النص المفهرس
صفحات 21-40
کتاب النكاح
أَمَتِكَ)).
فتأملنا هذا الكلام، فوجدناه محتملاً أن يكونَ أراد به ﴿ أَنْ لا
يضرِبَها كما يضرِبُ أمَتَهُ، ولكن يضربها ضرباً دونَ ذلك، وكان ذلك
أوْلى ما حُمِلَ عليه، إذ كان الله عز وجل قد أَبَاحِ ضَرْبَهُنَّ في كتابه
بقول: ﴿وَلِلاَّتِي تَخَافُونَ نُشُونَ هُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ هْجُوهُنَّ ى الْمَضَاجِعِ
وَصْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. ثم نظرنا هل رُوِيَ عن رسولِ اللهِلَ# في
إباحته ضربهم إِيَّاهُنَّ؟
٢٢٥٨- فوجدنا يزيد بنَ سِنَان قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ
حَمّاد، قال: أنبأنا أبو عَوَانة، عن داود بنِ عبدِ الله الأوْدِيِّ، عن عبد
الرحمن الْمُسْلِي، عن الأشْعث بن قَيْس رَضِيَ الله عنه، قال: ضِفْتُ عُمَرَ
رضي الله عنه، فلما كان في بعضِ الليل، قام إلى امرأتِهِ لِيضرِبَها،
فحجزتُ بينهما فرجع إلى فراشِهِ، فلما أخذ مضجَعَهُ، قال: يا أشعتُ
احفظْ عنّي شيئاً سمعتُهُ من رسولِ اللهِ﴾: ((لا تَسْألْ رَجُلاً فيما
يَضْرِبُ امر أتَهُ)(١).
٢٢٥٩ - ووجدنا أبي أُمَيَّة قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا أبو عاصمٍ،
(١) إسناده ضعيف. عبد الرحمن المسلي، قال الإمام الذهبي في ((الميزان): لا يعرف
إلا في هذا الحديث، تفرد عنه داودُ بنُ عبد الله الأودي، وقال في (التقريب)): مقبول.
ورواه الطيالسي (٤٧) و(١٣٥)، وعبد بن حميد (٣٧)، وأحمد ٢٠/١، وأبو
داود (٢١٤٧)، وابن ماجه (١٩٨٦)، والنسائي في ((عشرة النساء) (٢٨٦)،
والبيهقي ٣٠٥/٧ من طرق، عن أبي عوانة، بهذا الإسناد.
- ٢١-
كتاب النكاح
عن جعفر بن يحيى بنِ ثَوْبَان، عن عمَّ عُمارة بن ثَوْبَان، عن عطاء،
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رجالاً استأذنوا رسولَ الله لَ﴿: في
ضرب النساء فَأذِنَ لهم، فسمع صوتاً، فقال: ما هذا؟ فقالوا: أذنتَ
للرجال في ضرب النساء، فقال رسولُ الله ◌ُ﴿: ((خَيْرُكُمْ خَيْرَكم لأهْلِهِ
وأَنَا خَيْرُكُمْ لِأهْلِهِ)(١).
قال أبو جعفر: ثم أردنا أن نَقِفَ على ذلك الضربِ أيُّ ضربٍ
هو، فالتمسنا ذلك هل تجد عن رسول الله :﴿ فيه شيئاً
٢٢٦٠ - فوجدنا عليَّ بنَ مَعْبَد قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا يونسُ بنُ
محمد، قال: حَدَّثْنَا حُسَيْنُ بنُ عازب بنِ شَبِيب بن غَرْقَدَة أبو غرقد،
عن شَبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عَمْرو، عن عمرو بن الأحوص،
قال خَطَبَ رسولُ اللهِلَ ﴾ في حجة الوداع، فقال في خطبته: «ألا
وَاتَّقُوا اللهَ عز وجل في النّساء، فإنَّهِنَّ عندَكمْ عَوَانٍ، أخذتموهُنَّ بِأمَانَةٍ
اللهِ، واستَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بكلمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، لكم عَلَيْهِنَّ حقٌّ،
ولَهُنَّ عليكم حقٌّ، وَمِنْ حَقّكم عليهِنَّ أن لا يأْذَنَّ في بيوتكم إلاّ
يإذنِكم، ولا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُون، فإن فَعَلْنَ، فاهجروهُنَّ في
المضاجعِ، واضربوهُنَّ ضرباً غيرَ مُبَرِّحٍ، فإن أطعَنَكُمْ فلا تَبْغُو عليهنَّ
سبيلاً، وإنَّ مِنْ حَقّهِنَّ عليكم رِزقَهُنَّ وكِسوتَهُنَّ بالمعروفِ))(٢).
(١) رواه ابن ماجه (١٩٧٧)، وابن حبان (٤١٨٦) من طريق أبي عاصم، به.
(٢) رواه الترمذي (١١٦٣) عن الحسن بن علي الخلال، وابن ماجه (١٨٥١)
عن أبي بكر بن أبي شيبة، والنسائي في ((عشرة النساء) (٢٨٧) عن أحمد بن
-٢٢ -
کتاب النكاح
قال أبو جعفر: فوقفنا بذلك على أنَّ الضرب الذي أُبِيحُوه
لأزواجهنَّ هو غيرُ المُبَرِّح منه، فوقفنا بذلك على أنَّ الذي نهي عنه في
حديث لَقِيط بن صَبِرة أنْ يضرِبَه الرجلُ مِن الضرب هو الضربُ المبرِّح
لا الضربُ الذي هو دُونه عند استحقاقها ذلك منه. والله عز وجل
نسأله التوفيق.
٣٠٤ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في التي
كان لا يَقْسِمُ لها من نسائِه التُّسْعِ اللاتي تُوُفَي عنهن من ھي
منهنّ؟
٢٢٦١ - حَدَّثْنَا أبو القاسم هشام بن محمد بن قُرَّة بن أبي خليفة
الرُّعَيْنِي، قال: حَدَّثْنَا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزْدِي، قال:
حَدَّثْنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا أبو عاصم، عن ابن جُريج، عن
عطاء، قال: حضرتُ جنازة مَيْمونة رضي الله عنها مع ابن عباس،
فقال: هذه زوجةُ رسول الله﴿ فلانة، فلا تُزَعْزِعُوها، وارفُقُوا بها،
فإنه كان عند رسول الله ﴿ تسعٌ، فكان يقسم لئمان، ولا يَقْسِمُ
الواحدةٍ، والتي لا يَقْسِمُ لها صَفِيَّةٍ(١).
سليمان، ثلاثتهم عن حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن شبيب بنٍ غرقدة، بهذا
الإسناد. وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسن صحيح.
(١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٥٠٦٧)، ومسلم (١٤٦٥).
-٢٣ -
كتاب النكاح
قال أبو جعفر: قد كان أشكلَ عليَّ المعنى الذي به لم يكن يقسِمُ
الصفية حتى سألتُ عنه غَيْرَ واحد مِمَّن يُسأل عن مثله، فما وجدتُ
عندهم فيه شيئاً حتى وقفتُ أنا على أنَّ ابنَ جريج غَلِطَ في المرأة التي
كان النبي ﴿ لا يَقْسِمُ لها من نسائه، فإنه ذكر أنها صفية، ولم تكن
صفية ولكنها سَوْدَة
٢٢٦٢- كما حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريم، قال: حدثني سعيدُ بن أبي
مريم، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بن عُبَيْنَة، قال: حدثني عَمْرو بن دينار، عن
عطاء بن أبي رَبَاح، عن عبد الله بن عَبَّاس رضي الله عنهما، قال: تُوُفّيَ
رسولَ اللهِ ﴿ وعنده تِسْعُ نِسوَةٍ يُصيبُهُنَّ إلاَّ سَوْدَةَ، فإنَّها وهبت يومَها
وليلَتها لعائشةَ رضي الله عنهنَّ جميعاً.
فوقفتُ بذلك على أن المرأةَ التي كان لا يَقْسِمُ لها إنما كانت
سَوْدَة، وأن ذلك إنما كان منه بطيبٍ نفسها وبتحويلها عنها إلى عائشة
وكان ذلك الأوْلى أن يُحمل تركُ رسولِ الله :﴿ أن يقسم لها عليه إذ
كان مِنِ سنته ﴿ العَدْلُ بين نسائه، وتوفيتُهنَّ حقوقهنَّ من نفسه،
وتحذيرهُ أُمَّته من خلال ذلك مِن الَّيْل إلى بعض نسائهم دونَ بعض.
٢٢٦٣- كما حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أبو الوليد
الطيالسيُّ، قال: حَدَّثَنَا همَّام بنُ يحيى، عن قتادة، عن النضر بن أنس،
والنسوة التسع اللاتي تُوفي عنهن ﴿ هُنَّ: عائشة وحفصة وسودة وزينب وأمُّ
سلمة وأمّ حبيبة، وميمونة وحُويرية وصفية رضي الله عنهن.
- ٢٤-
کتاب النكاح
عن بشير بن نَهيك، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسولَ الله ◌ِ ﴿و
قال: (مَنْ كَانَتْ له امْرَ أْتَانِ يَمِيلُ مع إحداهُمَا على الأُخرى، جاءَ
يَوْمَ القيامَةِ وأحَدُ شِقِيْهِ مائلٌ)(١).
والنِيُّ ◌َ﴿﴿ أولى النَّاسِ بتركه لما يَنْهَى عنه، وفيما ذكرنا ما قد دلَّ
على أنَّ الصوابَ لما قد رويناه في هذه الزوجة التي كان لا يَقْسِمُ لهَا ◌ِلَّ
مَنْ هي؟ والسبب الذي كان لا يَقْسِمُ لها من أجله ما هو؟ وأنَّ ذلك
كما في حديث عَمْرو بن دينار، عن عطاء، لا كما في حديث ابن
جريج عن عطاء. والله نسأله التوفيق.
وقد رُوِيَ عن عائشة في هِبَةِ سَوْدَة لها يومَها، وأنَّ رسول الله ﴿و
كان يَقْسِمُ لما بيومها وباليومٍ الذي وهبَتْهُ سَوْدَةُ لها
٢٢٦٤- كما قد حَدَّثْنَا فَهْد، قال: حَدَّثَنَا أبو غَسَّان، قال:
حَدَّثَنَا زُهَيْر بن معاوية، قال: حَدَّثْنَا هشام بن عُرْوة، عن عُرْوة عن
عائشة رضي الله عنها أن سَوْدَةً ابنة زَمْعَة وَهَبَتْ يومَها لعائشة، فكان
رسولُ اللهِ :﴿ يَقْسِمُ لعائشة بيومها ويومٍ سَوْدَةٍ(٢). إلى آخره. والله
نسأله التوفيق.
(١) إسناده صحيح. ورواه أحمد ٣٤٧/٢ و٤٧١، وابن أبي شيبة ٣٨٨/٤،
والطيالسي (٢٤٥٤)، والدارمي ١٤٣/٢، وأبو داود (٢١٣٣)، والترمذي
(١١٤١)، والنسائي ٦٣/٧، وابن ماجه (١٩٦٩)، والطبري (١٠٦٥٨)، وابن
الجارود (٧٢٢)، والبيهقي ٢٩٧/٧ من طرق عن همام، بهذا الإسناد. وصححه ابن
حبان (٤٢٠٧)، والحاكم ١٨٦/٢.
(٢) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٢٥٩٣) و(٥٢١٢)، ومسلم (١٤٦٣).
- ٢٥ -
كتاب النكاح
٣٠٥- بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله من قوله عند
قسمته بينَ أزواجه بالعَدْلِ عليهن: «اللّهُمَّ إنَّ هذه قِسْمَتِي
فيما أمْلِكُ، فلا تَلُمْنِي فيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ))
٢٢٦٥- حَدَّثْنَا محمد بن خزيمة، حَدَّثْنَا حَجَّاجُ بنُ مِنهال، حَدَّثَنَا
حمادُ بن سَلَمَة، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن عبدِ الله بن يزيد
الخطْمِيِّ، عن عائشةً أن رسول الله ﴿ كان يَقْسِمُ بَيْنَ نسائه، ويقول:
(اللَّهُمَّ إِنَّ هذِهَ قِسْمَتِي فِيمَا أمْلِكُ، فَلاَ تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ ولا
أمْلِكُ(١).
٢٢٦٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ عبيد بن عمران الطبراني بِطَبَرِيَّةَ أبو
أيوب، وهو المعروف - كان- بمابنٍ خلف، حَدَّثَنَا عفَّارُ بن مُسْلِمٍ،
حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سلمة، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن عَبْدِ الله بن يزيد
الخَطْمِيِّ، عن عائشة، عن رسول الله عليه السلام مثلَه.
قال أبو جعفر: فتأمَّلنا ما في هذا الحديثِ، وما المعنى الذي قَصَدَ
فيه رسولُ الله ﴿ بقوله: ((االلَّهُمَّ إِنَّ هذِهَ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلاَ
تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ))، وهو غيرُ ملوم في ذلك إذ كان ذلك مما
لا فِعْلَ له فيه، فكان معنى ذلك عندنا - والله أعلم - على الإشفاق
والرحمةِ منه عليه السلامُ مِنَ الله، أن يكونَ قد عَلِمَ منه في قِسْمَتِهِ
بينهن، وإن كان لم يَخْرُجْ فيها عن العدل ميلاً مْنَ قَلْبِهِ إلى بعضهنَّ بما
(١) اختلف في وصل هذا الحديث وإرساله، وقد تقدم تخريجه في باب (١٢) بعد
حديث (٨٧).
-٢٦-
کتاب النكاح
لم يَمِلْ بمثله إلى بقيتِهِنَّ، وذلك مما هو منهيٌّ عنه، ومما العِبَادُ فيه سواءٌ،
كما قد رُوِي عن رسولِ الله# في التحذير من مثل ذلك.
٢٢٦٧- كما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الحسن بنِ القاسم الكوفيُّ أبو
الحسن، حَدَّثْنَا وَكيع بنُ الجرَّاحِ، عن هَمَّامٍ بنِ يحيى، عن قتادة، عن
النضرِ بنِ أنس، عن بشير بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرة، قال: رسولُ الله
عليه السَّلامُ: (مَنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ، فَكَانَ يَمِيلُ مَعَ إِحْدَاهُما عن
الأُخْرَى، جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ)، أو قال: (سَاقِطٌ)(١).
وقد روي في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَنْ تَسَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بِيِنَ النِساءِ ولو
حرصتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، أنَّ ذلك أُرِيدَ به ما يقع في قُلوبِكُم
لبعضهن دُون بعضٍ، وذلك معفوٌّ لهم عنه، إذ لا يستطيعون دفعَهُ عن
قلوبهم غيْر أنه قد يجوزُ أن يكونَ يزِيدُ على ذلك ما يَحْتَلِبُوهِ (٢) إلى
قلوبهم.
(١) إسناده صحيح. وتقدم برقم (٢٢٦٣). ثقة حافظ.
(٢) قال الإمام أبو جعفر الطبري في تفسير هذه الآية ٢٨٤/٩: يعني جل ثناؤه:
لن تطيقوا أيها الرجالُ أن تسووا بَيْنَ نسائكم وأزواجكم في حُبِّهِنَّ بقلوبكم حتى
تَعْدِلُوا بينهن في ذلك، فلا يكون في قلوبكم لبعضِهِنَّ مِن المحبة إلا مِثْلُ ما لصواحبها،
لأن ذلك مما لا تملكونه، وليس إليكم ولو حَرَصْتُمْ في تسويتكم بينَهن في ذلك. فلا
تميلوا بأهوائكم إلى مَنْ لم تملِكُوا محبته منهن كُلَّ الميل، حتى يحملكم ذلك على أن
تجوروا على صواحبها في تركِ أداء الواجب لهن عليكم مِن حقّ في القَسْمِ لهن، والنفقةِ
عليهنٍ، والعِشْرَةِ بالمعروف، فتذروا التي هي سوى التي مِلْتُمْ بأهوائكم إليها كالتي لا
هي ذاتُ زوجٍ، ولا هي أيِّم.
-٢٧ -
كتاب النكاح - ثبوت النسب
فكان الذي كان مِن رسول الله عليه السَّلامُ مما أراده مِن ربِّه
على الإشفاق، وعلى الرهبةِ ما يَسْبِقُ إلى قلبه، مما قد يستطيعُ رَدَّهُ عنه
مع قُربه مِن غلبته عليه، وهذا عندنا - والله أعلم - مثلُ الذي في حديث
خُصينِ الْخُزَاعِي مما قد علمه رسولُ الله ﴿ّ إياه أن يَدْعُوَ به رَبَّه تعالى
أن يَغْفِرَ له ما أخطأ، وما تعمد وما أخطأه، فهو غيرُ مأخوذٍ به - لما
خاف عليه أن يكونَ تقربه مما تعمَّدَهُ، وقد روينا هذا الحديثِ فيما
تقدم منا في كتابنا هذا، والله نسألُه التوفيقَ.
٣٠٦- بابُ بیانِ مُشْکل ما رُوِي عن رسول الله ﴾ فیما کان
منه في ابنِ أمةٍ زمعةَ الذي اذَّعاه سعدٌ لأخیه وادعاه عبدُ بنُ
زمعة لأبيه
٢٢٦٨ - حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أن مالكَ
بنَ أنس حدَّثه، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي
الله عنها أنّها قالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بنُ أبي وقاصٍ عَهِدَ إلى أخيه سعدِ بنِ
أبي وقّاصِ أن ابنَ وليدة زمعةَ منّي، فاقْبِضْهُ إليكَ، قالت: فلما كان عامُ
الفتح، أخذه سَعْدٌ، فقال: ابن أخي، قد كان عَهِدَ إليَّ فيه، فقال عبدُ
بنُ زَمعة: أخي وابن وليدة أبي، وُلِدَ على فراشه، فقالَ رسولُ اللهَلَطَهِ:
(الوَلَدُ لِلِفِرَاشِ وللعَاهِرِ الحَجَرُ)، ثم قال رسول الله مُ طْ لِسَودة:
((احْتجبي منه) لما رأى منه مِن شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، قالت: فما رأها حتّى لَقِيَ
-٢٨-
کتاب النكاح - ثبوت النسب
الله سبحانَه وتَعالى(١).
(١) إسناده صحيح. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١١٣/٣-١١٤ بإسناده ومتنه.
وهو في ((الموطأ)» برواية يحيى الليثي ٧٣٩/٢ وبرواية أبي مصعب (٢٨٧٩).
ورواه الدارقطني ٢٤١/٤-٢٤٢ من طريق يونس بن عبد الأعلى، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٢٤٦/٦-٢٤٧، والدارمى ٢٠٣/٢، والبخاري (٢٠٥٣)
و(٢٧٤٥) و(٤٣٠٣) و(٦٧٤٩) و(٧١٨٢)، هوابن حبان (٤١٠٥)، والبيهقي
٤١٢/٧، والبغوي (٢٣٧٨) من طرق عن مالك، به.
وقوله: ((الولد للفراش) معناه: هو لمالك الفراش، وهو الزوجُ والمولى
بالاستحقاق، سواء كانت المفترشة حرةً أو أمةً عندَ الشافعي، وخصه الحنفية بالحرة،
وقالوا: ولدُ الأمة لا يلحق سيدها ما لم يُقِرَّ به، ومحل كونه تابعاً للفراش إذا لم ينفه بما
شُرِعَ له كاللعان وإلا انتفى، ومثلُ الزوجِ أو السيدِ هنا: واطئ بشبهة.
وقوله: ((وللعاهر الحجر)) أي: للزاني الخيبةُ والحِرِمانُ، والعَهَرُ بفتحتين: الزنى،
ومعنى الخيبة هنا: حرمان الولد الذي يدعيه، وحَرَت عادة العرب أن تقول لمن خاب:
له الحَجَرِ، وبفِيهِ الحَجَرُ والترابُ، ونحو ذلك.
قال أبو عمر بن عبد البر في (التمهيد)) ١٨٢/٩٨: في هذا الحديث الحكمُ
بالظاهر، لأن رسولَ الله # حكم بالولد للفراش على ظاهر حكمه وسننه، ولم يلتفت
إلى الشَّبَهِ، وكذلك حكم في اللعان بظاهر الحكم ولم يلتفت إلى ما جاءت به بعد
قوله: ((إن جاءت به كذا، فهو للذي رُمِّيَتْ به)) فجاءت به على النعتِ المكروه،
ومن ذلك قوله: ((فأقضي به على نحوٍ ما أَسْمَعُ منه)).
وقوله لسّوْدة: ((احتجبي منه) حمله بعضُهم على جهة الاختيار والتنزه، فإن للرجل
أن يمنع امرأتَه مِن رؤية أخيها، وقال بعضُهم: كان ذلك منه لِقطع الذريعة بعدَ حكمه
بالظاهر، فكأنه حكم بحكمين: حكم ظاهر، وهو: ((الولد للفراش))، وحكم باطن،
وهو الاحتجابُ مِن أجل الشَّبَهِ، كأنه قال: ليس بأخٍ لك يا سودة إلا في حُكم الله
-٢٩ -
كتاب النكاح - ثبوت النسب
٢٢٦٩ - حَدَّثَنَا المزنيُّ، حَدَّثْنَا الشافعيُّ، حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عُيينة،
عن الزهريِّ، عن عُروة، عن عائشة أن عبدَ بنَ زمعةً وسعداً اختصما
إلى النبيِّ :﴿ في ابنِ وليدةِ زمعةً، قال سعدٌ: يا رسولَ اللهِ أوصاني
[أخي] إذا قدِمْتُ مكة: أن أُنْظُرْ إلى ابنِ أمَةِ زَمْعَةَ، فَاقْبِضه، فإنّه ابني،
فقال عبدُ بنُ زمعة: أخي وابنُ أمة أبي، وُلِدَ على فراش أبي، فرأى
شبهاً بَيِّناً بعُتبة، فقال: ((هُوَ لَكَ يا عَبْدَ بنَ زمعَة، الوَلَدُ لِلفِراش،
واحْتَجبِي مِنْه یَا سَوْدَق)(١).
٢٢٧٠ - وحَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمان، حَدَّثْنَا نعيمُ بنُ حماد، حَدَّثْنَا
ابنُ المبارك، أنبأنا معمر، عن الزهريِّ، عن عروة، عن عائشة رضيَ اللهُ
عنها، قالت: قال عتبةُ بنُ أبي وقاص لأخيه سعدٍ -وكان عتبةُ كافراً،
وكان سعدٌ مسلماً -: إني أعْهَدُ إليك أن تَقْبضَ ابنَ جاريةِ زمعةً إذا
لَقِيَتَه، قالت عائشةُ: فلما كان يومُ الفتحِ، لِقِيَ سعدٌ ابنَ جاريةِ زمعةً،
بالولد للفراش، فاحتجي منه، لما أرى مِن شبهه بعتبة.
(١) إسناده صحيح. وهو في ((السنن المأثورة) برواية الطحاوي عن خاله المزني،
عن الشافعي (٥١٨)، وفي ((مسند الشافعي)) ٣٠/٢.
ورواه البيهقي ٨٦/٦ و٤١٢/٧ من طريق الربيع بن سليمان، عن الشافعي، به.
ورواه الحميدي (٢٣٨)، وسعيد بن منصور (٢١٣٠)، وأحمد ٣٧/٦، والبخاري
(٢٤٢١)، ومسلم (١٤٥٧)، وأبو داود (٢٢٧٣)، والنسائي ١٨١/٦، وابن ماجه
(٢٠٠٤)، والدار قطني ٢٤١/٤، والبيهقي ٨٦/٦ من طرق عن سفيان، به. وانظر ما
قبله.
- ٣٠-
كتاب النكاح - ثبوت النسب
فقال: ابنُ أُخي، واحْتَضَنَهُ، وقال عبدُ بنُ زمعةً: بَلْ هو أخي، وُلِدَ على
فراش أبي مِن جاريته، واختصما إلى رسول الله ﴿ّ فيه، فقال سعدٌ: يا
رسولَ الله هذا ابنُ أخي انظر إلى شبهه بأخي عُتبة، وقال عبد بن
زَمعة: بَل هو يا رسولَ الله أخي وُلِدَ على فراش أبي من جاريته. قالت
عائشة رضي الله عنها: فنظر رسول الله ﴿: «هو لَكَ يا عبدَ بنَ زمعة،
الوَلَدُ لِلفِراشِ، واحتجبي عنه يا سودة))، فلم يرها حتى ماتت رضي
الله عنها(١).
٢٢٧١ - الربيعُ المرادِيُّ، حَدَّثْنَا أسدُ بنُ موسى، حَدَّثْنَا الليثُ بنُ
سعدٍ، حدثني ابنُ شهاب، عن عروة، عن عائشة، ثم ذكر هذا
الحديث(٢).
٢٢٧٢ - وحَدَّثْنَا فهد، [حَدَّثَا] أبو اليمان، أنبأنا شعيبُ بنُ أبي
حمزةً، عن الزهريِّ، حدثني عُروة، أن عائشة رضي الله عنها، قالت:
كان عُتْبَةُ بنُ أبي وقاص ... ثم ذكر الحديثَ أيضاً.
٢٢٧٣ - حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ عبد الله بن منصور البالِسي، حَدَّثَنَا
(١) نعيم بن حماد - وإن كان في حفظه شيء- متابع. وهو في ((مسند عبد الله بن
المبارك)) (٢١٨).
ورواه عبد الرزاق (١٣٨١٨)، ومن طريقه أحمد ٢٢٦/٦، ومسلم (١٤٥٧)،
والدارقطني ٢٤٢/٤ عن معمر، بهذا الإسناد. وانظر ما قبله.
(٢) ورواه البخاري (٢٢١٨) و(٦٧٦٥) و(٦٨٦٥) و(٦٨١٧)، ومسلم
(١٤٥٧) (٣٦)، والنسائي ١٨٠/٦، والبيهقي ١٥٠/١٠ و٢٦٦ من طرق عند
الليث، بهذا الإسناد.
- ٣١-
كتاب النكاح - ثبوت النسب
الهيثمُ بنُ جميل، عن حمادِ بنِ سَلَّمَة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عبد الله بنِ زمعة أنّه خَاصَمَ رجلاً إلى النبيِّ ◌َ﴿ فِي وَلَدٍ وُلِدَ على فراشٍ
أبيه، فقال النبيُّ ﴿: «الوَلَدُ لِلفِراشِ، واحْتجبي منه يا سَوْدَةُ)).
٢٢٧٤ - حَدَّثْنَا طاهرُ بن عمرو بنِ الربيعِ بنِ طارقٍ الهلاليُّ،
قال: حَدَّثَنَا أبي عمرو بن الربيع بن طارق، أخبرني يحيى بنُ أيوب، عن
هشامٍ، عن أبيه، عن عائشة أنّها قالت: اخْتَصَمَ سعدُ بنُ أبي وقّاص
وعبدُ بنُ زمعة إلى رسولِ اللهِوَ﴿. في غُلامِ، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله
هو ابنُ أخي عتبة بن أبي وقاص عَهِدَ إليَّ فيه أنه ابنُه، انْظُرْ إلَى شَبَههِ،
وقال عَبْدُ بنُ زمعة: يا رسولَ الله هذا أخي وُلِدَ على فراشِ أبي مِن
وليدته، فنظر رسولُ اللهِلَ﴿، ورَأى رسولُ الله ﴿ به شبهاً بَيِّناً بِعُتبة،
فقال: ((هُوَ لك يا عَبْدَ بنَ زمعة، الوَلَدُ لِلفِراشِ ولِلعَاهِرِ الْحَجَرُ، وأما
أنتِ يا سودةُ ابنةَ زمعة فاحْتَجبي منه»، قالت عائشة: فلم يَرَ سَوْدَةً
قطُّ.
قال أبو جعفر: فاختلف حمادُ بنُ سلمة ويحيى بنُ أيوب فيمن
حدَّث عروةً بهذا الحديث عنه، فقال حمادٌ: هو عبدُ الله بنُ زمعة، وقال
يحيى بنُ أيوب: هي عائشة، وكان ما قال يحيى بنُ أيوب من ذلك أولى
-والله أعلم- عندنا لموافقته ما قد رواه الجماعة الذين ذكرناهم في هذا
الباب عليه، ولأنَّ عبد الله بن زمعة لا نعلم له حديثاً عن رسول الله مَ ﴿
سوى هذا الحديث.
وقال قائل: بل لِعبد اللهِ بن زمعةً عن رسول اللهلم﴿ حديث سوى
هذا الحديث، وذكر في ذلك:
-٣٢-
کتاب النکاح - ثبوت النسب
٢٢٧٥ - ما قد حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمانَ، حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ صالحٍ،
حدثني الليثُ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عبد الله بنِ زمعة أنه
سَمِعَ رسولَ الله :﴿ في خطبته يوماً وذكر الناقةَ والذي عقرها، فقال
رسولُ الله ◌َّ: «انْبَعَثَ أشقاها، انْبَعَثَ لها رجل عزيزٌ مَنيعٌ في قومه
مثل أبي زمعة) وذكر النساءَ، وقال: ((علام يَعْمِدُ أحَدُكُم، فَيَجْلِد
امرأتِه جَلْدَ العَبْدِ، فلعله يُجامِعُها مِن آخرٍ يَوْمِهِ) ثم سمعته وعظهم من
الضَّرْطَة، فقال: (لِمَ يَضْحَكُ أحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟!)(١).
٢٢٧٦- وما قد حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمد بنِ حماد الأنصاريُّ
المعروفُ بالدُّولابي أبي بشر، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ سعدٍ الجوهريُّ، حَدَّثَنَا
أبو أُسامة، وما قد حَدَّثْنَا محمد أيضاً، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ هاشم الْبَعْلَبَكْيُّ،
حَدَّثْنَا شعيبُ بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله
بن زمعة، ثم ذكر مثله.
فكان جوابنا له في ذلك: أن عبد الله بنَ زمعةَ المذكورَ في
الحديث الأول هو عبد الله بن زمعة بن قيس أخو سودة من بني عامر
بن لؤي، وعبد الله بن زمعة المذكور في الحديث الثاني: هو عبدُ الله بنُ
(١) حديث صحيح. عبد الله بن صالح. ورواه الحميدي (٥٦٩) عن سفيان بن
عيينة، والبخاري (٤٩٤٢)، عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، وأحمد ١٧/٤،
ومسلم (٢٨٥٥) (٤٩) من طرق ابن نمير، وأحمد ١٧/٤ عن وكيع، والترمذي
(٣٣٤٣) من طريق عبدة بن سليمان، خمستهم عن هشام بن عروة، بهذا الإسناد.
وبعضهم يزيد في قصة عاقر الناقة ((رجل عزيز عارم منيع)).
- ٣٣ -
كتاب النكاح - ثبوت النسب
زمعة بن الأسود بنِ المطلب بن أسد بن عبدِ العُزى من رهطِ الزبير،
وقد بيَّنَ ذلك محمدُ بن إسحاق في حديث آخر.
٢٢٧٧ - كما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبد الرحيم البَرْقِيُّ،
حَدَّثْنَا عبدُ الملك بنُ هشام النحويُّ، حَدَّثَنَا زيادُ بنُ عبد الله البكائي،
قال: قال ابنُ إسحاق: قال ابنُ شهاب، حَدَّثَنَا عبدُ الملك بنُ أبي بكر
بنِ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن عبدِ الله بن زمعة
بنِ الأسود بنِ المطلب، قال: لما تَقُلَ رسولُ الله :﴿ عن الصلاةِ، قال:
((هُرُوا مَن يُصَلِّي بِالنّاسِ) فلم أر أحداً فيمن حَضَرَ أحقَّ بها مِن عمر
بن الخطاب، وكان أبو بكر رضي الله عنه غائباً، فأمرتُ عُمَرَ أن يُصَلِّيَ
بالناسِ، فلما كَبَّرَ - وكان رجلاً جهيرَ الصَّوتَ - سَمِعَ رسولُ اللهِ﴾*
صوته، فقال: ((أينَ أبو بكر؟ يأبى الله عز وجل والمسلمون ذلك))
فَدُعِيَ أبو بكر، فصلَّى بالنَّاسِ، فقال عُمَرُ لابنِ زمعة: وَيْحَكَ ماذا
صَنَعْتَ؟ واللهِ لولا أنّي ظننتُ أنَّ رسولَ الله :﴿و هو أمرك أن تأمُرَني
بالصَّلاةِ ما صَلَّيْتُ بالنَّاسِ(١).
(١) حديث حسن، فقد صرح ابن إسحاق بالتحديث بسماعه من الزهري في
رواية أبي داود ( ٤٦٦٠).
ورواه أحمد ٣٢٢/٤ من طريق إبراهيم بن سعد، وأبو داود (٤٦٦٠)، والطبراني
في («الأوسط)) (١٠٦٩) من طريق محمد بن سلمة، كلاهما عن محمد بن إسحاق،
بهذا الإسناد.
ورواه ابن سعد في ((الطبقات) ٢٢٠/٢-٢٢١ عن محمد بن عبد الرحمن بن
إسحاق، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة، عن عبد الله بن زمعة.
- ٣٤-
-
كتاب النكاح - ثبوت النسب
فقال قائلٌ: فإنَّ الذي حدَّث به ابنُ إسحاق من هذا الحديث إنما
هو عن غيرِ الزهري، فهل يُوْجِدُناه مِن حديث الزهري مذكوراً فيه أن
عبد الله بن زمعة هذا هو ابنُ الأسود.
فكان جوابنا له في ذلك أنا نوجدُه ذلك من حديث الزهري كما
قد ذكرنا.
٢٢٧٨- كما قد حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمد بن حَمَّاد، حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ
عبدِ الجبارِ العُطارِدي، حدثني يونسُ بنُ بُكَيْرِ، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ إسحاق،
حدثني يعقوبُ بنُ عُتبةَ بنِ المغيرة بن الأخنس، عن ابن شهاب، عن أبي
بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بنِ هشام، عن عبد الله بن زمعة بنِ
الأسود، قال: لما نَقُلَ رسولُ اللهِلَ ﴿ عن الصلاةِ ثم ذكر مثل الحديث
الذي ذكرناه قبلَ هذا الحديثِ.
قال أبو جعفر: فتأملنا الحديث الذي ذكرناه في صدرِ هذا البابِ،
فوجدنا بعض الناس قد جعل دعوى سعدٍ رضي الله عنه المذكورة فيه
كلا دعوى، لأنّه ادعاها لأخيه مِن أمةٍ لِغيره، لا بتزويجِ بينَه وبينَها،
قال: فکانت دعواه لذلك کلا دعوی.
قال أبو جعفر: والذي قال مِن هذا عندنا ليسَ كما قال، لأن
سعداً أعلمُ من أن يدعيَ دعوى لا معنى لها، ولكن وَجْهُ دعواه ذلك -
ورواه عبد الرزاق (٩٧٥٤) مرسلاً في حديث مُطَوَّلٍ عن معمر: قال الزهري:
وقال الني * لعبد الله بن زمعة: (مر الناس فليصلوا)) وذكر الحديث.
- ٣٥-
كتاب النكاح - ثبوت النسب
والله أعلمُ- أن أولادَ البغايا في الجاهلية قد كانوا يُلحقونهم في الإسلام
بمن ادَّعاهم، ويَرُدُّونَهم إليهم.
٢٢٧٩- كما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ الحسن الكوفيُّ، حَدَّثْنَا إسماعيل ابن
عُلية، عن ابن عَوْن، قال: أنبأنا غَاضِرَةُ العنبريُّ، قال: أتينا عُمَرَ بنَ
الخطاب رضي الله عنه في نسوة أو إماء سَاعَيْنَ في الْجَاهِلِيَّةِ، فأمر
بأولادِهن أن يقوموا على آبائهم وأن لا يُسترقُوا(١).
٢٢٨٠ - وكما حَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثْنَا ابنُ وهبٍ أن مالكاً حدَّثْه،
عن يحيى بنِ سعيد، عن سُليمان بنِ يسار، أن عمرَ بن الخطاب رَضِيَ
الله عنه كان يُلِيطُ أولادَ أهلِ الجاهليَّة بمن ادَّعاهم في الإسْلامِ (٢).
٢٢٨١ - وكما حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرني أنسُ بنُ عياضٍ، عن يحيى،
عن سليمان، ثم ذكره.
قال أبو جعفر: وإذا كانت تِلْكَ الدعوى في زمن عُمَرَ رضي الله
عنه مع بُعدها مِن الجاهلية لها هذا الحكم، كانت في عهدِ رسولِ الله
(١) رواه أبو عبيد في ((غريب الحديث) ٣٣٧/٣-٣٣٨ عن إسماعيل ابن علية،
بهذا الإسناد. وقرن مع إسماعيل معاذ بن معاذ العنبري.
(٢) رجاله ثقات، إلا أنه مرسل، سليمان بن يسار، قد ولد سنة أربع وعشرين،
ولم يلق عمر رضي الله عنه. وهذا الأثر في ((الموطأ) ٧٤٠/٢ ومن طريقه البيهقي.
ورواه أبو عبيد في ((غريب الحديث)) ٣٤٠/٣ عن أبي معاوية، عن يحيى بن سعيد،
بهذا الإسناد.
قوله: يُليط، قال ابن الأثير ٢٨٥/٤: أي يلحقهم بهن من ألاطه يليطه: إذا ألصقه
به.
- ٣٦ -
كتاب النكاح - ثبوت النسب
* في قُربها من الجاهلية أولى بهذا الحكم. ولما كان ذلك كذلك، كان
سعدُ قد ادَّعى لأخيه ما قد كان يُحْكَمُ به في مثل ذلك، لأنه وإن لم
يكن أخوه حَضَرَ تلك الدعوى، فقد ادعى بوصيةٍ من أخيه إيّاه بها،
وأخوه فقد كان تُوُنِّي قبلَ ذلك، فكأنَّ دعواه لأخيه ادَّعاه له كدعوى
أخيه إيّاه لنفسه لو كان حياً غير أنَّ عبدَ بنَ زمعة لما قابله في ذلك بما
ادَّعاه لأبيه، قابله بدعوى تُوجبُ عتاقاً للمدعي، لأن المدعى له كان
يمِلِكُ بعضَه حين ادعى فيه ما ادعى، فَعَتَقَ منه ما كان مدَّعِيه ◌ِمْلِكُه لو
لم تكن دعواه، فكان ذلك هو الذي أبطل دعوى سعدٍ، لا لأنها كانت
في أصلها باطلة، ثم عاد ذلك المدعي إلى ابنِ وليدة لزمعة كان موروثاً
عنه ادَّعى فيه أحدُ مَنْ وَرِتَه - وهو عبدُ بن زمعة - أنَّه وَلَدُ أبيه، وكان
له شريكٌ فيه وهو أختُه سودةُ، فلم يكن منها في ذلك فيما نُقِلَ إلينا في
هذه الآثار تصديقٌ له على ذلك، فألزمه رسولُ اللهِ: ﴿ ما أقرَّ به في
نفسه، وخاطبه بالخطابِ الذي قد خاطبه به من قولِه له: ((الولَدُ
للفراش)) ولم يجعل ذلك حجةٌ على أُختِه، إذ لم يُعلم كان منها في ذلك
تصديقاً له في دعواه، وأمرها بالحجاب منه، إذ لم يجعله أخاها.
فإن قال قائل: فما معنى قوله {﴿: ((هُوَ لَكَ يا عَبْدُ بِنَ زَمْعَةَ)؟
كان جوابُنا له في ذلك أنَّ ذلك على معنى: هو لك بيدِك عليه تمنعُ
بذلك مِّنْ سِواك منه، كما قال# في اللقطة لملتقطها: ((هِيَ لَكَ أو
لأخيكَ أو للذئب)) ليس على معنى أنَّك تُمْلِكُها بِيَدِكَ عليها، ولكن مما
لَكَ بيدك عليها مِن منع غيرِك منها، فمثل ذلك قولُه ◌َا لِعبدٍ: هُوَ لك
بيدِك عليه التي تمنع بها غيرَك منه، وكيفَ يجوز أن يُظَنَّ برسولِ الله ◌ِ﴿
-٣٧-
كتاب النكاح - ثبوت النسب
أنه قد جعل ذلك المدعى ابناً لِزمعة، ثم يأمر ابنَة زمعةً بالحجابِ من
أخيها وهو يُنْكِرُ على عائشة حَجْبَها عَمَّها مِن الرَّضاعة عنها؟(١) هذا
عندنا مِن المحالِ الذي لا يجوزُ كونُه، وكيف يجوزُ أن يُحْمَلَ معنى هذا
الحديثِ على غير ما حملناه عليه، ولا اختلاف بين المسلمين في مثله إذا
ادَّعاه أحدٌ ممن وَرِثَ الْمُدَّعى إذا لم يكن له نسبٌ من المُدَّعى له، وأنكره
بقيةٌ الورثة أنه لا يثبتُ بتلك الدعوى نسبٌ من المدَّعى له، وأنه يدخل
مع الْمُدَّعِي في ميراثه عندَ أكثرِ أهلِ العلم وإن كان ما يدخلُ به مختلفاً
في مقداره، ولا يدخل في قوله آخرين في شيء مما في يده، منهم
الشافعيُّ، وحُكي أنّه قولُ جماعة من المدنيين، وفيما ذكرنا من هذا
دليلٌ على ما وصفنا.
ثم قد وجدنا عبدَ الله بن الزبير قد روى عن رسول الله: ﴿ هذا
الحديثَ بزيادةٍ معنى زاده على عائشةً فيه
٢٢٨٢- كما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبد الله بن مخلدٍ الأصبهاني،
حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبة، حَدَّثَنَا الحسينُ بنُ علي الجعفيُّ، عن زائدةً
بنِ قُدامة، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن يوسفُ بنِ الزبير، أو عن مولى
(١) روى مالك في («الموطأ) ٦٠١/٢-٦٠٢، ومن طريقه البخاري (٥٢٣٩)،
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: جاء عمي من
الرضاعة يستأذِنُ علي، فأبيتُ أن آذن له عليَّ حتى أستأذن رسول الله * عن ذلك،
فجاء رسولُ الله ﴿، فسألته عن ذلك، فقال: (إِنه عَمُّك فَأَذَني له)) قالت: فقلتُ: يا
رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال: ((إنه عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عليك)).
-٣٨ -
كتاب النكاح - ثبوت النسب
لابنِ الزبير - شكَّ منصورٌ-، عن ابنِ الزبيرِ، قال: كان زمعةُ يَطَأُ
جاريةٌ، وكانت تُرَثُّ برجلٍ، فتوفى زمعةُ، وَوَلَدَتْ شبيهاً بالذي كانوا
يَزْنُّونَها بِهِ، فقالَت سودةُ: يا رسول اللهِ وَلَدَتْ شبيهاً بالذي كانوا
يَزُنُونَها به، فقال: «الميراثُ له، واحْتَجبي منه یا سَوْدَةُ فإنّه لَيْسَ لكِ
بأخٍ)(١).
٢٢٨٣- وكما حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمد بن خزيمة، حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ
أبي الربيع الجرجاني، حَدَّثْنَا عبدُ الرزاق، حَدَّثَنَا سفيانُ، عن منصورِ،
عن مجاهدٍ، عن ابن الزبير(٢) - ولم يذكر بَيْنَ مجاهد وبينه أحداً-، أن
زمعةً كانَتْ له جاريةٌ، فكان يطؤُها، وكانوا يتّهمُونَها، فقال النبيُّ ◌ِ﴿
لِسودة: ((أما الميراثُ فَلَهُ، وأما أنتِ، فاحتجبي منه يا سودةُ، فإنه لَيْسَ
لَكِ بأخٍ)(٣).
(١) نسبه الحافظ في ((النكت الظراف)) ١٣٣/٤ إلى الطبري في ((تهذيب الآثار))
من طريق إسرائيل، عن منصور، بهذا الإستاد. ووقع عنده ((مولى لابن الزبير)) دون
شك. وانظر ما بعده.
قوله: تُزَنُّ. قال ابن الأثير في ((النهاية)) ٣١٦/٢: يقال: زَنْه بكذا وأزَّتِّه، إذا اتهمه
به وظنه فيه. ومنه قول حسان بن ثابت في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
وتُصْبِحُ غَرثى من لُحُومِ الغَوَافِلِ
حَصانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ
(٢) في الأصل (المخطوط): يوسف.
(٣) رواه عبد الرزاق (١٣٨٢٠)، ووقع عنده (يَتْطِئُهَا) بدل (يطؤها). قال
السندي في ((حاشية النسائي)) ١٨١/٦: هو افتعال من الوطء، وأصله يوتطئها، أبدلت
الواو تاء، وأدغمت في الثاء، كما في يتعد ويتقي من الوعد والوقاية.
- ٣٩ -
كتاب النكاح - ثبوت النسب
٢٢٨٤- وكما حَدَّثْنَا عليّ بنُ عبد الرحمن بنِ المغيرة، حَدَّثْنَا
محمدُ بنُ قدامة، حَدَّثْنَا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ،
عن يوسفَ بنِ الزبير، عن عبد الله بنِ الزُّبير، قال: كانَتْ لِزَمْعَة جارِيةٌ
يطؤُهَا، وكان يُظَنُّ بِرَجُلٍ يَقَعُ عليها، فمات زمعةُ وهي حُبْلِى، فَوَلَدَتْ
غلاماً كان يُشْبهُ الرَّجُلَ الذي كانتْ تُظَنُّ به، فذكرته سودةُ لِرسولِ
اللهَّ، فقال: «أما المِيراثُ فَلَهُ، وأما أنْتِ، فَاحْتَجِبِي مِنْه يا سودةُ، فإنه
ليس لَكِ باخ))(١).
ورواه أحمد ٥/٤ من عبد الرزاق، بهذا الإسناد.
(١) الحديث في ((شرح معاني الآثار)) ١١٥/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه النسائي ١٨٠/٦-١٨١، وأبو يعلى (٦٨١٣)، والدار قطني ٢٤٠/٤،
والحاكم ٩٦/٤-٩٧، والبيهقي ٨٧/٦، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٤٢٥/٣٢،
والذهبي في («ميزان الاعتدال)) ٤٦٥/٤ من طرق عن جرير بن عبد الحميد، بهذا
الإسناد. وصححه الحاكم والذهبي. وقد وقعت كلمة (يطؤه)) عند الدارقطني
والبيهقي (يتطئها)).
وقال البيهقي بإثره: فإسنادُ هذا الحديث لا يُقام إسناد الحديث الأول، لأن
الحديثَ الأول رواته مشهورون بالحفظ والفقه والأمانة، وعائشة رضي الله عنه تخبر
عن تلك القصة كأنها شهدتها. والحديث الآخر في روايته من نسب في آخر عمره
إلى سوء الحفظ وهو جرير بن عبد الحميد، وفيهم من لا يعرف بسبب يثبت به
حديثه وهو يوسف بن الزبير، وقد قيل في غيرها الحديث عن مجاهد عن يوسف بن
الزبير - أو الزبير بن يوسف- مولى لآل الزبير، وعبد الله بن الزبير كأنه لم يشهد
القصة لصغره، فرواية من شهدها وجميع مَنْ في إسناد حديثها حفاظ ثقات مشهورون
- ٤٠-