النص المفهرس

صفحات 341-360

كتاب الحج - أعمال يوم النحر
١٨٣٣- وحَدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا حَبَّانُ بنُ هلال،
حَدَّثنا وُهيب، عن ابنٍ طاووس، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: ما سُئِلَ
رسولُ الله ﴿ يومئذٍ عمن قَدَّمَ شيئاً قبلَ شيءٍ إلاّ قالَ: ((لا حَرَجَ، لا
حَرَجَ)(١).
١٨٣٤- وما قد حَدَّثنا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ، أنَّ مالكاً،
ويونس حدَّثاه، عن ابنِ شهابٍ، عن عيسى بنِ طلحة بنِ عُبيد الله، عن
عبدِ الله بن عمرو: أنَّه قال: وقَفَ رسولُ اللهِلَ﴿ في حَجَّةِ الوداع للناس
يسألُونه، فجاءه رَجُلٌ، فقال: يا رسولَ الله، لم أشْعُرْ فحلقتُ قبلَ أن
أَذْبَحَ، قال: ((اذْبَحْ ولا حَرَجَ)، فجاءه آخر، فقال: يا رسولَ الله، لم
أشعر فَتَحَرْتُ قبلَ أن أرمي. قال: (ارْم ولا حَرَجَ)، قال: فما سُئِلَ
رسولُ اللهِ﴾ يومئذٍ عن شيء قُدِّمَ ولا أُخْرَ، إلا قالَ: ((افْعَلْ ولا
حَرَجَ)(٢).
و(٣٠٥٠)، والطبري في ((تهذيب الآثار)) ٢١٦/١ و٢١٩، وابن خزيمة (٢٩٥٠)،
والطبراني (١١٨٧٠) و(١١٩٦٧)، والدارقطني ٢٥٣/٢ و٢٥٣-٢٥٤، والبيهقي
١٤٢/٥ و١٤٢-١٤٣، والبغوي (١٩٦٤) من طريق عكرمة، عن ابن عباس.
ورواه أحمد (٣٠٣٦)، والطبراني (١٢٤٨٢) من طريق عبد الله بن عثمان بن
خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وأورده البخاري من هذا الطريق معلقاً بإثر
الحديث (١٧٢٢). وانظر ما بعده.
(١) إسناده صحيح. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٢٣٦/٢، وانظر ما قبله.
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٢٣٧/٢. وفي («موطأ
- ٣٤١-

كتاب الحج - أعمال يوم النحر
١٨٣٥- وكما حَدَّثنا يونسُ، حَدَّثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن
عيسى بن طلحة، عن عبدِ الله بنِ عمرو، قال: سأل رجلٌ رسولَ الله
◌َ*، فقال: حَلَقْتُ قَبْلَ أن أُذْبَحَ، قال: ((اذْبَحْ ولا حَرَجَ)، وقال آخر:
ذْبَحْتُ قَبْلَ أن أرْمِيَ، قال: ((ارْمٍ ولا حَرَجَ)(١).
١٨٣٦- وما قد حَدَّثنا يونس، حَدَّثنا ابنُ وهبٍ، أخبرني أسامةٌ
مالك)) ٤٢١/١. ورواه الدارقطني ٢٥١/٢ عن أبي بكر النيسابوري، عن يونس بن
عبد الأعلى، بهذا الإسناد. ولم يذكر متابعة يونس بن يزيد لمالك.
ورواه مسلم (١٣٠٦) (٣٢٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤١٠٩)، والبيهقي
١٤١/٥ من طرق، عن ابن وهب، به. ولم يذكر مسلم متابعة مالك.
ورواه الشافعي ٣٧٨/١، وأحمد ١٩٢/٢، والدارمي ٦٤/٢-٦٥، والبخاري
(٨٣) و(١٧٣٦)، ومسلم (١٣٠٦) (٣٢٧)، وأبو داود (٢٠١٤)، والنسائي في
((الكبرى)) (٤١٠٨)، وابن حبان (٣٨٧٧)، والبيهقي ١٤٠/٥-١٤١، والبغوي
(١٩٦٣) من طرق، عن مالك وحده، به.
ورواه الطيالسي (٢٢٨٥)، وأحمد ١٥٩/٢ و٢٠٢ و٢١٠ و٢١٧، والدارمي
٦٤/٢، والبخاري (١٧٣٧) و(١٧٣٨)، ومسلم (١٣٠٦)، وابن الجارود (٤٨٨)،
والدارقطني ٢٥١/٢-٢٥٢ و٢٥٢ و ٢٥٢ -٢٥٣ و ٢٥٣، والبيهقي ١٤١/٥-١٤٢
و١٤٢ من طرق، عن الزهري، به.
(١) إسناده صحيح. ورواه الدارقطني ٢٥١/٢ عن أبي بكر النيسابوري، عن
يونس بن عبد الأعلى، به. ورواه الحميدي (٥٨٠)، وأحمد ١٦٠/٢، ومسلم
(١٣٠٦) (٣٣١)، وابن ماجه (٣٠٥١)، والترمذي (٩١٦)، والنسائي في ((الكبرى)
(٤١٠٦)، وابن الجارود (٤٨٧)، وابن خزيمة (٢٩٤٩)، والدارقطني ٢٥١/٢،
والبيهقي ١٤١/٥ من طرق، عن سفيان، به.
- ٣٤٢-

كتاب الحج - أعمال يوم النحر
بنُ زيدٍ: أن عطاءَ بنَ أبي رباحٍ حدَّثُه: أنّه سَمِعَ جابرَ بنَ عبدِ الله
يُحَدِّثُ عن رسولِ الله :﴿، مثله، يعني أنَّه وقف للنَّاسَ عامَ حجة الوداعِ
يسألونه، فجاء رجُلٌ، فقال: لم أشْعُرْ، فنحرتُ قبل أن أرميَ، قال:
((زْمٍ، ولا حَرَجَ)، قال آخر: يا رسولَ الله لم أشْعُرْ حَلَقْتُ قبلَ أن
أذبحَ، قال: ((اذَبَحَ ولا حَرَجَ). فما سُئِلَ عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخّرَ إلا
قال: ((افْعَلْ ولا حَرَجَ)(١).
قال أبو جعفر: فكان ما في هذه الآثارِ لا حُجَّةً للمحتجِّ بها على
مَنْ خالفه ممن يقولُ: على القارِنِ إذا حَلَقَ قبلَ أن يذبح الفِديةُ، إذ كان
الذي سأل النبيَّ ◌َ﴿ عن ذلك قد يكونُ غيرَ قارن، فيكون ذلك الذبح
ذبحاً غيرَ واجب، ويكونُ ما فعل من ذلك قد فعله ولا شيء يمنعه منه،
ويكون قولُ النِّ ◌َ ﴿: «لا حَرَجَ في ذلك))، أي: لا إِثْمَ عَلَيْكَ فيه، وإن
(١) الحديث في ((شرح معاني الآثار)) ٢٣٧/٢ بإسناده ومتنه.
ورواه ابن ماجه (٣٠٥٢) عن هارون بن سعيد المصري، عن ابن وهب، به.
ورواه أحمد ٣٢٦/٣ عن عثمان بن عمر، والبيهقي ١٤٣/٥ من طريق عبيد
الله بن موسى، كلاهما عن أسامة بن زيد، به.
ورواه البيهقي ١٤٣/٥، وابن حجر في ((تغليق التعليق)) ٩٦/٣ من طريق حماد
بن سلمة، عن قيس بن سعد، وعباد بن منصور، عن عطاء، به. وعلقه البخاري في
((صحيحه)) من هذه الطريق بإثر الحديث (١٧٢٢).
ورواه أحمد ٣٨٥/٣، والنسائي في ((الكبرى)) (٤١٠٥)، وابن حبان
(٣٨٧٨)، والبيهقي ١٤٣/٥ من طريق حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد وحده،
عن عطاء، به.
- ٣٤٣ -

كتاب الحج - أعمال يوم النحر
كانَ قارناً، فكان لا إثمَ عليه فيه لم يمنع ذلك أن يكونَ عليه مع ارتفاع
الإِثم عنه فديةٌ، لأَنَّه فَعَلَ ما فعله منه، ولا يَشْعُرُ أن الأولى به غيرُ ما
فَعَلَهُ مِنْهُ، فيكون الحَرَجُ مرفوعاً عنه في ذلك، وتكونُ الفديةُ عليه، كما
في حديث أسامة بن شريكٍ من جواب النبيِّ ◌َ﴿، فقال: سعيتُ قبل أن
أطوفَ بأن قالَ: ((لا حَرَجَ» لم يمنع من أنَّه يطوفُ ثم يُعيد السعي بعدَ
ذلك، وإذا كان ذلك كذلك فيما ذكرناه في حديثٍ أُسامة هذا لم يكن
منكراً أن يكونَ مما في الأحاديث الأُخَرِ التي فيها رفعُ الحرج لا يمنعُ أن
یکون مع ذلك وجوبُ الفدية فیه علی فاعليه.
ومما يَشُدُّ ذلك أن ابنَ عباس أحدُ مَنْ روى ذلك عن النبيِّ لَ*،
وقد قال بعدَ النِيِّ # في هذا المعنى:
١٨٣٧ - ما قد حَدَّثْنا نصرُ بنُ مرزوق، حَدَّثنا الخصيبُ بنُ
ناصح، حَدَّثنا وُهَيْبٌ، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عباسٍ، وما قد
حَدَّثنا عليٌّ بنُ شيبة، حَدَّثنا يحيى بنُ يحيى، حَدَّثنا أبو الأحوص، عن
إبراهيم بنِ مهاجر، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباس، قال: مَنْ قَدَّمَ شيئاً، مِنْ
حجِّه، وأخِّرِ، فَلْيُهْرِقُ دماً.
فدلَّ ذلك على أن قولَ البِّ :﴿ فيما ذكرنا: ((لا حَرَجَ)) لا يمنع
أن يكونَ على من رفع عنه ذلك الحرج الفديةُ التي قالها لمن قالها ممن
ذكرنا في هذا الباب، وبالله التوفيقُ
-٣٤٤-

كتاب الحج - أعمال يوم النحر
٢٥٥- بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسولِ الله # في
استغفارِهِ يومَ الحُدَیبیة للمحلّقِین مرتینٍ وللمقصرین مزة
١٨٣٨- حَدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ أنَّ مالكاً حدَّثه
عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنٍ عمرَ أنَّ رسولَ اللهِ﴿ قال: «اللهمَّ ارحَمٍ
المحلّقينَ) قالوا: والمقصّرينَ يا رسولَ الله، قال: ((اللهمَّ ارحم المحلّقينَ))،
قالوا: والمقصِّرِينَ يا رسولَ الله، قال: ((والمقصِّرِينَ)(١).
١٨٣٩- حَدَّثْنا فهدٌ، قال: حَدَّثنا محمدُ بنُ سعيدِ بنِ الأَصْبَهاني،
قال: حَدَّثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن عُمارةَ بنِ القَعْقَاعِ، عن أبي زُرْعَةَ،
عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِمَ﴿: ((اللهمَّ اغْفِرْ للمُحَلْقينَ)) قيل:
والمقصِّرِينَ، قال: ((اللهمَّ اغْفِر للمحلّقينَ)، قيل: والمقصِّرِينَ، قال:
((والمقصِّرِينَ)(٢).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ أنَّ رسولَ اللهِ:﴿٥ استغْفَرَ
للمحلّقينَ مرَّتينِ، وللمقصِّرِينَ مرَّةٌ.
قال قائلٌ: قد أباحَ الله عزَّ وجلَّ في كتابه الحَلْقَ والتقصيرَ في
الإحرامِ، ووصفَ أهلَ الحديبيةِ بدُخُوُلِهِمْ المسجد الحرامَ عليهِ، ووَعَدَهُم
ذلكَ، فقالَ: ﴿تَدْخُلُنَّ المسجدَ الحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللّهِآمِينَ مُحَلْقَيْنَ مِرُؤُوسَكُمْ
(١) إسناده صحيح. وهو في (الموطأ) ٣٩٥/١، ومن طريقه رواه البخاري
(١٧٢٧).
(٢) إسناده صحيح. ورواه أحمد ٢٣١/٢، والبخاري (١٧٢٨)، ومسلم
(١٣٠٢)، وابن ماجه (٣٠٤٣)، والبيهقي ١٣٤/٥ من طرق عن ابن فضيل، به.
-٣٤٥-

كتاب الحج - أعمال يوم النحر
ومُقَصّرِينَ لاَ تَخافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧]، فكان (المحلقين) بأمرِ الله حَلَقُوا،
و(المقصِّرين)) بأمرِ اللهِ قَصَّروا، فمِنْ أين فُضِّلَ الْمُحَلّقونَ في ذلك على
الْمُقَصِّرِينَ؟
قيل له: لمعنىٌ قد رُوِيَ عن عبدِ الله بن عباسٍ فيه:
١٨٤٠- وهو ما قد حَدَّتْنا الربيعُ بنُ سليمان الُرادِيُّ، قال:
حَدَّثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثنا يحيى بنُ زكريّا بنِ أبي زائدةً،
قال: حَدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدثني عبدُ الله بنُ أبي نجيحٍ، عن
مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: حَلَقَ رجالٌ يومَ الحديبيةِ، وقصَّر آخرونَ،
فقالَ رسولُ اللهِلَ﴿: (يَرْحَمُ الله المحلّقينَ) قالوا: يا رسولَ الله
والمقصِّرِينَ، قال: (يرحمُ الله المحلّقينَ))، قالوا: يا رسولَ الله والمقصِّرِينَ،
قال: (يرحمُ الله المحلّقينَ))، قالوا: يا رسولَ الله والمقصِّرين، قال:
(والمقصِّرِينَ). قالوا: فما بالُ المحلِّقِينَ ظَاهَرْتَ لهم بالترخُّم، قال: (إنّهم
لم يَشُكُّوا))(١).
(١) إسناده قوي، رجاله ثقات، وابن إسحاق صدوق، وقد صرح بالتحديث
عند أحمد وغيره، فانتفت شبهة تدلیسه.
ورواه الطبراني في «الكبير» (١١١٥٠) من طریق یحیی بن زکریا، به.
ورواه أحمد ٣٥٣/١، وأبو يعلى (٢٧١٨)، والطبراني (١١١٥٠) من طريق
یزید بن هارون، عن محمد بن إسحاق، به.
ورواه أحمد ٢١٦/١، وأبو يعلى (٢٤٧٦)، والطبراني (١٢٤٩) من طريق
هشيم، عن يزيد بن أبي زياد -وفيه ضعف- عن مقسم، عن ابن عباس.
-٣٤٦-

كتاب الحج - أعمال يوم النحر
١٨٤١- وما قد حَدَّثنا فهدُ بنُ سليمانَ، قال: حَدَّثنا يوسفُ بنُ
بُهلول، قال: حَدَّثنا عبد الله بن إدريسَ، قال: حَدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ،
ثم ذکر بإسناده مثله.
١٨٤٢- [وما قد حَدَّثْنا] إبراهيمُ بنُ أبي داودَ، قال: حَدَّثْنَا
محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ نميرِ الهَمْدَانيُّ، قال: حَدَّثْنا يونسُ بنُ بُكيرِ، قال:
حَدَّثنا ابنُ إسحاقَ، عن ابنٍ أبي نَجِيحِ، عن مجاهدٍ، قال: قلتُ لابن
عباسٍ: لِمَ ظَاهِرَ رسولُ اللهِ ﴿ للمحلّقينَ ثلاثاً وللمقصِّرِينَ مرةً؟ قال:
لأنّهم لم يَشُكُّو(١).
فكان فيما روينا تفضيلُ المحلِّقينَ على المقصِّرِينَ؛ لأنّهم لم يَشُكُّوا،
فكانَ في ذلك إثباتُ الشَّكِّ من المقصِّرِينَ.
فقال هذا القائلُ: وما كانَ شكُّ المقصرينَ في ذلكَ؟
قِيلَ لهُ: كان لمعنىّ ذكرَهُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ:
١٨٤٣- وهو ما قد حَدَّثنا عبيدُ بنُ رِجالٍ، قال: حَدَّنا محمدُ بنُ
يوسفَ أبو حُمَةً، قال: حَدَّثنا أبو قُرَّةً موسى بنُ طارقٍ، عن زَمْعَةَ بنِ
صالحٍ، عن زيادِ بن سعدٍ، عن أبي الزُبير، أنَّ سَمِعَ جابرَ بنَ عبدِ الله
يقولُ: حَلَقَ رسولُ الله ◌َ﴿ِ يومَ الْحُدَيْبِيَةَ، وحَلَقَ ناسٌ كثيرٌ مِنْ أصحابِهِ
ورواه الطبراني (١١٤٩٢) من طريق عبد الله بن المؤمل، عن عطاء، عن ابن
عباس. وقال الهيثمي ٢٦٣/٣: وفيه عبد الله بن المؤمل ضعفه أحمد وغيره وقد وثق.
(١) رواه ابن ماجه (٣٠٤٥) عن محمد بن عبد الله بن نمير، بهذا الإسناد.
ورواه البيهقي ٢١٥/٥ من طریق أحمد بن عبد الجبار، عن يونس، به.
-٣٤٧-

كتاب الحج - أعمال يوم النحر
حينَ رِأوْهُ حَلَقَ وأمْسَكَ آخرون، فقالوا: والله ما طُفْنَا بالبيتِ،
فقَصَّروا، فقالَ رسولُ اللهِ ﴿: ((يرحمُ الله الْمُحَلّقينَ)، فقال رجالٌ:
والمُقصِّرِينَ يا رسولَ الله؟ قال: ((رَحِمَ اللهُ الْمُحلّقينَ)، فقالَ رجالٌ:
والمقصِّرِينَ يا رسولَ الله؟ قال: ((رحمَ الله المحلّقينَ). قالوا: والمقصِّرین یا
رسولَ الله؟ قال: ((والمُقصِّرِينَ)(١).
فكان في هذا الحديثِ أنّه كان في قولِهم أنّهم رأوا رسولَ الله ◌ِ ﴾.
خَلَقَ في غيرِ موضعِ الحلقِ الَّذي كانوا يعلمُون الحلقَ فيه، ويَقفونَ عليه
مِنْ شريعتِهِ، وقد كانَ يجبُ عليهم أن يكونَ اقْتِداؤُهُمْ وَاتَّاعُهُمْ له فيما
رأوْه يفعلُهُ أَوْثَقَ في قلوبهم ثَمَّا تقدَّمَ عِلْمُهُمْ له منه قبلَ ذلكَ، وكانوا
بذلكَ مقصِّرين في الواجبِ له عليهم في ذلك، وكان الحالِقُونَ
فاعِلِينَ لما يجبُ عليهم مِنَ امتثالِ فعلِهِ، وتركِ التخلّفِ عن القُدوةِ بهِ،
فَفَضَلُوا بذلك مَنْ تخلَّفَ عن مثلِهِ، لا لفضلٍ في الحلقِ على التّقصيرِ،
ولكنْ لأَنَّ السَّبْقَ إلى المعرفةِ للأشياءِ يوجبُ الفضيلةَ للسابقينَ إليها،
كما وَجَبَ لأبي بكرِ رضي الله عنه بسَبْقِهِ الناسَ إلى تصديقِهِ رسول
الله ﴿ على إتيانِهِ بيتَ المقدسِ مِنْ مكةَ ورجوعِهِ منه إلى منزلهِ بمكةً في
تلكَ الليلةِ حتى سمِّي بذلكَ الصِّدِّيقَ(٢)، وإنْ كانَ المؤمنونَ جميعاً
(١) إسناده ضعيف، زمعة بن صالح: ضعيف.
(٢) رواه الحاكم ٦٢/٣، ومن طريقه البيهقي في ((الدلائل)) ٣٦٠/٢-٣٦١
من حديث عائشة رضي الله عنها. ورواه البزار (٥٣)، والطبراني (٧١٤٢)،
والبيهقى ٣٥٥/٢-٣٥٧ من حديث شداد بن أوس.
-٣٤٨-

كتاب الحج - أعمال يوم النحر
يشهَدُونَ لرسولِ اللهِ ﴿ بمثلِ ذلكَ إذا وقفُوا عليه، وكما استحقَّ خزيمةُ
بنُ ثابتٍ الأنصاريُّ أَنْ جُعِلَتْ شهادَتُهُ شهادَةَ رَجُلَينِ لَّا شَهِدَ لرسولِ
الله﴿ على الأعرابيِّ أَنَّه بايَعَهُ البعيرَ الَّذي كانَ رسولُ اللهِلَتَّ ابْتَاعَهُ
منه عندَ جُحُودِ الأعرابيِّ ذلك، وعند قوله له: هَلُمَّ شهيداً يشهدُ لَكَ،
فَلَمَّا شهدَ له خُزَيِمَةُ بِمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ، قالَ له رسولُ اللهِ﴾: «كيفَ
شَهِدْتَ ولم تكنْ مَعَنَا؟) قال: شَهِدْتُ بتَصدِيقِكَ، فجعلَ رسولُ الله ◌ِ﴾
بذلك شهادَتَه بشهادَةِ رجُلينِ. وسنذكرُ هذا الحديث بإسنادِهِ فيما بعدُ
من كتابنا هذا إنْ شاء الله. والناسُ جميعاً يشهَدُون بصدقِ رسولِ الله
*، ولكنَّ خزيمةَ لَّا سبَقهم إلى ذلك، استحقَّ الفَضِيلَةَ عليهم فيهِ. فمثلُ
ذلك المحلّقون استحقُّوا الفضيلَةَ على المقصِّرِينَ بِسَبْقِهم إِيَّاهم إلى طاعةٍ
رسولِ الله ﴿، واقتِدَائِهِم به، وأُخْذِهِمْ ما آتاهم إِيَّاهُ، وانتفاءِ الشَّكِّ من
قلوبِهم في ذلك، وعلمهم أنَّ ما عايَنُوا منهُ أوْلَى بهم ثَمّا قد تقدَّمَ
علمُهم لهُ منه، مع أنَّا قد رَوَيْنَا أنَّ المقصِّرِينَ في ذلك أَنَّمَا هُمَا رَجُلان،
أحدُهما مِنْ قريشٍ، والآخرُ من الأنصارِ.
١٨٤٤- كما قد حَدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثنا هارونُ
بنُ إسماعيلَ الخَرَّارُ، قال: حَدَّثنا عليٌّ بنُ المباركِ، قال: حَدَّثْنا يحيى بنُ
أبي كثير، أنَّ أبا إبراهيمَ حدَّثَّهُ، عن أبي سعيد الخدريِّ أنَّ رسولَ الله
﴿ عامَ الْحُدَيْبِيَةَ حَلَقَ، وحَلَقَ أصحابُهُ رؤوسَهُم غيرَ رجلينِ: رجلٍ من
الأنصارِ، ورجلٍ من قريشٍ(١).
(١) أبو إبراهيم -وهو الأنصاري- قال أبو حاتم: لا يُدرى من هو ولا أبوه،
-٣٤٩-

كتاب الحج - أعمال يوم النحر
قال أبو جعفر: ولم نجدْ هذا الِّّيَانَ في حديثِ أحدٍ ثَمّن روَى هذا
الحديثَ عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ غيرَ عليٍّ بنِ المباركِ، فأما الأوزاعيُّ، فلم
یدکُرْ ذلكَ في حدیثِهِ هذا عن يحيى.
١٨٤٥- كما حَدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بن ميمون البغداديُّ قال:
حَدَّثْنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي
إبراهيمَ الأنصاريِّ، قال: حَدَّثنا أبو سعيد الخدريُّ، قال: سَمِعْتُ النبيَّ
﴿ يستغفرُ يومَ الحديبيَّةِ للمحلّقينَ ثلاثاً وللمقصِّرينَ مرةً.
قال أبو جعفر: وليسَ عليُّ بنُ المباركِ بدونِ الأوزاعيِّ. والله
نسألُهُ التوفيقَ.
وقال الذهبي: لا يعرف. وباقي رجاله ثقات.
ورواه أحمد ٢٠/٣ و٨٩، وابن أبي شيبة في القسم الأول من الجزء الرابع ص
٢١٦، والطيالسي (٢٢٢٤)، وأبو يعلى (١٢٦٣) من طرق عن هشام الدستوائي عن
يحيى بن أبي كثير، بهذا الإسناد، وفيه التصريح باسمي الرجلين وهما: أبو قتادة،
وعثمان بن عفان، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢٦٢/٣، وقال: رواه أحمد وأبو
يعلى، وفيه أبو إبراهيم الأنصاري جهله أبو حاتم، وبقية رجاله رجال الصحيح.
- ٣٥٠-

کتاب الحج - المبیت بمنی
٢٥٦ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسولِ الله ◌ِ﴾ في الأيامِ
المُرَادَةِ في قول الله عزَّ وجلّ: ﴿واذْكُرُوا اللهَ في أيَّامٍ
مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فيِ یَوْمَیْنِ فَلا إِثْمَ عَلَیْهِ، وَمَنْ
تَأخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عليه لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]
١٨٤٦- حَدَّثْنا عليُّ بنُ معبد، قال: حَدَّثْنا يعلى بنُ عُبَيْدٍ
الطنافِسيُّ، قال: حَدَّثنا سفيانُ، عن بُكَيْرِ بنِ عطاء، عن عبد الرحمن
الدِّيلي، قال: رأيتُ رسولَ الله ﴿ واقفاً بعرفاتٍ، فأقْبَلَ أناسٌ من أهلٍ
نجد، فسألوه عن الحجِّ، فقال: ((الحجُّ يَوْمُ عَرَفَةَ، مَنْ أَذْرَكَ جمعاً قبلَ
صلاةِ الصُّبح، فقد أدرك الحَجَّ، أيامُ مِنى ثلاثة أيام التشريق، فمن
تعجّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخّر، فلا إثم عليه))، ثم أردفَ
خلفه رجلاً يُنادي بذلك(١).
١٨٤٧ - حَدَّثنا علي بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثنا شبابة بنُ سوَّار، قال:
(١) إسناده صحيح. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٢٠٩/٢ - ٢١٠.
ورواه أحمد ٣٠٩/٤-٣١٠، والحميدي (٨٩٩)، وأبو داود (١٩٤٩)،
والترمذي (٨٨٩) و(٩٩٠)، والنسائي ٢٦٤/٥ -٢٦٥، وابن ماجه (٣٠١٥)، وابن
خزيمة (٢٨٢٢)، والدارقطني ٢٤٠/٢، وابن حبان (٣٨٩٢)، والحاكم ٤٦٤/١،
والبيهقي ١١٦/٥ و١٥٢ و١٦٣ من طرق عن سفيان الثوري، بهذا الإسناد.
وقوله: ((الحج يوم عرفة))، قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: تقديره:
إدراك الحج وقوف عرفة، وقال القاري في ((المرقاة): أي: ملاك الحج، ومعظم أركانه
وقوف عرفة، لأنه يفوت بفواته.
- ٣٥١ -

كتاب الحج - المبيت بمنى
حَدَّثنا شعبة، عن بُكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعْمَر، قال: قال
رسولُ الله :﴿ ثم ذكر مثلَه ولم يذكر سؤالَ أهلِ نجدٍ إِيَّاه، ولا إردافَه
الرجل خلفه(١).
فسأل سائل، فقال: ما معنى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَنْ تَأخْرَ فلاإِنْهَ
عَلَيْهِ﴾، والمتأخر فقد استوفى الأيامَ التي أمره الله عزَّ وجلَّ بالمقام فيها
بيمِنى، ومن كانت هذه سبيلَه لم يَحُزْ أن يُقَالَ: فلا إثمَ عليه فيما فعل،
كما لا يجوزُ أن يقال: لا إِثْمَ على مَنْ صَلَّى صلاةَ الظَّهر، ولا على من
صلى الصلوات كلها وإنما يجوز أن يقال لا إثم على من قَصَّرَ عن شيءٌ
أمر به، ورُخْصَ له مع ذلك تركُ بعضه أو تركُ كُلِّه.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله أنه قد يحتمِلُ أن يكونَ ذلك،
لأن الله عزَّ وجلَّ يُحِبُّ أن تؤتى رُخَصُهُ كما يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ،
فكان المقيمُ إلى النفْرِ الآخرِ تاركاً لرخصة الله عزَّ وجلَّ، فيرفع الله عزَّ
وجلَّ عنه الإِثمَ في ذلك لِقوله: ﴿وَمَنْ تَأخَّرَ فِلاإِثْمَ عَلَيْهِ﴾، والله نسأله
التوفيق.
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار) ٢١٠/٢. ورواه أحمد
٣٠٩/٤ و٣١٠، والطيالسي (١٣٠٩) و(١٣١٠)، والدارمي ٥٩/٢، والدارقطني
٢٤١/٢، والحاكم ٢٧٨/٢، والبيهقي ٧٣/٥ من طرق عن شعبة، به.
- ٣٥٢-

كتاب الحج - المبیت بمنی
٢٥٧- بابُ بیانِ مشکلٍ ما رُوِي عن رسول الله ﴾ في إذنِهِ
للعباس بن عبد المطلب في البَيْتُوتَةِ بمكّة لیالِی مِنی مِن
أجل السِّقایَةِ
١٨٤٨- حَدَّثنا فهدُ بن سليمان، قال: حَدَّثنا أبو بكر بن أبي
شيبةَ، قال: حَدَّثنا أبو اسامة وعبدُ الله بن نُمَير، عن ◌ُبيد الله بنِ عُمَرَ،
عن نافع، عن ابنٍ عُمَر أن العَّاس استأذَنَ النِيَّ : ﴿ أنْ يَبِيتَ بمكّة ليالي
مِنِىٌ من أجل سقايتِهِ فأذِنَ له(١).
١٨٤٩- حَدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال: حَدَّثنا إسحاقُ بنُ
إبراهيم، قال: حَدَّثنا عيسى بنُ يُونس، قال: حَدَّثْنَا عُبَيْدُ الله، عن نافع،
عن ابنِ عُمرَ، قال: رخْص رسولُ اللهِلَّ ا للعباس بن عبد المطلب أن
يَبيتَ بمكّة أيام مِنىٍ من أجل سقايتِه(٢).
١٨٥٠- حَدَّثنا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنا مُسَدَّد، قال: حَدَّثْنا
(١) رواه مسلم (١٣١٥)، والبيهقي ١٣٥/٥، من طريق ابن أبي شيبة، به.
ورواه أبو داود (١٩٥٩) عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي أسامة وعبد الله بن ثمير،
به. ورواه الدارمي ٧٥/٢، وابن الجارود في («المنتقى)) (٤٩٠) من طريقين عن أبي
أسامة. ورواه أحمد ٢٢/٢، والبخاري (١٧٤٥)، وابن ماجه (٣٠٦٥)، وابن حبان
(٣٨٨٩) من طريق عبد الله بن نمير، به، وانظر ما بعده.
(٢) إسناده صحيح. وهو عند النسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة))
١٦٣/٦. ورواه مسلم (١٣١٥) عن إسحاق ابن راهويه، وابن حبان (٣٧٨٩)،
والبيهقي ١٥٣/٥ من طريقين عن إسحاق ابن راهويه، بهذا الإسناد. ورواه الدارمي
٧٥/٢، والبخاري (١٧٤٣) من طريق عیسی بن یونس، به.
-٣٥٣-

کتاب الحج - المبیت بمنی
يحيى بنُ سعيد، عن عُبيد الله بنِ عمر، قال: حدثني نافع، ولا أعلَمُهُ إلَّ
عن ابنِ عمرَ، أن العباس استأذَنَ رسول الله ﴿ أن يَبِيتَ ليالي مِنىً بمكّة
من أجل السقاية، فأذِنَ له(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث إطلاقُ رسول الله / للعَّاس
البَيْتُوتَةَ بمكة ليالي مِنىٍّ من أجل السِّقاية لاحتياجها إليه في إقامتها
للناس. في ذلك ما قد دَلَّ أنَّ مَنْ سِواه من الناس ثَمّن لا حاجة بالسقاية
إليه في ذلك بخلافه.
قال قائل: فقد رَويتم عن النِّ ل:﴿ فيما كان يفعلُه في تلك الليالي
ما يُخَالِفُ هذا، وذكر:
١٨٥١- ما قد حَدَّثنا محمد بن علي بن داود البغدادي، قال:
حَدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمد بن عَرْعَرَة، قال: دفع [إلي] معاذُ بن هشام كتاباً
ولم أسمعْه منه، وقال سمعتُه من أبي عن قتادةً، عن أبي حسان، عن ابنٍ
عباس أن النبيَّ # كان يَزُورُ البيتَ كُلَّ ليلةٍ من ليالي مِنِى(٢).
فكان جوابُنا له بتوفيق الله عزَّ وجلَّ وعونه: أنَّ هذا الحديثَ
عندنا مخالفٌ للحديث الأوَّل، لأنَّ الذي في الحديث الأول إطلاقُ
(١) إسناده صحيح. ورواه أحمد ١٩/٢ عن يحيى بن سعيد، بهذا الإسناد.
(٢) علّقه البخاري ٥٦٧/٣ بصيغة التمريض، فقال: ويذكر عن أبي حسان
عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي # كان يزور البيت أيام منى.
ووصله البيهقي ١٤٦/٥، والطبراني (١٢٩٠٤)، ومن طريقه ابن حجر في
(تغليق التعليق) ٩٩/٣ من طريق إبراهيم بن محمد بن عرعرة، به. وانظر الكلام على
هذا الحديث عند الخطيب في ((تاريخه) ١٤٩/٦، والحافظ في التغليق ١٠١/٣.
- ٣٥٤ -

کتاب الحج - المبیت بمنی
رسول الله﴿ للعباس البيتُوتَةَ بمكّة لحاجةِ السِّقايةِ إلى ذلك منه. والدليلُ
على منع غيره من مثل ذلك مَّن لا حاجَةَ بالسِّقاية إليه، والذي في
حديثِ ابنِ عباس زيارةُ رسول الله :﴿ البيت في كُلِّ ليلةٍ من ليالي مِنى
وليسَ في ذلك بيتوتَتَه ﴿ بمكّة، لأنّه قد يجوزُ أن يكونَ ﴾ يزورُ البيت،
ثم يرجعُ فیبیتُ في ليلته تلك منىّ، فيكونُ مِمَّن قد باتَ بها، وفي ذلك
ما قد دَلَّ على أنَّه إنما أُريدَ من الحاجِّ البيتوتةُ بِمِنِىٌ ليالي منىٍّ، ولم يُرَدْ
منهم أن لا يَبْرَحُوا عن منى في تلك اليالي. ألا ترى أنه جائزٌ لهم أن
يخرجوا منها في الليل حتّى يأتوا مكّة فيطوفُون بالبيت طوافَ الزِّيارةِ،
ثم يرجعونَ إِليها فيبيتُون بها ولا يكونُون بذلك متخلِّفين عن البيتوتِة
بها، وكذلك المتعارفُ في البَيْتُوتاتِ. ألا ترى أن مَنْ حَلَفَ أنْ لا يَبِيتَ
في هذا المنزل هذه الليلة فأقامَ فيه أقلَّ من نصفِها، ثم خرج عنه إلى
غيره فاقام فيه بقيَّتها حتّى أصبح: أنه لم يحنَثْ في يمينه، لأنّه لم يَبِتْ
فيه، وأنه لو كان أقامَ فيه أكثرَ من نصفِها، ثم خرجَ إلى غيره، فأقامَ فيه
بقيَّتها حتى أصبحَ أنه قد حنِث، لأنّه قد باتَ فيه هكذا المتعارف. ألا
ترى أنَّ من لَقِيَ رجلاً في الليل قبل أن يمضيَ نصفُه أنه جائزٌ أن يقولَ
له: أين تبيتُ الليلة؟ أنه لو لَقِيَهُ بعد أن مضى نصفُه أنه جائزٌ أن يقولَ
له: أين بتَّ الليلة؟ فكذلك ما ذكرناهُ عن رسول الله {* من زيارتِه
البيتَ في كلِّ ليلة من ليالي مِنِىّ هو عندنا - والله أعلم - على أنَّه يرجعُ
منه إلى منىٌ قبل أن يمضيَ نصفُ الليل، فيكون بها حتى يُصْبِحَ فيها،
فيكونُ بذلك بائتاً فيها، فاتفقَ بحمد الله ونعمته هذا الحديث ومعنى
الحديث الأول، ولم يختَلِفا، والله عزَّ وجلَّ نسأله التوفيقَ.
- ٣٥٥-

كتاب الحج
٢٥٨- بابُ بیانِ مشکلٍ ما رُوِيَ عنه علیه السَّلامُ من قولِه: "مَنْ
كُسِرَ أُو عَرِجَ، فَقَدْ حَلَّ وعلیه حِجَّةٌ أُخرى)»
١٨٥٢- حَدَّثنا ابنُ مرزوق، حَدَّثنا أبو عاصمِ النّبِيلُ، عن
الحجاجِ الصَّوَّاف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عِكْرمة، عن الحجاج بنِ
عمرو الأنصاري، قال: سمعتُ النبيَّ عليه السَّلامُ يقول: ((من عَرِجَ أو
كُسِرَ، فقد حَلَّ، وعليه حِجَّةٌ أُخْرَى))(١).
١٨٥٣- وحَدَّثنا ابنُ خُزيمة، حَدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله الأنصاري،
أخبرني الصوَّاف، أخبرني يحيى، عن عكرمة، عن الحجاج، قال: سمعتُ
النبيَّ عليه السَّلامُ يقول : -فذكر مثله، وزاد: قالَ: فحدثتُ بذلك أبا
هريرة، وابنَ عباس، فقالا: صَدَقَ(٢).
١٨٥٤ - وحَدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَذَّثنا يحيى الوُحَاظِي،
حَدَّثْنَا مُعاويةٌ بن سلام، عن يحيى، عن عِكرمةَ قال: قال عبدُ الله بن
(١) إسناده صحيح. وهو في ((شرح معاني الآثار) ٢٤٩/٢ بإسناده ومتنه.
ورواه الدارمي ٦١/٢، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٤٤٦/٥-٤٤٧ من
طريق أبي عاصم، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٤٥٠/٣، وأبو داود (١٨٦٢)، والترمذي (٩٤٠)، والنسائي
١٩٨/٥، وابن ماجه (٣٠٧٧)، والطبراني (٣٢١١) و(٣٢١٢)، والحاكم ٤٨٣/١،
والبيهقي ٢٢٠/٥ من طرق عن الحجاج الصواف، به.
(٢) إسناده صحيح. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٢٤٩/٢ بإسناده ومتنه.
ورواه الترمذي بإئر الحديث (٩٤٠) عن إسحاق بن منصور، عن محمد بن
عبد الله الأنصاري، بهذا الإسناد.
-٣٥٦-

كتاب الحج
رافع مولى أمِّ سلمة: أنا سألتُ الحجاجَ بنَ عمروٍ، عن مَنْ حُبِسَ وهو
مُحْرِمٌ، فقالَ: قالَ رسولُ اللهِوَ﴾َ: «مَنْ عَرِجَ أو كُسِرَ، فقد حَلَّ،
وعليه حِجَّةٌ أُخرى))، قال: فحدثتُ بذلك ابنَ عباس، وأبا هريرة،
فقالا: صَدَقَ(١).
فقالَ قائلٌ: كيف تقبلون هذا عن رسول الله مَ﴿، ومَنْ كُسِرَ، أو
عرِجَ لا يخلو من أحدٍ وجهين: أن يكونَ مُحْصَراً بذلك، أو غيرَ محصرٍ
به، فإنْ كانَ مُحْصَراً به، فحكمُ المُحْصَرُ: هو كما قالَ الله تعالى: ﴿فَإِنْ
أُخْصِرْ تُمْفَمَا اسْتَيْسَمِنَالَدْيِ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْنُسُكِ﴾ [البقرة: ١٩٦]،
وإن كان بذلك غيرَ مُحْصَرٍ، بَقِيَ على حِرْمِهِ، ولم يَحلَّ من شيءٍ من
ذلك، فهذا الحديثُ أهلُ العلمِ جميعاً على خلافِه.
فكانَ جوابُنا له في ذلك أنَّ هذا الحديثَ ليس أهلُ العلم جميعاً
على خلافِه كما ذكرَ، إذْ كانَ أهلُ العلم في الإحصار الذي له حکمُ
الإحصار المذكور في كتاب الله تعالى على مذهبين، وأحدُهما أن ذلك
الإحصارَ هو بكُلِّ حابِسِ يُحبَسُ على النَّفوذ إلى البيت، ومَمَّنْ كانَ
يذهبُ إلى ذلك منهم: ابنُ مسعود، وابنُ عباس، وابن الزبير.
١٨٥٥- كما حَدَّثنا ابنُ مرزوق، حَدَّثنا بشرُ بنُ عمر الزَّهْراني،
(١) رواه أبو داود (١٨٦٣)، والترمذي بإثر الحديث (٩٤٠)، وابن ماجه
(٣٠٧٨)، والطبراني (٣٢١٣) (٣٢١٤)، والحاكم ٤٨٣/١، والبيهقي ٢٢٠/٥ من
طرق عن يحيى بن أبي كثير، بهذا الإسناد.
-٣٥٧-

كتاب الحج
حَدَّثْنَا شُعبةُ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ، عن عبد الرحمن بن يزيد، قالَ:
أهَلَّ رجلٌ من النَّخَعِ بِعُمْرةٍ يُقال له: عميرُ بن سعيد، فُلُدْغَ، فَيْنا هو
صَرِيعٌ في الطريقِ، إِذْ طَلَعَ عليهم رَكْبٌ فيهم ابنُ مسعودٍ، فسألوه،
فقالَ: ابْعَثُوا بِالهَدْي، واجْعَلُوا بِينَكُم وبينَه يومَ أمَارةٍ، فإذَا كانَ ذلك،
فليحِلَّ. قالَ الحَكَمُ: وقال عمارةُ بنُ عمير - وكان حسبك به- عن
عبدَ الرَّحمن بن يزيد أن ابنَ مسعود قال: وعليهِ العمرةُ من قابلٍ. قال
شعبة: وسَمِعْتُ سليمان - يعني: الأعمش - حدَّث به مثلَ ما حَدَّث به
الحكمُ سواء.
١٨٥٦- وكما حَدَّثنا به محمدُ بن زكريا بن يحيى أبو شُريح،
وعبدُ الله بنُ محمد بن أبي مريم، قالا: حَدَّثنا الفِريابي، حَدَّثنا سفيانُ،
عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمة: ﴿فَإِنْ أَخْصِرْتَم﴾ قالَ: من
حبس أو مرض، قال إبراهيم: فحدثت به سعيد بن جبير، فقال: هكذا
قالَ ابنُ عباس.
١٨٥٧- وكما حَدَّثنا محمدُ بنُ الحجاجِ الحَضْرمي ونصرُ بن
مرزوق، قالا: حَدَّثنا الخَصِيبُ بنُ ناصحٍ، حَدَّثْنا وُهَيْبُ بنُ خالد، عن
إسحاقَ بنِ سُويد، قال: سمعتُ عبدَ الله بنّ الزبير - وهو يخطُبُ-
يقول: يا أُّها الناسُ، ألا إنَّه -والله- ما التمتعُ بالعمرةِ إلى الحج كما
تصنعونَ، ولكنَّ التمتعَ بالعُمرةِ إلى الحجِّ أنْ يَخْرُجَ الرجلُ حاجّاً،
فَيَحْبِسَه عَدُوٌّ، أو مَرَضٌ، أو أمرٌ يُعْذَرُ به حتَّى تذهَب أيامُ الحجِّ، أو
قال: تمضي أيَّام الحجِّ - إسحاق شكَّ- فيأتي البيتَ، فَيَطُوفُ به،
ويَسْعَى بِينَ الصَّفا والمرْوَةِ، ويتمتعُ بِحِلَّه إلى العامِ المُقبلِ، فَيَحُجُّ
-٣٥٨-

كتاب الحج
ويَهدي(١).
فهذا أحدُ المذهبين.
والمذهبُ الآخر: أنَّ ذلك الإِحْصارَ لا يكونُ إلا بالعدوِّ خاصةً،
ثم أهلُ العلم مِن بعد، فطائفةٌ منهم على المذهبِ الأول، منهم أبو
حنيفة، والثوريُّ، وسائرُ فقهاء الكوفة، وطائفةٌ على المذهبِ الثاني،
منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وسائرُ فُقهاء الحجاز(٢).
فكان فيما ذكرنا أن الحديث الذي رويناه في أول هذا الباب
ليس كما ذكر هذا القائل من خلافِ العُلماءِ جميعاً إِيَّاه.
فقالَ هذا القائل: فما معنى الكلامِ الذي فيه: ((فقد حَلَّ)) وهُم
جميعاً لا يَقولوُنَ: يَحلُّ، إلا لمعنىٌ باللغةِ بعدَ ذلك مما قد ذكرته في هذا
الباب.
(١) رجاله ثقات. ورواه ابن جرير (٣٤١٩) عن عمران بن موسى البصري،
حَدَّثنا عبد الوارث بن سعيد، حَدَّثنا إسحاق بن سويد، بهذا الإسناد.
(٢) قال الإمام البغوي في ((شرح السنة)) ٢٨٧/٧: وأما المحرم بالحج إذا حبسه
مرض أو عذر غير حبس العدو، فهل له التحلل؟ اختلف أهل العلم فيه، فذهب جماعة
إلى أنه لا يباح له التحلل، بل يقيم على إحرامه، فإن زال العذر وقد فاته الحج يتحلل
بعمل العمرة وهو قول ابن عباس، قال: لا حصر إلا حصر العدو، وروي معناه عن
ابن عمر وعبد الله بن الزبير، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وذهب
قوم إلى أن له التحلل، وهو قول عطاء وعروة والنخعي وإليه ذهب سفيان الثوري
وأصحاب الرأي واحتجوا بما رُوِيَ عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري ... ثم
ذکر الحديث.
-٣٥٩-

كتاب الحج
فكانَ جوابُنا له في ذلك أنَّ ذلك الكلامَ كلامٌ عربيٍّ صحيحٌ،
وإنّما المعنى فيه عندنا - والله أعلم- أي: فَقَدْ حَلَّ لَهُ أنْ يَحِلَّ بما يَحِلُّ
به، مما هو فيه من الإِحرام، كما يُقالُ للمرأةِ إذا طُلْقَتْ بعدَ دخولٍ
مُطَلِّقِها بها، فانْقَضَتْ عِدَّتُها: قد حَلَّت للأزواجِ، ليسَ على معنى أنّها
قد حَلَّت لهم كَحِلٌّ نسائهم اللاتي في عُقودِ نكاحِهم لهم، ولكن قد
حَلَّتْ لهم بتزويجٍ بالعقدية(١) عليها حتى تعودَ بعدَه حلالاً لهم كَجِلٌ
نسائِهم اللاتي في عُقودِ نكاحِهم لهم، حتى تعالى ذلك إلى قول الله
تعالى، وهو قولُه حَلَّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ طَّهَ فَلاَ تَحِلٌ لَهُمِنْ بَعْدُ حَتَّى تَمْكِحَ مَوْجاً
غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ليسَ أنَّها إذا نَكَحَتْ زَوْجَاً غَيره تعودُ حلالاً
له، ولكنّها تعودُ إلى حالٍ يَحِلُّ له فيها استئنافُ عَقْدَ النِّكاحِ عليها،
حتى تكونَ حلالاً له، فمثل ذلك قولُه عليه السَّلامُ: ((مَن كُسِرَ، أو
عَرِجَ، فَقَدْ حَلَّ)، ليسَ ذلك على أنه قد حَلَّ حِلاً، خَرَجَ به من حِرْمِه،
ولكنْه سببٌ حَلَّ لَهُ به أن يفعلَ فعلاً يَخْرُجُ به من حِرْمِهِ، فقد عادَ بما
قد ذكرنا: ما قد رويناه عن رسول الله ﴿ مِمَّا وجدنا إلى أنْ لا
استحالةَ فيه، ولا خروجَ عن أقوالِ أهلِ العلمِ جميعاً عنه.
(١) ونص كلامه في ((شرح معاني الآثار)) ٢٥٠/٢: ويكون هذا كما يقال:
قد حُلَّتْ فلانة للرجال: إذا خرجت من عدة عليها من زوج كان لها قبل ذلك، ليس
على معنى أنّها قد حلّت لهم، فيكون لهم وطؤها، ولكن على معنى أنه قد حل لهم أن
يتزوجوها تزوجاً يُحل لهم وطأها.
- ٣٦٠-