النص المفهرس

صفحات 41-60

کتاب النكاح - ثبوت النسب
فتأمَّلنا إسنادَ هذا الحديث، فوجدنا الثوريَّ قد رواه عن منصورٍ،
عن مجاهدٍ، عن ابنِ الزبير، ووجدنا زائدة قد رواه عن منصور، عن
مجاهد، عن يوسف بن الزبير، أو عن مولىّ لابن الزبير، عن ابنِ الزبير
وكان زائدةُ وجريرٌ قد اتفقا على إدخالِهما في حديثهما بَيْنَ مجاهد
وبَيْنَ ابن الزبير مولاه هذا، وإن كان زائدةُ ذكر أن منصوراً شك فيه.
ففي هذا الحديثِ نفي رسول الله﴿ لِذلك المدعي أن يكونَ أخاً
لِسودة.
فقال قائل: فما معنى قوله ﴿ فيه: ((أن الميراثَ له)؟
فكان جوابنا له في ذلك أنَّ ذلك قد يحتمل أن يكونَ أراد به
الميراثَ الذي وَحَبَ له في حصةِ عبدٍ بإقراره به لا فيما سواه من تركِة
زَمَعَة. والله نسأله التوفيق(١).
بالفقه والعدالة أولى بالأخذ بها. والله أعلم. وانظر تعقيب ابن التركماني عليه.
(١) قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٨٦/٨: وأما قولُ رسول الله * في هذا
الحديثِ: (احتجِي منه يا سَوْدَةُ)، فقد أشْكَلَ معناه قديماً على العلماء، فذهب أكثرُ
القائلين بأنَّ الحرامَ لا يُحَرِّمُ الحلالَ، وأنَّ الزنى لا تأثيرَ له في التحريم إلى أن قولَه ذلك
كان منه على وجهِ الاختيارِ والتنزه، فإن الرجلِ أن يَمْنَعَ امرأتَه من رؤيةٍ أخيها، هذا
قولُ أصحاب الشافعي.
وقالت طائفة: كان ذلك منه لِقطع الذريعةِ بعدَ حكمه بالظاهرِ، فكأنّه حكم
بحكمين: حكم ظاهر وهو الولدُ للفراش، وحكم باطنٌ وهو الاحتجاب من أجلِ
الشبهةِ، كأنّه قال: ليس بأخٍ لكِ يا سودةُ إلاّ في حكمِ اللهِ بالولدِ للفراش، فاحتجبي
منه لما رأى مِن شبهه لِعُتبة، قال ذلك بعضُ أصحاب مالك، وضَارَعَ في ذلك قول
- ٤١ -

کتاب النکاح - ثبوت النسب
٣٠٧- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله څ# من سروره
بقولِ مجرّزِ المُدْلجي في زيد بن حارثة وأسامة ابنِه لمّاً رأی
أقدامَهما باديةً ووجوهَهما مغطاةً: إن هذه لأقدامٌ بعضُها من
بعض
٢٢٨٥ - حَدَّثَنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حَدَّثَنَا ابنُ عُيينة،
عن الزُّهري، عن عُروة، عن عائشة: دخل مجزِّزٌ المدلجِيُّ على رسولِ الله
# فرأى أسامةَ وزيداً، وعليهما قطيفةٌ قد غطّيا رؤوسَهما، فقال: إنَّ
هذه لأقْدَامٌ بعضها مِن بعض، فدخل عليَّ رسولُ الله ◌ِ﴿ّ مسروراً (١).
العراقيين.
وأما الكوفيون، فذهبوا إلى أنَّ الزنى يحرم، وأنَّ له في هذه القِصة حكماً باطناً
أوجب الحجابَ، والحكم الظاهر لحاق ابن وليدة زمعة بالفراش، وقد وافقهم ابنُ
القاسم في أنَّ الزِّنى يحرم من نكاح الأم والابنة ما يحرم النكاح خلافَ الموطأ.
(١) إسناده صحيح. ورواه عبد الرزاق (١٣٨٣٤)، والحميدي (٢٣٩)،
والبخاري (٦٧٧١)، ومسلم (١٤٥٩) (٣٩)، وأبو داود (٢٢٦٧)، والترمذي
(٢١٢٩)، والنسائي ١٨٤/٦-١٨٥، وابن ماجه (٢٣٤٩)، وابن حبان (٧٠٥٧)،
والدارقطني ٢٤٠/٤، والبيهقي ٢٦٢/١٠، والبغوي (٢٣٨١) من طرق، عن سفيان
بن عيينة، بهذا الإسناد.
ورواه عبد الرزاق (١٣٨٣٣) و(١٣٨٣٦)، وأحمد ٢٢٦/٦، والبخاري
(٣٥٥٥) و(٣٧٣١)، وملم (١٤٥٩)، وابن حبان (٤١٠٣)، والدارقطني ٢٤٠/٤،
والبيهقي ٢٦٢/١٠ و٢٦٢-٢٦٣ من طرق، عن ابن شهاب الزهري، به.
- ٤٢-

كتاب النكاح - ثبوت النسب
٢٢٨٦- حَدَّثْنَا يونس، قال: حَدَّثْنَا شعيبُ بنُ الليث بن سعد،
عن أبيه، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: دَخَلَ عليَّ
رسولُ اللهِ :﴿ تَبْرُقُ أساريرُ وجهه، فقال: «ألم تَرَي أن مُجَزِّزاً نَظَر آنِفاً
إلى زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد، فقال: إنَّ بَعْضَ هذه الأقدام لَمِن
بعض)(١).
فقال قائل: لَوْ لم يَكُنْ في القَافَةِ إلا ما في هذا الحديثِ، لكان فيه
ما قد دَلَّ أنَّ مع أهلها بها علماً. هذه معاني ألفاظه، وإن لم تكن
ألفاظنا ألفاظه.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجلَّ وعونِه أنا لم نُنْكِرْ
أنَّ مع أهلِ القيافةِ بالقيافةِ علماً، ولكنه ليس من العلوم التي يُقطع بها
فيما تذهب أنتَ إلى أنه يُقْطَعُ بها في من الأنساب المُدَّعَاةِ المختلف
فيها، وإنما هي عندنا كعلم التَّجارِ بالسِّلَعِ التي يتباينون ومَن سواهم في
معرفة أجناسِها، وفي معرفة بلدانها، فيقول هذا: هي من بلد كذا،
ويقول هذا: هي من بلد كذا، فيختلفون في بلدانها التي صنعت فيها،
ويتبين ذوو العلم منهم فيما يقولونه في ذلك بالإضافة فيما يقولونه فيه،
وحتى يقولَ بعضُهم: هي من صنعة فلان، فيصيب بذلك حقيقة الأمر
في ذلك، وليسَ ذلك مما يجبُ أن يُستعمل به حكمٌ، ولكنه علمٌ يعلمُه
(١) إسناه صحيح. ورواه أحمد ٨٢/٦، والبخاري (٦٧٧٠)، ومسلم (١٤٥٩)،
وأبو داود (٢٢٦٨)، والترمذي (٢١٢٩)، والنسائي ١٨٤/٦، وابن حبان
(٤١٠٢)، والدارقطني ٢٤٠/٤ من طرق، عن الليث، بهذا الإسناد. وانظر ما قبله.
-٤٣ -

كتاب النكاح - ثبوت النسب
قومٌ، ويجهلُه آخرون.
فمثل ذلك القيافةُ التي يتباينُ الناسُ فيها، فيعلمها بعضُهم ويجهلُها
بعضُهم، ويُضيفها بعضهم إلى صانعٍ بعينه، كما يُضيف القائفُ الولد
إلى رجلٍ بعينه، وكما كان لا يجوزُ أن تحكُمَ بالسِّلعة المدعاة بشهادةٍ
من شهد أنّها مِن عملٍ فلانٍ أحدُ من يَدَّعيها بغيرِ حضورِ منه لوقوعه
على عمله إيّاها، فمثلُ ذلك الولدُ لا يجبُ أن يُحكم به بقولِ القافةِ:
إنه من نُطفةِ ذلك الرجلِ الذي لم يره قَطُّ قَبْلَ ذلك الوقتِ، ولم يَسْمَعْ
منه إقراراً بما أضافه إليه يَكُونُ ما يقولُه في ذلك علماً يَبَيِّنُ به عن غيرهِ
ممن لا علم معه بمثله، ويجوزُ لمن يقعُ في قلبه مثل ذلك، أو من قد علم
حقيقة الأمرِ فيه قبلَ ذلك أن يسرَّ به، ولا يكونُ مع شيء من ذلك
وجوب القضاء، ولا وجوبُ الحكم به، ولو وجبَ أن يُستعملَ ذلك
فيما ذكرنا، لوجب أن يُستَعْمَلَ في قفوِ الآثارِ التي يتبيَّنُ أهلُ العلم بها
بما يعلمون منها، فيكون مَنْ قال لِعبده: إن دخلتَ موضع كذا اليومَ،
فأنت حرٌّ، فَيَدَّعي العبدُ بعدَ مُضي ذلك اليوم أنه قد كان دخل في ذلك
اليوم، ويُكذبه مولاه في ذلك، ويشهدُ جماعةٌ من أهلِ العلم بقفوا الآثار
على أثَّرِ قدمٍ يرى في ذلك المكان أنها قدمُ ذلك العبد أن يحكُموا
بقولهم، وأن يعتقوه على مولاه بذلك، أو يكون مولاه قال له: إن
كنتَ دخلتَ هذه الدارَ قبل قولي هذا، فأنتَ حُرٍّ، فيدَّعِي العبدُ أنه قد
كان دخلها قبل ذلك، ويُنْكِرُ ذلك مولاه، ويشهد على ذلك جماعةٌ مِن
القافة، فيشهدون: أن هذه قدمُه أن يحكم بذلك، وأن يعتقوه على:
مولاه.
-٤٤ -

کتاب النكاح - ثبوت النسب
فمما قد روي مما كان يُستعمل فيه قفوُ الآثار
٢٢٨٧- ما قد حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا أبو غسان
مالكُ بنُ إسماعيل النِّهديُّ، قال: حَدَّثَنَا زهيرُ بنُ معاوية، قال: حَدَّثَنَا
سِماكُ بنُ حرب، عن معاوية بنِ قُرَّة، عن أنس بن مالك، قال: أتى
رسولَ الله نفرٌ من حي من أحياءٍ بني فلان، فأسلموا وبايعوه، وقد وقع
الْمُومُ، (وهو البِرْسامُ)، فقالوا: يا رسولَ الله هذا الوجعُ قد وقع، فلو
أذِنْتَ لنا خرجنا إلى الإبلِ، فكنا فيها، فقال لهم: ((اخْرُجُوا، فَكُونوا
فيها))، فخرجوا، فقتلوا أحدَ الراعيين، وذهبوا بالإبلِ، وجاء الآخرُ قد
جُرِحَ، فقال: قد قَتَلُوا صَاحِبِي وذهبوا بالإِبلِ، قال: وعنده شبابٌ من
الأنصارِ قريبٌ من عشرين، فأرسلهم إليهم، وبعث معهم قائفاً يقتصُّ
أَثَرَهُم، فأتاهم، فَقَطَعَ أيديَهُم وأرجُلَهم، وسَمَرَ أعيُنَهم(١).
قال: وفي إجماعهم أنهم لا يستعمِلُون أقوالَ القافةِ فيما ذكرنا ما
قد يلزمهم به أن لا يستعمِلُوا أقوالَهم فيما قد ذكرناه قبل ذلك في هذا
الباب.
فإن قال قائل: قد كان عمرُ بنُ الخطّابِ رضي الله عنه استعمل
أقوالَهم في الأنسابِ، وقضى بها فيها.
(١) الحديث في ((شرح معاني الآثار)) ١٨٠/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه مسلم (١٦٧١) (١٣) عن هارون الحمال، عن أبي غسان، بهذا الإسناد.
والموم: فسر في الحديث بالبرسام، والبرسام: هو ذات الجنب، وهو التهاب في
الغشاء المحيط بالرئة.
- ٤٥-

كتاب النكاح - ثبوت النسب
٢٢٨٨ - وذكر ما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثَنَا
وهبُ بنُ جريرٍ، قال: حَدَّثْنَا شعبةُ، عن تَوْبَة العنبريِّ، عن الشعبيِّ، عن
ابنِ عمر: أن رَجُلَيْنِ اشتركا في طُهْرِ امرأةٍ، فولدت، فدعا عُمَرُ القافَةً،
فقالوا: أخَذَ الشَّبَهَ منهما جميعاً، فجعله بينهما (١).
وما قد حَدَّثْنَا عليٌّ بنُ شيبة، قال: حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ هارون، قال:
أخبرنا هَمَّامُ بنُ يحيى، عن قتادة،
٢٢٨٩- عن سعيد بن المسيّب: أن رَجُلَيْنِ اشتركا في طُهْر
امرأةٍ، فَوَلَدَتْ لهما ولداً، فارتفعا إلى عُمَرَ بنِ الخطاب، فدعا لهما ثلاثةٌ
من القافةِ، فدعا بترابٍ، فوطِئَ فيه الرَّجُلانِ والغلامُ، ثم قال لأحدهم:
انظر، فنظر، فاستقبل، واستعرض، واستدبر، ثم قال: أُسرُّ أم أُعلن؟
فقال عمر: بل أسرَّ، قال: لقد أخذ الشَّبَه منهما جميعاً، فما أدري
لأيّهما هو؟ فأجلسه، ثم قال للآخر: انظر، فنظر، فاستقبلَ،
واستعرضَ، واستدبر، ثم قال: أُسِرُّ أَمْ أُعْلِنَ؟ قال: بل أسرَّ، قال: لقد
أخَذَ الشَّبه منهما جميعاً، فما أدري لأيهما هو؟ فأجلسه، ثم أمرَ
الثالثَ، فنظر، فاستقبل، واستعرض، واستدبر، ثم قال: أُسِرُّ أم أُعلن؟
قال: أعْلِنْ، قال: لقد أخذ الشَّبه منهما جميعاً، فما أدري لأيهما هو،
فقال عمر: إنا نَقُوفُ الآثارَ ثلاثاً يقولها، وكان عمر قائفاً، فجعله لهما
يرثَانِه ويَرتُهُما، فقال لي سعيد: أتدري مَنْ عَصَبَتُهُ؟ قلت: لا، قال:
(١) رجاله ثقات. ورواه مختصراً ابن أبي شيبة ٣٧٨/١١-٣٧٩ عن جرير، عن
مغيرة، عن الشعبي، قال: قضى عمر فيه بقول القافة.
-٤٦-

کتاب النكاح - ثبوت النسب
الباقي منهما(١).
قال: فهذا عمرُ قد استعملَ في الأنساب أقوالَ القافةِ، فجعل الولدَ
المدَّعى بين مدَّعييَه جميعاً بقولهم، وذلك منه بحضرة من سواه من
أصحاب رسول الله مِ﴿، فلم يُنْكِرُوا ذلك عليه، ولم يُخالفوه فيه، فَدَلَّ
ذلك على متابعتهم إِيَّاه عليه.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أن عمر لم يقضِ في
ذلك بأقوال القافة، لأنهم إنما قالوا في حديثِ سعيد بن المسيب: إنهم
لا يدرونَ لأِيِّهما هو، لأخذه الشبه منهما، فجعل عُمَرُ الولد منهما
جميعاً، وذلك غيرُ ما قال القافةُ، فَدَلَّ ذلك: أن عُمَرَ لم يقضِ بما قد
جَهلَهُ القافةُ بقول القافةِ الذي قد جهلوه، ولكنه قضى في ذلك بغيره،
وهو مُدَّعَى مُدَّعِبَيْهِ إِيَّاه بأيديهما عليه، وجوازِ قولِ كُلِّ واحدٍ منهما
(١) رجاله ثقات. ورواه البيهقي ٢٦٤/١٠ من طريق يحيى بن ابي طالب، عن
یزید بن هارون، بهذا الإسناد.
ورواه البيهقي ٢٦٤/١٠ من طريق شعبة، قتادة، به، مختصراً.
ورواه عبد الرزاق (١٣٤٧٥) عن معمر، عن قتادة، قال: رأى عمر والقافة جميعاً
شبهه فيهما، وشيههما فيه، فقال عمر: هو بينكما ترثانه ويرتكما، قال: فذكرت
ذلك لابن المسيب، فقال: نعم، هو للآخر منهما.
قال الحافظ في ((الفتح)) ٥٧/١٢: كانت القيافة في بني مدلج وفي بني أسد، والعرب
تعترف لهم بذلك، وليس ذلك خاصاً بهم على الصحیح، وقد أخرج یزید بن هارون
في ((الفرائض)) بسند صحيح إلا سعيد بن المسيب أن عمر كان قائفاً، أورده في قصته،
وعمر قرشي ليس مدلجياً لا أسدياً، لا أسد قريش، ولا أسد خزيمة.
-٤٧ -

كتاب النكاح - ثبوت النسب
فيه، وأما حديثُ توبة، فجعله بينهما، فقد يجوزُ أن يكونَ كان ذلك
منه بعدَما قد تقدمه ما في حديث سعيد بن المسيب، وبعدَ هذا كله،
فإن المحتج علينا بحديثي عمر هذين لا يجعلُ الولدَ ابنَ رجلين، فإذا كان
لا يجعلُه ابنَ رجلين، وعمر فقد جعله ابنهما، كان هذا الحديثُ عليه لا
له، فقال هذا القائلُ، فإنه قد رُوِيَ عن عمر في هذه القصة غير هذا
القول الذي في هذين الحديثين.
٢٢٩٠ - و[هو] ما قد حَدَّثْنَا بحرُ بنُ نصرِ، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله
بنُ وهبٍ، قال: أخبرني عبدُ الرحمن بنُ أبي الزناد، عن هشامٍ بنُ
عُروة، عن أبيه، عن يحيى بن حاطب، عن أبيه - هكذا حدثناه بحر،
وإنما هو يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه-، قال: أتى رجلان
إلى عُمَرَ بنِ الخطابِ رَضِيَ الله عنه في غلامٍ من ولادة الجاهليةِ، يقولُ
هذا: هو ابني، ويقول هذا: هو ابني، فدعا لهما عمر قائفاً من بني
المصطلِق، فسأله عن الغلام، فنظر إليه المصطلِقي، ثم نظر، ثم قال
العمر: والَّذِي أَكْرَمَكَ أني لأحدهما قد اشتركا فيه جميعاً، فقامَ إليه
عمر، فضربه بالدِّرَّةِ حتى اضطجع، ثم قال: واللهِ لقد ذَهَبَ بك النظرُ
إلى غيرِ مذهب، ثم دعا أمَّ الغلام، فسألها، فقالت: إن هذا - لأحدٍ
الرجلين - قد كان غلب عليَّ الناسَ حتى ولدتُ له أولاداً، ثم وقع بي
على نحو ما كان يَفْعَلُ، فحملتُ فيما أرى، فأصابني هراقة من دم حتى
وقع في نفسي أن لا شيء في بطني، ثم إنَّ هذا الآخرَ وقع بي، فوالله ما
أدري من أيهما هو، فقال عُمَرُ للغلام: اتبع أَيَّهما شئت، فاتبع
أحدهما، قال عبد الرحمن بن حاطب: وكأنّي أنظر إليه متبعاً
-٤٨-

كتاب النكاح - ثبوت النسب
لأحدهما، فذهب به، وقال عمر: قَاتَلَ اللهُ أخا بني الْمُصْطَلِقِ(١).
قال أبو جعفر: وقد دَلَّ ما في آخِرِ هذا الحديثِ من قول راويه:
قال عبدُ الرحمن بن حاطب، فكأنني أنظُرُ إليه متبعاً لأحدِهما على ما
قد ذكرنا في إسناده أنه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه،
قال: ففي هذا الحديث أن عُمَرَ قال لِلغلام: اتّبع أيَّهما شئت، وهذا
خلاف ما في حديثي ابن عمر وابن المسيب اللذَيْنَ ذكرت.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله جَلَّ وعزَّ وعونه أن ما في
حديثي ابن عمر وابنِ المسيب في صبي لا يُعَبِّر عن نفسه، ويديُ مُدَّعِبَيْه
عليه، فرَدَّ حُكْمَهُ إلى ما يقولان فيه، فجعله إليهما جميعاً.
وما في حديث يحيى بن عبد الرحمن في صبي سواه يُعَبِّرُ عن نفسه
لو ادعاه أحدُ الرجلين، أو رجلٌ هو في يده لا يَدَ عليه غیر یده، فدفعه
عن ذلك، لم تُقْبَل دعواه إِيَّاهِ لِدفعه إِيَّه عنها، فلم يقضِ عُمَرُ به لهما
لذلك، وردّ الأمرَ في ذلك إلى ما يقولُه الغلامُ المدعى فيه، وهكذا نقولُ
نحن في الغلامِ الذي لا يُعَبِّرُ عن نفسه إذا ادَّعاه رجلان أيديهما عليه، لا
(١) رواه البيهقي ٢٦٣/١٠ من طريق بحر بن نصر، بهذا الإسناد.
ورواه ابن أبي شيبة ٣٧٩/١١ -٣٨٠، ومن طريقه البيهقي ٢٦٣/١٠، عن أبي
أسامة، ورواه البيهقي عن طريق ابن أبي شيبة: هذا إسناد صحيح موصول.
ورواه عبد الرزاق (١٣٤٧٥) عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير أن
رجلين ادعيا ولداً، فدعا عمر القافة، واقتدى في ذلك ببصر القافة، وألحقه أحد
الرجلين. وانظر الأثر المتقدم برقم (٢٢٨٠).
-٤٩-

كتاب النكاح - ثبوت النسب
يَدَ عليه سوى أيديهما أنه يكونُ ابنَهما جميعاً، وإذا كان يُعَبِّرُ عن نفسه
لم يُجعل ابنَهما جميعاً بدعواهما إِيَّه، وجعل ابن الذي يصدِّقُه منهما
على ما يَدَّعيه فيه، فكنا نحن المتمسكين بما رُوِيّ عن عمر في هذه الآثار
كُلّها، وكان هو فيها بخلاف ذلك، وعاد ما احتجَّ به علينا لِقوله فيما
ذكرنا حجةً لنا عليه فيما خالفنا فيه.
وفي حديث يحيى بن عبد الرحمن ما قد دَلَّ أنَّ عُمَرَ لم يستعمل
قولَ القافةِ لمعنى غيرِ المعنى الذي ذكرنا، وهو أن قولَ القافةِ لو كان
مستعملاً في ذلك، لكان الوَلَدُ المدَّعى، لَمَّا صَدَقَ أحدُ مدعييه، يكونُ
قولُ القافة حجة للآخر أنه ابنُه، ويكون كولدٍ ادَّعاه رجلان، فصدق
أحدُهما، وكَذَبَ الآخر، فأقامَ الآخر بينةً أنه ابنهُ أنَّه مأخوذٌ له بها،
وأنها أولى من قول الغلام، ففي تركهم الأخذ له بقولِ القافة في ذلك
أن لا معنى كان لِقول القافة عنده من وجوب حكم به في نسب، ولا
في غيره.
فإن قال قائلٌ: كيف يجوزُ ما ذكرت؟ ويكونُ قولُ القافة عنده لا
معنى له، وهو قد دعاهم وسألهم عن ما خُوصِمَ إليه فيه، ولم يكن ذلك
إلا وبه حاجةٌ إلى قولهم؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عز وجل وعونه أنَّه قد كانت
به حاجةٌ إلى قولهم: إن الولد قد يكونُ من رجلين، وأن ذلك غیرُ
مستحيل، فيستعمل فيه الواجبُ استعماله بقول مدعيي الولد، لا بقول
القافة، أو يكون محالاً، فلا يتشاغلُ بذلك، ولا يقولُ فيه شيئاً، والدليل
على أن ذلك كان كذلك
- ٥٠-

كتاب النكاح - ثبوت النسب
٢٢٩١ - أن بكارَ بنَ قتيبة، حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ عامر،
قال: حَدَّثَنَا عوفُ بن أبي جميلة، عن أبي المهلب، أنَّ عُمَرَ بنَ الخطاب
رضي الله عنه قضى في رجلٍ ادَّعاه رجلانٍ، كِلاهما يَزْعُمُ أَنّه ابنُهُ،
وذلك في الجاهلية، فدعا عُمَرُ أُمَّ الغلامِ الْمُدَّعى، فقال: أذكركِ بالذي
هداكٍ للإسلام لأيهما هُوَ؟ قالت: لا، والذي هداني للإسلام، لا أدري
لأيهما هو، أتاني هذا أوَّلَ الليل، وأتاني هذا آخرَ الليل، فما أدري
لأيهما هو؟ فدعا عُمَرُ مِن القافة بأربعةٍ، ودعا ببطحاء، فنثرها، فأمَرَ
الرجلين المدعيين، فوَطِئَ كُلُّ واحِدٍ منهما بقدمٍ، وأمر المدَّعِيَ، فوطئ
بقدمٍ، ثم أراه القافة، فقال: انظُروا، فإذا أثبتُّم، فلا تَكَلِّموا حتى
أسألَكُم، فنظر القافةُ، فقالوا: قد أثبتنا، ثم فَرَّقَ بينهم، ثم سألهم رجلاً
رجلاً، فتعاقدوا - يعني: فتتابعوا- أربعتُهم، كلَّهم يشهد أنَّ هذا لَمِنْ
هذين. فقال عُمَرُ: يا عجباً لما يقولُ هؤلاء، قد كنتُ أعلم أن الكلية
تَلْفَحُ بالكلابِ ذواتِ العدد، ولم أَكُنْ أُشْعُرُ أنَّ النساءِ يفعلن ذلك قبل
هذا، إني لأرى ما ترون، اذهبْ فإنهما أبواك(١).
فدلَّ ما ذكرنا على أن عمر رضي الله عنه إنما احتاجَ إلى القافَةِ
لِتنتفي الإحالةُ عن الدعوى، لا لما سوى ذلك، والدليلُ على أنَّ مذهبَ
عمر كَانَ أَلاَّ يُقضى بقولِ القَافَةِ في نسبٍ ولا في غيره
٢٢٩٢- ما قد حَدَّثْنَا المزنِّي، قال: حَدَّثَنَا الشافعيُّ. وما قد
(١) رجاله ثقات. ورواه البيهقي ٢٦٤/١٠ من طريق الحسن البصري، عن عمر
رضي الله عنه بنحوه.
- ٥١-

کتاب النکاح - ثبوت النسب
حَدَّثَنَا عليُّ بنُ شيبة، قال: حَدَّثْنَا إسحاق بنُ إبراهيم الحنظلي. قال
المزني: عن سفيان بن عيينة، وقال علي: قال: أخبرنا سفيانُ بنُ عيينة،
عن عُبيدٍ لله بنِ أبي يزيد، عن أبيهِ، قال: أرسَلَ عُمَرُ بنُ الخطاب رضي
الله عنه إلى شيخ من بني زهرة مِن أهلِ دارِنا، فذهبتُ مع الشيخ إلى
عُمَرَ وهو في الحجرِ، فسأله عن ولادٍ من ولادِ الجاهلية، قال: وكانت
المرأةُ في الجاهلية إذا طلَّقَها زوجُها، أو مات عنها، نكحت بغيرِ عِدَّةٍ،
فقال الرجل: أما النطفةُ، فمن فلان، وأما الولدُ، فعلى فراش فلان،
فقال عمر: صدق، ولكن قضاءَ رسول الله # بالولد للفراش.
قال أبو جعفر: أفلا ترى أن عُمَرَ لم يلتفتُ إلى ما قال ذلك
الرجلُ المسؤولُ في النَّطفة، وهي ما سُئِلَ به القافةُ على ما يقولونه في
ذلك، وردَّ الحكم إلى ما يُخالفه مما كان رسولُ اللهِ:﴿ قضى به، وما
يُؤَكِّدُ ذلك أيضاً أن أهلَ الإِسلام لم يختلِفُوا في الرَّجُلِ ينفي ولدَ زوجته
التي قد ولدته على فِراشِه، ويقول: ليس هو مني، وتقولُ أمه: هو منه
أنه يُلاعِنُ بينهما، ويُنفى منه، ويُرَدُّ إلى أُمِّه، وأن أمه لو جاءت لجماعة
من القافة يشهدون لها بتصديقها، وأن الولدَ منه، أن قولَهم في ذلك
كلا قولٍ، وأن حُكْمَ اللعانِ الذي يكونُ نفي نسبه به منه قائماً على
حالِهِ، وأن قولَ القافة في ذلك ليس كشاهدة بيِّنة عادلةٍ عليه أنه ابنه،
هذه يقضى بها، ولا يستعمل معها اللعانُ.
وفي ذلك ما قد دَلَّ أن أقوال القافةِ فيما ذكرنا ليس بحجةٍ، وإنما
كانت أقوالُ القافةِ تُستعمل في الجاهلية في مثلِ هذا المعنى في ما قد نفاه
رسولُ اللهِ /*، وردَّ الأحكام إلى خلافه مما أهلُ الإِسلام عليه.
- ٥٢-

كتاب النكاح - ثبوت النسب
٢٢٩٣- مما قد حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا أَصْبَغُ بنُ
الفرجِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيد،
عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبرني عُرْوَةُ بن الزبير، أن عائشة أخبرته أنَّ
النكاح كان في الجاهلية على أربعةِ أنحاء: فنكاحٌ منها نكاحُ الناسِ
اليوم، يَخْطُبُ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ ابنته، فيُصدِقُها، ثم يَنكِحُها.
ونكاحٌ آخرُ: كان الرجلُ يقول لامرأته إذا طَهُرَتْ مِنْ طَمْئِها:
أرسلي إلى فلان، فاستبضِعِي منه، ويَعْتَزِلُها زوجها، ولا يَمسُّها أبداً
حتى يَبينَ حملُها من ذلك الرجل، الذي يَسْتَبْضِعُ منه، فإذا تَبَيَّنَ حمُها
أصابها زوجُها إن أحبَّ، وإنّما يصنعُ ذلك رغبةٍ في نجابة الولدٍ، وكان
هذا النكاحُ نكاحَ الاستبضاعِ.
ونكاحُ آخرُ: يجتمع الرَّهْطُ دون العشرة يدخلونَ على المرأةِ،
فَكُلُّهُمْ يُصِيبُها، فإذا حَمَّلَتْ، ووضعت، ومرَّتْ ليالٍ بعد أن تضع
حمّلَها، أرسلت إليهم، فلم يستَطِعْ رجُلٌ أن يمتنِعَ حتى يجتمعوا عندَها،
فتقول لهم: قد عرفتُم الذي كان مِن أمرها، وقد وَلَدْتُ، وهو وَلَدُكَ يا
فلان، وتسمي من أحبَّتْ منهم باسمه، فيلحقُ به ولَدُهَا، لا يستطيع أن
يَمْتَنِعَ.
ونكاح رابع: يجتمع الناسُ الكثير، فيدخلون على المرأةِ فلا تمتنع
ممن جاءها، وهُنَّ البغايا، كن ينصبن على أبوابهن راياتٍ، فمن أرادهن
دَخَلَ عليهن، فإذا حَمَلَتْ إحداهُنَّ ووضعت حمَلَها جمعوا لها، ودَعوا
لهم القافَةَ، فألحقوا ولَدَها بالذي يَرَوْنَ، ودُعي ابنه لا يمتنعُ من ذلك،
فلما بعثَ الله عَزَّ وحَلَّ محمدً ﴿ بالحقِّ هَدَمَ نكاحَ أهلِ الجاهلية كُلُّه
- ٥٣-

كتاب النكاح - ثبوت النسب
إلا نكاحَ أهلِ الإسلامِ اليومَ(١).
قال: ففي هذا الحديثِ نفيُ رسولِ الله ﴿ قوْلَ القافةِ فيما كان
يُستعمل فيه مما ذكرناه في هذا الحديث، وردُّ أحكامِ الأنسابِ إلى
الفُرُش لا إلى ما سواها.
وقد اختلف أهلُ العلمٍ في هذا الباب، فأما أبو حنيفة والثوريُّ
وسائر أهل الكوفة، فلا يستعملونَ لِلقافةِ قولاً في شيء من الأشياءِ،
وأما مالكٌ، فقد كان يستعمِلُ أقوالَ القافةِ في الإماءِ، ولا يستعملُه في
الحَرَائِرِ، وفي نفيه استعماله في الحرائر ما يجبُ به نفيُ استعماله في
الإماء، وأما الشافعي، فقد كان يستعمِلُه في الحرائر وفي الإماء جميعاً،
وفيما تقدم ذكرُنا له في هذا الباب مما قد وَضَحَ بِه الأمرُ في أقوالِ القافةِ
بما قد ذكرناه فيه مما يُوجِبُ نفيه في الأشياءِ كُلّها، والله نسأله التوفيق.
(١) إسناده صحيح. ورواه الدارقطني ٢١٧/٣-٢١٨ من طريق محمد بن
إسحاق، عن أصبغ بن الفرج، بهذا الإسناد.
ورواه الدارقطني ٢١٦/٣-٢١٧ من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن وهب،
والبيهقي ١١٠/٧ من طريق أحمد بن صالح، كلاهما عن عبد الله بن وهب، به.
ورواه البخاري (٥١٢٧)، وأبو داود (٢٢٧٢)، والبيهقي ١١٠/٧ و١٩٠ من
طريق أحمد بن صالح، عن عنبسة بن خالد، عن يونس بن يزيد، به.
- ٥٤-

کتاب النكاح
٣٠٨- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ في الشيءِ
الَّذِي يُذْهِبُ المذَمَّةَ في الرَّضاعِ عن المُرْضَعِ لِمَنْ أَرْضَعَهُ
٢٢٩٤ - حَدَّثَنَا يونُسُ، حَدَّثْنَا ابنُ وهبٍ، حدثني الليثُ، وعمروُ
بنُ الحارث، وسعيدُ بن عبد الرحمن الجُمَحِي أن هشامَ بنَ عُروة
أخبرهم عن أبيه، عن حجاجٍ بنِ حجاج الأسلمي، عن أبيه أنّهُ قالَ: يا
رسولَ الله ما يُذْهِبُ عَنِي مَذَمَّةَ الرَّضاعِ؟ فقالَ رسولُ اللهِ﴿: «الغُرَّةُ:
العَبْدُ أو الأمُ)(١).
(١) حجاج بن حجاج الأسلمي لم يوثقه غير ابن حبان ١٥٣/٤-١٥٤، ولم يرو
عنه غير عروة.
ورواه الطبراني (٣٢٠٨) من طريق أحمد بن صالح، والبيهقي ٤٦٤/٧ من طريق
بحر بن نصر الخولاني، كلاهما عن ابن وهب، بهذا الإسناد. غير أن أحمد بن صالح
قال في حديثه مكان الليث ((ابن سمعان)): وهو عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان
المخزومي قاضي المدينة، وهو متروك.
ورواه ابن حبان في «صحيحه» (٤٢٣٠)، من طريق حرملة بن يحيى، عن ابن
وهب، عن عمرو بن الحارث، به.
قال ابن الأثير: المذمة بالفتح مفعلة من الذم، وبالكسر من الذّمة والذّمام، وقيل:
هي بالكسر والفتح: الحق والحرمة التي يذم مُضَيِّعُها، والمراد بعدمة الرضاع: الحقُّ
اللازم بسبب الرضاع، فكأنه سأل: ما يسقط عني حق المرضعة حتى أكونَ قد أديتُه
كاملاً؟ وكانوا يستحبون أن يعطوا المرضعة عند فصال الصبي شيئاً سوى أجرتها.
والغرة، قال الطيبي: المملوك، وأصلها البياض في جبهة الفرس، ثم استعير لأكرم
كُلِّ شيء، كقولهم: غرةُ القوم سيدهم، ولما كان الإنسانُ المملوك خيرَ ما يملك،
-٥٥-

کتاب النكاح
٢٢٩٥ - حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيب، حَدَّثْنَا يعقوبُ بنُ إبراهيم
الدَّوْرَقِي، حَدَّثْنَا يحبى - يعني القَطّان- عن هشام - يعني ابنَ عُروة-
حدثني أبي، عن الحجاجِ بنِ الحجَّاج، عن أبيه، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما
يُذْهِبُ عَنِي مَذَمَّةَ الرَّضاعِ؟ قال: (غُرَّةُ: عَيْدُ أو أمةُ)(١).
٢٢٩٦ - حَدَّثَنَا محمدُ بنُ علي بن داود، حَدَّثْنَا سليمانُ بنُ داود
الهاشمي، حَدَّثْنَا عبدُ الرحمن بنُ أبي الزناد، عن أبي الزِّنادِ، وهشامٍ بن
عروة، عن عروة، عن الحجاجِ بن الحجاج بن مالك الأسْلَمي، عن أبيه
أنه سألَ النِيََّ ﴿ .. فذكرَ مثلَه(٢).
فسألَ سائلٌ عن المُرادِ بما هو في هذا الحديث ما هو؟
فكانَ جوابُنا له في ذلك أن المرضعة يَجبُ من حقّها على من
أَرْضَعَتْهُ ما لا خفاءَ به، وأنها تصيرُ بذلك له أُمَّاً في وجوبِ حَقّها عليه،
وقد قال رسولُ الله عليه السلام فيمن حَقُّه دونَ حَقٌّ الأُمِّ.
٢٢٩٧ - ما قد حَدَّثْنَا يونُسُ، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن سُهِيلٍ، عن
أبيه، عن أبي هريرة أنَّ رسولَ اللهِ ﴿ قال: «لاَ يَجزي ولدٌ والده إلاّ
أن يَجِدَه مملوكاً، فَيَشْتَرِيَّهِ، فَيَعِقَه)(٣).
سُمِّي غرة، ولما جعلت الظئر نفسها خادمة، جُوزِيَتْ بجنس فعلها.
(١) الحديث عند النسائي ١٠٨/٦، وفي (الكبرى)) (٥٤٨٢)، وانظر ما قبله.
(٢) رواه الطبراني (٣٢٠٥) عن علي بن عبد العزيز، عن سليمان بن داود
الهاشمي، بهذا الإسناد. وانظر ما قبله.
(٣) إسناده صحيح. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٠٩/٣.
-٥٦-

كتاب النكاح
فكانَ ذلك إخباراً من رسول الله ﴿ أنَّ هذا الفعلَ من الولدِ
بوالدِهِ جزاءٌ له عَمَّا كانَ منه فيه، بحقٍّ أُبوته، وكانَ حقُّ المرضعةِ التي
ذكرنا قد وَجَبَ على المُرْضَعِ بَرَضَاعِها إِيَّاهُ، حتى صارَت له بذلك أمّاً،
وحتى صارَ ما كان منها إليه سبباً لحياتِه، وحقوقُ الوالداتِ على
أولادِهنَّ فوقَ حُقوقِ آبائِهم عليهم، وسَنَذْكُرُ ذلك وما رُوِيَّ عن
رسول الله عليه السلام فيه فيما بَعْدُ من كتابنا إن شاء الله، ولمّا كانَ
ذلك كذلك، ولم يَقْدِرِ المرضع على فكاك من أرضعه من الرق إذا كان
غير رقيق أمر أنْ يُعَوِّضَها من ذلك ما تقدِرُ أنْ تَفْعَلَ فيه العَتَاقَ الذي
يكونُ به فِداء لها من النارِ، كما قد رُوي عن رسولِ الله عليه السَّلام
فيمن أعْتَقَ نَسَمَةٌ مُؤْمنةً ثَمّا نحنُ ذاكروه فيما بعدُ من كتابنا هذا إن شاء
الله، ولم تُجعلْ تِلْكَ النَّسَمَةُ كغيرِها مِنَ النِّسَمِ، وجُعِلَتْ من غُرَرِها،
وغُرَرُهَا أَرْفَعُها.
كما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ أحمدَ الأنصاري الدُّولابي أبو بشرٍ، حَدَّثْنَا
ورواه أحمد ٢٣٠/٢ و٣٧٦ و ٤٤٥، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٠)،
ومسلم (١٥١٠)، وأبو داود (٥١٣٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار))
١٠٩/٣، والبيهقي ٢٨٩/١٠ من طرق عن سفيان، به.
ورواه ابن حبان (٤٢٤) من طريقين عن سهيل، به.
ورواه ابن أبي شيبة ٥٣٩/٨ (١٥١٠)، ومسلم (١٥١٠)، وابن ماجه (٣٦٥)،
والبغوي (٢٤٢٥)، والترمذي (١٩٠٦)، والبيهقي ٢٨٩/١٠ من طريق جرير بن
عبد الحميد، عن سهيل بن أبي صالح، به.
-٥٧-

-
كتاب النكاح .
أبو يعلى السَّاجي، حَدَّثَنَا الأصمعيُّ قال: قال أبو عمرو بنُ العلاء: لا
يُقْبَلُ في الدِّيَةِ عبدٌ أسودُ، ولا أمةٌ سوداءُ، وهو قولُ رسولِ اللهَلَ﴿: ((في
الجنين غُرَّةٌ: عبدٌ أو أمَّةٌ) فَلَوْلاً أنَّ رسولَ الله ﴿ أرادَ بذلك البيضاء،
لقالَ: في الجنين عبدٌ أو أمَةٍ(١). قالَ: كُلُّ هذا في حديث أبي بشر.
قال أبو جعفر: فكذلك ما قالَه رسولُ الله ◌َ ﴿ فيما يُذْهِبُ مَذَمَّة
الرَّضاع، لولا أنه أرادَ الرفيعَ مِنَ المماليك، لقالَ فيه: إِنَّهُ عبدٌ أو أمّة،
ولم يقل: إنّه غُرَّةٌ.
وفيما ذكرنا ما قَدْ دَلَّ أنَّ الْمُرْضَعَ إِنْ قَدَرَ على عَتَاقِ مَنْ أَرْضَعَه
مِنَ الرِّقِّ، لأَنَّه كذلك، فأعْتَقَه، كان بذلك جازياً له كما كانَ الولدُ
بمثلِه جازياً لأبيه، والله نسألُه التوفيقَ.
٣٠٩- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾﴿ مِن إطلاقه
للفُريعة النّقلة في عدتها من وفاةٍ زوجها من الدار التي جاءها
فيها بغتةً ومن أمره إيَّاها بعدَ ذلك أن تمكث فيها حتى يَبْلُغَ
الكِتابُ أجلَهُ
٢٢٩٨ - حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرني أنسُ بنُ عیاضٍ، قال:
أخبرني سعدُ بنُ إسحاق بنِ كعب بن عُجرة الأنصاري، عن زينب ابنة
(١) ورواه الخطابي في ((غريب الحديث)) ٢٣٦/١ عن أبي محمد الكراني، عن عبد
الله بن شبيب، عن زكريا بن يحيى المنقري، عن الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء.
-٥٨-
م

کتاب النكاح
كعب، قالت: أخبرتني الفُريعة ابنة مالك بن سنان -وهي أخت أبي
سعيد الخدري- أنه أتاها نعيُ زوجها خَرَجَ في طلب أعلاجٍ له،
فأدركهم بِطَرَفِ القَدُومِ، فقتلوه، فجئتُ رسول اللهمَ﴿، فقلتُ: يا
رسولَ الله، إنّه أتاني نعي زوجي وأنا في دارٍ من دور الأنصار شاسعةٍ
عن دورِ أهلي، وأنا أكره القعدةً فيها، وأنّه لم يتركنا في سكنى، ولا
مال يملكه، ولا نفقةٍ يُنْفِقُ علي، فإن رأيتَ أن أُلْحَقَ بأخي، فيكون
أمرنا جميعاً، فإنَّه أجمعُ في شأني وأحبُّ إليَّ، قال: إن شئتٍ فالحقي
بأهلك، فخرجت مستبشرةً بذلك، حتى إذا كنتُ في الْحُجْرَةِ، أو في
المسجد دعاني، أو دُعِيتُ له، فقال: ((كيف زعمت؟)) فرددتُ عليه
الحديثَ من أوَّله، فقال: ((أمْكُثِي فِي الْبَيْتِ الْذِي جَاءَكِ فيه نَعْيُ
زوجُكِ حَتَّى يَبْلُغَ الكتابُ أجَلَه)) فاعتدَّتْ فيه أربعة أشهر وعشراً،
فأرسل إليها عثمانُ رضي الله عنه، فسألها فأخبرته، فقضى به(١).
(١) إسناده قوي. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٧٧/٣. ورواه أحمد ٣٧٠/٦
و٤٢٠ -٤٢١، وابن أبي شيبة ١٨٤/٥-١٨٥، وسعيد بن منصور (١٣٦٥)، وعبد
الرزاق (١٢٠٧٦)، والنسائي ١٩٩/٦ و١٩٩ -٢٠٠ و٢٠٠، وابن ماجه (٢٠٣١)،
والطبري (٥٠٩٠)، وابن الجارود (٧٥٩)، والطبراني ٢٤/(١٠٧٩) و(١٠٨٠)
و(١٠٨١) و(١٠٨٢) و(١٠٨٣) و(١٠٨٤) و(١٠٨٥) و(١٠٨٨) و(١٠٨٩)
و(١٠٩١) و(١٠٩٢)، والبيهقي ٤٣٥/٧ من طرق عن سعد بن إسحاق، به.
الأعلاج: جمع علج وهو الرجل من العجم، والمراد عبيد، والقدوم: موضع على
ستة أميال من المدينة.
ومعنى قوله: ((حتى يبلغ الكتابُ أجلَه))، أي: القدر المكتوب من العدة.
-٥٩-

كتاب النكاح
قال أبو جعفر: وهذا حديثٌ جليلُ المقدارِ يدورُ على سعدِ بنِ
إسحاق الذي حدَّث به عنه أنس، وقد رواه غيرُ واحد من جِلَّة أهلِ
العلم ممن يتجاوزه في السن عنه، ممن رواه عنه، ممن هو كذلك ابنُ
شهاب الزهري.
٢٢٩٩- كما حَدَّثَنَا يونسُ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ وهبٍ، قال:
أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عمن أخبره عن زينبَ ابنةٍ كعبِ بنِ
عُجرة وكانت تحت أبي سعيدٍ الخُدري، عن فُريعة ابنةِ مالكٍ أُختِ أبي
سعيد الخدري، ثم ذكر هذا الحديث بمعانيه كُلِّها(١).
غير أنَّ الزهري لم يذكر في حديثه هذا ليونس بن يزيد من حدَّثه
به عن زينب ابنةِ كعب، فالتمسنا ذلك لِنعلم: هل هو سعدُ بنُ إسحاق
أم لا؟
٢٣٠٠- فوجدنا أحمدَ بنَ شعيبٍ قد حَدَّثْنَا، قال: أخبرنا محمدُ
بنُ نصر المروزيُّ، قال: حَدَّثْنَا أيوبُ بنُ سليمان بن بلال، قال: حَدَّثْنَا
أبو بكر - يعني ابنَ أبي أويس-، عن سليمان - يعني ابنَ بلال-، عن
ابن أبي عتيق، وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن سعد بن إسحاق
بن كعب بن عجرة، أن عمته أخبرته، عن فريعة ابنة مالك، أخبرتها
أَنَّها كانت عندَ رجلٍ (٢) من بني الحارث بن الخرزج، ثم ذكره بمعانيه
(١) الرجل المبهم في هذا السند هو سعد بن إسحاق، وسيأتي مصرحاً به في
الرواية التالية.
(٢) في الأصل (المخطوط): عند مالك، قال ابن سعد ٣٦٦/٨: تزوجت الفريعة
- ٦٠-