النص المفهرس

صفحات 421-440

كتاب الحج - حرمة صيد المدينة
٢٦٨ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله﴿ في حُرمة
صيد المدينة، وفي الواجب على منتهكِها فيه
١٩٣٤ - حَدَّثْنَا محمدُ بنُ العباس بنِ الربيع اللؤلؤي، عن عليٍّ بنِ
معبدٍ، وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا عمرو بنُ عون
الواسطيُّ، قالا: حَدَّثْنَا أبو يوسف، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهدٍ،
عن ابنِ عباس، أنَّه قال: قال رسولُ اللهِلَ﴿: ((إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ حَرَّمَ
مكة يومَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ والشمس والقمرَ، ووضعها بَيْنَ
هذين الأخشبين لم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولم تَحِلَّ لي إلا ساعةٌ من نَهارِ،
لا يُخْتَلِى خَلَاهَا، ولا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يَرْفَعُ لُقَطّتَها إلا مُنشِدٌ)،
فقال العباسُ: إلا الإِذخِرَ، فإنَّه لا غِنى لأَهْلِ مَكَّةَ عنه لِبُيوتِهم
وقُبُورِهم، فقال رسول الله ﴿: ((إلا الإذْخِرَ)(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ: أن تحريمَ مَكَّةَ كان بتحريمِ اللهِ
إيّاها يومَ خَلَقَ السَّماوات والأرضَ والشمس والقمرَ، ووضعه إِيَّاهَا بَيْنَ
الأخشبين اللذين وضعها بينهما.
١٩٣٥- وحَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، ومحمدُ بنُ عبد الله
بن عبد الحَكَمِ، وبحرُ بنُ نصر بنِ سابق، قال الربيع وبحرٌ: حَدَّثْنَا شعيب
بنُ الليث، وقال محمد: أخبرنا أبي وشعيبُ بنُ الليث، عن الليث، عن
أبي سعيد المقْبُرِيِّ، عن أبي شُرَيْحِ الْحُزَاعِيِّ، قال: قال رسولُ الله ◌ِصلّ:
(١) تقدم هذا الحديث الباب السابق.
- ٤٢١ -

كتاب الحج - حرمة صيد المدینة
(إِنَّ اللّهَ عَزَّ وجَلَّ حَرَّمَ مَكَّةَ، ولم يُحَرِّمْهَا الناسُ، فَمَنْ كان يُؤْمِنُ بِاللهِ
واليومِ الآخِرِ، فلا يَسْفِكَنَّ فيها دماً، ولا يَعْضُدَنَّ فيها شجراً، فإن
تَرَخْصَ مترخصٍّ، فقال: قد حَلَّتْ لِرسول الله :﴿، فإنَّ الله أحلَّها لي،
ولم يُحِلَّها لِلنَّاسِ، وإنَّما أحَلَّها لي ساعَةٌ)(١).
١٩٣٦ - وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال:
حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، عن ابنٍ أبي ذئب، قال: حدثني سعيدٌ المقبريُّ،
قال: سمعتُ أبا شُرَيْحِ الكعبي، يقولُ: قال رسولُ اللهِ﴿، ثم ذَكَرَ
مثلَه(٢).
١٩٣٧- وحَدَّثْنَا بكارُ بنُ قُتيبة، قال: حَدَّثْنَا أبو داود الطيالسيُّ،
قال: حَدَّثْنَا حربُ بنُ شدَّادٍ، عن يحيى بن أبي كثير، قالَ: حَدَّثَني أبو
سَلَمَة، قال: حَدَّثَني أبو هريرة، قال: لما فَتَحَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ على رسولِه
وَ﴿ مكة، قتلت هُذَيْلٌ رجلاً من بني ليثٍ بقتيلٍ كانَ لَهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ،
فقامَ النِيُّنَ﴿، فقالَ: «إِنَّ اللّه حَيَسَ عن أهلِ مَكّْةَ القتلَ، وسَلِّطَ
عليهم رَسُولَهُ والمؤمنين، وإنها لم تَحِلَّ لأحدٍ كان قبلي، ولا تحِلُّ
(١) إسناده صحيح. ورواه أحمد ٣١/٤، والبخاري (١٠٤) و(١٨٣٢)
و(٤٢٩٥)، ومسلم (١٣٥٤) (٤٦٤)، والترمذي (٨٠٩)، والنسائي ٢٠٥/٥-
٢٠٦ من طرق، عن الليث، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٣٨٤/٦-٣٨٥، والترمذي (١٤٠٦) من طريق
يحيى بن سعيد، به. ورواه أحمد ٣٢/٤ من طريق ابن إسحاق، عن سعيد بن أبي
سعيد المقبري، به.
- ٤٢٢-

كتاب الحج - حرمة صید المدینة
لأحدٍ بعدي، وإنما أُحِلَّتْ لِي سَاعَتَيْن من نهارِ، وإنها [بعد] ساعتي
هذه حرامٌ لا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُخْتَلَى شَوْكُها، ولا تُلْتَقَطُ ساقِطَّتُها
إلا لِمُنْشِدٍ)(١).
١٩٣٨ - حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بن ميمون البغداديُّ، قال:
حَدَّثَنَا الوليدُ بنُ مسلم، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه،
غيرَ أنّه قالَ: إنَّ الله عَزَّ وجَلَّ حَبْسَ عن أهْلِ مَكَّةَ الفِيلَ(٢).
١٩٣٩- وحَدَّثْنَا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حَدَّثْنَا حجاجُ بنُ مِنهال،
وموسى بنُ إسماعيلَ الِنْقَرِيُّ، قالا: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، عن محمد بنِ
عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: وقَفَ رسولُ الله
﴿ على الحَجُون، ثم قال: ((واللهِ إنّك لَخَيْرُ أرضِ اللهِ، وأحبُّ أرضٍ
الله إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، لم تَحِلَّ لأحدٍ كان قبلي، ولا تَحِلُّ لأحدٍ بَعْدِي،
(١) إسناده صحيح، وقد تقدم برقم (١٩٣٢). ورواه البخاري (١١٢)
و(٦٨٨٠)، والدار قطني ٩٧/٣-٩٨، والبيهقي في («السنن)) ٥٢/٨ من طريق شيبان،
عن يحيى بن أبي كثير، به. وبعضهم يزيد فيه على بعض.
(٢) حديث صحيح، ورواه مطولاً ومختصراً ابن ماجه (٢٦٢٤)، والترمذي
(١٤٠٥) و(٢٦٦٧)، والنسائي ٣٨/٨، وأبو عوانة ٤٣/٤-٤٤، والدارقطني
٩٦/٣-٩٧، والبيهقي ١٧٧/٥ و٥٣/٨ من طرق عن الوليد بن مسلم، به.
ورواه أبو داود (٤٥٠٥)، والنسائي ٣٨/٨ وفي «الكبرى (٥٨٥٥)، وأبو عوانة
٤٣/٤-٤٤، والبيهقي ١٧٧/٥ و٥٣/٨ من طريق الأوزاعي، به.
ورواه النسائي ٣٨/٨ مرسلاً، مختصراً بقصة من قتل له قتيل، من طريق يحيى بن
حمزة، عن الأوزاعي، به.
-٤٢٣-

كتاب الحج - حرمة صيد المدینة
وما أُحِلْتْ لي إلاّ ساعَةً مِن النهارِ، وهي بَعْدَ ساعتِها هذه حَرَامٌ إلى
يَوْمِ القِيَامَةِ)).
١٩٤٠- وحَدَّثْنَا عليٌّ بنُ عبدِ الرحمن بن محمد بن المغيرة، قال:
حَدَّثَنَا ابنُ أبي مريم، قال: أخبرنا ابنُ الدَّرَاوَرْدِيِّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ
عمرو، ثم ذكر بإسناده مثله.
قال: ففي هذه الاثارِ أن مَكَّةَ حَرَامٌ، وأنّها لم تَحِلَّ لأحَدٍ قبلَ
البِّ ◌َ﴾، وكان الواجبُ على من انتهك حُرْمَةَ صَيْدِها الوَاجبِ على
قاتل الصَّيْدِ في الإحرام كما ذكره الله في كتابه، بقوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَيدَ
وأتُمْ حُرٌُ، وَمَنْ قَتَلَهُمُنْكُمْ مَعَقِّداً، فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الاية
[المائدة: ٩٥].
وما أجمع أهلُ العلمِ جميعاً على مَنْ فعل ذلك في حرمة مكة، وهو
حَلالٌ مِنْ وجوب مثلَ ذلك عليه غير ما اختلفوا فيه مِن الصَّومِ في
ذلك، ومن قول بعضهم: إنّه لا يُحْزِئُ صَوْمٌ، وممن قال [ذلك] منهم:
أبو حنيفة وأصحابُه، ومن قول غيرهم: إن الصوم يُجزئ في ذلك كما
يجزئ في القتلِ في الإحرامِ، وممن ذَهَبَ إلى ذلك منهم: مالكُ بنُ أنسٍ،
وهو القَوْلُ عندنا في ذلك، والله أعلم.
ثم نظرنا فيما أنبأنا اللّهُ عَزَّ وحَلَّ في كتابه مما كان من إبراهيمَ
نبِّه ﴿ فيها مِن قوله: ﴿رَبّ اجْعَلْ هذا الْبَلَدَ آمَنَا﴾ [إبرهيم: ٣٥]، ومن
قوله: ﴿رَبّ اجْعَلْ هذا بلداً آمناً﴾ [البقرة: ١٢٦]، فلم يكن ذلك مِن
التحريم الذي كان مِن الله عَزَّ وَجَلَّ في شيءٍ، كما لم يكن الرِّبا الذي
- ٤٢٤-

کتاب الحج - حرمة صید المدینة
حَرَّمَهُ رسولُ اللهِ:﴿ من الرِّبا الذي حرمه اللهُ عَزَّ وَجَلَّ في كتابه في
شيءٍ، لأن الرِّبا الذي حَرَّمَه اللهُ عَزَّ وَجَلَّ في كتابه في النسيئة، والذي
حرمه رسولُ الله ﴿ كان في التفاضُلِ، وكان ما دعا به إبراهيمُ *
لأهل مَكّة هو الأمانُ الذي یبینون به عن سائر أهلِ البُلدان سوى مكة،
ودَلَّ على ذلك قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿أُوَكَمْ يَرَوَا أَنَّا جَعَلْنَا حَمَا آمِناً، وَيَتَخَطَّفُ
النّاسُ مِنِ حولِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وكان ذلك عندنا - والله أعلم - لما
كان مِن دُعاء إبراهيم # في الآيتين اللتين تلونا، ثم نظرنا إلى ما رُوِيَ
عن رسول الله { 14 في تحريمه المدينة، كيف كانَ؟
١٩٤١ - فوجدنا عليّ بنَ معبد، قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ
إسحاق الحضرميُّ، قال: حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بنُ خالد، قال: حَدَّثَنَا عمرو بنُ
يحيى المازِنيُّ، عن عباد بن تميم، عن عبدِ الله بنِ زيدٍ، قال: قالَ رسولُ
الله :﴿ّ: ((إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكَّةَ، ودعا لَهُمْ، وإِنِّي حرَّمْتُ المدينةَ،
ودعوتُ لهم بمثلٍ ما دَعَا به إبرايهمُ لأهل مكة أن يبارك لهم في
صاعهم ومدهم»(١).
وكان في هذا الحديث ما قد دَلَّنا على أنَّ الذي كان من النبيِّ ◌َِّ
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٢/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ٤٠/٤، وعبد بن حميد (٥١٨)، والبخاري (٢١٢٩)، ومسلم
(١٣٦٠) (٤٥٥) من طرق عن وهيب بن خالد، بهذا الإسناد.
ورواه مسلم (١٣٦٠) (٤٥٤) و(٤٥٥)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))
١٩٢/٤ من طرق عن عمرو بن يحيى المازني، به.
- ٤٢٥ -

كتاب الحج - حرمة صيد المدينة
في المدينةِ، هو مثلُ الذي كان مِن إبراهيم / في مكة في أمان أهلِها
مے
فيها، وفي أن يكونوا في ذلك بخلافٍ مَنْ حولَهم مِن النّاسِ فيما سواها،
غيرَ أنَّا وجدنا فيما رُوِيَ عن رسولِ الله ◌ِ﴿
١٩٤٢ - ما قد حَدَّثَنَا عليُّ بنُ شيبة، قال: حَدَّثْنَا قبيصةُ بنُ عُقبة،
قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ الله ◌ِ ﴿ُ:
((إِنَّ إِبراهيمَ ﴿ حَرَّمَ بيتَ اللهِ وأمنَه، وإنّي حرمتُ المدينةَ مُما بَيْنَ
لاَبَيْها، لا يُقْطَعُ عِضَاهُها، ولا يُصَادُّ صَيْدُها)(١).
وكان في هذا الحديث تحريم ما بَيْنَ لابتي المدينةِ أن لا يقطع
عِضاهها، ولا يُصاد صَيْدُها، فاحتمل أن يكون ذلك زيادةٌ زادها
رسولُ الله ◌َ# في مدينته على ما كان مِن إبراهيمَ / في مكة، ودعاؤه
الله عَزَّ وجَلَّ بذلك، وإجابته إِيَّاه فيه.
ثم نظرنا: هَلْ حُكْمُ ما تُنتهك حرمته بين لابَتَي المدينةِ مِن الصيد
والعِضاه، كما تُنتهك في حرمةِ مكّةَ منهما، وفي الواجبِ بذلك على
منتھکھما؟
١٩٤٣- فوجدنا إبراهيمَ بنَ مرزوق، قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا أَبو
عامر العَقَدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ جعفر الزهريُّ، عن إسماعيلَ بنِ
محمد - وهو ابنُ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه-، عن عامر بن
سعد، أن سعداً رضي الله عنه رَكِبَ إلى قصره بالعقيقِ، فوجَدَ غُلاماً
(١) حديث صحيح. وهو في ((شرح معاني الآثار) ١٩٢/٤. ورواه مسلم
(١٣٦٢) (٤٥٨) من طريق محمد بن عبد الله الأسدي، عن سفيان الثوري، به.
-٤٢٦-

کتاب الحج - حرمة صید المدینة
يقطعُ شجراً أو يَخْطُهُ [فأخذ سلبه]، فلما رَجَعَ أتاه أهلُ الغلامِ،
فكلموه أن يَرُدَّ ما أخذ من غُلامهم، فقال: معاذ اللهِ أن أرُدَّ شيئاً نَفْلَنِيهِ
رسولُ اللهِ ﴿ّ عليه، وأبى أن يَرُدَّ إليهم(١).
قال أبو جعفر: هكذا حَدَّثًا إبراهيم بهذه الألفاظ.
١٩٤٤- وحَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِينان وإبراهيمُ بن مرزوق، قالا:
حَدَّثَنَا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: حَدَّثْنَا أبي، قال: سمعتُ يعلى بن حكيمٍ
يُحَدِّثُ، عن سليمانَ بن أبي عبد الله، قال: شَهِدْتُ سعدَ بنَ أبي
وقاص رضي الله عنه وأتاه قومٌ في عبدٍ لهم أخذ سَعْدٌ سَلَبَهُ رآه يصيدُ في
حَرَمِ المدينةِ الذي حَرَّمَ رسول الله لم﴿، فكلموه أن يرد عليهم سلبه،
(١) حديث صحيح. قوله: فأخذ سلبه : -المثبت بين المعقوفتين- أثبته أبو جعفر
في ((شرح معاني الآثار)) على الشك. وهو ثابت في ((المسند)) و((مسلم) بلفظ: فسلبه.
وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٩١/٤ بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ١٦٨/١ (١٤٤٣)، والدروقي (٣٢)، ومسلم (١٣٤٦) (٤٦١)،
والبزار (١١٠٢)، والبيهقي ١٩٩/٥ من طريق خالد بن مخلد القطواني، عن عبد الله
بن جعفر، به.
ورواه بتحو الزّار (١١٢٦)، والحاكم ٤٨٦/١-٤٨٧، والبيهقي ١٩٩/٥ من
طريق إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة القرشي، عن عامر بن سعد، به. إلا
أنه وقع في رواية البزار: إسحاق بن سالم.
ورواه بنحوه الطيالسي (٢١٨)، وأبو داود (٢٠٣٨)، والشاشي (١٣٩)،
والبيهقي ١٩٩/٥ من طريق صالح مولى التوأمة عن بعض ولد سعد، عن سعد بن أبي
وقاص، به. إلا أنه وقع في رواية أبي داود: عن مولى لسعد.
-٤٢٧-

كتاب الحج - حرمة صيد المدینة
فأبى، وقال: إن رسول الله ﴿ حين حَدَّ حُدُودٍ، حرم المدينة، فقال:
((من وجدتموه يصيد في شيء من هذه الحدود، فَمَنْ وَجَدَهُ، فَلَهُ
سَلَبُهُ))، ولا أرُدُّ عليكم طعمةٌ أطعمنيها رسولُ اللهِلَ﴿، ولكن إن شِئْتُم
مر
أن أُعوِّض لكم مكانَ سَلِبِهِ فَعَلْتُ. واللفظ ليزيد(١).
١٩٤٥ - ووجدنا إبراهيمَ بنَ أبي داود قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا
سليمانُ بنُ حرب، قال: حَدَّثْنَا جريرُ بنُ حازم، عن يعلى بنِ حكيم،
عن سليمان بن أبي عبدِ الله، أن سَعْدَ بنَ أبي وقاص رضي الله عنه أخذ
عبداً صَادَ فِي حَرَمِ المدينةِ الَّذِي حَرَّمَ النِيُّمَ﴿ِ، فسلبَهُ ثيابَه، فجاء مواليه
إلى سَعْدٍ فَكلَّموه، فقال سعدٌ: إن رسولَ الله :﴿ حرَّمَ هذا الحَرَمَ، وقال:
(مَنْ أُخِذَ يَصِيدُ في شيئاً، فَلِمَنْ أَخَذَهُ سَلَيُّهُ)). فلم أكن لأَرُدَّ عليكم
طعمةً أطعمَنِيها رسولُ الله ◌َ﴿، ولكن إن شِئْتُم أعْطَيْتُكُم ثمّنَه.
فكان في هذا ما قد دَلِّنا أن الواجبَ في انتهاكِ الصيدِ والعِضاه
بَيْنَ لابني المدينةِ غيرُ الواجبِ في انتهاكهما في حُرمةٍ مَكَّةَ، لأن الواجبَ
في انتها کهما في حُرمةٍ مکةً ما قد ذكرناه في هذا الباب في ذلك،
(١) سليمان بن أبي عبد الله لم يرو عنه غير يعلى بن حكيم، قال أبو حاتم: ليس
بالمشهور، فيعتبر بحديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) .
وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٩١/٤ عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن
جرير، به. ورواه الدورقي (١٢٢)، وأبو يعلى (٨٠٦) من طريق وهب، به.
ورواه أحمد ١٧٠/١ (١٤٦٠) عن عفان، وأبو داود (٢٠٣٧)، والبيهقي
١٩٩/٥ - ٢٠٠ من طريق أبي سلمة موسى بن إسماعيل، كلاهما عن جرير بن
حازم، به. وانظر ما قبله.
-٤٢٨-

كتاب الحج - حرمة صيد المدینة
والواجب في انتهاك حرمتها من المدينة هو في هذين الحديثين.
ثم وجدنا فقهاء الأمصارِ الذين تدورُ عليهم الفُتيا، ويُؤْخَذُ العلمُ
عنهم في الحرمَيْنِ وفي سائرِ البلدان سواهما مجتمعين على أن أخْذَ سَلَبِ
منتهكِ حُرمة الصَّيْدِ والعِضاه بالمدينةِ غيرُ مستعملةٍ، فعقلنا بذلك أن
إجماعَهم على ترك ما في هذين الحديثين كان لِوقوفهم على نسخه،
لأنّهم المأمونون على ما رَوَوْا، وعلى ما قالوا، ولأن مَنْ تَرَكَ ما قاله
رسولُ الله ﴿، أو حَكَمَ به خارجٌ من هذه الرتبةِ، غيرُ مقبول قولُه،
وغيرُ مستعملةٍ روايته، وحاشَ الله عَزَّ وجَلَّ أن يكونوا كذلك، ولكن
تَرْكَهُمْ لذلك كان عندنا ، والله أعلمُ- على مثل تركهم ما سواه مما قد
رُوِيَ في انتهاكِ الحُرَمِ عن النبيِّ ◌َ﴿، فمثلُ ذلك ما رُوِيَ عنه في مانع
الزكاة: ((إِنَّا آخِذُوهَا، وشَطْرَ مالِهِ عَزْمَةٌ مِنْ عَزِماتِ رَبِّنا عَزَّ وَجَلَّ).
وما رُوِيَ عنه ﴿ في حريسةِ الجبلِ: أن فيها غرامَةَ مِثْلَيْها،
وجَلَدَاتِ نَكَالٍ.
وما رُوِيَ عنه فيمن وقع بجاريةٍ امرأته مستكرهاً لها أنّها تُعتق
عليه، ويكونُ عليه مثلُها، وأنه إن كان ذلك منه إليها، وهي مطاوعةٌ
له، كانت له، وكان عليها مثلُها لِزوجته، فألزم جاريةً فاسدةً، وجَعَلَ
عليها مكانَها جاريةً غيرَ فاسدةٍ، وأعتقت عليه إذا كان وقع بها
مستكرهاً لها، فمثلُ ذلك -والله أعلمُ - ما رُوِيَ مِن السَّلَبِ فيما ذكرنا
يحتملُ أن يكونَ كان والأحكامُ فيه كذلك، ثم نُسِخَ بنسخ أشكالِه التي
ذكرناها في هذا الباب، والله نسأله التوفيق.
-٤٢٩-

کتاب الحج - تحريم الصيد
٢٦٩ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله# في الدليلِ
على المرادِ بقول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ ما
دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: ٩٦]
قال أبو جعفر: قد ذكرنا في البابِ الذي قبلَ هذا البابِ حديثَ
عبد الرحمن بن أبي عمار الذي ذكرناه فيه، وذكرنا مع ذلك ما قد
لحقه مما قاله يحيى بنُ سعيد القطان فيه، وما قد رُوِيَ عن عمر رضي
الله عنه، وعن جابر بن عبد الله في الضبع أن فيها شاةً، وذكرنا مع
ذلك دخولَ الضبع فيما نهى عنه رسولُ الله ﴿ من ذي النَّابِ من
السِّباع، وأنه قد وجب بذلك أنها غيرُ مأكولة، وفيما ذكرنا من ذلك
أنها محرمة، وكانت حاجتنا إلى ما نذكره في هذا الباب إن شاء الله ما
قد اختلف فيه أهلُ العلم من المرادِ بقولِ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وحُرْءَ
عَلَكُمْ صَيِّدُ الْبِ مَا دَعْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، فكان المزنيُّ قد
حكى لنا في ذلك عن الشافعي أن هذه الآية قد دلّته على أن الذي
حرمه الله عَزَّ وجَلَّ على عباده في حرمهم من الصيد هو ما كان أحلَّ
لهم أكله في حالٍ حِلّهم، وكان ابنُ أبي عمران، يحكي لنا في ذلك مما
يَذْكُرُهُ عن أصحابه، ومما كان يجتبيه من قولهم: إنَّ الذي حرَّمه الله عَزَّ
وجَلَّ على الناسِ في إحرامهم من الصَّيْدِ هو ما كانوا يصيدونه ليأكلوه،
وما كانوا يصيدونه منه بجوارحهم من الكلاب ومما سواها مما
يطعمونها إياه، ومما أكلُه عليهم حرام كالذّئاب وما أشبهها من ذوي
الأنياب من السباع، ومن ذوي المخالبِ من الطَّيْرِ، ويقول: قد دخل
- ٤٣٠ -

كتاب الحج - تحريم الصيد
هذا فيما حرم على المحرم اصطيادُه في إحرامه، وكان الذي حكاه لنا
ابن أبي عمران من ذلك عندنا أولى بتأويل الآيةِ التي تلونا، لأنَّ الله عَزَّ
وجَلَّ قال فيها: ﴿وحُرْمَ عَلَيْكُمْ صَّدُ الْبَيِّ مَادَ تْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة:
٩٦]، فعمَّ بذلك جميعَ الصيدِ المأكولَ وغيرَ المأكولِ، غيرَ أن ابنَ أبي
عِمِران قد كان اتبع ذلك حجَّةٌ احتجَّ بها فيه، فقال: وقد رأينا رسولَ
اللهَ﴿ قال: ((خَمْسٌ مِن الدَّوابُ يُقْتَلِّنَ في الحَرَمِ والإحرام: الغُرابُ
والحِدَأة والعَقْرَبُ والفَأْرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ))(١)، فكانت الرواياتُ في
ذلك ما نحن مستغنون عن ذكر أسانيدها لاتفاقِ الفريقين اللذَيْنِ ذكرنا
عليهما.
قال ابنُ أبي عمران: ولما حصر رسولُ اللهِ﴿ ذلك بعددٍ معلوم،
عَقَلْنا بذلك أنَّه لا شيءٍ فيما أباحَ للمُحْرِمِ قتلَه في إحرامِه ما يخرج عن
ذلك العدد إلى غيره.
قال أبو جعفر: وكانت هذه الحجةُ عندنا غيرَ صحيحة، لأنه قد
يجوزُ أن تكونَ هذه الخمسُ مما قد أحلّ قتله للمحرِم في إرحامه،
ويكون معها ما قد أحلّ له قتله في إحرامه من أجناسِها سِواها، لأن
رسولَ الله:﴿ إِنَّما ذكر في ذلك الحديث عدداً لما ذكره به ولم يَقُلْ
(١) حديث صحيح رواه أحمد ٨/٢، ومسلم (١١٩٩)، وأبو داود (١٩٤٦)،
والنسائي ١٩٠/٥، وابن الجارود (٤٤٠) من طرق عن سفيان بن عيينة، عن
الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي *، قال: ((خمس لا جُناح على من قتلهن
في الحرم والإحرام: الفأرة والغُراب والحدأة والكلب العقور)).
- ٤٣١ -

کتاب الحج - تحریم الصيد
فيه: إنّه لم يدخل فيما أحلَّ للمحرِم قتله في إحرامه من الصيد غيرُ ذلك
العدد، فقد يجوز أن يكونَ قد دخل فيه ذلك العددُ، ودخل فيه من
أجناسِهِ أعدادٌ سواه، وقد وجدنا مثلَ ذلك مما ذكره رسولُ الله :﴿
بمعنى تعدَّدَ ذكُرُهُ به، ثم ذكر في حديثٍ سواه من ذلك الجنسِ بمعنى
غير ذلك العدد.
١٩٤٦- كما قد حَدَّثَنَا أبو أُميَّةَ، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بنُ
موسى العبسيُّ، قال: حَدَّثْنَا شيبانُ - يعني النحوي-، عن الأعمشِ، عن
سليمان بن مُسْهِرٍ، عن خَرَشَةَ بنِ الْحُرِّ، عن أبي ذَرِّ رضي الله عنه،
قال: قالَ رسولُ اللهِمَ﴿: ((ثلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامِةِ، ولا
يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: الذي لا يُعْطِي شيئاً إلاَّ مِنَّةً، والمُسْبِلُ
إزارَهُ الذي يَجُرُّ إزارَهُ، وَالْفِقُ سِلْعَتَهُ بالَخَلِفِ الفَاجِرِ))(١).
(١) إسناده صحيح.
ورواه أبو عَوانة ٤٠/١ من طرق عن عبيد الله بن موسى، به. ورواه مسلم
(١٠٦)، وأبو داود (٤٠٨٨)، والنسائي ٢٤٦/٧، وأبو عوانة ٣٩/١، وابن منده في
الإيمان (٦١٧)، والبيهقي ١٩١/٤ من طرق عن الأعمش، به.
ورواه أحمد ١٤٨/٥ و١٦٢ و١٦٨، وابن أبي شيبة ٩٢/٩-٩٣، ومسلم
(١٠٦)، وأبو داود (٤٠٨٧)، والترمذي (١٢١١)، والنسائي ٢٤٥/٧ -٢٤٦، وابن
حبان (٩٤٠٧)، والدارمي ٢٦٧/٢، وأبو عوانة ٤٠/١، والطيالسي (٤٦٧)،
والبيهقي في ((السنن)) ٢٦٥/٥، وفي ((الأسماء والصفات) ٣٥٤/١، وابن منده (٦١٦)
من طرق عن شعبة، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن خرشة بن الحُرِّ، بهذا
الإسناد.
-٤٣٢ -

كتاب الحج - تحريم الصيد
قال: فذكر ﴿ في هذا الحديث هؤلاء الثلاثة بما ذكرهم به فيه،
ثم وجدناه ﴿ ذكر ثلاثةٌ أُخَرَ بذلك المعنى في حديثٍ آخر.
١٩٤٧- كما حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمانَ، قال: حَدَّثَنَا عُمَرُ بنُ
حفص بن غياث النّخَعِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا الأعمش، عن
أبي صالحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: رسولُ اللهِلَ﴿: «ثَلاثَةٌ لا يَنْظُرُ اللهُ
إليهم يَوْمَ القِيَامَةِ، ولا يُزَكِيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ، لا أدري بأيِّها
أَبْدَأُ: رَجُلٌ على فَضلٍ ماءٍ بالطريقِ يَمْنَعُهُ مِن ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ
حَلَفَ على سِلْعَةٍ بعدَ العصرِ أخذها بكذا وكذا، فصَدَّقه الذي بَاعَهُ،
فأخذها وهو كَاذِبٌ، ورَجُلٌ بايعَ إماماً لا يُبايعه إلا للدُّنيا، فإن أعطاه
وَفَّى، وإن لم يُعْطِهِ لم يَفِ) ثم قرأ الآيةَ التي فى آل عمران [٧٧](١).
قال أبو جعفر: فلم يكن ذكرُه الثلاثةَ الذين ذكرهم في الحديث
الأولِ وحصرُهم بالعددِ الذي حصرهم به فيه ما ينفي أن يكونَ هناك
ثلاثةٌ سواهم من أهل المعنى الذي ذكرهم به فيه، ووجدناه ﴿ أيضاً قد
ذكر ثلاثةٌ أُخَرَ أنهم من أهلِ المعنى الذي ذكره به هؤلاء الثلاثة الذين
والمِنة: الاعتداد بالصنيعة، وهي وإن وقعت في الصدقة أبطلت الأجر وإن كانت
في المعروف كدرت الصنيعة.
(١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٢٣٥٨) و(٢٦٧٢) و(٧٢١٢)، ومسلم
(١٠٨)، وأبو داود (٣٤٧٤)، وابن ماجه (٢٢٠٧) و(٢٨٧٠)، وابن منده (٦٢٢)
و(٦٢٥)، والبيهقي في ((السنن) ٣٣٠/٥ و١٦٠/٨، وفي ((الأسماء والصفات))
٣٥٣/١، والبغوي (٢٥١٦) من طرق عن الأعمش، بهذا الإسناد.
- ٤٣٣ -

كتاب الحج - تحريم الصيد
ذكرهم في هذا الحديثِ، وغير الثلاثةِ الذين ذكرهم في الحديثِ الذي
ذ کرناه قبله.
١٩٤٨- كما قد حَدَّثْنَا أبو أُمية، قال: حَدَّثْنَا عُبَيْدُ الله بنُّ
موسى، قال: أنبأنا شيبان، عن الأعمش، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة
رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهَ﴿: (ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ عَزَّ
وجَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ، ولا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ شيخٌ زَانِ، ومَلِكٌ
كَذَابٌ، وعائِلٌ مُسْتَكِبِرٌ)(١).
قال أبو جعفر: وأبو حازم هذا: هو الأشجعي، ولاؤه لامرأةٍ من
أُشْجَعَ يُقال لها: عَزَّة، وجميعُ من يُروى عنه الحديثُ ممن هذه كنيته:
أبو حازم هذا، واسمه سلمانُ وهو يُعَدُّ في الكوفيين، وأبو حازم: سلمةُ
بنُ دينار مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة يُعَدُّ في المدنيين، وأبو
حازم النِّمَّار الذي يروي عنه يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، وهو مولى لبني
غِفار يُعَدُّ في المدنيين.
١٩٤٩- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا أبو عاصمٍ، عن
ابن عجلانَ، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ
الله ﴾: ((ثلاثةٌ لا يَنْظُرُ اللهُ إلَيْهِمْ: الشَّيْخُ الزَّاني، والإمامُ الكاذِبُ،
(١) حديث صحيح. ورواه مسلم (١٠٧)، والنسائي في الرجم من ((الكبرى))
كما في ((التحفة) ٨٤/١٠، وأبو عَوانة ٤٠/١، وأبو يعلى (٦١٩٧) و(٦٢١٢)،
وابن طهمان في ((مشيخته)) (١٢٢)، والبيهقي ١٦١/٨ من طرق عن الأعمش، بهذا
الإِسناد.
- ٤٣٤-

كتاب الحج - تحريم الصيد
والعَائِلُ المَرْهُوُ)(١).
١٩٥٠- وكما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا مُسَدَّدٌ،
قال: حَدَّثْنَا بشرُ بنُ الْمُفضَّل، قال: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بنُ إسحاق، عن
سعيد الْمَقْبُريِّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله ◌ِ﴾:
(ثلاثةٌ لا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: الشيخُ الزَّانِي، والملِكُ الْكَذَّابُ،
والعَائِلُ الَزْهُو)(٢).
فكان ما ذكر في كُلِّ حديث من هذه الأحاديث أن من ذُكِرَ فيه
من الجنس الذي ذُكِرَ فيه أنّه مِن أهلِه، وإن كان قد حُصِرَ فيه بعددٍ
معلومٍ، لم يَنْفِ أن يكونَ في ذلك الجنسِ غيرُه، كان مثل ذلك الخمس
اللائي ذكرهنَّ رسولُ اللهِ﴿ في الحديثِ الذي احتجَّ به ابنُ أبي عِمرانَ
لا يمنعُ أن يكونَ هناك مما يَدْخُلُ في ذلك المعنى مع تلك الخمس غيرها،
غيرَ أنّه يدخلُ له في ذلك علينا أن يقولَ: ألحقتُ بكل ثلاثةٍ من
(١) إسناده قوي. ابن عجلان: هو محمد، روى له مسلم متابعة، وهو صدوق.
ورواه أحمد ٤٣٣/٢، والنسائي ٨٦/٥، وابن حبان (٤٤١٣) من طريقين عن
محمد بن عجلان، بهذا الإسناد.
وقوله: ((المزهو))، قال ابن الأثير في (النهاية)): الزُّهاء والزَّهو: الكبر والفخر، يقال:
زُهي الرجل، فهو مزهو، هكذا يتكلم به على سبيل المفعول، كما يقولون: عُني بالمر،
ونُتِحت الناقة، وإن كان معنى الفاعل، وفيه لغة أخرى قليلة: زها يزهو زهواً.
(٢) إسناده قوي، ورواه ابن حبان (٧٣٣٧) من طريق يزيد بن زريع، وأبو يعلى
(٦٥٩٧) من طريق خالد بن عبد الله الواسطي، كلاهما عن عبد الرحمن بن إسحاق،
بهذا الإسناد.
- ٤٣٥ -

كتاب الحج - تحريم الصيد
الثلاثات المذكوراتِ في هذه الأحاديثِ سواها ممن ذكر في بقية هذه
الأحاديثِ لِذكر رسول الله : ﴿ إِيَّها، ولو وجدت عن رسول الله صل
ذكر السِّوى الخمس المذكورات في الحديثِ الذي احتججتُ به،
لألحقتها بها، ولكني لم أجده، فلم أُلحق بها شيئاً.
فنقول له: فما كان حاجتُك إلى أن تَنْفِيَ بها غيرَها مما لم يعلم
أنها قد نفته، ثم نقول نحن محتجين لمذهبه في ذلك: إنا قد وجدنا الله
عَزَّ وَجَلَّ قد قال في كتابه: ﴿وحُرْمَ عَلَيْكُمْ صَّدُ البَرِ مَا دَعْتُمْ حُرْماً﴾،
فكان ظاهرُ هذه الآية على دخولٍ صيد البَرِّ كُلِّهِ، وعلى أنها قد عَمَّتَه
كله بالتحريم في حالِ الإِحرام، ولا يجوز أن يخرجَ مما قد عمَّه الله عَزَّ
وجَلَّ بمثلِ هذا شيءٌ إلا بما يجب إخراجه به منه من آيةٍ مسطورةٍ، أو
من سُنّةٍ مأثورةٍ، أو من إجماع من الأمة أنَّ الله عَّ وجَلَّ لم يُرِدْ بما قد
عَمَّهُ ذلك الشيء، وإنما أراد ما سِواه، وإذا عَدِمْنَا ذلك لم تُخْرِجْ مما
حرَّمه الله عَزَّ وجَلَّ بتلك الآيةِ إلا ما قد أجمع على خروجه منه وهي
الخمسُ التي في الحديث الذي احتجَّ به ابنُ أبي عمران لا ما سواه. والله
نسأله التوفيق.
-٤٣٦-

كتاب الحج - لقطة الحاج
٢٧٠ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله﴾ في نهيه
عن لُقطة الحاج
١٩٥١- حَدَّثَنَا روحُ بنُ الفرج، حَدَّثْنَا أبو مُصعب الزهريُّ،
حَدَّثْنَا ابنُ أبي حازم، عن أسامة بنِ زيد، عن بكير بنِ عبد الله، عن
يحيى بن عبد الرحمن بن حاطبٍ، عن عبد الرحمن بن عثمان، قال: نهى
رسولُ اللهِ﴿ عن لُقطة الحاجّ(١).
قال أبو جعفر: فتأمُّلْنا هذا الحديثَ لِنقف على المعنى الذي أريد
به إن شاء الله، فكان أحسنُ ما حضرنا في ذلك - والله أعلمُ بحقيقة
الأمر فيه -: أن الحجَّ يجمع أهلَ البُلدان المختلفةِ الذين يتفرقون مِن
حجتهم إلى مواطنهم، ثم عسى أن لا يلتقوا بعد ذلك، فأمر من وَجَدَ
ما سَقَطَ منهم، إن كان الذي يَغْلِبُ على قلبه أنه لا يقدر على صاحبه
أن لا يتعرَّض للقطته خوف بقائها في ضمانه، حتى يلقى بها ربَّها،
وأنها بخلاف اللقطة التي يرجو لقاء ربها ليدفعها إليه، ويكون أخذُه
إَيَّاهَا لِحفظها عليه، لا لما سوى ذلك، والله الموفق.
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد ليس بالقوي. وهو في ((شرح معاني الآثار))
١٤٠/٤ بإسناده ومتنه. ورواه أحمد ٤٩٩/٣، ومسلم (١٧٢٤)، وأبو داود
(١٧١٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٨٠٥)، وابن حبان (٤٨٩٦) من طرق، عن
ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله الأشج، به.
قال النووى في ((شرح مسلم)) ٢٨/١٢: نُهي عن التقاطها للتملُّك، وأما التقاطها
للحفظ فقط، فلا مانع منه.
-٤٣٧-

كتاب الحج - الأضاحي
٢٧١- بابُ بیانِ مُشکل ما رُوِي عن رسول الله څ من قوله:
((مَنْ رَأى منكُم هِلالَ ذِي الحجةِ، فأرادَ أن يُضَحِّي فلا يَأْخُذْ
مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ)
١٩٥٢- جَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثْنَا يحيى بنُ كثير بن درِهم،
حَدَّثَنَا شُعبة، عن مالك بن أنس، عن عمرو بنٍ مسلم، عن سعيد بن
الُسيّب، عن أمِّ سلمة: أن النبيَّمَ﴿، قال: «إذا رَأيْتُمْ هِلالَ ذِي الحجةِ،
فأرادَ أحَدُكُم أن يُضَحِّي، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ))(١).
١٩٥٣- وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثَنَا بشرُ بنُ ثابت
البزار، حَدَّثَنَا شعبةُ، عن مالك بنِ أنسٍ، عن عمرو بنٍ مُسْلِمٍ، عن
سعيد بن المسيِّب، عن أمِّ سلمة، قالت: قال رسولُ مَ﴿: ((مَنْ رَأى
مِنكُم هِلالَ ذِي الحجةِ، فأرادَ أن يُضَحِّي فلا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ
وأُظْفَارِهِ حَتِى يُضَحِّيَ)).
قال أبو جعفر: هكذا روى شعبةُ هذا الحديثَ عن مالكٍ، وقد
(١) حديث صحيح. ورواه مسلم (١٩٧٧) (٤١)، وابن ماجه (٣١٥٠)، وابن
حبان (٥٩١٦)، والحاكم ٢٢٠/٤، والبيهقي ٢٦٦/٩ من طرق، عن يحيى بن كثير
بن درهم، بهذا الإسناد. ورواه أحمد ٣١١/٦، ومسلم بإثر (١٩٧٧) (٤١)،
والترمذي (١٥٢٣)، وابن ماجه (٣١٥٠)، والنسائي ٢١١/٧، وأبو يعلى
(٦٩١١)، والطبراني في ((الكبير)) ٢٣/(٥٦٤)، والحاكم ٢٢٠/٤ من طرق، عن
شعبة، به. ورواه الطبراني في ((الكبير)) ٢٣/(٥٦٢) من طريق القعني، وعبد الله بن
یوسف، كلاهما عن مالك بن أنس، به.
-٤٣٨-

كتاب الحج - الأضاحي
رواه غيرُه عن مالكٍ، فخالفه في ابن مسلم الذي رواه مالك عنه، فقال
فيه: عمر بن مسلم، وأوقفه على أمِّ سلمة، ولم يتجاوزها به إلى رسول
١٩٥٤- كما قد حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني مالكُ
بنُ أنس، عن عُمَرَ بنِ مسلم الجُنْدَعِي، عن سعيد بن المسيّب، عن أمِّ
سلمة زوج النبيِّ ﴿، ثم ذكر مثل حديث يزيد عن يحيى بن كثير، ولم
يرفعه(١).
١٩٥٥- وكما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، حَدَّتْنَا عثمانُ بن عمر
بن فارس، أخبرنا مالكُ بنُ أنس، عن عُمَرَ بنِ مسلمٍ، عن سعيد بنٍ
المُسَيّب، عن أمِّ سلمة، ثم ذكر مثلَه ولم يرفعه.
فلم يكن هذا عندنا بمفسدٍ لهذا الحديثِ، ولا مقصر به عن إطلاق
او
الاحتجاج به، وإضافته إلى رسول الله و﴿، لأنه، وإن كان هذان قد
روياه عن مالكٍ موقوفاً، فقد رواه من هو أجلُّ منهما عن مالك
مرفوعاً.
وقد روى هذا الحديث أيضاً عن عمرو بن مسلم مرفوعاً غيرُ
مالك بن أنس، وهو سعيدُ بنُ أبي هلال
١٩٥٦- كما قد حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمانَ بنِ داود، حَدَّثْنَا عبدُ
(١) إسناده صحيح وهو موقوف. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٨١/٤ بإسناده
ومتنه. ورواه الطبراني ٢٣/(٥٥٧)، والحاكم ٢٢٠/٤-٢٢١ من طريق أبي سلمة،
عن أم سلمة موقوفاً كذلك. ورواه النسائي ٢١٢/٧ مقطوعاً على سعيد بن المسيب.
-٤٣٩-

كتاب الحج - الأضاحي
الله بنُ صالح، حَدَّثْنَا الليثُ بنُ سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيدِ بن
أبي هلالٍ، عن عمرو بنٍ مسلم، عن سعيد بن المسيب، عن أمِّ سلمة،
قالت: قال رسولُ اللهِ ﴿، ثم ذكر مثلَ حديثِ إبراهيمَ بن مرزوق،
عن بشر بن ثابت سواء(١).
١٩٥٧- وقد حَدَّثْنَا عبدُ الغني بنُ أبي عقيل، حَدَّثْنَا سفيانُ بنُ
عيينة، عن عبد الرحمن بن حُميد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن
المسيّب، عن أمِّ سلمة رواية: ((إذا دَخَلَ العَشْرُ الأولُ، فأراد أحَدُكُم
أن يُضَحِّي، فلا يمس من شعرِه ولا من بَشَرِهِ شيئاً)(٢).
قال أبو جعفر: هكذا وجدنا هذا الحديث عند ابن أبي عقيل،
بهذا اللفظ.
١٩٥٨- وقد حدثناه أحمد بن أبي عمران، حَدَّثْنَا إسحاق بن
إسماعيل الطالقاني، حَدَّثْنَا سفيان، عن عبد الرحمن بن حميد، عن سعيد
بن المسيب، عن أم سلمة، عن النبي ﴿، مثلَه سواء.
(١) حديث صحيح. عبد الله بن صالح - وإن كان فيه كلام- متابع.
وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٨١/٤ بهذا الإسناد.
ورواه الدارمي ٧٦/٢، والطبراني ٥٦٣١/٢٣)، من طريق يحيى بن عثمان،
كلاهما عن عبد الله بن صالح، به. ورواه النسائي ٢١٢/٧ من طريق شعيب بن
الليث بن سعد، عن أبيه، به. ورواه مسلم (١٩٧٧) (٤٤)، وابن حبان (٥٨٩٧)
من طريق حيوة، عن خالد بن يزيد، به. ورواه أحمد ٣٠١/٦ من طريق ابن لهيعة،
عن سعید بن أبي هلال، به.
(٢) إسناده صحيح موقوف.
- ٤٤٠-