النص المفهرس

صفحات 361-380

كتاب الحج
٢٥٩- بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسولِ الله # من قولِه
لِنسائه بعدَ حجة الوداع: «هذه الحجة، ثم ظهورَ الحصرِ»
١٨٥٨- حَدَّثنا الربيع المراديُّ، حَدَّثنا أسدُ بنُ موسى، حَدَّثنا ابنُ
أبي ذئب، عن صالحٍ مولى التوأمةٍ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ مَ﴿، أنه
قال لِنسائه: ((هذه الحَجَّةُ، ثم عليكم بظهورِ الحُصُر)) وكن يحججن غيرَ
زينب بنت جحش، وسودة ابنة زمعة تقولان: لا تُحرِّكُنا دَأَبَّةٌ بعد أن
سَمِعْنا رسولَ الله ◌َ﴾ (١).
١٨٥٩ - وحَدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، ويوسفُ بنُ يزيد، قالا:
حَدَّثنا سعيدُ بنُ منصور، حَدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد، عن زيد بنِ أسلم،
عن واقد بن أبي واقد الليثيِّ، عن أبيه: أن رسولَ الله /*، قال لِنسائه
في حجة الوداع: «هذه حجةُ الإسلامِ، ثم ظهورُ الحصرِ))(٢).
(١) رواه الطيالسي (٢٣١٢)، ومن طريقه البيهقي ٢٢٨/٥، ورواه ابن سعد
في ((الطبقات) ٥٥/٨ ٢٠٨، وأحمد ٣٢٤/٦ و٤٤٦، وأبو يعلى (٧١٥٤)
و(٧١٥٨)، والطبراني في «الكبير)) ٢٤/(٨٩) من طرق، عن أبي ذئب، به.
ورواه البزار (١٠٧٧) من طريق ابن كرامة، حَدَّثنا قبيصة، حَدَّثنا سفيان، عن
صالح مولى التوأمة، به. وقال: أحسبه عن سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن صالح ولكن
هكذا قال قبيصة، ورواه جماعة، عن صالح، منهم: ابن أبي ذئب، وصالح بن كيسان.
ورواه ابن سعد ٥٥/٨، والبزار (١٠٧٨) من طريق صالح بن كيسان، عن
صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة.
(٢) واقد بن أبي واقد لم يروِ عنه غير زيد بن أسلم، وقال ابن القطان: لا
يعرف حاله. قال الحافظ في (التهذيب)): كذا قال، وذكره ابن منده في الصحابة،
- ٣٦١-

كتاب الحج
فقال قائل: ففي هذين الحديثين من قول رسول الله من8# لأزواجه
بعدَ أن حَجَحْنَ معه حَجَّة الوَدَاعِ، فكنَّ - غيرَ زينب وسودة- يحججن
مع خلفائه الراشدين المهديين، وأصحابه سواهم بغير إنكار منهم ذلك
عليهن، وبغير منعٍ منهم إياهُنَّ كذلك، غير زينب، وسودة، فإنهما
كانت مُتَخَلِّفَتَين عن ذلك، وتُحاجان مَنْ كان بخلافهما فيه منهن بما
كان مِن رسول الله ﴾.
فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّ الذي في هذين الحديثين قد رُوِيَ
عن رسول الله :﴿ فيهما، وهو الذي كان عليهن لزومُه، وتركُ الخروج
منه إلى غيرِه حتى رُوِيَ عن رسول الله ﴿ من قوله لعائشة لما سَأَتْهُ أن
وكناه أبا مرواح، وقال أبو داود: له صحبة، وصحح الحافظ في ((الفتح)) ٧٤/٤
إستاده. ورواه أحمد ٢١٨/٥، والبيهقي ٣٢٧/٤، والخطيب في ((تاريخه) ١١٠/٧ من
طرق، عن سعيد بن منصور، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٢١٩/٥، وأبو داود (١٧٢٢)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد
والمثاني)) (٩٠٣)، وأبو يعلى (١٤٤٤)، والبيهقي ٣٢٧/٤ و٢٢٨/٥، والخطيب
٣٢٦/٣ من طرق، عن عبد العزيز بن محمد، به.
وقوله: «ثم ظهور الحصر))، أي: الزمنّ ظهور الحصر، كناية عن عدم الخروج
من بيوتهن، هذا وقد حجَّ نساء النبي * بعد وفاته، وأذن لهن في الحج عمر بن
الخطاب في آخر حجة حجها كما في ((صحيح البخاري)) (١٨٦٠)، والعذر عن
عائشة - كما قال الحافظ - أنها تأولت الحديث المذكور كما تأوله غيرها من
صواحبها، على أن المراد بذلك أنه لا يجب عليهن غير تلك الحجة، وتأيد ذلك عندها
بقوله : ((لكن أفضل الجهاد الحج والعمرة)).
-٣٦٢-

كتاب الحج
يجاهِدْنَ معه -تعني نفسَها ومَنْ سِواها مِن نسائه ومِن غيرهن -.
١٨٦٠- كما قد حَدَّثنا فهدُ بنُ سليمان، حَدَّثنا عبدُ الله بنُ
رجاء الغُداني، حَدَّثْنَا عَبيدةُ، عن معاويةَ بنِ إسحاق، عن عَمَّتِهِ عائشة
ابنة طلحة، عن خالَتِها عائشة زوجِ النِيِّ﴿، قالت: قال رسولُ الله
*: (جهادُ النّساء حَجُّ هذا البيت)(١).
فكان بعضُ أهلِ العلمِ يَزْعُمُ أن عَبيدة المذكور في إسنادٍ هذا
الحديث هو عَبِيدَةُ بنُ حميد، فيزعم غيرُه منهم أنه عَبيدة بن أبي رائطة.
١٨٦١- وكما حَدَّنا الرَّبيعَ المراديُّ، حَدَّثْنا أسدُ بنُ موسى،
حَدَّثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيانَ، عن معاوية بن إسحاق، عن
عائشة بنت طلحة، عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: سألنا رسولَ
الله ﴾ عن الجهادِ، واستأذناه في ذلك، فقال: ((جهادُكُنَّ أو حَبسكن
الحجّ)(٢).
(١) رواه أحمد ١٢٠/٦ عن عبيدة بن أبي رائطة، عن معاوية، بهذا الإسناد.
ورواه سعيد بن منصور (٢٣٣٩)، وأبو يعلى (٤٥١١)، وابن عدي
١٣٨٧/٤ من طريق صالح بن موسى، عن معاوية بن إسحاق، به. وصالح بن موسى
ضعيف، وقال بعضهم: متروك.
ورواه الدارقطني ٢٨٤/٢، والبيهقي ٣٥٠/٤ من طريق عمران بن حطان، عن
عائشة أنها سألت النبي *: على النساء جهاد؟ قال: ((نعم، الحج والعمرة)).
ورواه أبو نعيم في ((الحلية) ٣٥٧/٨ من طريق الحسن، عن عائشة.
(٢) حديث صحيح ولفظه عند البخاري. ورواه عبد الرزاق (٨٨١١)، وابن
سعد ٧٢/٨، وأحمد ٦٧/٦ و١٢٠ و١٦٦، وإسحاق بن راهويه (١٠١٥)،
-٣٦٣-

كتاب الحج
١٨٦٢- وكما حَدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونس، حَدَّثْنا
سَوَّارٌ، حَدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مهدي، عن سفيانَ، عن معاويةَ بنِ
إسحاق، عن عائشةَ بنتِ طلحة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت:
سألْنا رسولَ الله ﴿ عن الجهاد، فقال: ((حَبَسكنَّ الحجُّ - أو
جھادُ گنّ۔)).
١٨٦٣- وكما حَدَّثنا جعفر بن محمد الفِرْيابي، حَدَّثنا عثمان بن
أبي شيبة، حَدَّثنا جرير بن عبد الحميد، عن حبيب بن أبي عَمْرة، عن
عائشة بنت طلحة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلتُ: يا نبيَّ اللهِ،
ألا نَخْرُجُ نُجَاهِدُ معكم، فإنّي لا أرى عملاً في القُرآن أفضلَ منه؟ قال:
(لا، ولكن أحسنُ الجهاد وأكملُهُ حَجُّ الْبَيْتِ، حَجّ مبرونٌ)(١).
١٨٦٤ - وكما حَدَّثنا الربيعُ المراديُّ، حَدَّثْنا أسدُ بنُ موسى،
والبخاري (٢٨٧٥)، والبيهقي ٣٢٦/٤ و٢١/٩ من طرق، عن سفيان الثوري، بهذا
الإِسناد.
(١) إسناده صحيح. ورواه ابن حبان (٣٧٠٢) من طريق عمران بن موسى،
بن أبي شيبة، بهذا الإسناد.
ورواه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) (١٠١٤)، وعنه النسائي ١١٤/٥-
١١٥، عن جرير بن عبد الحميد، به.
ورواه أحمد ٧٩/٦ و١٦٥، والبخاري (١٥٢٠) و(١٨٦١) و(٢٧٨٤)
و(٢٨٧٦)، وابن ماجه (٢٩٠١)، ومحمد بن نصر المروزي في ((السنة)) (٤١)،
والدارقطني ٢٨٤/٢، والبيهقي ٣٢٦/٤ و٢١/٩، والبغوي (١٨٤٨) من طرق، عن
حبيب بن أبي عمرة، به.
- ٣٦٤-
۔

كتاب الحج
حَدَّثنا يزيدُ بنُ عطاء، عن حبيب بن أبي عمرة، عن عائشة ابنةِ طلحة،
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالَتْ: سألتُ رسولَ الله مَ﴿: ألا
نَخْرُجُ فنجاهِدُ معكم؟ قال: ((لا، جهادُكُنَّ الَحَجُّ الَبْرورُ، فهو لَكُنَّ
جهاد(١).
وكان جوابُ رسول الله ﴿ في استئذانها إِيَّاه لها ولِمَنْ سِواها
للخروج معه في الجهاد ما ذكر من جوابه إيَّاها في هذا الحديثِ، فكان
ذلك دليلاً على أن جهادَهُنَّ لا ينقطِعُ كما لا ينقطِعُ جهادُ الرِّجالِ،
فاحتملَ أن يكونَ ذلك بَعْدَ قوله﴿ لها ولِسائِرِ نسائه سِواها ما قاله
لَهُنَّ في الحديثين الأوَّلَيْنِ، فَوَقَفَتْ على ذلك هي ومَنْ سِواها من أزواجه
على ذلك دون من لم تقف عليه ولم يقف على ذلك منهن زينب، ولا
سودةٌ فلزِمتا ما في الحديثين الأولين، وكلهن رضوانُ الله عليهن أجمعين
على ما ذكر عليه مِن ذلك محموداتٌ، وخلفاء رسول الله ﴿، ورَضِيَ
عن أصحابِه، وسائر الصحابة في تركهم الخِلافَ عليهن في ذلك وفي
إطلاقهم إيَّاه لهن(٢) محمودون بعلمهم ما عَلِمُوا من ذلك، ولا يجبُ أن
(١) يزيد بن عطاء وإن كان فيه ضعف متابع. ورواه أحمد ٧١/٦ من طريق
حسين، عن يزيد بن عطاء، بهذا الإسناد.
(٢) في البخاري (١٨٦٠): وقال لي أحمد بن محمد: (هو ابن الوليد الأزرقي)
حَدَّثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده أذِنَ
عمر رضي الله عنه لأزواج النبي # في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن
عفان وعبد الرحمن بن عوف.
قال في «الفتح)) ٧٥/٤: واستدل به على جواز حج المرأة مع من تثق به ولو لم
- ٣٦٥-

كتاب الحج
يُحمِلَ تأويلُ هذه الأحاديث إلا على ما حملناها عليه، لأن في ذلك
السلامةَ وحُسْنَ الظنِّ بخلفاء رسول الله /، وأزواجه، وأصحابه، وفيما
سواه ضد ذلك مما نعوذُ بالله منه.
وقد زعم زاعمٌ أن عائشةَ رضي الله عنها إنما كان تركُها لتقصر
الصلاة في أسفارها بعدَ النبي # لما كان مِن قوله لهن في الحديثين
الأوَّلَيْنِ، وتعلق بشيء في ذلك رواه فيه عبد العزيز بن محمد.
١٨٦٥- كما حَدَّثنا يوسفُ بنُ يزيد، حَدَّثنا سعيدُ بنُ منصور،
حَدَّثنا عبدُ العزيز بن محمد، عن جَبْلَةَ بن أبي روَّاد، عن عَمِّه، قال
القاسم بن محمد: ما بال عائشةً كانت تتم في السفر؟ قال: لأنَّ رسول
الله ﴿، قال: ((هذه ثم ظهور الحصر)).
وكان هذا التأويلُ عندنا فانتداً إذا كانت عائشة أعلمَ بالله عزَّ
وجلَّ وبأحكامِه من أن تفْعَلَ هذا الفعلَ - أعني السفرَ - على الخلافِ
منها لِرسول الله :﴿ فتترك من أجله تقصيرَ الصلاة في أسفارها، لأنها
كانت لا ترى التقصيرَ واجباً على أحد، فكانت لا تقصر لِذلك
١٨٦٦- كما حَدَّثنا فهدُ بنُ سليمان، حَدَّثنا محمدُ بنُ سعيد بن
يكن زوجاً ولا محرماً.
وروى ابن سعد ٢١٠/٨ من طريق زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق
السبيعي، قال: رأيت نساء النبي * حججن في هوادج زمن المغيرة عليها الطيالسي.
وهذا سند صحيح، وقوله زمن المغيرة: الظاهر كما قال الحافظ أنه أراد زمن ولاية
المغيرة على الكوفة لمعاوية، وكان ذلك سنة خمسين أو قبلها.
-٣٦٦ -

كتاب الحج
الأصبهاني، أخبرنا شريكٌ، وعليُّ بنُ مُسْهرٍ، عن هشام بن عُروة، عن
أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت لا تَقْصُرُ فِي السَّفَرِ ولا تراه
واجباً على أحدٍ (١).
فكان تركُها التقصيرَ في السفر لِذلك، لا لما سواه، والله أعلم.
٢٦٠- بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ﴾ من ودِّه أنَّه
لم يكن دَخَلَ الكعبَةَ بَعْدَما کَانِ دَخَلَها
١٨٦٧ - حَدَّثنا يحيى بنُ عثمان بنِ صالح، حَدَّثُنا نعيمُ بنُ حماد،
حَدَّثْنَا عبدُ الرحمن بنُ محمد المحاربيُّ، عن إسماعيلَ بنِ عبد الملك، عن
ابن أبي مليكة، عن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: رأيتُ النِيَّلِر
حزيناً، فقال: ((إِنّي دخلتُ الكعبةَ ووددتُ أن لا أكونَ دخلتُها
أخْشَى أَنْ أَتْعَبْتُ أُمَِّي)(٢).
فقال قائلٌ: دخولُ الكعبة قربةٌ كسائرِ القُرب التي فعلها النبيُّ ◌َّه
لتقتدي أُمَّتُهُ به فيها، فما وجهُ ما رويتموه عنه في هذا الحديث؟
(١) صحيح موقوفا، وانظر ماسبق في كتاب الصلاة في هذه المسألة.
(٢) إسناده ضعيف. إسماعيل بن عبد الملك. قال في ((التقريب)) صدوق كثير
الوهم، ورواه أحمد ١٣٧/٦، وإسحاق بن راهويه في (مسنده)) (١٢٤١)، وأبو داود
(٢٠٢٩)، والترمذي (٨٧٣)، وابن ماجه (٣٠٦٤)، وابن خزيمة (٣٠١٤)، والحاكم
٤٧٩/١، وفي ((معرفة علوم الحديث)) ص ٩٨، والبيهقي ١٥٩/٥ من طرق، عن
إسماعيل بن عبد الملك، به.
-٣٦٧-

كتاب الحج
فكان جوابُنا له في ذلك: أنه قد يحتمِلُ أن يكونَ رسولُ الله ماخلت
أرادَ بذلك القول الخوفَ منه على أنه يكونُ الاقتداءُ به فيما فعله مَنْ
أرادَ بذلك القول الخوف منه على ذلك حتى يكونَ عندهم مما لا يَتِمُّ
حَجُّهم إلاّ به، فأهمه ذلك لا ما سواه كما جاء بني عبد المطلب لما هَمَّ
بالنزع معهم مِن ماء زمزم:
١٨٦٨- كما حَدَّثنا الربيعُ المراديُّ، حَدَّثْنا أسدُ بنُ موسى،
حَدَّثْنا حاتِمُ بن إسماعيلَ، حَدَّثْنا جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بنِ
عبد الله: أن رسولَ الله :﴿ لما أفاضَ في حجته إلى البيتِ صَلَّى بمكة
الظهرَ، فأتى على بني عبد المطلب يسقونَ على زمزم، فقالَ: «انْزِعُوا
بني عَبْدِ المُطَّلِبِ فلولا يَغْلِنَّكُمُ النَّاسُ على سِقِائَتِكُمْ، لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ).
فناولوه دلواً فشَرِبَ منه(١).
فكان تركُه لذلك خوفَ اقتداءِ الناسِ به، وفي ذلك مَشَقّةٌ لأهلها
على ما أهمهم من أمرها دونَ مَنْ سواهم.
ومثلُ ذلك ما رُوِيَ عن رسولِ الله :﴿ في تركه النَّصرة،
(١) حديث صحيح. أسد بن موسى توبع. وهو جزء من حديث جابر بن
عبد الله الطويل في صفة حجة النبي ا، وهذا الجزء ورد في بعض الروايات دون
بعض.
فقد رواه الدارمي ٤٤/٢- ٤٩، ومسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، وابن
الجارود (٤٦٩)، وابن حبان (٣٩٤٤)، والبيهقي ٦/٥-٩ من طرق، عن حاتم بن
إسماعيل، به.
-٣٦٨-

كتاب الحج
والدخول فيها خوفاً أن يَدْخُلَ الناسُ فيها اقتداءٌ به، فتذهبَ الهجرةُ.
١٨٦٩- كما حَدَّثنا المزنيُّ، حَدَّثْنا الشافعيُّ، أخبرنا عبدُ العزيز
بن محمد الدراوردي، عن محمد بنِ عمرو بن علقمة، عن أبي سَلَمَةً،
عن أبي هريرة: أن رسولَ الله ﴿، قالَ: ((لَوْلا الهِجْرَةُ، لكنتُ امرءاً
مِنَ الأنْصَارِ، ولو أنَّ الناسَ يَسْلُكُونُ وادياً أو شعباً، لسَلَكْتُ وادِيّ
الأَنصَارِ أو شِعْبَهُمْ)(١).
فترك : أن يكونَ امرءاً من الأنصارِ للمعنى الذي ذكر في هذا
الحديثِ أَنَّه لو فَعَلَ ذلك لَفَعَلَ الناسُ جميعاً في النَّصرة اقتداءٌ به فيه،
فَتَرَكَ ذلك لِتبقى الهجرةُ، وإن كان في ذلك هو النصرةُ، والله الموفق.
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد ليس بالقوي. ورواه الشافعي في (مسنده))
١٩٩/٢ بهذا الإسناد. ورواه أحمد ٥٠١/٢، وفي («الفضائل)) (١٤٧١)، والدارمي
٢٤٠/٢ من طريق يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد في «الفضائل)) (١٤٣٩)، والبخاري (٧٢٤٤)، وأبو يعلى
(٦٣١٨) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
ورواه أبو داود الطيالسي (٢٤٨٤)، وأحمد في («المسند) ٤١٠/٢ و٤١٤
و٤٦٩، وفي («الفضائل)) (١٤٥٢)، وإسحاق بن راهويه (٨٥) و(٨٦) و(٨٧)،
والبخاري (٣٧٧٩) من طريق شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة.
ورواه عبد الرزاق (١٩٩٠٧)، ومن طريقه أحمد ٣١٥/٢، وابن حبان
(٧٢٦٩) عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، وهو في «صحيفة همام)) (٥٧).
ورواه أحمد ٤١٩/٢ من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.
-٣٦٩-

كتاب الحج
٢٦١- بابُ بیانِ مُشکل ما روي عن رسول الله ﴾ من قوله:
((بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة))
١٨٧٠ - حَدَّثْنَا أبو أُميةَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سُليمان القُرشي
البَصْري، قال: حَدَّثَنَا مالكُ بن أنس، عن ربيعةَ بنِ أبي عبد الرحمن،
عن سعيدِ بنِ الُسيّب، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما، قال: حدثني أبي،
قال: قال رسولُ الله ◌َ﴿: «وُضِعَ مِنْبَري على تُرْعَة من ترعاتِ الجنةِ،
وما بينَ منبري وبيتي روضةٌ من رِیاضِ الجنِ)(١).
قال أبو جعفر: وقد حدَّث بهذا الحديث غيرُ واحدٍ من أهلِه،
منهم محمدُ بنُ يحيى القُطَعي، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو
شعیب صالح بن حکیم عن محمد بن سُليمان هذا.
١٨٧١ - وحَدَّثْنَا عبدُ الغني بنُ أبي عقيل، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بن
عُيينة، عن عَمَّارِ الدُّهني، عن أبي سلمةَ، عن أمِّ سلمةَ رضي الله عنها
قالت: قال رسولُ الله ◌ِ ﴿: ((ما بَيْنَ قبري ومنبري روضةٌ من رِیاض
الجنة، وإنَّ قوائمَ منبرِي على رواتبَ في الجنَّةِ)(٢).
(١) ضعيف. محمد بن سليمان بن معاذ القرشي البصري، قال الدار قطنيٍ،
والخطيب، وأبو نعيم: تفرد بهذا الحديث. وقال العقيلي، والأزدي: منكر الحديث،
وضعفه ابن عبد البر، انظر ((لسان الميزان)) ١٨٤/٥-١٨٥.
ورواه أبو نعيم في (الحلية)) ٢٦٤/٣ و٣٤١/٦، والعقيلي ٧٢/٤، والدارقطني في
((غرائب مالك)) كما في ((لسان الميزان)) من طرق عن محمد بن سليمان القرشي، به.
(٢) إسناده صحيح. ورواه ابن حبان (٣٧٤٩) من طريق عبد الرحمن بن مهدي،
- ٣٧٠ -

كتاب الحج
١٨٧٢- وحَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونس، قال: حَدَّثَنَا
موسى بنُ عبد الرحمن الَمَسْروقي، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ بشر، عن عُبيدٍ
الله، عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ﴿ قال: «ما بَيْنَ
بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي))(١).
١٨٧٣- حَدَّثَنَا محمدُ بن علي بن داود، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بن
يحيى المَسْعودي، قال: حَدَّثْنَا مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله
عنهما، قال: قال رسولُ الله ﴿: «ما بَيْنَ قَبْرِي ومِنْبري رَوْضةٌ مِنْ
رِياضِ الجَنْةِ)(٢).
قال أبو جعفر: وهذا من حديثٍ مالكٍ، يقولُ أهلُ العلم
بالحديث: إنه لم يُحَدِّث به عن مالك أحدٌ غيرُ أحمد بن يحيى هذا وغير
عبد الله بن نافع الصائغ.
عن سفيان، بهذا الإسناد.
(١) رواه الطبراني في ((الكبير) (١٣١٥٦) من طريق محمد بن بشر العبدي، عن
عبيد الله بن عمر، عن أبي بكر بن سالم، عن سالم، عن ابن عمر. وقال الهيثمي في
((المجمع) ٩/٤: رواه الطبراني في (الكبير)) و((الأوسط))، ورجاله ثقات.
(٢) أحمد بن يحيى: هو الأحول مولى الأشعريين، ضعفه الدارقطني، وقال ابن
حبان ٢٤/٨: يُخطئ ويخالف. ورواه العقيلي ٧٢/٤، والخطيب البغدادي ١٦٠/١٢
من طريق أحمد بن يحيى، بهذا الإسناد.
ورواه العقيلي ٧٣/٤، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٣٢٤/٩ من طريقی حبان بن جبلة،
وعبد الله بن نافع المدني، عن مالك، به.
-٣٧١-

كتاب الحج
١٨٧٤ - حَدَّثْنَا يونسُ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ وهب، أنَّ مالكاً حدثه
عن خبيب بنِ عبد الرحمن، عن حفصٍ بن عاصمٍ، عن أبي هريرة أو
عن أبي سعيد الخدري -هكذا حدثناهُ يونسُ بالشكِّ- أنَّ رسولَ الله
﴿ قال: «ما بَيْنَ بيتي ومِنْبري رَوْضَةٌ مِنْ ریاضِ الجنةِ، ومِنْبري على
حَوْضِي»(١).
١٨٧٥- حَدَّثْنَا الربيعُ الجيزيُّ، قال: حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بنُ عبد الله
المدني، قال: حَدَّثَنَا مالك، عن حُبيب بن عبد الرحمن، عن حفصِ بنِ
عاصمٍ، عن أبي سعيد أو عن أبي هريرة، عن رسول الله ﴿ مثلَه.
١٨٧٦- حَدَّثْنَا عليُّ بن معبدٍ، قال: حَدَّثْنَا رَوْح بن عُبَادَةَ، قال:
حَدَّثْنَا مالك بن أنسٍ، عن حُبيبِ بن عبد الرحمن، أنَّ حفصَ بن عاصمٍ
أخبره، عن أبي هريرةَ وعن أبي سعيد - هكذا حدَّثناه علي بن مَعْبَد بلا
شَكِّ ذَكَرَهُ فيه- ثم ذلك مثلَ حديث يونُسَ سواء، وذكره عن أبي
سعيد، وأبي هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله (ص 34.
١٨٧٧- وحَدَّثَنَا الحسينُ بن الحكم الكوميُّ الجيزيُّ، قال: حَدَّثَنَا
أبو غَسَّانَ، قال: حَدَّثْنَا زُهيرُ بن معاوية، قال: حَدَّثْنَا محمد بن إسحاق،
قال: حدَّثْنِ حُبَيبُ بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصمٍ، عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِمَ/: (إنَّ منبري على
حوضي، وما بَيْنَ بيتي وبين منبري رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجنةِ، وصلاةٌ في
(١) إسناده صحيح. وهو في (الموطأ) ١٩٧/١، ومن طريقه رواه أحمد ٢٦٥/٢ -
٢٦٦، والعقيلي ٧٣/٤، والبغوي (٤٥٢). وانظر التمهيد ٢٨٦/٢.
- ٣٧٢-

كتاب الحج
مسجدي هذا كألفٍ صلاةٍ فيما سِواهُ من المساجدِ، إلَّّ المسجد
الحرامَ)(١).
قال: وحدَّثني المِسْوَرُ بنُ رَفاعة، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة
مثله.
١٨٧٨ - وحَدَّثْنَا عليٌّ بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة، ومحمدُ
بنُ علي بن داود، قالا: حَدَّثْنَا عفَانُ بن مسلم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الواحدِ
بنُ زيادٍ، قال: حَدَّثْنَا إسحاقُ بن شَرْفَى مولى آل عمرَ، قال: حدَّثني أبو
بكرٍ بنُ عبدِ الرحمن، أنَّ عبدَ الله بن عمر قال: حدثني أبو سعيدٍ
الْخُدْرِيُّ، قال: قال رسولُ اللهِلَ﴿ُ: «ما بَيْنَ قبري ومِنبري رَوْضَةٌ مِنْ
رِيَاضِ الْجَنْقِ(٢).
١٨٧٩- حَدَّثَنَا يونس، قال: أنبأنا ابنُ وهب، أنَّ مالكاً حدَّثه،
(١) إسناده حسن. ورواه ابن حبان (٣٧٥٠) من طريق عُبيد الله بن عمر، عن
خبيب، بهذا الإسناد. ورواه الترمذي (٣٩١٦) من طريق كثير بن زيد، عن الوليد
بن رياح، عن أبي هريرة. ورواه أحمد ٤٠١/٢-٤٠٢ من طريق أبي الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة. ورواه أحمد ٥٣٤/٢ من طريق روح، عن حماد بن سلمة،
عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.
(٢) إسناده ضعيف لانقطاعه. أبو بكر بن عبد الرحمن -وهو أبو بكر بن عمر بن
عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر القرشي - لم يدرك جد أبيه.
ورواه أبو يعلى (١٣٤١)، وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان) ٩٢/١، والخطيب في
((تاريخه) ٤٠٣/٤ من طريق عفان، بهذا الإسناد.
-٣٧٣-

كتاب الحج
عن عبدِ الله بن أبي بكر، عن عبَّادِ بن تميمٍ، عن عبدِ الله بن زيدٍ المَازِنيِّ
أنَّ رسولَ الله: ﴿ قال: ((ما بين بيتي ومِنْبري روضة من رياض
الجنة)(١).
١٨٨٠- حَدَّثْنَا الرَّبيعُ الجيزيُّ، قال: حَدَّثْنَا مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله،
قال: حَدَّثْنَا مالكٌ، عن عبدِ الله بن أبي بكرٍ، عن عبّاد بن تميمٍ، عن عبد
الله بن زيد المازني(٢) أنَّ رسول الله:﴿ قال: «ما بَيْنَ بيتي ومنبري
رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الجنَّةِ).
١٨٨١ - حَدَّثْنَا محمد بن خُزيمة وفهدُ بن سُليمان جميعاً، قالا:
حَدَّثْنَا عبدُ الله بن صالحٍ، قال: حدثني اللَّيثُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني ابنُ
الهاد، عن أبي بكرٍ بن محمد، عن عبَّادِ بنِ تميمٍ، عن عبد الله بن زيدٍ أَنَّه
سَمِعَ رسولَ اللهِ:﴿ يقول: «إنَّ ما بَيْنَ منبري وبَيْنَ بَيْتِي رَوْضَةٌ مِنْ
رِياضِ الجنّةِ)(٣).
(١) إسناده صحيح. وهو في ((الموطأ) ١٩٧/١، ومن طريق مالك رواه البخاري
(١١٩٥)، ومسلم (١٣٩٠) (٥٠٠)، والنسائي ٣٥/٢، وأبو نعيم في ((الحلية))
٣٤٧/٦، والبيهقي ٢٤٧/٥.
ورواه البيهقي ٢٤٧/٥ من طريق سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، به.
(٢) فى الأصل (المخطوط): الخطمي، وهو خطأ، فإن جميع من روى هذا
الحديث من طريق مالك رواه من حديث عبد الله بن زيد المازني الأنصاري.
والخطمي هذا هو عبد الله بن يزيد، وانظر (التمهيد)) ١٧٦/١٧.
(٣) عبد الله بن صالح، وإن كان في حفظه شيء - قد توبع. ورواه مسلم
-٣٧٤-

كتاب الحج
١٨٨٢- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ
سُليمان الواسطي، عن هُشيمٍ، عن علي بن زيد، عن محمد بن المُنْكَدِرِ،
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ اللهَحَ﴿: «ما
بَيْنَ مِنبري إلى بَيْتِي رَوْضةٌ مِنْ رِياض الجنة، وإنَّ مِنْبُرِي لَعَلَى تُرْعَةٍ من
تُرَعِ الجَنْقِ(١).
فقال قائلٌ: هذه الآثارُ تدلُّ على أن قبرَ رسولِ الله ◌ِ﴿ ومنبره
خارجان عن الروضةِ، فكانَ جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ
وعونه أنه قد يجوزُ أن يكونَا خارجيْن من الرَّوْضَةِ كما ذكر، ويكونَ
(١٣٩٠) (٥٠١) من طريق عبد العزيز بن محمد المدني، عن يزيد بن الهاد، به.
ورواه عبد الرزاق (٥٢٤٥) عن ابن جريج، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بكر
بن محمد، عن عباد، عن عبد الله بن زيد. وقد وقع تحريف في المطبوع من المصنف.
(١) إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان.
ورواه أحمد ٣٨٩/٣، وأبو يعلى (١٧٨٤) و(١٩٦٤)، والبزار (١١٩٦)،
والخطيب ٣٦٠/٣ من طرق عن هشيم، بهذا الإسناد.
وأورده الهيثمي في ((المجمع) ٨/٤-٩ وقال: وفيه علي بن زيد، وفيه كلام.
ورواه أبو نعيم في (الحلية) ٢٦/٣، والخطيب في ((تاريخه)) ٣٩٠/١١ من طريق
أحمد بن إبراهيم بن جعفر القُدَيْسِي، حَدَّثْنَا محمد بن يونس الكديمي، حَدَّثَنَا عبد الله
بن يونس بن عبيد، حدثني أبي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر. ومحمد بن يونس
الکديمي ضعيف.
ورواه الخطيب ٢٢٨/١١ من طريق محمد بن كثير الكوفي، عن سفيان الثوري،
عن أبي الزبير، عن جابر. وقال الدارقطني: تفرد به محمد بن كثير.
-٣٧٥-

كتاب الحج
منبرُهُ على ما قد بَيَّن في هذه الآثارِ التي قد رويناها في هذا الباب: أنَّ
قوائمه رواتبُ في الجنة، فيكون من الجنّةِ في خلاف الروضة، وقد دَلَّ
على هذا التأويل ما قد رُوِيّ عن سهلٍ بن سعدٍ عن رسولِ الله 8# في
هذا المعنى.
١٨٨٣- كما قد حَدَّثْنَا عليُّ بن عبد العزيز البغدادي، قال:
حَدَّثَنَا أبو عُبيدٍ القاسمُ بن سلّم، قال: حَدَّثْنَا حسَّانُ بن عبد الله - يعني
الواسطي - قال: حَدَّثْنَا يعقوب بن عبد الرحمن - يعني القاري- عن أبي
حازمٍ، عن سهلٍ بن سعد رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله/#/ قال: ((إِنَّ
منبري هذا على تُرْعةٍ من تُرَع الجنَّة) قال: فقال سهلُ بن سعدٍ،
أتدرونَ ما التُّرعةُ؟ هي البابُ من أبوابِ الجنَّةِ(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث أن منبرَه ﴿ من الجنّةِ على
خلافِ الروضةِ، وهو التَّرعَة على ما في هذا الحديث، ويكونُ قبره ﴾
من الجنة إمَّا في روضةٍ سوى تلك الروضة مما هو أجلُّ منها وأنعم
وأرفعُ مقداراً، لأَنَّه لما كان منبرُهُ بلَّغَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بجلوسه وبقيامه عليه
(١) رواه أحمد ٣٣٥/٥ و٣٣٩، والطبراني (٥٧٧٩) و(٨٥٠٩) و(٥٩٧١)،
والبيهقي ٢٤٧/٥ من طرق عن أبي حازم، بهذا الإسناد.
ورواه الطبراني (٥٩٩٥) من طريق قتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن،
به. قالك كنا نقول: إن المنبر على ترعة من ترع الجنة.
ورواه الطبراني (٥٨٨٨) من طريق إبراهيم بن محمد، والبيهقي ٢٤٧/٥ من طريق
يحيى بن يحيى ومحمد بن بكير الحضرمي، ثلاثتهم عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن
أبيه، عن سهل بن سعد موقوفاً، ورفعه محمد بن بكير الحضرمي.
-٣٧٦-

كتاب الحج
ما بلِّغَه، كان قبره الذي قد تضمن بَدَنَهُ، فصار له مثوىً بذلك أولى،
وبالزيادة عليه أحرى، والجنةُ ففيها روضاتٌ لا روضةٌ واحدةٌ كما قال
عَّ وَجَلَّ في كتابه: ﴿وَّذِينَآَنُوا وَعَِلُوا الصَِّحَاتِ فْ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِلَهُمْ
مَيَشاءُونَ عِنْدَ مَِّمْ ذِلِكَ هُوَ الفَصْلُ الكَيِ﴾ [الشورى: ٢٢]، فيجوز إِلْ
كانَ قبرُ رسولِ اللهِ﴾ في روضةٍ من هذه الروضات أن تكونَ روضةً
فوقَ الروضة التي بين قبره ومنبره، ويجوز أن تكونَ غيرَ الروضة مما هو
أكبرُ من الرّوضة، ويجوزُ أن تكونَ ما يجمعُ الروضةَ وغيرها مما شرَّفَه
الله عَزَّ وحَلَّ به وأعلى به منزلته، وأثابه به عن سائر الناسِ سواه،
واختصَّه به دونَ بقيتهم.
وفي هذا الحديث معنىٌ يجبُ أن يُوقَفَ عليه، وهو قولُه ◌َ/: «ما
بَيْنَ قَبْرِي ومنبري روضةٌ من رياض الجنّة) على ما في أكثرِ هذه الاثارِ
وعلى ما في سواه منها: «ما بينَ بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة»،
فكان تصحيحهما يجبُ به أن يكونَ بيتُه هو قبره، ويكونَ ذلك علامةٌ
من علاماتِ النبوة جليلةَ المقدار، لأنَّ الله عَزَّ وجَلَّ قد أخْفَى على كُلِّ
نفسٍ سواه﴿ الأرضَ التي يموتُ فيها بقوله جلَّ وعزَّ في كتابه: ﴿وما
تَدْرِي نَفْسَ بِيِّ أَرْضِ تموتُ﴾ [لقمان: ٣٤] فأعلمه عَزَّ وجَلَّ الموضعَ الذي
فيه يموت، والموضعُ الذي فيه قبرُه، حتى عَلِمَ ذلك في حياته، وحتّى
أعلمه مَنْ أعلمه من أمته، فهذه منزلةٌ لا منزلةَ فوقَها، زادَه الله شرفاً
وخيراً، والله عَزَّ وحَلَّ نسأُه التوفيقَ.
-٣٧٧-

كتاب الحج -
٢٦٢- باب بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله# في رخصته
للمُحْرِمِ أن يُضَمِّدَ عينيه بالصَّبِرِ إذا اشتَكاهُما
١٨٨٤- حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ بنُ
عُيينة، عن أيوبَ بنِ موسى، عن نُبَيْهِ بنِ وَهْبٍ، عن أبانَ بنٍ عثمان،
أنه حدثه، عن عثمان رضي الله عنه أن النبيَّ :﴿ رخْص أو قال: (إذا
اشتكى المُحْرِمُ عينيه أن يُضَمِّدَها بالصَِّ)(١).
فتأملنا هذا الحديثَ لِنقف على الرخصة المذكورةِ فيه ما هي.
فوجدنا التضميدَ: تغطية ما يُضَمَّدُ به، وكان الصَّبِرُ في نفسه غيرَ
طِيبٍ، فعقلنا بذلك أن الرخصة لم تكن للصَّبرِ في نفسه، وإنما كانت
لغيره من الضِّماد الذي يُضمد به، فيكون ذلك تغطيةً لوجه المحرم أو لما
(١) حديث صحيح. ورواه أحمد ٦٩/١، ومسلم (١٢٠٤)، والدارمي ٧١/٢،
والترمذي (٩٥٢)، والنسائي ١٤٣/٥ وفي ((الکبری)) (٣٥٨٥)، وأبو داود (١٨٣٨)
من طرق عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد، وقال الترمذي: هذا حديث حسن
صحيح، والعملُ على هذا عند أهل العلم لا يرون بأساً أن يتداوى المحرمُ بدواء ما لم
يكن فيه طيب.
ورواه أحمد ٦٥/١، ومسلم (١٢٠٤) (٩٠) من طريقين عن عبد الوارث، عن
أیوب بن موسى، به.
ورواه أحمد ٥٩/١-٦٠، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن
نبیه بن وهب، به.
يضمدها، أي: يلطخها بالصبر، وأصل الضمدِ: الشَّدُّ، ويقال للخرقة التي يشد بها
العضو المؤوفُ ضماد، والصَّبِرُ بكسر الباء ويجوز إسكانها: دواءً مُرٍّ.
-٣٧٨-

كتاب الحج
يُغطى به من وجهه، لأنه لو لم يكن كذلك، لم يُقَلْ له ضِماد، ولقيل
له: دمام.
فقال قائل: فكيف يكونُ ما ذكرتَ كما وصفتَ وقد رُوِيّ عن
عثمان رضي الله عنه ما يَدْفَعُ ذلك؟
١٨٨٥- فذكر ما قد حَدَّثْنَا يونسُ وعيسى بنُ إبراهيم، قالا:
حَدَّثْنَا سفيانُ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن عامر بن
ربيعة، قال: رأيتُ عثمانَ رضي الله عنه بالعَرْجِ مخمراً وَجْهَهُ بقطيفةٍ
أرجوانٍ وهو مُحْرِمٌ(١).
١٨٨٦- وما قد حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، أن مالكاً
حدثه عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، أنه قال: أخبرني
الفُرافصة بن عُمير الحنفي، أنه رأى عثمان بالعرج، ثم ذكر مثلَه(٢).
(١) رجاله ثقات. ورواه مالك في (الموطأ) ٣٥٤/١ عن عبد الله بن أبي بكر،
بهذا الإسناد. قال الزرقاني في ((شرح الموطأ) ٢٣٢/٢: إنما فعل ذلك، لأنه كان يرى
ذلك جائزاً، وكذا ابنُ عباس وابنُ عوف، وابنُ الزبير، وزيد بن ثابت، وسعيد
وجابر، وبه قال الشافعيُّ، وقال ابن عمر: يحرم تغطية الوجه، وبه قال مالك وأبو
حنيفة ومحمد بن الحسن، وفيه الفدية على مشهور المذهب، وأنكر ما يخالفه، ولا
يجوز تغطيةُ الرأس إجماعاً.
والعرج: قرية على ثلاثة مراحل من المدينة.
(٢) رجاله ثقات، وهو في (الموطأ)) ٣٢٧/١. ورواه ابن أبي شيبة، ص ٣٠٧ عن
عبدة بن سليمان ويزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، به. ورواه أيضاً ص ٣٠٨
عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، به.
- ٣٧٩-

كتاب الحج
قال: ففي هذا بالحديث ما قد دَلَّ أن عثمان كان لا يرى بتغطية
الوجه في الإِحرام بأساً، فدلَّ ذلك أن الرخصةَ التي في الحديث الأول لم
تكن لما ذكرتَ.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه أنه قد يحتمل
أن يكونَ عثمانُ فعل ذلك لضرورةٍ دعته إليه، وأنه يُكَفِّرُ مع ذلك،
کما رُوي عن عبد الله بن عباسٍ في مثله:
١٨٨٧- مما قد حَدَّثْنَا محمد بنُ خزيمة، قال: حَدَّثْنَا حجاج بن
مِنهال، قال: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سلمة، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن أبي الزُّبير،
عن أبي معبد، مولى ابن عباس، أن ابنَ عباس، قال له: يا أبا معبد رُدَّ
عليَّ طيلساني، وهو محرم، قال: قلتُ: كنتَ تنهى عن هذا! قال: إني
أريدُ أن أُفتدِيَ.
فاحتمل أن يكونَ عثمانُ لو سُئِلَ عن ما فعل من ذلك، لأخبر أنه
فعله لِيفتديّ، وفيما ذكرنا ما قد بان به أن تغطية الوجه في الإحرام
حرامٌ على المحرم، وقد رُوِيَ هذا القولُ عن عبد الله بنٍ عمر.
١٨٨٨- كما قد حَدَّثْنَا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهب أن مالكاً
أخبره (ح)، وكما قد حَدَّثَنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا أبو
عاصم، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ما فوق الذقن من
الراس، فلا يُخمره المحرمُ(١).
فهذا عبدُ الله بن عمر قد كان يذهب إلى هذا القول أيضاً،
(١) رجاله ثقات. وهو في (الموطأ) ٣٢٧/٩.
- ٣٨٠ -