النص المفهرس
صفحات 601-620
كتاب النكاح
في أدبارهنَّ.
فقال قائلٌ: فقد روي عن ابنِ عمر إباحتُه، وذكر
٢١٨١- ما قد حَدَّثْنَا أبو قُرة محمدُ بنُ حميدٍ الرُّعيني، حَدَّثْنَا
أصيغُ بنُ الفرجِ، وأبو زيد بن أبي الغمر، قالا: قال ابنُ القاسم:
وحدَّثْني مالك، قال: حدثني ربيعةُ بنُ أبي عبد الرحمن، عن أبي الحباب
سعيد بن يسار، أنه سأل ابنَ عمر عنه - يعني وطء النساء في أدبارهن-
فقال: لا بأسَ به(١).
فكان جوابُنا له: أنه قد رُوِيَ عن ابنِ عمر من ناحية سعيد بن
يسار ما يُخالف هذا
٢١٨٢- كما حَدَّثْنَا الربيعُ المُرادِيُّ، حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ وهبٍ،
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٤١/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه النسائي في ((عشرة النساء)) (٩٣) عن الربيع بن سليمان، عن أصبغ بن
الفرج، والطبري (٤٣٢٩) عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي زيد
بن أبي الغمر، كلاهما عن عبد الرحمن بن القاسم، قال: قلت لمالك: إن عندنا بمصر
الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار، قال: قلت لابن
عمر: إنا نشتري الجواري فنحمَّض لهنَّ؟ قال: وما التحميضُ؟ قال: نأتيهنَّ في
أدبارهنَّ. قال: أوَ يفعل هذا مسلم؟!
فقال لي مالك: فأشهدُ على ربيعة لَحدَّثني عن سعيد بن يسار: أنه سأل ابنَ عمر
عنه، فقال: لا بأس به.
ورواه كذلك الدارقطني في ((غرائب مالك)) كما في «الفتح)) ١٩٠/٨ من طريق
عبد الرحمن بن القاسم، به. وقال: هذا محفوظ عن مالك صحيح.
- ٦٠١-
کتاب النكاح
حَدَّثَنَا الليثُ بنُ سعدٍ، عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بنٍ يسار أبي
الحباب، قال: قلت لابنِ عُمَرَ: ما تقولُ في الجوارِي أُحَمِّضُ لَهُنَّ. قال:
وما التحميضُ؟ فذكرتُ الدبرَ، فقال: وهل يَفْعَلُ ذلك أحدٌ من
المسلمين؟ !.
فهذا ابن عمر قد رُوِيَ عنه ضِدُّ ما ذكرتَ، وإذا كان ذلك
كذلك، كان كأنه لم يرو عنه فيه، ولقد قالَ ميمون بن مهران في
ذلك، ما قد حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمان، وإسحاقُ بنُ محمد بن معمر، قالا:
حَدَّثَنَا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بنُ عمرو، عن ميمون بن
مِهران - وذُكِرَ له عن نافعٍ ما حُكِيَ عنه من إباحةِ وطءِ النّساء في
أدبارِهِنَّ-، فقال: إنما قال ذلك نافعٌ بعدما كَبِرَ، وذهب عقلُه(١).
وقد رُوي عن سالم نفي ذلك عن ابن عمر:
٢١٨٣- كما حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريم، أخبرنا
عطافُ بنُ خالدٍ، عن موسى بن عبدِ الله بنِ الحسن: أنَّ أباه سأل سالَمَ
بنَ عبد الله: أنْ يُحدِّثْه بحديثِ نافعٍ، عن ابنِ عمر: أنه كان لا يرى
بأساً في إتيانِ النّساءِ في أدبارِهنَّ. فقال سالمٌ: كَذَبَ العَبْدُ، أو قال:
أخطأ، إنما قال: لا بِأُسَ أن يُؤْتِيَهْنَ في فُروجِهن من أدبارِهِنَّ(٢).
(١) قول ميمون بن مهران هذا في نافع، ردَّه الإمام الذهبي في (السير)) ١٠١/٥،
فقال: هو قول شاذٌّ، بل اتفقت الأمة على أنه حُجة مطلقاً.
(٢) موسى بن عبد الله بن الحسن، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٤٢/٣.
ورواه العقيلي ١٥٩/٤ عن محمد بن بشير بن الهيثم، عن أحمد أبي الأزهر، عن
-٦٠٢-
کتاب النكاح
ثم نظرنا في سبب نزول هذه الآية: هل رُوِيَ فيه عن غيرِ من
ذَكَرْنا شيءٌ، أم لا؟
٢١٨٤- فوجدنا فهداً قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا أبو سلمة موسى
بنُ إسماعيل، حَدَّثْنَا وُهَيْبُ بنُ خالدٍ، حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ عثمان بنِ
خَثَيْم، عن عبد الرحمن بن سابط، قال: أتيتُ حفصة بنتَ عبد الرحمن،
فقلتُ: إنّي أُرِيدُ أن أسألَكِ عن شيءٍ، وإني أستحيِي مِنْكِ. فقالت:
سل يا ابنَ أخي عما بَدَا لَكَ. قلتُ: عن إتيانِ النّساءِ في أدبارِهِنَّ،
قالت: حدَّثْتني أمُّ سَلَمَةَ أن الأنصارَ كانوا لا يُحُبُّونَ، والمهاجرون
يُجَبُّونَ، وكانت اليهودُ تقولُ: من جَبَّ خَرَجَ ولُده أحولَ، فلما قَدِمَ
الُهاجرونَ المدينةَ، نكحوا نساءَ الأنصارِ، فَنَكَحَ رجُلٌ من المهاجرين
امرأةً من الأنصار، فحَبَّها، فأبت، فأتت أُمَّ سلمة، فذكرت ذلك لها،
فلما دخل النبيُّ مَ﴿، ذكرت ذلك له أمُّ سلمة، فاستحيتِ الأنصاريَّةُ،
فَخَرَجَتْ، فقال النبيُّ ◌َ﴿َ: ((ادْعِيهَا))، فدَعَتْها، فقال: ﴿إِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ
لَكُمْ فَأْتُوا حَرَكُمْ أَنِى شِنْتُمُ﴾ ((صِمَاماً واحداً)(١).
مروان بن محمد، حَدَّثْنَا موسى بن عبد الله بن الحسن، بهذا الإسناد.
وروى الطبري (٤٣٢٩) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس،
أنه قيل له: يا أبا عبد الله، إن الناس يروون عن سالم: ((كَذَب العبدُ، أو: العِلْجِ، على
أبي)! فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبد الله، عن
ابن عمر، مثل ما قال نافعٌ.
(١) رواه أحمد ٣٠٥/٦ عن عفان بن مسلم، والطبري (٤٣٤٥) من طريق
-٦٠٣-
کتاب النكاح
فكان ما في هذا الحديث ردُّ ما أبيح لهم بهذه الآية هو ما عادَ إلى
ذلك الصَّمامِ، لا ما سِواه.
ثم نظرنا: هَلْ رُوِيَ في هذا البابِ غيرُ هذه الآثار؟
٢١٨٥ - فوجدنا فهدَ بنَ سُليمانَ قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا أبو
نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا حمادُ بنُّ سَلَمَة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة، عن أبي
هُريرة، عن رسولِ اللهِلَ﴿، قال: ((من أتى حائِضاً، أو امرأةً في دُبْرِها،
أو أتى كاهِناً، فقد كَفَرَ بما أُنزل على محمدٍ))(١).
٢١٨٦ - وكما حَدَّثَنَا يونسُ، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن ابنِ الهادٍ، عن
عُمارة بن خُزيمة بن ثابت، عن أبيه: أن رسولَ اللهِ﴿، قال: ((إنَّ الله
لا يَسْتَخْنِي مِن الْحَقِّ، لا تأتُوا النّساءَ في أدبارِهِنَّ(٢).
يعقوب بن إسحاق الحضرمي، كلاهما عن وهيب بن خالد، بهذا الإسناد.
ورواه الترمذي (٢٩٧٩)، والطبري (٤٣٤١) و(٤٣٤٢) و(٤٣٤٣)
و(٤٣٤٤)، والبيهقي ١٩٥/٧ من طرق، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، به -
وبعضھم یرویه مختصراً -. وقال الترمذي: حديث حسن.
(١) إسناده لا بأس به، وهو في ((شرح معاني الآثار) ٤٥/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه ابن أبي شيبة ٢٥٢/٤-٢٥٣، والدارمي ٢٥٩/١ عن أبي نعيم الفضل بن
د کین، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٤٠٨/٢ و٤٧٦، وأبو داود (٣٩٠٤)، وابن ماجه (٦٣٩)،
والترمذي (١٣٥)، والنسائي في ((عشرة النساء)) (١٣٠) و(١٣١)، والبيهقي
١٩٨/٧ من طرق، عن حماد بن سلمة، به.
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٤٣/٣.
-٦٠٤-
كتاب النكاح
٢١٨٧ - ووجدنا روحَ بنَ الفرجِ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا إبراهيمُ
بن محمدٍ الشافعي، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ علي، قال: كُنْتُ مع محمدِ بنِ كعبٍ
القُرظي، فسأله رجلٌ: يا أبا حمزة، ما ترى في إتيانِ النساءِ في أدبارِهِنَّ؟
فأعرضَ أو سَكَتَ، وقال: هذا شيخٌ من قريش، فاسأله - يعني عبد الله
بن علي بن السائب، فقال عبدُ الله: اللهم قذرٌ، ولو كان حلالاً، قال:
حَدَّثْني ولم يَكُنْ سَمِعَ في ذلك شيئاً. قال: ثم أخبرني عبدُ الله بنُ علي
أنّه لقي عمرو بن أُحيحة بن الجُلاحِ، فسأله عن ذلك، فقال: أَشْهَدُ
السَمِعْتُ خُزيمة بن ثابتٍ الذي جَعَلَ رسولُ اللهِ:﴿ شهادتَه بشهادةٍ
رَجُلَيْن يقول: أتى رجلٌ النبيَّ ◌َ﴾ فقال: يا رسولَ الله، إني آتي امرأتي
من دُبُرِهَا. قال رسولُ الله ◌ِ﴿: (نَعَمْ). قالها مرتين أو ثلاثاً، قال: ثُمَّ
فَطِنَ رسولُ اللهِلَ﴿ه، فقال: ((في أيِّ الْخُرْبتين، أو في أيِّ الْخُرْزَتَيْنِ، أو
في أي الخُصْفَتَيْنِ، أمّا من دُبُرِها في قُبُلِها، فنعم، وأما في دُبْرِها، فإِنَّ
الله تعالى يَنِهاكُم أن تأثُوا النّساءَ في أدبَارِهِنَّ)(١).
ورواه أحمد ٢١٤/٥ و٢١٥، وابن أبي شيبة ٢٥٣/٤، والدارمي ٢٦١/١
و١٤٥/٢، والنسائي في ((عشرة النساء) (٩٧) و(٩٨) و(٩٩) و(١٠٠) و(١٠١)
و(١٠٢) و(١٠٣) و(١٠٤) و(١٠٥)، والطبراني (٤١٩٨) و(٤٢٠٠)، والطحاوي
٤٤/٣، والبيهقي ١٩٧/٧ و١٩٨ من طريق هرمي بن عبد الله، عن خزيمة بن ثابت.
ورواه أحمد ٢١٣/٥، والنسائي (١٠٩) من طريق عبد الله بن شداد الأعرج، عن
رجل، عن خزيمة بن ثابت.
(١) الحديث في ((شرح معاني الآثار)) ٤٣/٣ -٤٤ بإسناده ومتنه.
- ٦٠٥-
كتاب النكاح
٢١٨٨- ووجدنا محمدَ بنَ خزيمة قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا مُعَلَّى
بنُ أسدٍ، حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بنُ المختار، عن سهيل بن أبي صالح، عن
الحارث بن مُخَلَّدٍ، عن أبي هريرة، عن النِيِّ : ﴿، قال: ((لا يَنْظُرُ اللهُ عَزَّ
وجَلَّ إِلَى رَجُلٍ وَطِئَ امرأتَه في دُبُرِها))(١).
ورواه النسائي في ((عشرة النساء)) (١٠٧)، والطبراني (٣٧٤٤)، والبيهقي
١٩٦/٧ من طريق إبراهيم بن محمد الشافعي، بهذا الإسناد.
ورواه الشافعي في («المسند) ٢٩/٢، والنسائي (١٠٦) و(١٠٨)، والخطابي في
((غريب الحديث) ٣٧٥/١-٣٧٦، والبيهقي ١٩٦/٧، والبغوي في ((معالم التنزيل))
١٩٩/١ من طريق محمد بن علي بن شافع، به.
قوله: ((في أي الخربتين، أو في أي الخرزتين، أو في أي الحُصفتين»، يعني: في أي
الثقبين، والثلاثة بمعنى واحد.
(١) الحارث بن مخلد تابعي قال فيه الحافظ: مجهول الحال.
وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٤٤/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه ابن ماجه (١٩٢٣) عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن عبد
العزيز بن المختار، بهذا الإسناد.
ورواه أبو داود (٢١٦٢) عن هناد، والنسائي في ((الكبر)) (في ((عشرة النساء))
(١٢٩) عن هناد بن السري ومحمد بن إسماعيل بن سمرة، كلاهما عن وكيع، عن
سفيان، عن سهيل، به - بلفظ: (ملعون من أتى امرأةً في دُبُرِها)).
ورواه الدارمي ٢٦٠/١ عن عبيد الله بن موسى، عن سفيان، عن سهيل بن أبي
صالح، به.
ورواه عبد الرزاق (٢٠٩٥٢)، وابن أبي شيبة ٢٥٣/٤، وأحمد ٤٤٤/٢،
والنسائي في ((عشرة النساء)) (١٢٦) و(١٢٧) و(١٢٨)، والبيهقي ١٩٨/٧،
-٦٠٦~
كتاب النكاح
٢١٨٩ - ووجدنا سليمان بنَ شعيب قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا
الخصيبُ بنُ ناصح، حَدَّثْنَا همامُ بنُ يحيى، عن قتادة، عن عمرو بنِ
شُعيب، عن أبيه، عن جدِّ عن النبيِّينَ﴿، قال: ((هِيَ الْوَاطَةُ الصُّغْرِى)،
يعني وطءَ النساء في أدبارِ هنَّ(١).
٢١٩٠- ووجدنا يزيدَ بنَ سِنان قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ
سعيدٍ القطانُ، حَدَّثْنَا ابنُ أبي عَرُوبَةً، عن قتادة، عن أيوب، عن عبدٍ
الله بن عَمروٍ - ولم يرفعه- قال في الذي يأتي امرأةٌ في دُيُرِها، قال:
ے
النَّواطَةُ الصُّغْرى(٢).
وفي هذا البابِ آثار أُخر في تحريم هذا المعنى تركناها إذا كان في
أسانيدِها ما يمنعُ قبولها.
والبغوي (٢٢٩٦) و(٢٢٩٧) من طرق، عن سهيل بن أبي صالح، به.
(١) الخصيب بن ناصح. قال الحافظ: صدوق يخطئ.
ورواه الطيالسي (٢٢٦٦)، والنسائي في ((عشرة النساء)) (١١١)، هو البيهقي
١٩٨/٧ من طريق همام بن يحيى، بهذا الإسناد.
ورواه النسائي (١١٠) من طريق زائدة بن أبي الرُّقاد، عن عامر الأحول، عن
عمرو بن شعيب، به. قال النسائي: زائدة لا أدري من هو، هو مجهول، ووجدته في
موضع آخر: عاصم الأحول.
(٢) إسناده صحيح. ورواه النسائي في ((عشرة النساء)) (١١٢) و(١١٣) من
طريق سفيان الثوري، عن حميد بن قيس الأعرج، عن عمرو بن شعيب، عن عبد الله
بن عمرو، موقوفاً.
ورواه أيضاً (١١٤) من طريق مطر الوراق، عن عمرو بن شعيب، قوله.
-٦٠٧-
كتاب النكاح
ثم رجعنا إلى تأويلِ قولِ الله عز وجلَّ: ﴿إِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ
لَكُمْ فَانُوا حَرَّتَكُمْأَنِى شِتُمْ﴾.
فوجدنا الحرث إنما يُطْلَب منه النسلُ، وكان النسلُ موجوداً في
الوطء في الفرج، ومعدوماً في الوطء في غيره، فدلَّ أن المرادَ فيها هو ما
أبيح منها مما يكونُ عنه النسلُ لا ما لا يكونُ عنه نسلٌ، وهكذا كان
الفقهاء الكوفيون جميعاً يذهبون إليه في هذا الباب(١).
(١) قال الإمام ابن القيم في ((زاد المعاد)) ٢٦١/٤: وقد دلّت الآية على تحريم
الوطء في دُّيْرِها من وجيه، أحدهما: أنه اباح إتيانها في الحَرْث، وهو موضع الولد، لا
في الحُشِّ الذي هو موضع الأذى، وموضع الحرث هو المراد من قوله: ﴿مِن حيثُ
أمركم الله) الآية، قال: ((فأتوا حَرثكم أنَّى شئتم))، أي: من أين شئتم، من أمام أو
من خلف، قال ابن عباس: (فأتوا حرثكم)، يعني: الفرج.
وإذا كان الله حَرَّم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظن بالحُش الذي
هو محل الأذى اللازم مع هزيادة المفسدة بالتعرُّض لانقطاع النّسْل والذريعة القريبة
جداً من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان.
وأيضاً: فللمرأة حق على الزوج في الوطء، ووطؤها في دُبُرُها يغوِّت حقّها ولا
يقضي وَطَرَها، ولا يُحصِّل مقصودها.
وأيضاً: فإن الدُّبر لم يتهيأ لهذا العمل، ولم يُخلَق له، وإنما الذي هُيِّئ له الفرجُ،
فالعادلون عنه إلى الدُّبُر، خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعاً.
وأيضاً: فإن ذلك مُضِرٌّ بالرجل، ولهذا يَنْهى عنه عقلاء الأطباء من الفلاسفة
وغيرهم، لأن الفَرْج خاصية في اجتذاب الماء المحتَقَن وراحة الرجل منه، والوطء في
الدُّبر لا يُعين على اجتذاب جميع الماء، ولا يخرج كل المتقن لمخالفته للأمر الطبيعي.
-٦٠٨-
کتاب النكاح
٢٩٦ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول اللهِ ﴾﴿ في الغَيْلِ
١١٤
من کراهةٍ له، ومن هم بنھی عنه، ومن نھي عنه، ومما سوی
ذلك مما كان منه فیه
٢١٩١ - حَدَّثَنَا الربيعُ بن سليمان المراديُّ، قال: حَدَّثْنَا أُسدُ بنُ
موسى، قال: حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ عياش، عن عمرو بنِ مهاجر، عن أبيه،
عن أسماءَ ابنةِ يزيدَ بنِ السَّكن الأنصاريةِ، قالت: سمعتُ رسولَ اللهَ وَّ
يَقولُ: ((لا تَقتلوا أولادَكُمْ سِرّاً، فإِنَّ الْغَيْلَ يُدْرِكُ الفارِسَ على ظهرِ
فرسه)(١).
٢١٩٢- حَدَّثْنَا فهدٌ، قال: حَدَّثْنَا أبو نعيمٍ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ أبي
غَنِيَّةَ، عن عبد الملك بنِ حُميد، عن محمد بنِ مهاجر الأنصاريِّ، عن
أبيه، عن أسماءَ ابنةِ يزيد الأنصارية، قالت: سمعتُ رسولَ الله /* يقول:
((لا تَقْتُلوا أولادَكُمْ سِرّاً، فإِنَّ قتلَ الغَيْلِ يُدْرِكُ الفارِسَ، فَيُدَغْثِرِهُ عن
ظهر فرسِە)(٢).
(١) رواه ابن ماجه (٢٠١٢)، والطبراني في ((الكبير)) ٢٤/(٤٦٢) من طريق
هشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة، عن عمرو بن المهاجر، بهذا الإسناد.
(٢) رواه أحمد ٤٥٣/٦، وابن حبان (٥٩٨٤)، والطيراني ٢٤/(٤٦٣) من طريق
أبي نعيم الفضل بن دكين، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٤٥٨/٦، وأبو داود (٣٨٨١)، والبيهقي ٤٦٤/٧-٤٦٥ من طرق
عن محمد بن المهاجر، به.
ورواه أحمد ٤٥٧/٦ عن حماد بن خالد، عن معاوية بن صالح، عن المهاجر، به.
-٦٠٩-
كتاب النكاح
قال أبو جعفر: فتأملنا هذين الحديثين، فوجدنا فيهما من قول
رسول الله ﴿ لِأُمَّتِه: (لا تَقُلوا أولادَكُم سِرًّا)، ثم ذكر المعنى الذي
ذكره فيهما، فكان ذلك على التحذير منه إيّاهم ذلك، وإعلامِه إَّاهم
أنَّه قد يكونُ منه دعثرةُ الفارسِ عن فرسه، وكان ذلك منه # - والله
أعلمُ - على ما كانت العربُ تقولُه فيه، فحذّر من ذلك وإن كان لم
يَنْزِلْ عليه فيه مِن الله عزَّ وجل تصديقٌ لها ولا تكذيبٌ لها فيما كانت
تقولُه من ذلك على الإشفاق على أودلاهم، لا على ما سوى ذلك مِن
تحريم منه عليهم ما يكونُ سبباً لِذلك الغَيل المخوفِ على أولادهم.
٢١٩٣- كما حَدَّثْنَا بكارُ بنُ قتيبة، حَدَّثْنَا أبو عامِرِ العَقْدِيُّ،
وحَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثْنَا مؤمَّلُ بنُ إسماعيل، وكما حَدَّثْنَا
فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا أبو حُذيفة، قالوا: أخبرنا سفيانُ الثوري،
قال: حَدَّثْنَا الرُّكين بنُ الربيع، عن القاسم بنِ حسان، عن عمِّه عبد
الرحمن بن حرملة، عن عبدِ الله بن مسعود، قال: كان رسولُ الله ◌َّ
يكره عشراً: الصفرةَ، وتغييرَ الشيب، والتختمَ بالذهب، وحرَّ الإزارِ،
والتيرجَ بالزينة لِغير محلها، والضربَ بالكعاب، وعزلَ الماء عن مَحَلِّهِ،
وقوله: (فيدعثره))، قال الخطابي في «معالم السنن)) ٢٢٥/٤: يعني يصرعه
ويُسقطه، وأصلُه في الكلام: الهدم، يقال في البناء: قد تدعثر: إذا تهدم وسقط، وأراد
بهذا أن المرضعَ إذا جُومِعَتْ فحملت، فسد لبنها، وينهك الولد إذا اغتذى بذلك
اللبن، فإذا صار رجلاً، وركب الخيل فركضها ربما أدركه ضعفُ الغيلِ، فزال وسقط
عن متونها، فكان ذلك كالقتل له غير أنه يسرُّ لا يُرى ولا يعرف.
- ٦١٠-
کتاب النكاح
وفَسادَ الصبي غَيْرَ مُحَرِِّه، وعقد التمائم، والرُّقى إلا بالمعوذات(١).
٢١٩٤ - وكما حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سنان، قال: حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ
عمر بن شقيق، قال: حَدَّثْنَا جريرُ بنُ عبد الحميد، عن الرُّكَيْنِ بنِ الربيع
بن عَمِيلَةَ الفزاري، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه(٢).
٢١٩٥- وكما حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ
عبد الأعلى، قال: حَدَّثَنَا المعتمِرُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الرُّكين
يُحدِّثُ، ثم ذكر بإسنادهِ مثلَه(٣).
وفي هذا الحديثِ كراهةٌ رسولِ اللهِوَ ﴿ لِفساد الصي وهو بالغَيل
الذي ذكرنا غيرَ مُحَرمِهِ، فدلَّ ذلك أن كراهيتهمَ﴿ لما كَرِهَ من ذلك،
كان كراهيةٌ لا تحریمَ معها.
(١) إسناده ضعيف، القاسم بن حسان، وعبد الرحمن بن حرملة: كلاهما مقبول
كما قال الحافظ.
وقال الذهبي في («الميزان)) ٥٥٦/٢ بعد أن أورد هذا الحديث: وهذا منكر.
ورواه أحمد ٣٩٧/١ عن عبد الله بن الوليد، عن سفيان، بهذا الإسناد.
ورواه أبو داود (٤٢٢٢)، والنسائي ١٤٠/٨، وابن حبان (٥٦٨٢) من طرق
عن المعتمر بن سليمان، عن الركين بن الربيع، به.
ورواه ابن حبان (٥٦٨٣) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، عن معتمر بن
سليمان وشعبة، كلاهما عن الركين بن الربيع، به.
(٢) إسناده ضعيف كسابقه. ورواه أحمد ٣٨٠/١ من طريق جرير بن عبد
الحميد، بهذا الإسناد.
(٣) إسناده ضعيف، وهو في ((سن النسائي)) ١٤١/٨ بإستاده ومتنه.
- ٦١١-
كتاب النكاح
فإن قال قائلٌ: فقد رُوِيَ عن ابن عباس، عن النبيِ ﴿ّ نهيه عنه
٢١٩٦- فذكر ما قد حَدَّثْنَا روحُ بنُ الفرج، قال: حَدَّثْنَا يحيى
بنُ عبد الله بن بُكَيْرِ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ بنُ عيينة، عن عمرو بن دينار،
عن عطاء، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما، أن النبيَّ ◌ُ * نهى عن
الاغتيال، ثم قال: (لو ضَرَّ أحداً لِضَرَّ فارسَ والروم))(١).
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل: أنَّ النهي قد يكونُ
للكراهة بلا نهي معها، كما نهى ﴿ عن الشربِ قائماً، لا لأنه حرم
ذلك، ولكنه لما خاف مِن ضرره على من يفعله. وقد ذكرنا ما رُوِيَ
في ذلك فيما تَقَدَّمَ منا مِن كتابنا هذا.
والدليلُ على أَنَّهِمَ﴿ لم يكن نهيه عن الغَيْلِ نهيَ تحريم
٢١٩٧- ما قد حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب أن مالكاً
أخبره، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة، عن
حُذامَةَ ابنةٍ وهبٍ: أن رسولَ اللهِ: ﴿ّ قال: ((لقد هَمَمْتُ أن أنهى عن
الغِيلةِ حتى ذكرتُ أنَّ فارِسَ والرُّومِ يصنعون ذلك، فلا يَضُرُّ
٥٤٠ (٢)
أولادَهُمْ)(٢).
(١) إسناده صحيح. ورواه الطبراني (١١٣٨٩) عن روح بن الفرج، به.
ورواه البزار (١٤٥٤) من طريق صفوان بن صالح، عن عيسى بن يونس، عن ابن
جريج، عن عطاء، عن ابن عباس أن رسول الله ( سئل عن الغيل، فقال: ((لو كان
ضاراً أحداً ضر فارس والروم)).
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((الموطأ) ٦٠٧/٢-٦٠٨، ومن طريق رواه أحمد
-٦١٢-
كتاب النكاح
٢١٩٨- وما قد حَدَّثَنَا محمدُ بنُ علي بنُ زيد المكي، قال: حَدَّثْنَا
القعنيُّ، قال: حَدَّثْنَا مالك، ثم ذكر بإسنادهِ مثلَه غير أنه لم يذكر في
حديثه جذامة، وأوقفه على عائشة، عن النبي ﴾.
٢١٩٩ - وما قد حَدَّثَنَا بكارُ بن قتيبة، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن
أبي الوزير (ح)، وما قد حَدَّثَنَا محمدُ بن خزيمة، قال: حَدَّثْنَا أبو مُسْهِرٍ،
قالا: حَدَّثَنَا مالكُ بنُ أنس، عن محمد بنِ عبد الرحمن، عن عروة، عن
عائشة، عن حُذامة ابنةٍ وهبٍ، عن رسولِ اللهِلمُ﴿ٌ مثلَه.
٢٢٠٠ - وما قد حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبد، قال: حَدَّثْنَا يحيى بن
إسحاق السَّيْلَحيني، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ أيوب، عن محمد بنِ عبد
الرحمن بن نوفل، عن عُروة، عن عائشة، عن جُذامة ابنةٍ وهب
الأسدية، عن رسولِ الله ﴿ٌّ مِثْلَه.
٢٢٠١ - وما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ
أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بنُ أيوب، قال: حدثني أبو الأسود محمدُ
بنُ عبد الرحمن، قال: حَدَّثَنَا عُروة، عن عائشة، عن جُذامة، ثم ذكر
یاسناده مثله.
٢٢٠٢ - وما قد حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان الأزديُّ، قال: حَدَّثَنَا
أبو زرعةً، قال: أخبرنا حَيْوَةُ، عن أبي الأسود، أنَّه سَمِعَ عروة يُحدِّثُ
٣٦١/٦، والدارمي ١٤٦/٢-١٤٧، ومسلم (١٤٤٢) (١٤٠)، هو أبو داود
(٣٨٨٢)، والنسائي ١٠٦/٦-١٠٧، وابن حبان (٤١٩٦)، والطبراني
(٢٤/(٥٣٤)، والبيهقي ٤٦٥/٧، والبغوي (٢٢٩٨).
-٦١٣-
کتاب النكاح
عن عائشة، عن جُذامة، عن رسول الله ﴿ مثلَه.
٢٢٠٣ - وما قد حَدَّثْنَا صالحُ بنُ عبد الرحمن الأنصاريُّ،
وإبراهيمُ بن محمد بن يونس البصري، قالا: حَدَّثَنَا المقرئ، قال: حَدَّثَنَا
سعيدُ بنُ أبي أيوب، عن أبي الأسود، عن عُروةَ، عن عائشة، قالت:
حدثتني جُذامة، ثم ذكرا مثلَه.
فكان في هذا الحديثِ ما قد دلَّ على إطلاقِهَ ﴿ٌ لِأُمَّتِهِ ما كان
حذَّرهم إِيَّاهِم لَّا وَقَفَ على أنَّ ذلك لا يَضُرُّ فَارِسَ والروم في أولادهم،
وقد كانت بقيت بقيةٌ منه في صدورِ العرب، حتى رُوِيّ عن علي بن
أبي طالب رضي الله عنه في ذلك
٢٢٠٤ - ما قد حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا وهبُ بنُ
جرير، قال: حَدَّثْنَا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عطية بن جُبير، عن
أبيه، قال: مات ذو قرابة لي، وترك ابناً له، فأرضعته امرأتي، فحلفتُ
أن لا أقربَها حتى تَفْطِمَ الصِيَّ، فلما مضت أربعةُ أشهر، قيل لي: قد
بانت منك امرأتُك، فسألتُ علياً رضي الله عنه، فقال: إن كنت حلفتَ
على بصيرة، فقد بانت منك امرأتُك، وإلا فهي امرأتك(١).
وقد كان مالك بنُ أنس ذهب إلى هذا المعنى، فَسُئِلُ عن رجلٍ
ترك امرأته وهي تُرضِعُ حتى تَفْطِمَ ولدها، فأبت ذلك عليه، وطلبت
منه وطأه إيّاها، فقال: لا أرى لها في ذلك حجةً، ولا يُكْرَهُ على ذلك،
كانت فيه يمين أو لم تكن، وأرى قولَ علي في ذلك يُعجبني، وقد قال
(١) عطية بن جبير وأبوه لا يعرفان.
-٦١٤-
کتاب النكاح
الْبِيُّ مَ: (لقد هَمَمْتُ أن أنهى عن الغِيْلة))، فقال مالك: وهو أن يَطَأ
الرجلُ امرأتَه وهي تُرضِعُ، وقد كان رسول اللهلم﴿ همَّ بذلك حتى
ذكر أن فارس والروم يفعلونه، فكفَّ عنه، فليس هذا مما يُقضى لها به،
ولا يُجبر عليه، وإنما ذلك ما كان على وجه الإضرار، وليس هذا
مضاراً إنما يريدُ استصلاحَ ولده، فلا أرى لها في ذلك قولاً، ولا يُكْرَهُ
في ذلك على وطئِهِ إِيَّاها. ذكر ذلك عنه عبدُ الرحمن بن القاسم في
سماعه منه.
وقد خالف ذلك آخرون، منهم أبو حنيفةً وأصحابُه، فجعلوه في
ذلك مُؤْلِياً منها، إن حلف ألا يقربها حتى تَفْطِمَ ولدها إذا كان بَيْنَهُ
وبَيْنَ تمامِ الحولين أربعةُ أُشهر فصاعداً ذكر لنا ابنُ أبي عمران عن ابن
سماعة، عن محمد بن الحسن بغيرِ خلافٍ ذكره فيه بينَه وبينَ أصحابه،
وهذا القولُ عندنا أولى القولين، لأن رسول الله ﴿ لم يُحَرِّمِ الرضاعَ في
الجماع (١)، وإنما كرهه إشفاقاً، ثم أطلقه، فكان الممتنعُ منه لزوجته
كالممتنع مِن مثله في غيرِ حالِ الرضاع.
وقد زعم زاعمٌ - وهو الليث بن سعد- أن قوماً يقولون: إن
الْغَيْلَ جماعُ الحامل لا جماعُ المرضع، ذكر ذلك زيدُ بنُ بشر، عن ابنٍ
وهب، عنه، فأما مالك، فكان مذهبه فيه: أنه جماع المرضع.
وكما حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ، وكما
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ علي بنِ زيد المكي، قال: حَدَّثْنَا القعنِيُّ، عن مالكٍ.
(١) كذا بالأصل المطبوع والأولى: ((لم يحرم الجماع في الرضاع)).
- ٦١٥-
کتاب النكاح
وكان ما قال مالك في هذا أولى عندنا مما قاله الليثُ فيه، لأنه
عندَ العرب مما قد ذكرته في أشعارها، ومما قد فخرت به نساؤُها(١).
فأجاز لنا عليٌّ بنُ عبد العزيز، عن أبي عُبيدٍ، قال: أبو عبيدة
واليزيدي والأصمعي وغيرهم: الغَيِّلُ: أن يُجامع امرأته وهي مرضِعٌ،
قال: والعربُ تقول للرجل تمدحه: ما حَمَلَتْهُ أُمُّه وُضْعاً - ومنهم من
يقول: تُضعاً- ولا أرضعته غَيْلاً، ولا وَضَعَنْهُ يَتْناً، ولا أباتته مثقاً،
فقولهم: ((ما حملته وُضعاً)، يريد: ما حَمَلَتْهُ على حيضٍ، وقولهم: (ولا
أرضعته غيلاً))، يعنون: أن تُوطأ وهي مرضع، ((ولا وضعته يتنا)،
يعنون: أن يخرج رجلاه قبل يديه في الولادة، يُقال منه: مُوتن للمرأة
التي ولدته كذلك، وللولد مُوتَن، وقولهم: ((ولا أباتته مئقا)، وبعضهم
ے
يقول: ولا أباتته على مَأْقَةٍ، فإنَّه شدةُ البكاء(٢). فدل ذلك في الغَيْلِ
على ما قاله مالك فيه.
وقد روي فيما كان من البي # في إباحته وطءَ المرضع.
٢٢٠٥- ما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي داودَ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريم،
قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرني عياشُ بنُ عباسٍ، قال:
أخبرني أبو النضر، عن عامر بنِ سعد بنِ أبي وقاص، أن أسامةَ بنَ زيد
(١) ومنه ما قاله امرؤ القيس:
ومِثْلَك حُبلى قد طَرَقتُ ومُرضيعا
فألهيُها عن ذي تمائم مُغيل
والمغيل هي المرضع المأتية أو الحبى المرضع.
(٢) ((غريب الحديث) ١٠٠/٢-١٠٢.
-٠٦١٦
كتاب النكاح
أُخبر والِدَهُ سعدَ بنَ أبي وقّاصٍ رضي الله عنه: أن رجلاً جاء إلى
رسولِ اللَّهِ﴿ فقال: إنّي أَعْزِلُ عن امرأتي، قال: (لِمَ)؟ قال: أُشْفِقُ على
الوَلَدِ، فقال رسولُ اللهِح﴿: ((إن كان لِذلك فلا، ما كان ضاراً فارِسَ
والروم»(١).
قال أبو عُبيد فيما أجازه لنا علي: فأما قوله: يعني النسبي ﴿: (إنه
لَيُدْرِكُ الفارِس فيدعثره»، يقول: يَهْزِمُه ويُطَحْطِحُه بَعْدَما صار رجلاً
قد رَكِبَ الخَيْلَ، والله عز وجل نسأله التوفيق.
٢٩٧- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ من كراهية
عزل الماء عن محله
قد ذكرنا في حديث عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن مسعود
كراهةَ رسول الله {4 في الأشياء التي كان يكرهها: عزل الماء عن محلّه،
وقد روينا عنه﴿ فيما تقدَّم مِن كتابنا هذا أنَّه قال في العزل: هو الوادُ
الخفي، وكان وجه ذلك عندنا -والله أعلم - قد يحتمل أن يكونَ كان
على التصديق منه لأهل الكتاب فيما كانوا يقولونه مما يُوافِقُ ذلك حتى
أعلمه الله عز وجل بكذبهم في ذلك، فقال في ذلك لمن خاطبه به:
((كذبت يَهُودُ))، وقد ذكرنا ذلك أيضاً فيما تَقَدَّمَ منّا في كتابنا هذا،
وقد ذهب قومٌ إلى أن نفس النّطْفة من الرجل فيها روح، وكان منعُها
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٢٠٣/٥، ومسلم (١٤٤٣)، والطبراني (٣٨٢)
من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ، عن حيوة بن شريح، عن عياش بن عباس، به.
-٦١٧-
کتاب النكاح
من الرحم وصرفُها إلى غيره إتلافاً لذلك الروح.
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا فيما تَقدَّم منا في كتابنا هذا أن عليَّ
بن أبي طالب قد كان قال لِعمر بن الخطاب رضي الله عنه إنَّ في
كتابِ الله ما يَدْفَعُ ذلك، وقرأ عليه قولَه عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ
مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأَنَاهِ خَلْقَا آخَرَ﴾ [المؤمنون ١٢]،
فَعَجِبَ عمر من ذلك وجزى علياً عليه السَّلامُ عنه خيراً.
وقد روينا عن ابنِ عباس رضي الله عنه أيضاً مثلَ ذلك.
ثم تأمَّلْنا نحنُ ذلك، فوجدنا في كتابِ الله عز وجل ما ظاهِرُهُ
يدفع ذلك وهو قولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَبَدَأْ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طٍِ ثُمَّ جَ نَسَلَهُ مِنْ
سُلَاَلَةٍ مِنْ مَاء مَهَين ثُمَّ سَوَاهُ وَفْخْ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٧-٨]، فأعلمنا
عز وجل أن نفخه فيه الروح: إنما هُو بَعْدَ أن يُسويه، وإنما تسويته
يكونُ في أرحامٍ النساء.
كما حَدَّثْنَا محمدُ بن إسماعيل بنُ سالم الصائغ، قال: حَدَّثْنَا عفانُ
بنُ مسلم، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، قال: حَدَّثَنَا
الأعمشُ، قال: حَدَّثَنَا الِنْهَالُ بنُ عمرو، عن سعيد بنِ جُبير في قوله عز
وجل: ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّصَوَّيْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، قال:
خلقناكم في أصلاب الرِّجال، ثم صوَّرناكم في أرحامِ النساء(١).
(١) إسناده صحيح. ورواه الحاكم ٣١٨/٢، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٧) من
طريق أبي نعيم، عن سفيان، بهذا الإسناد.
- ٦١٨-
کتاب النكاح
٢٢٠٦ - وكما حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريم، قال: حَدَّثْنَا الفِریابِيُّ، قال:
حَدَّثَنَا قَيْسُ بنُ الربيع، عن الأعمش، عن المنهال بنٍ عمرو، عن عبد الله
بن الحارث، عن ابنِ عباس في قوله عز وجل: ﴿وَكَفَّدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ
صَوََّنَاكُمْ﴾، قال: خُلِقُوا في ظهر آدم، ثم صُوِّروا في الأرحام(١).
فعقلنا بذلك أن نفخ الروح: إنما يكون بعدَ التصويرِ، وفي ذلك ما
قد دَلَّ على إبطالٍ قول مَنْ قال في النَّطفة ما ذكرناه. وفي حديث عبد
الله بن مسعود مما سنذكره فيما بَعْدُ مِن كتابنا هذا فيما هو أولى به من
هذا الموضع مِن حديث الأعمش وسلمة بنٍ كهيل، عن زيد بنِ وهب،
عن عبد الله بن مسعود ذكر نَفخ الروح بعدَ التصوير للنطفة، وبعدَما
يكونُ علقةُ، ثم يكونُ مضغةُ، فقال قائلٌ: فما معنى ما قد رُوِيّ عن
رسول الله:﴿ في العزل.
٢٢٠٧ - فذكر ما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أبو
اليمان، قال: حَدَّثَنَا شعيبُ بنُ أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني
عبدُ الله بنُ مُحَيرِيزِ الْجُمَحِيُّ، أن أبا سعيدٍ الخدري أخبره أنّه: بينما هو
جالسٌ عندَ النبيِّ ﴿ إذ جاءه رجلٌ من الأنصار، فقال: يا رسولَ الله،
إنا نُصيبُ سبياً فَتُحِبُّ الأثمان، فكيف ترى في العزلِ؟ فقال النبيَُّ﴾:
(١) رواه الطبري (١٤٣٣٨) من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس
بنحوه، وعلي بن أبي طلحة لم ير ابن عباس، وبعض العلماء يصحح صحيفته عن ابن
عباس، باعتبار الواسطة بينهما مجاهد أو عكروة، أو باعتبار أن هذه الصحيفة مما كتبه
ابن عباس فتكون من باب الوجادة، والله أعلم.
-٦١٩-
كتاب النكاح
(أوَ إِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذلِكَ لا عَلَيْكُم أن لا تَفْعَلوا ذلكُم، فإِنَّها لَيْسَتْ
نَسْمَةٌ كَتَبَ الله عَزَّ وجَلَّ أن تَخْرُجَ إلا هِيَ خَارٍ جَةٌ)(١).
٢٢٠٨- وما قد حَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ وهبٍ،
قال: أخبرني ابنُ أبي الزِّنادِ، عن أبيه، قال: حَدَّثني محمدُ بنُ يحيى بنِ
حَبَّان، أن ابن مُحيريزٍ حَدَّثْه، أنَّ أبا سعيدٍ حدَّثه أن بعضَ الناسِ مَنْ
كُلَّمُوا رسولَ اللهِ ﴿ في شأنِ العزل، وذلك لِشأن غزوةٍ بني المُصْطَلِق،
فأصابُوا سبايا وكَرِهوا أن يَلِدْنَ مِنْهُمْ، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((ما عَلَيْكُم
أن لا تَعْزِلُوا، فإنَّ اللّهَ عَزَّ وجَلَّ، قَدَّرَ ما هو خَالِقٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ)).
٢٢٠٩ - وما قد حَدَّثْنَا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ أنَّ مالكاً
حدَّثَّه عن ربيعةً بن أبي عبد الرحمن، عن محمد بن يحيى بنِ حَبَّان،
فذكر بإسنادهِ مثلَه(٢).
٢٢١٠ - وما قد حَدَّثَنَا نصرُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثْنَا الخصيبُ
بنُ ناصحِ، قال: حَدَّثْنَا وهَيْبُ بنُ خالدٍ، عن موسى بن عُقبة، عن محمد
بن یحیی بن حبان، ثم ذکر بإسنادهِ مثلَه.
(١) إسناده صحيح. وهو في ((شرح معاني الآثار) ٣٣/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ٨٨/٣، والبخاري (٢٢٢٩)، والبيهقي ٣٤٧/١٠ من طريق أبي
اليمان، به. ورواه البخاري (٦٦٠٣)، ومسلم (١٤٣٢) من طريقين عن الزهري، به.
(٢) إسناده صحيح. وهو في ((شرح معاني الآثار) ٣٣/٣ بإسناده ومتنه.
وهو في (الموطأ) ٥٩٤/٢، ومن طريقه رواه أحمد ٦٨/٣، والبخاري (٢٥٤٢)،
وأبو داود (٢١٧٢)، والبيهقي ٢٢٩/٧، والبغوي (٢٢٩٥).
- ٦٢٠ -