ﴾ انّها لا تُباع حتی تُفُصلَ، وما رواه بعضهم موقوفاً على فَضالةٌ ٢٥٥٩ - حَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، حَدَّثْنَا أسدُ بنُ موسى، وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيب، حَدَّثْنَا قُتِبَةُ بن سعيدٍ، ثم اجتمعا، فقال كُلُّ واحدٍ منهما: حَدَّثَنَا الليثُ بنُ سعدٍ، حدثني أبو شجاع سعيدُ بنُ يزيد الجِميريُّ، عن خالد بن أبي عمران - وسقط مِن كتابي عن الربيع ((عن حنشٍ)) وهو ثابتٌ في حديث أحمد-، عن فَضالة بن عبيد، صاحب ورواه عبد الرزاق أيضاً (١٤١٧٤) عن معمر، به. ولفظه: أن ابن عمر كان يكره الطعام أن يباع شيء منه بشيء نظرة. ورواه ابن أبى شيبة ١٥٦/٦ عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، عن - ٢٤٠ -