النص المفهرس
صفحات 401-420
كتاب الحج
فكان من الحجة عليه لمخالفيه في ذلك: أن هذا الحديثَ إنما
رواه كما ذكر مَطَرٌ الوراق، وقد كان رواه عن ربيعة مَنْ هُوَ أحفظ
وأثبتُ، وهو: مالك بن أنس
١٩١٥- كما حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ: أن مالكاً حدَّثه
عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسارِ: أنَّ رسولَ الله لَ *
بعث أبا رافعٍ مولاه ورجلاً من الأنصار، فزوجاه ميمونة بنت الحارثِ
وهو بالمدينة قَبْلَ أن يَخْرُجَ وذكر الحديث(١).
فعاد هذا الحديثُ موقوفاً على سليمانَ بنِ يسار بغير تجاوز به إلى
أبي رافعٍ، فخرج من أن يَكُونَ حجَّةً لمن يحتج به في هذا البابِ.
فقال هذا القائلُ: فقد روى عنه مطرٌ في تزويج ميمونة، عن
ميمونة: أنَّه كان مِن رسول الله لن﴿ وهو حلال.
قال ابن عبد البر ١٥١/٣: رواه مطر الوراق، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار،
عن أبي رافع، وذلك عندي غلط من مطر، لأن سليمان بن يسار، ولد سنة أربع
وثلاثين، وقيل: سنة سبع وعشرين، ومات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بيسير،
و کان قتل عثمان رضي الله عنه في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وغير جائز، ولا
ممكن أن يسمع سليمان بن يسار من أبي رافع، وممكن صحيح أن يسمع سليمان بن
يسار من ميمونة لما ذكرنا من مولده، وقصة ميمونة هذه أصل في هذا الباب عند أهل
العلم، وغير ممكن سماعه من أبي رافع، فلا معنى لرواية مطر، وما رواه مالك أولى.
(١) رجاله ثقات. ورواه مالك ٣٤٨/١، ومن طريقه. ابن سعد ١٣٣/٨.
ورواه ابن سعد ١٣٤/٨ من طريق أنس بن عياض أبی ضمرة، عن ربيعة، به.
- ٤٠١ -
كتاب الحج
١٩١٦- وذكر في ذلك ما قد حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ،
حدثني جريرُ بنُ حازمٍ: أنه سَمِعَ أبا فَزَارَةً، يُحدِّثُ عن يزيدَ بنِ الأصم،
قال: أخبرتني ميمونةُ: أن النِيَّ ◌َ# تزوجها حلالاً(١).
١٩١٧- وما قد حَدَّثَنَا الربيعانِ: الربيعُ المراديُّ والربيعُ الأزديُّ،
قالا: حَدَّثْنَا أسدُ بنُ موسى.
وما قد حَدَّثَنَا محمد بنُ خزيمة، حَدَّثْنَا حجاجُ بنُ مِنهالٍ، قالوا:
حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، عن حبيب بنِ الشهيدِ، عن ميمون بنِ مِهران،
عن يزيدَ بنِ الأصم، عن ميمونةَ بنتِ الحارثِ، قالت: تزوَّجَني رسولُ
الله:﴿ ونحنُ حَلالانِ بعدَ أن رجَعَ من مكة(٢).
(١) إسناده صحيح. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٢٧٠/٢ بإسناده ومتنه.
ورواه ابن سعد ١٣٨/٨ و١٣٩-١٤٠، وأحمد ٣٣٣/٦، ومسلم (١٤١١)،
والترمذي (٨٤٥)، وابن ماجه (١٩٦٤)، وأبو يعلى (٧١٠٥)، وابن حبان
(٤١٣٦)، والطبراني ٢٣/(١٠٥٩)، و٢٤/(٤٥)، والدارقطني ٢٦١/٣-٢٦٢،
والبيهقي ٦٦/٥ و٢١١/٧ من طرق، عن جرير بن حازم، بهذا الإسناد.
ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٣١٦/٧ من طريق ابن شهاب، عن يزيد بن الأصم،
به.
ورواه ابن طهمان في ((مشيخته)) (٦٦)، والبيهقي ٦٦/٥ من طريق الوليد بن
زوان، عن ميمونة، به.
وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وروى غير واحد هذا الحديث عن يزيد بن
الأصم مرسلاً: أن رسول الله * تزوج ميمونة، وهو حلال.
(٢) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٧٠/٢ بإسناده ومتنه.
ورواه ابن الجارود (٤٤٥) و(٦٩٥)، وابن حبان (٤١٣٧)، والطبراني
- ٤٠٢ -
كتاب الحج
قال: فهذه ميمونة تُخْبرُ أن تزويج رسول الله :#. كان إيَّها وهو
حلالٌ.
فكان من الحجة عليه لمخالفيه في ذلك: أن ابنَ عباس قد أخبر
في حديثه أن تزويجَه # كان إيَّها قبل ذلك وهو محرم وقد رُوِيَ عنه:
أن رصول الله ﴿ قد كان طلبَ أن يُعَرِّسَ بها بمكة، فأبى ذلك عليه
أهلُها.
١٩١٨- كما قد حَدَّثَنَا الربيعُ المراديُّ، حَدَّثْنَا أسدُ بنُ موسى،
حَدَّثْنَا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة، حَدَّثْنَا محمد بن إسحاق، حدثني
أبالُ بنُ صالح، وعبدُ الله بن أبي نجيح، عن مجاهدٍ وعطاء، عن ابنٍ
عباس رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله :﴿ تزوَّج ميمونة بنت الحارثِ وهو
حَرَامٌ، فأقامَ بمكة ثلاثاً، فأتاه خويلدُ بنُ عبد العُزَّى في نفرٍ من قريش في
اليوم الثالثِ، فقالوا: إنّه قد انقضى أجلُك فاخْرُجْ عنا. فقال: ((وماذا
عَلَيْكُمْ لو تَرَكْتمونِي فَعَرَّسْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُم، فصنعنا لكم طعاماً
فَحَضَرْتُموه)). فقال: لا حاجَةً لنا في طَعَامِكَ، فاخرُجْ عنّا. فخرج
١٠٥٨/٢٣، والبيهقي ٢١٠/٧-٢١١ من طرق، عن حجاج بن منهال، بهذا
الإسناد.
ورواه أحمد ٣٣٥/٦، والدارمي ٣٨/٢، وأبو داود (١٨٤٣)، والطبراني
٢٤/(٤٤)، وابن حبان (٤١٣٨)، والدارقطني ٢٦٢/٣ من طرق، عن حماد بن
سلمة، به.
-٤٠٣-
كتاب الحج
رسولُ الله ◌َ﴿، وخرج بميمونة حتّى عَرَّس بها بِسَرِفَ(١).
ففي هذا ما قد دَلَّ على أنه 8# قد كان تزوجها في خلاف
الوقت الذي ذكره مطر الوراق في حديثه أنه كان وهو بالمدينة قَبْلَ أن
يخرج.
فإن قال: أفيخفى عن ميمونة وهي المتزوجةُ الوقت الذي تزوَّجَها
فيه؟ قلنا: إن رسول الله :﴿ كان خطبها، وفوَّضَ أمرها إلى العباس،
فَزَوَّجَها إِيَّه، فاحتملَ أن يكونَ لما فَوَّضَ إلى العباسِ أمرَها ما فوضته
إليه، ذَهَبَ عنها الوقتُ الذي كان من العباس فيه عقدُ التزويج عليها،
فلم تَعْلَمْ بذلك إلا في الوقتِ الذي كان بنى رسولُ اللهِمُ﴿ بها فيه،
وعَلِمَ ابنُ عباس أنّه كان قبلَ ذلك من أبيه في عقدِ التزويج عليها ما
لحضوره ذلك منه، ولغیبتها عنه.
فقال قائل: فإن خبرَ عثمانَ فيه النهيُ، فكيف يجوزُ أن يكونَ
يُحَدِّثُ بالنّهي عن رسولِ اللهِ:﴿ ما قد علم من رسولِ اللهِعَ﴿ فِيه
الإباحة؟
فكان جوابُنا له في ذلك أنَّ عثمانَ لم يَذْكُرْ في حديثه من أمر
ميمونة شيئاً، وإنما ذَكَرَ فيه عن النبيِ﴿ ما ذكر عنه فيه مما قد يجوزُ أن
(١) إسناده حسن. محمد بن إسحاق صرح بالتحديث. ورواه الطحاوي في
((شرح معاني الآثار)) ٢٦٩/٢ من طريق عبد الله بن هارون، حَدَّثْنَا أبي، عن ابن
إسحاق، حَدَّثْنَا أبان، بهذا الإسناد. ورواه ابن حبان (٤١٣٣) من طريق إبراهيم بن
سعد، عن ابن إسحاق، به مختصراً.
-٤٠٤ -
كتاب الحج -
يكونَ سَمِعَهُ منه قَبْلَ ذلك، أو سمعه عنه بعدَ ذلك مما أراد به غيره من
أمته مما هو فيه بخلافهم، لأنه كان 8* محفوظاً مالكاً لإربه، ولم يكن
غَيْرُه من أمته كذلك، فنهاهم عما نهاهم عنه للخوف عليهم ما يَخَافُ
عليهم من مِثلهن وفعل هو ® لأمانة في ذلك على نفسه منه، ولَيْسَ في
حديثه ما يَدُلُّ على أن عقدَ التزويجِ المنهي إذا وَقَعَ كان غیرَ جائز.
ومما يؤكد هذا المعنى مما يقصد فيه بالحجة إلى الشَّافعي أنّا رأينا
الله عَزَّ وحَلَّ قد نهى في كتابه عن البيعِ يَوْمَ الجمعةِ بَعْدَ الْنّداء، بقوله:
﴿إِذا نُودَِالصَّلاةِمِنْ يَوْمِ الْجَُّةِ فَسْعَوا إلى ذِكْرِ اللهِوَذَرُوا الَّيْعَ﴾ [الجمعة:
٩]، فكان مَنْ باعَ، أو ابتاعَ في تلك الحالِ عندَك مع نهي الله عنه إيّاه
لا يَبْطُلُ بيعُه ولا ابتياعُه مع نهي الله عَزَّ وجَلَّ عنه، فما تُنْكِرُ أن يكون
كذلك تزويجُه الذي قد نهاه عنه في حديث عثمانَ إذا كان منه لم يَكُنْ
باطلاً، ولا مبطلاً لِتزويجه، ونقولُ له ولمالكٍ جميعاً في ذلك: إنَّ رسولَ
الله :﴿ نهى أن يَبِيعَ حاضِرٌ لِبَادٍ (١)، ولا اختلافَ بينَ أَهْلِ العلمِ: إِنَّ مَنْ
فَعَلَ ذك لم يكن ذلك النهي مُبْطِلاً بيعه، فما تُنكرون أن يكونَ النهيُ
الذي كان في تزويجه المُحْرِمَ مع ما قد ذكرناه عن مال مِن تفريقه في
ذلك بطلاقٍ أو فسخ، وذلك لا يكونُ إلا عن عقدٍ قد ثبت، لأنه لا
يقعُ في تزويج باطلٍ طلاقٌ ولا فسخٌ، كان كذلك التزويج كلا تزويج،
وكان في ذلك لأنا رأينا أشياء تمنع من الجماع، منها: الإحرامُ، ومنها:
(١) حديث صحيح رُوِيَ من حديث جابر بن عبد الله وابن عمر وأبي هريرة
وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم.
-٤٠٥ -
كتاب الحج
الصيامُ، ومنها: الاعتكافُ، وكان مَنْ تَزَوَّجَ فيه صيامه أو اعتكافه،
جازَ تزويجُه، وإن كان مكروهاً له ذِكْرُ الرَّفثِ فيما هو فيه، وكان مثلَ
ذلك تزويجُه في حال إحرامه يكون كذلك أيضاً.
فقال قائلٌ: أما ما ذكرته من التزويجِ في حالِ الصيام، فلا حُجَّةً
لك فيه، لأَنَّا قد رأينا الصِّيامَ لا يَمْنَعُ مِن القُبْلة، فكان مثل ذلك لا يمنعُ
من عقدِ التزويجٍ.
فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّ ما ذكرتَ من حُكْمِ الصيامِ لو
أعطيناه أن لا حُجَّة له فيه، لكان ما يُعطيه في الاعتكافِ عليه فيه مِن
الحجة إلى ما قد ذكرنا، وفي وجوب ذلك ما قَدْ قامتِ الحجةُ لمن
ذَهَبَ إلى إجازةِ تَزويجِ المحرم.
فقال قائل: فقد رُوِيَّ في المنعِ من تزويجِ المحرم عن ابنِ عمر
الكراهةُ لِذلك فيما قد رويتَه عن عُمَرَ وزيدٍ: أنهما ردًّا نكاحَ محرمين،
فإلى قولِ مَنْ خالفتَ هؤلاء؟
قيل له: إلى قولِ عبدِ الله بنِ مسعود، وابنِ عباس، وأنس بنِ
مالك.
١٩١٩- كما قد حَدَّثَنَا محمدُ بنُ خزيمة، حَدَّثْنَا حجاجُ بنُ
مِنهالِ، حَدَّثْنَا جريرُ بنُ حازمٍ، عن سليمانَ الأعمشِ، عن إبراهيمَ: أنَّ
ابنَ مسعودٍ كانَ لا يرى بأساً أن يَتَزوَّجَ الْمُحْرِمُ (١).
(١) رجاله ثقات. ورواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ص ١١٨ (الجزء الذي كان
مفقوداً) عن وكيع، عن جرير بن حازم، بهذا الإسناد.
-٤٠٦-
كتاب الحج
فإن قال: هذا حديثٌ غيرُ متصل، قيل له: إنَّ إبراهيمَ ما ذكره
عن ابنِ مسعود مما لم يذكر بينَه وبَيْنَه فيه أحداً، فهو عن جماعة، عن
ابنِ مسعود، كما حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثَنَا وهبٌ، أو بشرُ بن
عمر - أبو جعفر يَشُكُّ فيمن حَدَّثَ به عنه منهما-، حَدَّثْنَا شعبةُ، عن
سليمان الأعمش، قال: قلتُ لإبراهيمَ: إذا حَدَّثْتَ فَأُسْنِدْ. قال: إذا
قلتُ لَكَ: قال عبدُ الله، فلم أَقُلْ ذلك حتى حَدَّثنيه عن عبدِ الله غيرُ
واحدٍ، وإذا قُلْتُ: حدثني فلانٌ عن عبدِ الله، فهو الذي حدَّثني.
١٩٢٠ - وكما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ خزيمة، حَدَّثْنَا حجاج بنُ مِنهالٍ،
حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، عن حبيب المُعَلِّم، وقيسٍ، وعبدِ الكريم، عن
عطاء: أنَّ ابنَ عباسٍ كان لا يرى بأساً أن يتزوَّجَ الْمُحْرِمانِ(١).
١٩٢١ - وكما حَدَّثْنَا رَوْحُ بنُ الفرج، حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ صالحٍ،
حَدَّثَنَا ابنُ أبي قُدَيْكٍ، حدثني عبدُ الله بن محمد بن أبي بكرٍ، قال:
سألتُ أنس بن مالك رضي الله عنه عن نكاح المُحْرِم. فقال: لا بأسَ
به، هَلْ هو إلا كالبیْعِ.
هكذا حَدَّثْنَا روحٌ، فقال فيه عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر،
وبعضُ الناسِ يقولُ: إنَّ بَيْنَ عبدِ اللهِ، وبينَ أنسٍ محمدًّ بن أبي بكر -
وهو أبو عبد الله هذا-، وهو الثقفيُّ، قد روى عنه مالك وغيره،
ومحمدُ بنُ عبد الله.
(١) رواه ابن أبي شيبة ص ١١٨ من طريقين عن سعيد، عن قتادة ويعلى بن
حکیم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لا بأس.
-٤٠٧-
کتاب الحج - حرمة مكة
٢٦٦ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول اللهِ ﴾ فِي خَلَى
مكة: هل هو حرمتُه في الأحوال كلها، أو على حرمته في
حالٍ دون حالٍ وبفعلٍ دون فعلٍ؟
قال أبو جعفر: اختلف أهلُ العلمِ في حشيشٍ مكة، وفي ما سِواه
مما حرَّمَه رسولُ الله ﴿ٌ فِي حَصْدِهِ، وفي إعلافه الإبلَ وغيرها. فقالوا
فيه ثلاثة أقوال نحن ذاكروها في هذا الباب إن شاء الله، لا قول لهم في
ذلك سواها.
كما حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ أحمد بنِ الوليد الأسلميُّ، قال: حَدَّثَنَا بشر
بنُ الوليد، قال: سمعتُ أبا يوسفَ، قال: سألتُ أبا حنيفة عن حشيشٍ
الحرم، فقال: لا يُرْعى ولا يُحتش، وسألت ابنَ أبي ليلى، فقال: لا
بأسَ أن يُرعى وأن يُحتش، وسألتُ الحجاج بنَ أرطاة، فقال: سألتُ
عطاء بن أبي رباح عنه، فقال: لا باس أن يُرعى، ولا يُحتش.
قال أبو يوسف: وقولُ عطاء في هذا أحبُّ إليَّ(١).
(١) قال الحافظ في ((الفتح) ٤٨/٤ تعليقاً على قوله : (ولا يُختلى خلاها))،
الخلى: الرطب من النبات، واختلاؤه: قطعه واحتشاشه، واستدل به على تحريم رعيه،
لكونه أشدَّ من الاحتشاش، وبه قال مالك والكوفيون، واختاره الطبري، وقال
الشافعي: لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم، وهو عملُ الناس بخلاف الاحتشاش، فإنه
المنهي عنه، فلا يتعدى ذلك إلى غيره، وفي تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز
رعي اليابس كالصيد الميت، قال ابن قدامة: لكن في استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم
اليابس من الحشيش، ويدل عليه أن في بعض طرق حديث أبي هريرة: ((ولا يحتش
-٤٠٨-
کتاب الحج - حرمة مکة
ولما اختلفوا في ذلك هذا الاختلافَ، طلبنا الأولى مما قالُوه في
ذلك مما هو مِن أقوالهم هذه.
١٩٢٢ - فوجدنا صالحَ بنَ عبدِ الرحمن الأنصاريَّ قد حَدَّثْنَا،
قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ منصور (ح) وحَدَّثَنَا يوسفُ بنُ يزيد، قال:
حَدَّثْنَا الحجاجُ بنُ إبراهيم، قالا: حَدَّثَنَا هشيمٌ، قال: أخبرنا حجاج
وعبدُ الملك، عن عطاء، عن عُبيدِ بنِ عُمَيْرٍ، أن عمر بن الخطاب رأى
رجلاً يقطع من شجرِ الحَرَمِ ويعلفه بعيراً له، قال: فقال: عليَّ بالرجل،
فَأُتِيَ به، فقال: يا عبدَ الله، أما علمت أن مكة حرام لا يُعْضَدُ
عِضاهُها، ولا يُنَفِّرُ صيدها، ولا تَحِلُّ لُقطُها إلا لِمُعَرِّفٍ؟ فقال: يا أمير
المؤمنين والله ما حملني على ذلك إلا أن معي نِضواً لي، فخشيتُ أن لا
يبلغني أهلي، وما معي زادٌ ولا نفقة، فرقَّ عليه بعدما همَّ به، وأمر له
ببغير من إبل الصدقة موقراً صحيحاً، فأعطاه إيَّه، وقال: لا تعودَنَّ أن
تقطعَ مِن شجر الحَرَمِ شيئً(١).
وقد رويناه في الباب الذي قَبْلَ هذا البابِ منعَ رسول الله {8 من
حشيشها)، قال: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم من يقلٍ وزرعٍ
ومشموم، فلا بأس برعيه واختلائه.
(١) حجاج بن أرطأة مدلس، لكنه توبع. ورواه بأخصر مما هنا البيهقي في
((السنن)) ١٩٥/٥-١٩٦ من طريقين، عن أبي العباس محمد بن يعقوب، حَدَّثْنَا يحيى
بن أبي طالب، حَدَّثْنَا عبد الوهَاب بن عطاء، أخبرنا سعيد، عن مطر، عن عبيد بن
عمير.
-٤٠٩-
كتاب الحج - حرمة مكة
اختلاء خَلَى مكة، فذهب قوم إلى أن الاختلاءَ ما أخذ باليدِ دُون ما
سواه من إعلافه الإبلَ على ما قد رويناه في هذا الباب عن عطاء، وعلى
ما ذكرنا عن أبي يوسف من موافقته عليه.
وذهب آخرون إلى أن ذلك ممنوعٌ منه، لأنَّ تلك الأشياء محرمة
في نفسها، فجميعُ الأفعال التي تفعل فيها من رعى لها، ومِن اختلاء لها
ء
ممنوع منه، كما الصيدُ المحرم في نفسه حرام فيه الأشياء كلها لِحرمته في
نفسه، وكان هذا القولُ عندنا أولى هذه الأقوال بالحقِّ، لأن عمر رضي
الله عنه خاطب الرجلَ الذي رآه يرعى بعيره من شجر الحرم بما خاطبه
به فيما قد ذرناه في هذا الحديث، فدلَّ ذلك على حرمة الرعي فيه،
كما دَلَّ على حرمة الاختلاء منه.
وقد روى قوم حديثاً في حرمة المدينة، وفي المنع من الاختلاء من
خَلاها وفي أن لا يقطع شجرها إلاَّ أن يعلف الرجلُ بعيرَه، فاستدلُّوا
بذلك على مثله من شجر مكة وخلاها.
١٩٢٣ - وهو ما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن أبي داود، قال: هُدْبَةُ بنُ
خالد، قال: حَدَّثْنَا همامُ بنُ يحيى، عن قتادة، عن أبي حسَّان، أن علّاً
عليه السَّلامُ أخرج الصحيفةَ التي سَمِعَها مِن رسول الله:﴿ التي كانت
في قِرَاب سيفه، فإذا فيها: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لِ﴿ حَرَّمَ مَكّْةَ، وإني حرَّمتُ
المدينةَ لا يُخْتَلَى خَلاهَا، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، ولا يُقْطَعُ شجرُهَا إلاَّ أن
يَعْلِفَ رَجُلٌ بعیرَه))(١).
(١) رجاله ثقات، إلا أن أبا حسان - واسمه مسلم بن عبد الله الأعرج- لم يدرك
- ٤١٠-
کتاب الحج - حرمة مكة
فاعتبرناه، فوجدناه منقطعَ الإسناد، وذلك أن أبا حسِّان لم يلقَ
علياً رضي الله عنه، وإنما الذي يُحَدِّثه من حديثٍ علي هو مما أخذه عن
عَبِيدة السَّلماني ومِنْ مِثله من أصحابه عنه.
ولما كان ذلك كذلك، كان ما رويناه في هذا البابِ مما يُخالِفُه
عن عمر رضي الله عنه أولى منه، لا سيما وقد كان ذلك من عمر
رضي الله عنه بحضرة مَنْ سِواه من أصحابِ رسول اللهلَ﴿، فلم يُنْكِرُوا
ذلك عليه، ولم يُخَالِفُوه فيه، فدلَّ ذلك على متابعتهم إِيَّاه عليه، والله
نسأله التوفيق.
ثم وجدنا هذا الحديث متصلَ الإسنادٍ.
١٩٢٤ - حَدَّثَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ حفص
ابن عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثني إبراهيمُ - يعني ابنَ طَهْمَانَ-
، عن الحجَّاج، يعني ابن الحجاج الأحول البَاهِلِي، عن قتادة، عن أبي
علياً كما قال الطحاري، فإنه قد قتل سنة (١٣٠)هـ، وعلي ضي الله عنه استشهد
سنة أربعين.
ورواه أحمد ١١٩/١ عن بهز، وأبو داود (٢٠٣٥) عن ابن المثنى، عن عبد
الصمد، كلاهما (بهز، وعبد الصمد) عن همَّام، بهذا الإسناد.
وفي الباب عن جابر عند مسلم (١٣٦٢) رفعه: ((إن إبراهيم حرَّم مكة، وإني
حرَّمتُ المدينة ما بين لابتيها، لا يُقطع عِضاهها، ولا يُصاد صيدها)).
ورواه مسلم أيضاً (١٣٦٢) من حديث سعد بن أبي وقاس.
وانظر مسلم (١٣٦٧) و (١٣٧٤).
-٤١١ -
کتاب الحج - حرمة مکة
حسَّان الأعرج، عن الأشترِ، أَنَّه حدَّته عن علي رضي الله عنه، ثم ذكر
مثلَ حديث ابن أبي داود الذي ذكرناه في هذا الباب عن هُدْبةٍ(١).
قال أبو جعفر: والحجاجُ هذا، فإمامٌ في الحديث محمودُ الرواية.
فقال قائل: فكيف يجوزُ أن يكونَ هذا الحديثُ مُتَّصِلَ الإسنادٍ،
وإنما ذكره أبو حسان عن الأشترِ، والأشتر كانت وفاته في أيامٍ علي بن
أبي طالب رضي الله عنه، وإذا انتفى أن يكونَ سَمِعَ مِنْ علي، كان
بأن يكونَ سَمِعَ من الأشتر أشدَّ انتفاء.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه أن أبا حسّان
قد ذكر في هذا الحديث عن الأشتر أنه حدَّثه به، فحقق بذلك سماعه
إِيَّاه منه، وجياز أن يكونَ أن أبا حسان رأى الأشترَ في حياةٍ علي،
فحدَّثه بهذا الحديث عن علي ولم ير عليّاً أو رآه ولم يسمعه منه.
قال أبو جعفر: فكان هذا الحديثُ بعدَ ثبوته لا يجب به في خَلَى
مكة مساواته خلى المدينة في هذا المعنى، لأنه قد يحتمل أن يكون حكم
كل واحد في هاذ المعنى خلافَ حُكم الآخر، كما حكمهما مختلف في
حِلِّ دخولِ حَرَمِ المدينة بلا إحرام، وحُرمة دخول حرم مكة إلا
بإحرام، وكما حكمهما في قتلٍ صيدهما مختلف، لأن من قتل صيداً في
حرم مكة جزاه، ومن قتل صيداً في حرم المدينة لم يجزه، وإذا كان
حُكْمُ حرمٍ كُلِّ واحدٍ منهما مختلفاً فيما ذكرنا، لم يكن منكراً أن
(١) هو في ((سنن النسائي)) ٢٤/٨، وفي السير من ((الكبرى) كما في ((التحفة))
٤٤٠/٧.
- ٤١٢-
کتاب الحج - حرمة مکة
يكونَ مختلفاً في إعلاف الإبل من شجرهما، فيكون حراماً في شجر
مكة، ويكون حلالاً في شجر حرم المدينة، والله عَزَّ وجَلَّ نسأله
التوفيق.
٢٦٧- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ مِن قوله
في شجرٍ مکة وفي خلاها ومن قول العباس له عند ذلك لما
وقف على منعه منه: إلا الإذخر، ومن قوله له جواباً لکلامه:
((إلا الإذخر))
١٩٢٥- حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمان بن صالح، قال: حَدَّثْنَا أَصْبَغُ بنُ
الفرج، وموسى بنُ هارون البُرْدِيُّ، وَنُعَيْمُ بنُ حَمَّاد، قالوا: حَدَّثْنَا جریرُ
بنُ عبدِ الحميد، عن منصور عن مجاهدٍ، عن طاووس، عن ابن عباسٍ،
قَالَ: قَالَ النِيُّ ◌َّ يومَ فتح مكة: ((إن هذا الْبَلَدَ حرَّمَه الله عَزَّ وجَلَّ
يومَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، فهو حرامٌ بحُرمة الله عَزَّ وجَلَّ إلَى يَوْمِ
القيامة، وإنه لم يَحِلَّ فيه القِتالُ لأحدٍ قبلِيٍ، ولا يَحِلُّ لِي إِلاَّ ساعَةً
مِن نهارٍ، فهو حَرامُ بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، ولا
يُنَفْرُ صَيْدُهُ، ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَّتُه إلا مَنْ عَرَّفها، ولا يُخْتَلَى خَلَاهَا))،
فقال العباسُ: يا رسولَ الله إلا الإِذخرَ، فإنّه لِقَيْنِهِمْ ولِبيوتهم، فقال النبيُّ
﴿ ( لا الإذْخِرَ)(١).
(١) إسناده صحيح. ورواه عبد الرزاق (٩٧١٣)، وأحمد ٢٢٦/١ و ٢٥٥
و٣١٥-٣١٦ و٣٥٩، والبخاري (١٥٨٧) و(٢٧٨٣) و(٣١٨٩)، ومسلم
-٤١٣-
کتاب الحج - حرمة مکة
١٩٢٦- حَدَّثْنَا محمدُ بنُ العباس بن الربيع، عن علي بنِ معبدٍ،
وحَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا عمرو بنُ أبي عون
الواسطيُّ، قال: حَدَّثْنَا أبو يوسف، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ،
عن عَبْدِ الله بنِ عباس رضي الله عنهما، أنه قالَ: قال رسولُ الله ◌ِ﴿ّ:
((إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ حَرَّمَ مكةَ يومَ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأرضَ والشَّمسَ
والقمرَ، ووضعها بَيْنَ هذين الأخشبين، لَمْ تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولم
تَحِلَّ لِي إِلاَّ ساعَةَ مِن نهار، لا يُخْتَلى خَلَاهَا، ولا يُعْضَدُ شَجَرُها،
ولا يُنَفِّرُ صَيْدُها، ولا يَرْفَعُ لَقَطَها إلا مُنْشِدُها))، فقال العباس: إلا
الإِذخِرَ، فإنه لا غِنى لأهلِ مَكَّةً لِبيوتهم وقبورهم، فقال رسولُ اللهِ حَ لّ:
(إلاَّ الإذْخِرَ)).
١٩٢٧- حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ غُلِيبٍ، قال: حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ عدي،
قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحيم بنُ سليمان، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، فذكر
بإسنادِهِ مثلَه إلا أنَّه قال: فقال العباسُ: يا رسول الله، إنَّ أهل مكة لا
صَبْرَ لهم عن الإذخرِ، فقال: (إِلا الإذخِرَ)).
١٩٢٨- وحَدَّثْنَا أحمدُ بنُ محمد بنِ سَلَام البغداديُّ، قال: حَدَّثَنَا
وهبُ بنُ بقيَّة، قالَ: أخبرنا خالدٌ، عن خالدٍ، عن ◌ِكْرِمَةَ، عن ابنِ
(١٣٥٣)، وأبو داود (٢٠١٨) و(٢٤٨٠)، والترمذي (١٥٩٠)، والنسائي
٢٠٣/٥-٢٠٤، و١٤٦/٧، وابن الجارود (٥٠٩)، وابن حبان (٣٧٢٠)، والبغوي
(٢٠٠٣)، والطبراني (١٠٩٤٣)، والبيهقي ١٩٥/٥ و١٩٩/٦ و١٦/٩ من طرق
عن منصور، بهذا الإسناد.
- ٤١٤-
كتاب الحج - حرمة مكة
عباسٍ رَضِيَ الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهلَ﴿، قالَ: ((إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ
حرَّمَ مكة، فلم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولا تَحِلُّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحِلِّت
لي ساعةً مِنْ نَهارِ» ثم ذكر بقيةَ الحديثِ الذي قبلَه(١).
١٩٢٩ - حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عبدٍ
الرحمن المخزوميُّ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن عمرٍ، عن عِكرمة، عن ابنِ
عباس، عن رسولِ الله ﴿ مثلَه، غير أنه قال: فقامَ العباسُ - وكان رجلاً
مُجَرِّباً- فقال: إلا الإِذخِرَ، فإنه لبيوتنا ولِقبورنا وقُيوننا، فقال: ((إلا
الإذْخِرَ)(٢).
١٩٣٠ - وحَدَّثْنَا محمدُ بنُ علي بن داود، قال: حَدَّثَنَا عُبيد بنُ
يعيش الكوفي، قال: حَدَّثْنَا يونسُ بنُ بُكَيْرِ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ إسحاق،
قال: حَدَّثْنَا أبانَ بنُ صالح، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق، عن صَفية
ابنةِ شيبةَ، قالت: سمعتُ رسولَ اللهِلَ﴿ يَخْطُبُ يومَ الفتحِ، فقال: ((أيُّها
الناسُ، إنَّ الله عَزَّ وجَلَّ حرَّمَ مكةَ يَوْمَ خَلَقَ السماواتِ والأرضَ،
فهي حَراٌ إلى يومِ الْقِيامَةِ، لا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، ولا يُنَفْرُ صَيدُها، ولا
يأخذ لُقَطَّتَها إلاَّ مُنْشِدٌ)، فقال العباسُ بنُ عبد المطلب: يا رسولَ الله،
إلا الإِذخِرَ، فإنّه لظهورِ البيوتِ والقبورِ، فقال رسولُ اللهِ وَ﴾: ((إِلا
(١) إسناده صحيح. ورواه أحمد ٢٥٣/١، والبخاري (١٣٤٩) و(١٨٣٣)
و(٢٠٩٠) و(٢٤٣٣) و(٤٣١٣)، والنسائي ٢١١/٥، والبيهقي ١٩٥/٥ من طرق
عن عكرمة، بهذا الإسناد.
(٢) الحديث في ((سنن النسائي)) ٢١١/٥.
- ٤١٥ -
کتاب الحج - حرمة مكة
الإذْخِں(١).
١٩٣١ - حَدَّثْنَا محمد بنُ عبدِ الله بن ميمون، قال: حَدَّثَنَا الوليدُ
بنُ مسلمٍ، عن الأوْزاعي، قال: حدثني يحيى بنُ أبي کثیر، قال: حدثني
أبو سَلَمَةَ، قال: حدثني أبو هريرةً أن رسولَ الله ﴿، قال: في خُطْتِهِ لما
فُتِحَتْ مَكَّةُ: (إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ حَيسَ عن أهلِ مكة القتل -هكذا قال
وإنما هي: الفيل - وسلَّطَ عليهم رسولَه والمؤمنين، فإنّها لم تَحِلَّ لأحدٍ
قبلي، ولا تَحِلُّ لأحدٍ بعدي، ولم تَحِلَّ لي إلا ساعةً من نهار، وإنّها
ے
ساعتي هذه، حتى إنه لا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُخْتَلَى شَوْكُها))، فقام
العباسُ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إلا الإِذْخِرَ، فإنه نجعلُه في قبورنا وبيوتنا،
فقال رسولُ الله﴿: ((إِلا الإذْخِرَ)(٢).
١٩٣٢ - حَدَّثْنَا بكارُ بن قُتيبة، قال: حَدَّثْنَا أبو داود الطيالِسِيُّ،
قال: حَدَّثْنَا حربُ بن شدَّاد، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ،
عن أبي هُريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله ﴿ مثله، غير أنّه قالَ:
(١) حديث حسن. وعلقه البخاري بإثر الحديث (١٣٤٩) فقال: وقال أبان بن
صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة.
ووصله في (التاريخ الكبير)) ٤٥١/١-٤٥٢ عن عبيد بن يعيش، وابن ماجه
(٣١٠٩) عن محمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن يونس بن بكير، بهذا الإسناد.
(٢) حديث صحيح، والوليد بن مسلم قد صرح بالتحديث عند غير الطحاوي،
وقد توبع. ورواه أحمد ٢٣٨/٢، والبخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥)، وأبو داود
(٢٠١٧)، وابن حبان (٣٧١٥) من طرق عن الوليد بن مسلم، بهذا الإسناد.
-٤١٦-
کتاب الحج - حرمة مکة
(إِنَّ اللّه عَزَّ وجَلَّ حَبَسَ عن أهلِ مكة الفِيلَ)) وغير أنه قال: فقام رجلٌ
من قُريش مكان ما في الحديثِ الأوَّل من قول راويه: فقام العباس(١).
١٩٣٣- وحَدَّثَنَا عليُّ بنُ عبد الرحمن، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ أبي
مريم، قال: أخبرنا ابنُ الدَّراورْدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عمرو بنِ
علقمة، عن أبي سلمة بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هُريرة، رضي الله عنه،
قال: وقف رسولُ الله ﴿ على الحَجُونِ، فقال: ((واللهِ إنّكِ لَخَيْرُ أرضٍ
اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأحَبُّ ارضِ اللهِ إلى اللهِ، ولو أني لم أُخْرَجْ منك ما
خرجتُ، وإنها لم تَحِلَّ لأحدٍ كان قبلي))، ثم ذكر مثلَه، غير أنّه قال
فيه: ((ولا تُلْتَقَطُ ضَالُّها إلا لِمُنْشِدٍ)، فقالَ رجلٌ يُقال لَهُ شاه(٢): يما
رسولَ الله، إلا الإذخِرَ، ثم ذكر بقيةَ الحديث(٣).
فسأل سائلٌ عما أُضِيفَ في هذه الأحاديثِ إلى العَبَّاسِ أو إلى من
(١) إسناده صحيح. ورواه من طريق أبي داود الطيالسي الإمام أحمد ٢٣٨/٢،
وأبو داود (٤٥٠٥).
ورواه الدارمي ٢٦٥/٢ وأبو عوانة ٤٢/٤ والبيهقي في الدلائل ٨٤/٥ من طريق
حرب بن شداد، بهذا الإسناد.
وعلقه البخاري (٦٨٨٠) فقال: وقال عبد الله بن رجاء: حَدَّثنا حرب بن شداد،
بهذا الإسناد، ووصله البيهقي ٥٢/٨ من طريق هشام بن علي السيرافي عنه. وسيأتي
برقم (١٩٧٣).
(٢) الثابت في (الصحيحين)) وغيرهما أن القائل هو: العباس بن عبد المطلب.
(٣) محمد بن عمرو بن علقمة ليس بالقوي، ورواه أبو يعلى في ((مسنده))
(٥٩٥٤) من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، بهذا الإسناد.
-٤١٧-
كتاب الحج - حرمة مكة
ذكر سواه مِن قوله لِرسول الله ﴿ لَّا ذكر حرمة شجر مكة، وحُرْمَةً
خَلاها (إلا الإذخرَ)) استثناءً من ذلك، وأنكر أن يكون ذلك كان من
العباسِ، وأن يكونَ رسولُ الله يُقارُّ أحداً على ذلك.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه أنَّ هذه
الآثارَ ثابتةٌ، صحيحةُ المجيء، مقبولة كُلُّها، وأن الذي كان من العباس
أو مِمن سواه فيها غيرُ منكرٍ من مثله، وأن ترك رسول الله لَ ﴿ إنكارَ
ذلك عليه غيرُ منكر أيضاً، وكيف [ينكر] عليه ما هو محمودٌ فيه، إذ قد
عَلِمَ من حاجةِ أهلِ مكة إلى الإذخر ما هم عليه منها، فقال لِرسول الله
* ما قال، طَلَبَ منه مراجعةَ ربِّه في ذلك، كما سأل رسولُ اللهَلاَ﴾
في حديث المعراج ربَّه عَزَّ وجَلَّ لما افترض على أمته خمسين صلاةً في
اليوم والليلة التخفيفَ مرةً بعد مرةٍ حتى ردَّها إلى خمسٍ صلواتٍ،
وكما أُمر﴿ أن يقرأ القُرآن على حرف، فراجع في ذلك مرةً بعدَ مرة
حتى رُدَّ إلى سبعة أحرف.
فكان مثل ذلك ما كان مِن العباس أو من غير ممن ذكرنا، وكان
قولُه ((إِلا الإذخرَ) وقطعه الكلام عند ذلك لعلمه بفهم النبي ◌ُ﴿ ما
أراده منه من سؤاله ربه عَزَّ وجَلَّ عن ذلك، فغني عن الكلام به، كما
تستعملُ العربُ في كلامها للاختصار السكوتَ عن الكلام به لِعلمِها
بفهم مَنْ تُخَاطِبُه بذلك ما خاطبته به مِن أجله حتى يأتوا ببعضٍ
الكلمة، ويتركوا بقيتها.
ومن ذلك قولهم: ((كَفَی بالسَّيْفِ شا»، یریدون شاهداً، حتى
-٤١٨-
کتاب الحج - حرمة مکة
تعالى ذلك أن جاء القرآنُ به، فمن ذلك قولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكَوْ أنَّ قُرآنَاً
سَُِّتْ بِالْجِبَالُ أَوْ قُطَّتْ بِهِالأرْضُ أَوْ كُلّمَ بِهِالْمَوَى﴾ [الرعد: ٣١]، ثُم
قطع بقيةَ الكلامِ، وهو مما قد اختلف أهلُ العلم فيه ما هو، فقال
بعضُهم: هو: لَكَفَرُوا به، وقال بعضهم: هو: لكان هذا القرآن.
ومن ذلك قولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَوَلا فَصْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْصَُهُ وأنَّ الله
تَوَابُ حَكِيمُ﴾ [النور: ١]، وترك ذكر ما كان يكون لولا فضله
ورحمته.
ومن ذلك قولُه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتْ آنَاءَ الَلِ سَاحِداً وَقَائِمًا تُخْذَرُالآخِرَةَ
وَيَرْهُورَحْمَةَ رَّبِّهِ﴾، ثم قال: ﴿ هَلْ يَسْتَوِ الَّذِين ◌َعَلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[الزمر: ٩]، وترك ذكر من ليس هو مثله لغناه عن ذلك بفهم
المخاطبين به.
فمثلُ ذلك قولُ العباس أو من قاله سواه لِرسول الله لم #1: ((إلا
الإذخِرَ)) غني عن استتمامٍ الكلام بما أراد لِعلمه بفهم النبيِّ ﴾ عن ما
أراد.
فقال هذا القائل: فقد كان مِنَ النبي ◌ُ# له ذلك الجواب بلا زمان
فيما بَيْنَ السؤالِ وبَيْنَ الجواب يكونُ فيه الوحي لذلك الجواب.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وحَلَّ وعونِه: أنه قد
يحتملُ في لطيفِ قدرةِ الله عَزَّ وجَلَّ مجيء الوحي في ذلك الوقت من
حيث لا نعقل نحن مجيء مثله فيه، ويحتمل أن يكونَ كانَ من النبيِّ فيه
-٤١٩-
كتاب الحج - حرمة مكة
ما كان بإلقاء جبريل # ذلك إليه، كما قال للذي سأله في حديث أبي
قتادة: ارأيتَ إن قتلتُ في سبيل الله صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر،
يُكفرِّ الله عنّي خطاياي؟ فقال: (نَعَمْ) فلما ولّى قال له: ((إِلاَّ أن يكون
عليك دَيْنٌ كذلك قال لي جبريلُ وَ)(١).
فدلَّ ذلك على حضور جبريل 3# جوابَه الأول، وقوله له ما قاله
لِسائله جواباً ثانياً.
وإذا كنا قد روينا عن رسول الله ﴿ ما سنذكره فيما بعد من
كتابنا هذا إن شاء الله مِن قوله لحسانَ في وقت مهاجاته المشركين عنه:
((اهْجُهُمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ)(٢).
وإذا كان جبريلُ لمهاجاته قريشاً مع حسان، كان رسولُ الله مَ ا
بكونه معه في خطبته التي يُخْبُر الناس فيها عن الله عَزَّ وجَلَّ بشرائع
دينهم، وبفرائضه عليهم أولى، وبكون جبريل /# معه في ذلك الوقت
أحرى.
فبان بحمد الله ونعمته أن لا منكرَ في شيءٍ مما أنكره هذا الجاهلُ
بآثارِ رسولِ الله ﴿ مما ذكرناه عنه، والله عَزَّ وجَلَّ نسألُه التوفيق.
(١) متفق عليه.
(٢) رواه البخاري (٣٢١٣)، ومسلم (٢٤٨٦) من حديث البراء بن عازب.
- ٤٢٠-