النص المفهرس
صفحات 581-600
کتاب النكاح ٢٩٢- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ فی قُتَيْلَة ابنةِ قيس التي لم يدخل بها بعد تزويجه إيَّاها حتى تُوفِّي عنها ٢١٥٧- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثَنَا عبدُ الرحمن بن المبارك، حَدَّثَنَا عبدُ الأعلى بنُ عبد الأعلى، حَدَّثْنَا داودُ بنُ أبي هند، عن عِكرمةَ، عن ابنِ عباس: أن رسولَ الله عليه السَّلامَ تزوَّج قُتَيْلَةً بنتَ الأشعث - هكذا قالَ ابنُ أبي داود في حديثه، وإنما هي أختُ الأشعثِ- فماتَ قبلَ أن يَحْجُبَها، فَبَرَّاهُ الله تعالى منها. وقد رُوي في أمرِها الذي به بَرَّا الله رسولَه منها زيادةٌ على هذا. ٢١٥٨- كما قد أجازَ لنا هارونُ العَسْقَلاني مما ذكر لنا أن المُفضَّلِ الغَلاَبِي حَدَّثْه به، قالَ: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ سُليمان الواسطي، عن عَبَّاد - وهو ابن العَوَّامِ-، عن داودَ بنِ أبي هند، عن عكرمة، عن ابنِ عباس: أن رسولَ الله ﴿ تزوَّج قُتيلةَ، فارتَدَّتْ مع قومِها، ولم يُخيِّرْهَا رسولُ اللهِحَ﴿، ولم يَحْجُبْها، فَرَّاهُ الله منها. قال عباد: يعني لم يَحْجُبْها: لم يَكُنْ ضربَ عليها الحجابَ، ولم يُخَيِّرْها كما خَيَّرَ نساءه. ففي هذا الحديث زيادةٌ على ما في الأول، وفي ارتدادُ قُتيلةَ هذه مع قومها عن الإسلام، وأن رسولَ الله لَ﴿ لم يكن خَيَّرَها، يعني: بين الدنيا والآخرة، كما خَيَّر سائرَ نسائِه سواها، فتختارَ الدنيا، فَيُفَارِقَه، أو الآخرةَ فُيُمْسِكَها، وتكون بذلك من أزواجه فيها، وأنَّ البراءة التي كانت لحقتها بارتدادِها وبتقصير الحجاب والتخير عنها، وقد روي في - ٥٨١- كتاب النكاح أمرِها أيضاً عن الشعبي. ٢١٥٩- ما قد حَدَّثْنَا ابن خُزيمة، حَدَّثنَا حجاجُ بنُ منهال، حَدَّثْنَا حمادُ بن سلمة، عن داود، عن الشعبي أن نبيَّ اللهِ ﴿ تَزَوَّجَ قُتِيلةً بنتَ قيس، وماتَ عنها، ثم تَزَوَّجها عكرمةُ بنُ أبي جهل، فأرادَ أبو بكر أنْ يَقْتُلَه، فقالَ له عمرُ: إِنَّ النبيِلَ﴿ لم يَحْحُبْها، ولم يَقْسِمْ لها، ولم يَدْخُلْ بها، وارْتَدَّتْ مع أخيها عن الإسلامِ، وبَرِئَتْ مِنَ اللهِ تعالى، ومِن رسولِه، فلم يَزَلْ به حتى تّرَكَه. ففي هذا الحديث أن أبا بكر أرادَ أن يَقْتُلَ عِكرمة لما تَزَوَّجَ هذه المرأةَ، لأنها كانت عنده من أزواجِ النسيِّ ﴿ اللاتي كُنَّ حُرِّمْنَ على الناسِ، بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رسولَ اللهِ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣]، وأن عمرَ أخْرَجَها من أزواج رسول اللهِلَ ﴿ بردَّتِها التي كانت منها، إذ كان لا يصلُحُ لها معها أن تكونَ للمسلمين أُمّاً، وقد رُوِيَ عن حُذيفة بن اليمان في السببِ الذي به حُرِّمَ على أزواجٍ رسولِ الله ﴿ أَن يَتَزَوَّجْنَ بعده: ٢١٦٠- ما قد حَدَّثَنَا بَكَّارٌ، حَدَّثَنَا أبو داود صاحبُ الطيالسة، حَدَّثَنَا عيسى بنُ عبد الرحمن، حدثنا أبو إسحاقَ السَّبيعي، عن صِلَةً بن زُقَرَ قال: قال حذيفةُ لامرأته: إن أردتِ أنْ تَكوني زوجتي في الجنةِ، فلا تَزَوَّجي بعدي، فإنَّ المرأةَ لآخرٍ أزواجها، ولذلك حرَّم الله تعالى على أزواجِ رسولِ الله ﴿ أَن يَتَزَوَّجْنَ بعدَه. ٢١٦١ - وما حَدَّثْنَا ابنُ مرزوق، حَدَّثْنَا عفان، حَدَّثَنَا عيسى بنُ - ٥٨٢- كتاب النكاح عبد الرحمن، حَدَّثْنَا أبو إسحاق السَّبيعي، عن صِلَةَ، عن حُذيفة ... ثم ذ کر مثله. وقد رُوي عن أبي الدرداء ما يدُلُّ على هذا المعنى: ٢١٦٢- كما حَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثْنَا عبد الله بن صالح، حَدَّثْنَا معاويةُ بنُ صالح، عن أبي الزاهرية، عن جُبير بن نفير، عن أمِّ الدرداء أنها قالتُ لأبي الدرداء عند الموتِ: إنك خَطَبْتَني إلى أبويَّ في الدُّنْيا فأنكّحَاك، وإني أُخْطِيُك إلى نفسِك في الآخرة، قال: فلا تَنْكِحي بَعْدِي. فَخَطَبَها معاويةُ، فأخبرَتْهُ بالذي كان، فقال عليكِ بالصِّيامِ(١). معَ أنَّهُ قد رُوي عن عُمَر أنه كانَ مَنَعَ قُتيلةً هذه من التزويج، وإن كانَ قد أخرجَها من أزواج النبي عليه السَّلامُ بما أخرجَها به مما ذ کرناه عنه كما قد ذكره عنه محمدُ بن عبد الملك بن زَنْجَوَيه، عن عبدٍ الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيگة أنه أخبره وعمرو بن دينار أنَّ رسولَ اللهِ:﴿ كانَ تَزَوَّجَ امرأةً من كِنْدة، فلم يَحْمَعْها، فتَزَوَّجَتْ بعدَ النبي عليه السلام، ففَرَّقَ عمرُ بينَهما، وضَرَبَ زوجَها، فقالت: اتَّقِ الله فيَّ يا عُمر، إنْ كنتُ من أمهات المؤمنين، فاضْرِبْ عليَّ الحجابَ، وأعْطِني مثلَ ما تُعطيهن، قال: أمَّا هناك، فلا، قالت: فدَعْني أُنْكِح، قالَ: لا، ولا نِعْمَة، ولا أُطْمعُ في ذلك أحداً. (١) رواه الطبراني في ((الكبير) و((الأوسط)) كما في «المجمع» ٢٧٠/٤، وفي سنده أبو بكر بن أبي مريم، وقد اختلط. -٥٨٣- كتاب النكاح فكانَ في هذا الحديث أنَّ عُمر، وإنْ كانَ قد أخرجها من أزواجٍ النبيَِّ﴿، فقد مَنَعها من تزويجٍ غيرِ النبي عليه السَّلام، وفي ذلك دليلٌ أن المعنى الذي كانَ أخرجها بِه من أزواجِ رسول الله ﴿ هو ارتدادُها عن الإسلامِ، لا ما سوه مِن الدخول بها، والتخيُّرِ لها، لأنَّ ارتدادَها كانَ عن الإسلام من فِعْلِها، والتخيُّرُ لها، والدخولُ بها لم يكونا من فِعلها، وأنه إنما أخرجَها بفعلها، لا بما سواه، وفي ذلك ما قد دَلَّ على أنّه لم يكنْ خالفَ أبا بكر في أمرِ عكرمة إلا في القتلِ خاصةً، لا فيما سواه، لأَنَّه عدَّ ذلك شُبْهَةٌ دَخَلَتْ عليه، فعَذَرَهُ بها، ودفَعَ عنه القتلَ من أجلِها، لا أنه رأى أن يُقِرَّ تلك المرأة عنده، وتكونَ زوجةٌ له، ولذلك وجهٌ من العلمٍ جليلٌ، وهو أن تلكَ المرأة قد كانت قبلَ ارتدادِها عن الإسلام من أزواج النبي عليه السَّلامُ، مستحقَّةٌ للأسبابِ التي يستحقُّها أزواجُه في حياته، وبعدَ وفاتِه، حتى أخرجتْ نفسَها من ذلك بردَّتِها عن الإسلامِ إلى ما سواه، فَبَطَلَتْ بذلك حقوقُها فيما حاجَّت به عُمَرَ، ولم تَبْطُلْ عنها الحقوقُ التي كانت عليها من ترك التزويجٍ لغير النبي عليه السلام بعده، كالمرأةِ التي تَنْشِرُ من زوجِها، فتُبُطلَ حقوقُها من النفقةِ عليها، بالتزويجِ الذي بينَه وبينَها، وكذلك تلك المرأةُ قد كانَ لها على رسولِ الله ﴿* بتزويجه إيَّاها حقوقٌ، وكانَ لرسولِ اللهِلَ﴿ عليها بهِ حقوقٌ، فلما كانت منها الرِّدَةُ، بَطَلَتْ عنه بها حقوقها عليه، التي كانت تكونُ لها عليه بعدَ وفاته، لَوْ لَمْ يَكُنْ ذلك من حَجْبها عن الناسِ، والإنفاقِ عليها، وبَقَيتْ حقوقُ رسول الله :﴿ عليها بعد ذلك، كما كانت قبلَه، ومنها أنها حرامٌ على الناس سواه. -٥٨٤- كتاب النكاح فإِنْ قالَ قائل: فإنا قد رأينا الناشِزَ إذا رَجَعَتْ عن نُشوزِها إلى ما كانت عليه قبلَه، رَجَعَتْ إلى حقوقِها قِبِلَ زوجها التي كانت لها عليه، والكِنديةُ التي قد ذكرت، قد رجَعَتْ إلى الإسلام، لأنَّ عكرمة قد كانَ مسلماً، ولو كانت لم ترجع إلى الإسلام، لَما طلبَ تزويجَها، لأنَّ المرتدَّةَ لا تَحِلُّ للمسلم، فِلِمَ لا رَجَعَتْ إلى استحقاقِها بعدَ ذلك ما يستحقُّه أزواجُ النبي عليه السَّلامُ من حجبهن، والإنفاقِ علیھن. فكانَ جوابُنا له في ذلك بتوفيق اللهِ وعونِه أنَّ الناشِزَ إذا عادَتْ غيرَ ناشزِ، استحقّتْ على زوجها ما ذكرتَ، ولم تكن الكنديةُ كذلك، مء لأنه لما كان منها الارتدادُ عن الإسلامِ، كانت في حالِها تلك ممن قد مَنَعَهُ الله تعالى دخول الجنة، ولم يصلّحْ لها مع ذلك أن تكون للمسلمين أُمّاً، وحقوقُ الأُمومة لا تَرْجِعُ بعدَ زوالها، وإذا لم تَرْجِعْ بعدَ زوالها، لم ترجعِ الكندية التي ذكرت إلى أن تكونَ للمسلمين أُمّاً، وإذا لم تَرْجِعْ أن تكون للمسلمين أمّاً، لم تَسْتَحِقَّ في أموالهم نفقةٌ، كما يَستحقُّ مثلها سائرُ أزواجِ النبي ﴿ بأمومتِهن أَيّهم، وبالله التوفيقُ. - ٥٨٥- كتاب النكاح ٢٩٣ - بابُ بيانِ مُشْكِل الصحيح مِن ما اختلف فيه أهلُ العلم من هِبة المرأة نفسَها من رجلٍ على سبيلِ التزويجِ، هل يكونُ ذلك تزویجاً أو لا یکونُ تزویجاً، وما رُوِي فیه من الآثارِ ٢١٦٣ - حَدَّثَنَا الحسينُ بنُ نصر بنِ المبارك البغداديُّ، والحسنُ بنُ غُليب بنِ سعد الأزديُّ، قالا: حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ عدي الكوفي، حَدَّثْنَا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، قال: كان يُقالُ: إنَّ خولة بنتَ حكيم وهبت نفسَها للنبيَِّ﴾، وكانت مِن المهاجراتِ الأُولِ، قالت عائشة - رضي الله عنها -: كنتُ إذا ذَكَرْتُ، قلتُ: إنّي لأستحيي من امرأةٍ تَهَبُ نَفْسَها لِرجل بغير مهرٍ، وكانت مِن أغيرٍ النَّاسِ، وفيها نزلت هذه الآية: ﴿تَرْجِي مَنْ تَشاءُ منهنَّ وَتُؤْوِي إليكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]، قلت: يا رسولَ الله، إنَّ ربَّك ليسارِعُ في هواك(١). ٢١٦٤ - وحَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونس، حَدَّثْنَا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، حَدَّثْنَا عبدةُ بنُ سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ: أنها كانت تقولُ: أما تستحيي امْرَاةٌ أن تَهَبَ نفسَها لِرَجُلٍ، حتَّى أنْزلَ الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ ◌َشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الثلاث آيات، قلتُ: إِنَّ رَبَّكَ ليسارعُ لَكَ (١) إسناده صحيح. ورواه أحمد ١٣٤/٦ و١٥٨ و٢٦١، والبخاري (٥١١٣)، والطبري في ((تفسيره)) ٢٦/٢٢، والحاكم ٤٣٦/٢، والبيهقي ٥٥/٧، والبغوي في ((معالم التنزيل)) ٥٣٨/٣ من طرق، عن هشام بن عروة، بهذا الإسناد. -٥٨٦- كتاب النكاح في هَواكَ(١). ٢١٦٥ - وحَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيب، حَدَّثْنَا محمد بنُ عبد الله بن المبارك، أخبرنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كنتُ أغارُ على اللاتي وَهَبْنَ أَنفُسَهُنَّ لِرسولِ اللهِلَ﴿، وأقولُ: أتَهَبُ امرأةٌ نفسَها لِرجلٍ؟ فأنزل الله تعالى قوله: ﴿تُرْحِي مَنْ تَشَاءُ منهُنَّ وتُِّي إليكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ اِبَتَ مِنَّنْ عَبْتَ فلا جَنَاحَ عَلَكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]، قلت: واللهِ ما أرى رَبَّكَ إلا يُسارِعُ لكَ في هَوَاكَ(٢). وهذه مسألةٌ من الفقه يختلِفُ أهلُها فيها، فتقولُ طائفةٌ منهم: إذا وَهَبَتِ المرأةُ نفسَها لرجل على سبيلِ تملكِه إِيَّاه بُضعها، وقَبِلَ ذلك منها بمحضر من الشهودِ لذلك، كان ذلك تزويجاً، فإن كان سَمَّى لها صَدَاقاً في ذلك كان لها المُسَمَّى وإن لم يُسَمِّ لها صداقاً كان لها صَدَاقُ مِثْلِها، فإن طَلِّقَها قبلَ أن يَدْخُلَ بها كان لها عليه المتعةُ. وممن كان يقولُ ذلك منهم: أبو حنيفة، وسفيانُ بنُ سعيد (١) إسناده صحيح، ورواه ابن أبي شيبة في ((المصنف) ٣٤٣/٤، وعنه مسلم (١٤٦٤) (٥٠)، وابن ماجه (٢٠٠٠)، ورواه الطبري ٢٦/٢٢ عن سفيان بن وكيع، كلاهما (ابن أبي شيبة وسفيان) عن عبده بن سليمان، بهذا الإسناد. (٢) إسناده صحيح، وهو عند النسائي ٥٤/٦، وفي ((الكبرى) (٨٩٢٧) و(٨٩٢٨) و(١١٤١٤). ورواه البخاري (٥٧٨٨)، ومسلم (١٤٦٤) (٤٩)، وابن حبان (٦٣٦٧)، والبيهقي ٥٥/٧ من طرق، عن أبي أسامة، بهذا الإسناد. -٥٨٧- کتاب النكاح الثوريُّ، وسائرُ أصحابِ أبي حنيفة. وتقولُ طائفةٌ منهم: إذا وَهَبَ الرَّجُلُ ابنته الصغيرةُ لرجل لِيحصنها، وليكفيها على وجهِ النظر لها، كان ذلك جائزاً، وإن وهبها بِصَدَاقٍ ذكره، كان ذلك نكاحاً بعدَ أن يكونَ أراد بالهبةِ النكاحَ، وممن قال ذلك عبدُ الرحمن بنُ القاسم على معاني قولٍ مالك. وتقولُ طائفة منهم: النكاحُ، والتزويجُ لا يُعْقَدُ بهبٍ عقدها، وممن كان يقولُ ذلك منهم: الشافعيُّ. قال أبو جعفر: فتأملنا ما اختلفوا فيه من ذلك، فوجدنا الله تعالى قد قال في كتابه: ﴿وامرأة مؤمنةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَها للنّبيّ إن أرادَ النسبيُّ أن يستنكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فجَعَلَ الله عز وجلَّ تلك الهبةَ نِكاحاً بلا صداق جائزاً، ثم أعقبَ ذلك، فقال: ﴿خالِصَةٌ لَكَ مِنْ دُون المُؤْمِينَ﴾ فاحتمل أن يكونَ ما أَخَلَصَهُ عَزَّ وجَلَّ، وجعله له الهبة نكاحاً بلا صداق يكونُ عليه فيه، ويكونُ مثله لِغيره نكاحاً يوجبُ عليه الصدَّاقَ، فإن كان كذلك، ثبت ما قد ذكرناه عن الشافعيِّ في ذلك، وفي الآية التي تَلَوْنَا: ﴿إِنْ أَدَ النبيُّأن يستنكِحَهَا﴾، أي: بالهبة التي كانت منها له. ففي ذلك ما قد دَلَّ أن الهبةَ لهَ﴿ قد كان له نكاحاً، والتخصيصُ، فلا يكونُ إلا بآيةٍ مسطورةٍ أو سُنّةٍ مأثورةٍ، أو بإجماعِ من أهل العلم على ذلك، وإذا لم يكن ذلك موجوداً، كانت على عمومها إلا ما أجمع عليه من الخصوص منها. وتأمَّلنا قول الشافعيِّ: إنَّ اللهَ عَزَّ وحَلَّ سَمَّى النّكاحَ في كتابه -٥٨٨- كتاب النكاح باسْمَيْنِ: النكاح، والتزويج، فلم يَكُنْ التزويجُ إلا بهما، فكان من جواب مخالفيه له في ذلك: أنهم قد وجدوا الطَّلاق ذكره الله عز وجل في كتابه بالطلاق، والفراق والسَّراحِ، ولم يذكره بما سِواهن. وأجمعَ أهلُ العلم أن ذلك ليس بتخصيصٍ للطلاق بهذه الثلاثةِ الأسماءَ، ولا يكونُ بما سواها، بل قد جعلوه بهذه الأسماء، وبالخُلع، والخلية والبَرِيَّة، والبائِنِ، والحرام. وإذا كان الطلاقُ لم تلحقه الخصوصيَّةُ بقول الله إيّاه في كتابه إلاّ بالثلاثةِ أشياءَ التي ذكرها به، وألحقوا بها ما سِواها مما معانيها كمعانيها، كان كذلك النِّكاحُ لا يكونُ قولُ الله عزَّ وحَلَّ ذكره في كتابه بخلاف الاسمين اللذين ذكرهما فيه، ويكونُ بما معناه معناهما لاحقاً بهما، ولما كانت الهِبة من الزوج للمرأةِ بضعها كالنكاحِ يَقُومُ ذلك مقام الطلاق كمثلها إذا أراد به الطلاقَ كان مثل ذلك هبتها بُضعها له يكونُ ذلك كالنكاح الذي يَعْقِدُه له على بُضْعها، وتكون الهِيةُ من كُلِّ واحدٍ منهما لصاحبه فيما ذكرنا في حكم التمليك كما تكونُ الهِيةُ من الآخرِ له كذلك أيضاً. وقد رُوِيَ عن سعيد بن المسيب في هذا الباب. ما قد حَدَّثَنَا ابنُ أبي مريم، حَدَّثَنَا الليثُ بنُ سعد، حدثني عبدُ الله بنُ بريدة -مولى الأسود-، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المسيب عن رجلٍ بُشِّرَ بجاريةٍ، فقال له رجل مِن القومِ: هَبْهَا إليَّ، فوهبها له، فقال سعيدُ -٥٨٩- كتاب النكاح بنُ المسيب: لم تحِلَّ الهبةُ لأحدٍ بعدَ رسول الله لَ﴿، ولو أصدقها سوطاً، لحلت له (١). فدَلَّ ذلك أن الهبةَ التي كان رسولُ الله : ﴿ اختص بها كان عندَ سعيد بنِ المسيب على الحِية التي لا صَدَاقَ عليه فيها، وإن مَنْ سِواهِ لِ﴿ في الهِبَةِ يكونُ بها ناكحاً بصَدَاق يجبُ عليه فيها كما يجب عليه في تزویج لو نگحَ بلا صداق ذکره فیه. وفي حديث عائشة معنى يجبُ أن يُتأمل وهو قولُها: إني لأستحبي من امرأةٍ تَهَبُ نفسَها لِرَجُلٍ بغير مهرٍ، ولم تَقْصِدْ بذلك الرجلِ رسولَ اللهِ:﴿، بل عَمَّتْ به الرجالَ إن كان ذلك خرج منها مخرجَ النكرةِ، والنكرةُ تعمُّ الناسَ جميعاً، فكان قولُها هذا قد دلَّ على أنّها تستحبي لامرأةٍ تَهَبُ نفسَها لرجل بغيرِ مهرٍ، فدخل في ذلك الناسُ جميعاً، فكان في ذلك ما قد دَلَّ أن من وهبت نفسَها من النساء لأحدٍ من الرجال كان به زوجاً، وفي ذلك ما قد دَلَّ على أن الخصوصيةَ إنما كانت في كونها زوجةٌ للبِيِّ ◌َ ﴿ بغيرِ صَدَاق، فلا يكونُ تزويجاً لغير النبيَِّ﴿ كما كانت تزويجاً للنبيِّ ﴿ بلا صَدَاقٍ، ويكونُ لِغيره بصداقٍ يجب معها، وبالله التوفيق. (١) رجاله ثقات، ورواه سعيد بن منصور (٦٤٠)، ومن طريقه البيهقي ٥٥/٧، ورواه ابن أبي شيبة ٣٤٢/٤ كلاهما (سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة) عن سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن سعيد بن المسيب. - ٥٩٠- کتاب النكاح ٢٩٤- بابُ بیانِ مُشْکل ما رُوِي عن رسول الله ®﴾ فیمن کان وَهَبَ له نفسَه مِن النساءِ، هل كان منه في شيء منهن قبولاً واحتباساً لها زوجة أو لم یکن؟ ٢١٦٦- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ نُمَيْرِ الَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا يونسُ بنُ بُكير، حَدَّثْنَا عنبسةُ بنُ الأزهر، عن سماك بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابنِ عباس، قال: لم يَكُنْ عندَ رسولٍ الله ◌َ﴿ امرأةٌ وَهَبَتْ نَفْسَها(١). قال أبو جعفر: عنسبةُ هذا هو أبو يحيى النسائي، ويُقَالُ له: قاضي جرجان، كذلك ذكره البخاريُّ(٢). فقال قائلٌ: لقد رويتُم عن رسولِ الله ﴿ في خبر المستعيدةِ منه الذي رواه أبو حُميدٍ السَّاعِديُّ، مما قد ذكرته فيما تَقَدَّمَ منك في كتابكَ: أَنَّ رسولَ الله:﴿ لما أُتي بالجَوْنِّةِ، فقال لها: «هَبِي لي نَفْسَكِ)). فقالت: وهَلْ تَهَبُ المَلِكَةُ نفسَها للسُّوَقة؟ فأهوى بيده إليها، فقالت: أعوذُ باللهِ مِنْكَ. قال: ((قد عُذْتِ بِمُعاذٍ). ثم خرج، فقال: ((يا أبا أُسَيْدٍ، اكْسُها رَازِقَتَيْنِ، وأَلْحِقْها بأهْلِه)(٣). (١) عنبسه بن الأزهر، صدوق ربما أخطأ، وسماك في روايته عن عكرمة اضطراب. ورواه الطبري ٢٣/٢٢، والطبراني (١١٧٨٧)، والبيهقي ٥٥/٧ من طرق، عن يونس بن بكير، بهذا الإسناد. (٢) في ((تاريخه)) ٣٨/٧. (٣) حديث صحيح، وقد تقدم في باب (٢٩٠). - ٥٩١- کتاب النكاح فكان جوابنا له في ذلك: أنَّ رسولَ الله ﴿ لم يكن دخولُه على تلك المرأة إلا وهِيَ له زوجةٌ قَبْلَ ذلك، وعلى ذلك كان أبو أُسيد جاء بها، وكان قولُه بَعْدَ ذلك: ((هي لي نفسك)) على معنى: مَكْنيني من نفسِك، لا على استئنافِ تزويجٍ يعقِدُه له على نفسها، وكيف يجوزُ أن يُظَنَّ بِرسولِ اللهِوَ﴿، ومن شريعتنا أن لا يَخْلُوَ رَجُلٌ بامرأةٍ ليس منها بمحرم؟. ومما يُحقق ذلك ما قد قلنا: إنّه ﴿ خَرَجَ عنها على الطَّلاق منه لها، والفُراق منه إيّاها، ولا يكونَ ذلك إلا عن تَقَدُّمِ تزويجِه إِيَّها، وبالله التوفيق. ٢٩٥- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ في السَّبِ الذي نزلَ في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وما كان من النبي # عند نزولها مما أعلم الناس به المراد بها ٢١٦٧- حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبد الله بنِ عبدِ الحكم، حَدَّثْنَا أبو بكر بنُ أبي أُويس، حدثني سليمانُ بنُ بلال، عن زيدِ بنِ أسلم، عن عبدٍ الله بنِ عمر: أنَّ رجلاً أتى امرَأَتَه في دبرها، فَوَجَدَ في نفسه من ذلك وَجْدًاً شديداً، فأنْزَلَ الله تَعَالى: ﴿ِسَاؤُكُمْ حَرْثٌلَكُمْ فَأْتُوا حَرَكُمْ أَنِى شِئْتُمُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (١). (١) إسناده صحيح، ورواه النسائي في ((عِشرة النساء)) (٩٥) عن محمد بن عبد -٥٩٢- كتاب النكاح ٢١٦٨- وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود، قال: حَدَّثْنَا يعقوبُ بنُ حميد بن كاسبٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ نافعٍ، عن هشام بنِ سعدٍ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد: أن رجلاً أصابَ امرأته في دُبُرِها، فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذلك عليه، وقالوا: أنْفَرَها، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿إِسَاؤُكُمْ حَرْثٌلَكُمْ فَأْتُوا حَرََّكُمْ أَنى ◌ٌِمْ﴾(١). الله بن عبد الحكم، بهذا الإسناد. ورواه الطبري في ((تفسيره)) (٤٣٢٦) عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن هشيم، أخبرنا ابن عون، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا قرئ القرآن لم يتكلّم. قال: فقرأت ذات يوم هذه الآية: (نساؤكم حرثٌ لكم فَأُتوا حَرْثَكم أنَّى شئتم)، فقال: أتدري فيمن نزلت هذه الآية؟ قلت: لا. قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن. ورواه أيضاً (٤٣٢٦م) عن يعقوب، عن ابن علية إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، عن ابن عون، عن نافع، قال: قرأتُ ذاتَ يومٍ: ﴿نساؤكم حرثٌ لكم فَأُتُوا حَرْثَكم أنّى شئتم)، فقال ابن عمر: أتدري فيمَ نزلت؟ قلت: لا. قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهنَّ .. وسيأتي بيان أن المعنى إتيان المرأة في قبلها من دبرها وأنه في صمام واحد وهو الفرج. (١) إسناده ضعيف، هشام بن سعد المدني، وقال النسائي: ضعيف، وقال في موضع آخر: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان وابن عدي وابن الجوزي في جملة الضعفاء، وقال ابن حجر في ((التقريب)): صدوق له أوهام. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٤٠/٣ بإسناده ومتنه. ورواه أبو يعلى (١١٠٣) عن الحارث بن سريج، عن عبد الله بن نافع، بهذا -٥٩٣- كتاب النكاح ففي هذين الحديثينِ ما قد ذكر قومٌ أنّهم استدلَّوا به على الإباحة لهذا المعنى المذكورِ فيها، فتأملنا ما رُوِي في ذلك من غيرِ هذين الحدیثین. ٢١٦٩ - فوجدنا يونس قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ بنُ عُينة، عن محمد بن المنكدرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله: أن اليهودَ، قالوا: مَنْ أتى امرأتَهُ في فَرْجها من دُبْرِها حَرَجَ وَلَدُه أحْوَلَ. فأنزل الله تعالى: ◌ِسَاؤُكُمْ حَرْثٌلَكُمْ فَأُوا حَرََّكُمْ أَنَى شِئْتُمُ﴾ [البقرة: ٢٢٣](١). ٢١٧٠ - ووجدنا يونسَ قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا سفيانُ الثوريُّ: أن محمد بنَ المنكدِرِ حدَّثُه عن جابر بنِ عبدِ الله، الإسناد. والحارث بن سريج ضعيف. ورواه الطبري (٤٣٣٤) عن يونس، أخبرني ابن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن رجلاً ... وهذا مرسل. (١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار) ٤٠/٣ بإسناده ومتنه. ورواه ابن أبي شيبة ٢٢٩/٤، ومسلم (١٤٣٥) (١١٧)، وابن ماجه (١٩٢٥)، والترمذي بإثر الحديث (٢٩٧٨)، والنسائي في ((عِشرة النساء)) (٩٠)، والبيهقي ١٩٤/٧- ١٩٥، والواحدي في ((أسباب النزول)) ص٤٧، والبغوي في (تفسيره) ١٩٨/١ من طرق، عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. ورواه مسلم (١٤٣٥) (١١٩)، وابن حبان (٤١٩٧)، والبيهقي ١٩٥/٧ من طرق، عن محمد بن المتكدر، به. - ٥٩٤- كتاب النكاح مثلَهُ(١). ٢١٧١ - ووجدنا أبا شُريحٍ محمدَ بنَ زكريا قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَا الفِرِيابِيُّ، حَدَّثَنَا سفيانُ الثوريُّ، عن محمدُ بنِ المنكدِرِ، عن جابر بنِ عبدِ الله، مثلَه(٢). ٢١٧٢- ووجدنا إبراهيمَ بنَ مرزوقٍ قد حَدَّثْنًا، قال: حَدَّثَنَا وَهْبُ بنُ جريرٍ، حَدَّثَنَا شعبةُ، عن محمد بنِ المنكدرِ، عن جابرٍ، قال: قالت اليهودُ: إذا أتى الرَّجُلُ أهْلَه بارِكَةٌ، جاءَ ولدُه أحْوَلَ، فَذُكِرِ ذلك للنبيِّ﴾، فأنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرَككُمْ أَنَى شِشُمْ﴾(٣). ٢١٧٣- ووجدنا محمدَ بنَ عبد الله بن عبد الحكم قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا أشهب بن عبد العزيز، عن مالك بن أنس، أخبرنا محمدُ بنُ (١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار) ٤٠/١ بإسناده ومتنه. ورواه البخاري (٤٥٢٨)، ومسلم (١٤٣٥) (١١٩)، وأبو داود (٢١٦٣)، والطبري في ((تفسيره)) (٤٣٣٩) و(٤٣٤٠)، والبيهقي ١٩٤/٧ من طرق، عن سفيان الثوري، بهذا الإسناد. (٢) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٤٠/٣ بإسناده ومتنه. (٣) إسناده صحيح، ورواه البيهقي ١٩٤/٧ من طريق إبراهيم بن مرزوق، به. ورواه مسلم (١٤٣٥) (١١٩) عن محمد بن المثنى، وأبو القاسم البغوي في ((الجعديات) (١٧٤١) عن هارون بن عبد الله، كلاهما عن وهب بن جرير، به. ورواه أبو القاسم البغوي (١٧٣٩)، ومن طريقه الواحدي في ((أسباب النزول) ص٤٧-٤٨ عن علي بن الجعد، عن شعبة، به. -٥٩٥- كتاب النكاح المنكدر، عن جابر بن عبد الله: أنه قال: إن اليهود قالوا: إذا أتى الرجلُ امرأته مدبرة جاء ولده أحول، فأنزل الله تعالى: ﴿ِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَانُوا حَرَكُمْ أَنْ شِتُمْ﴾(١). ٢١٧٤ - ووجدنا فهدَ بن سليمان قد حَدَّثَنَا، قَال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ صالح، حدَّثْن الليثُ بنُ سعد، قال: حدثني يزيدُ بنُ عبدِ الله بنٍ الهادِ، عن أبي حازمٍ، عن محمد بنِ المنكدرِ، عن جابر بن عبد الله: أنّه كان يقولُ: إنَّ اليهودَ كانت تقولُ: إذا أُتِيَتِ المرأةُ فِي قُبُلِها مِنْ دُبْرِها، ثم حَمَلَتْ كَان وَلَدُها أحْوَلَ، فأنزلَ الله عز وجلَّ هذه الآية: ﴿ِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأَنُوا حَرَّبَكُمْأَّى شُِمْ﴾(٢). فكان ما في هذه الآثار مما يَدْفَعُ ذلك. ٢١٧٥- ووجدنا إبراهيمَ بنَ أبي داود قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا وهبُ بنُ جِرير، حَدَّثَنَا أبي، قال: سمعتُ النَّعمان بنَ راشدٍ يحدث عن الزُّهريِّ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله: أن يهودياً قال: إذا نَكَحَ الرَّجُلُ امرأته مُجَبَِّةً خَرَجَ ولدُها أحْوَلَ، فأنْزَلَ الله تعالى هذه الآية، يعني: إنْ شِئتَ مُحَبِّيَةٌ، وإن شِئْتَ غَيْرَ مُحَبِّيَةٍ إِذا (١) إسناده صحيح، ورواه الدارمي ٢٥٨/١ و١٤٥/٢ من طريق مالك، به. (٢) رواه مسلم (١٤٣٥) (١١٨) عن محمد بن رمح، والنسائي في ((عشرة النساء)) (٨٨) من طريق شعيب بن الليث، كلاهما عن الليث، بهذا الإسناد. ورواه النسائي (٨٩) من طريق يحيى بن أيوب، عن يزيد ابن الهاد، به. -٥٩٦- کتاب النكاح كان في صِمَامٍ واحدٍ(١). ٢١٧٦ - وحَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثْنَا ابنُ وهبٍ، أخبرني ابنُ جريجٍ أنَّ محمدَ بنَ المُنْكَدِرِ حدَّثه، عن جابر بنِ عبدِ الله: أنَّ اليهودَ قالوا للمسلمين: مَنْ أتى امرأةً مُدْبِرَةً جاءَ وَلَدُها أحْوَلَ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال رسول الله :﴿: «مُقْبِلَةٌ ومُدْبِرَةً ما كان في الفَرْجِ مِنْ قَبْلِها لا إلی ما سواه»(٢). فعادت هذه الآثارُ في الحَظْرِ لِوطءِ النساء في أدبارِهِنَّ لا إلى الإباحة لذلك. وقد ذكر قومٌ أَنَّ الآية كان نزولها في غير هذا المعنى، وذكر في ذلك ٢١٧٧ - ما قد حَدَّثَا .... (٣) الحسنُ بنُ موسى الأشيب، حَدَّثْنَا (١) الحديث في ((شرح معاني الآثار)) ٤١/٣. ورواه مسلم (١٤٣٥) (١١٩)، وابن حبان (٤١٦٦)، والبيهقي ١٩٥/٧ من طرق، عن وهب بن جرير، به. ورواه الواحدي في «أسباب النزول)) ص٤٨ من طريق أبي كريب، عن النعمان بن راشد، به. (٢) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٤١/٣ بإسناده ومتنه. ورواه النسائي في ((عِشرة النساء)) (٨٧) عن هلال بن بِشْر، عن حماد بن مسعدة، عن ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله * قيل له: إن اليهود تقول: إذا جاء الرجلُ امرأتَه بحبَّاةً جاء الولدُ أُحولَ. فقال: (كَذَبت يهودُ) فنزلت: ﴿نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم). (٣) سقط من الأصل الخطي اسم شيخ الطحاوي. -٥٩٧- كتاب النكاح يعقوبُ بنُ عبدِ الله القُمي، عن جعفر بن أبي المغيرةٍ، عن سعيد بن جُبير، عن ابنِ عباس أنّه قال: جاءَ عُمَرُ رضي الله عنه إلى النبيِّ لِ﴿، فقال: يا رسولَ الله، هَلَكْتُ، قال: ((وما أهْلَكَكَ)؟ قال: حَوَّلْتُ رَحْلِيَ البَارِحَةَ، فلم يَرُدَّ عليه شيئاً، فأوحى الله إلى رَسول الله : ﴿ هذه الآية: ﴿ِسَاؤُكُمْ حَرْثٌلَكُمْ﴾ (أقْبِلْ وأذِرْ وَاتَّقِ الدُّبِرَ وَالَخَيْضَةَ)(١). فكان في هذا الحديثِ أن سببَ نزول هذه الآية غيرُ السبب الذي ذُكِرَ فيما تَقَدَّمَ مما ذكرناه وفيما تقدَّم منا في هذا البابِ، وكان فيه المنعُ من وطءِ النساءِ في أدبارِهِنَّ، كالمنعِ من وطئهن في حيضِهنَّ، فكان في هذا الحديثِ إنما دارَ على ابنِ عباس، فنظرنا: هل رُوِي عن ابن عباس ما يخالفه أم لا؟ ٢١٧٨ - فوجدنا الربيعَ بنَ سليمانَ الجيزي قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا أبو الأسود، أخبرنا ابنُ لهيعة، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ: أن عامرَ (١) رواه أحمد (٢٧٠٣)، والترمذي (٢٩٨٠)، والطبري (٤٣٤٧) من طريق الحسن بن موسى الأشيب، بهذا الإسناد. قال الترمذي: حسن غريب. ورواه النسائي في ((الكبرى) (٨٩٧٧) و(١١٠٤٠)، وأبو يعلى (٢٧٣٦)، والخرائطي في «مساوئ الأخلاق)) (٤٦٥)، وابن حبان (٤٢٠٢)، والطبراني (١٢٣١٧)، والبيهقي ١٩٨/٧ من طريق يونس بن محمد، عن يعقوب القمي، به. قوله: (حَوَّلت رحلي البارحة)، قال ابن الأثير فى (النهاية)) ٢٠٩/٢: كنّى برَحْله عن زوجته، أراد به غِشْيانها في قُبلها من جهة ظهرها، لأن المجامع يعلو المرأة ويركبها مما يلي وجهها، فحيث ركبها من جهة ظهرها كنى عنه بتحويل رَحْلِه، إما أن يريد به المنزل والمأوى، وإما أن يريد بن الرَّحْل الذي تُركب عليه الإبلُ. -٥٩٨- کتاب النكاح بنَ يحيى المعافري، حدَّثُه: أن حنشَ بنَ عبدِ الله السَّبئي، حدَّثه: أنه سَمِعَ، ابنَ عباسٍ، يقولُ: إن ناساً مِن حِمْيَر أَتَوْا رسولَ الله:﴿ يسألُونَهُ عن النّساء، فأنْزَلَ اللهُ: ﴿إِسَاؤُكُمْ حَرْثٌلَكُمْ فَأْتُوا حَرَّتَكُمْأَنِى شِئْتُمُ﴾، فقال رسول الله﴾﴿: «ائْتِها مُقبلةً ومُذْبرةً إذا كان ذلك في الفَرْج)(١). ففي هذا الحديثِ: أن سبَبَ نزول هذه الآيةِ في خلاف السبب المذكورِ نزولُها فيه لِما سَبَقَتْ روايتنا له عن ابن عباس في هذا البابِ، والمنعُ من إتيان النساء فيما سوى فروجهنَّ. ٢١٧٩- ووجدنا فهدَ بنَ سُليمان قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا عليّ بنُ معبد، حَدَّثَنَا عُبيد الله بنُ عمرو، عن زيدِ بنِ أبي أُنيسة، عن أبي إسحاق، عن زائدة بنِ عُمير الطائي، قال: سألتُ ابنَ عباس عن العَزْلِ، فقال: قد أكثرتُم، فإن كان رسولُ الله :﴿ قال فيه شيئاً، فهو كما قال: وإن لم يكن قال فيه :﴿، فأنا أقولُ فيه: ﴿إِنِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا (١) رواه الطبري في (تفسيره)) (٤٣٤٨)، والخرائطي في ((مساوئ الخلاق)) (٤٦٦) من طريقين عن ابن لهيعة، بهذا الإسناد. ورواه ابن أبي حاتم في (تفسيره) كما في ((تفسير ابن كثير)) ٣٨١/١ عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، به -دون المرفوع منه -. وروى نحوه أحمد في (المسند)) (٢٤١٤) عن يحيى بن غَيْلان، عن رِشْدِين بن سعد، عن حسن بن ثوبان، عن عامر بن يحيى المعافري، بهذا الإسناد. إلا أنه قال فيه: نزلت في أناس من الأنصار. -٥٩٩- کتاب النكاح حَكُمْأَنَى شِئْمُ﴾، فإن شئتُم فاعْزِلُوا، وإن شِئْتُم فلا تعزِلوا، أيَّ ذلك فعلتم فلا بأس. فهذا ابنُ عباس قد حَمَلَ تأويلَ الآيةِ على خلافٍ ما رُوِيَ عنه مما ذُكِرَ أن نزولَها کان فیه. ثم نظرنا: هل رُوي في نزولها شيءٌ عن غير ابن عباس، وعن غيرِ مَنْ ذكرنا في هذا الباب سواه؟ ٢١٨٠- فوجدنا يزيدَ بنَ سِنان قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثَنَا زكريا بن يحيى كاتبُ العُمَرِيِّ، حَدَّثْنَا المفضلُ بنُ فضالة، عن عبد الله، عن كعبِ بنِ علقمةَ، عن أبي النضر: أنه أخبره: أنه قال لِنافع -مولى عبدٍ اللهِ بنِ عمر - إنه قد أُكثر عليك القول: أنَّك تقول عن [ابن] عمر - إنّه أفتى أن تُؤتى النساء في أدبارِهِنَّ. قال نافع: كَذَبوا عليَّ، ولكني سأُخبرك كيفَ كان الأمرُ: إن ابن عمر عرض المصحف يوماً، وأنا عندَه حتى قولَه عز وجلَّ: ﴿ِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. قال: يا نافعُ، هل تعلمُ من أمر هذه الآية؟ قال: قلتُ: لا. قال: إنا كنّا معشر قريش نَجِّي النساءَ، فلما دخلنا المدينةَ، ونكحنا نساءً الأنصار، أردنا مِنْهُنَّ مِثلَ الذي تُرِيدُ، فإذا هُنَّ قد كَرِهْنَ وأعظمن ذلك، وكانت نساءُ الأنصارِ قد أخذن بحال اليهودِ، إنما يُؤْتَيْنَ على جُنوبِهِنَّ، فأنزل الله تعالى: ﴿ِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَانُوا حَرَكُمْأَفى ◌ِشُمُ﴾. فكان في هذا الحديث عن ابنِ عمر أن نزولَ هذه الآيةِ كمان للمعنى المذكورِ نزولها فيه، لا لِما سوى ذلك من إباحته لوطءِ النساءِ - ٦٠٠ -