النص المفهرس
صفحات 161-180
كتاب الحج ٢٣٠ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ في السبب الذي به قطع رسولُ ما كان المشركون عليه من تحريمهم العُمْرَة في الوقت الذي کانوا یحرِّمونها فیه من الزمان ١٦١٥- حَدَّثَنَا محمدُ بن خُزَيْمة، قال: حَدَّثْنَا مُعَلَّى بنُ أسد العَمِّي، قال: حَدَّثْنَا وُهَيْبُ بنُ خالدٍ، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كانوا يَرَوْنَ العُمْرَة في أشهر الحَجِّ من أفجر الفجور، وكانوا يُسَمُّونَ المحرم صَفَراً، وكانوا يقولون: إذا برأ الدَّبْرُ، وعفا الأثَرُ، ودخل صَفَرٌ، حلَّت العُمْرَة لِمَنِ اعْتَمَر. فَقَدِمَ رسولُ الله ﴿ مكة صبيحةَ رابعةٍ من ذي الحجة وهم مُلُبُّونَ بالحج، فأمرهم أن يجعلُوها عُمرةٍ(١). ١٦١٦- حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمد بنِ الحسن الفِرْيابي، قال: حَدَّثْنَا (١) إسناده صحيح. ورواه أحمد ٢٥٢/١ (٢٢٧٤)، والبخاري (١٥٦٤) و(٣٨٣٢)، ومسلم (١٢٤٠)، والنسائي ١٨٠/٥-١٨١، والطبراني (١٠٩٠٦)، والبيهقي ٣٤٥/٤، والبغوي (١٨٨٤) من طرق عن وهيب، به. وقوله: (يسمون المحرم صفراً) قال العلماء: المراد الإخبار عن النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، فكانوا يسمون المحرم صفراً ويحلونه، ويؤخرون تحريم المحرم إلى نفس صفر لئلا تتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة، فيضيق عليهم فيها ما اعتادوه من المقاتلة والغارة بعضهم على بعض، فضللهم الله في ذلك، فقال: (إنّما النِّسيُ زيادةٌ في الكُفر يُضَلُّ به الذين كفروا ... ). وقوله: برأ الدبر: أراد برأ الدبر من ظهور الإبل إذا انصرفت عن الحج دَبِرَةً ظهورُها، وقوله: عفا الأثر: أي اندرس أثر الإبل وغيرها في سيرها، ويحتمل أثر الدبر المذكور، يقال: عفا الشيء: إذا درس وأمَّحی. - ١٦١- كتاب الحج إبراهيمُ بنُ الحَجَّاجِ السَّامِي، قال: حَدَّثْنَا وُهَيْبٌ، ثم ذكر بإسناده مثلَه. ففي هذا الحديث أن الذي كان مِن رسول الله مُطّ من أمره الناسَ بتركِ الحج الذي كانوا أحرموا به، وإحرامِهم مكانه بالعُمرة كان لِنقص ما كانتِ العربِّ عليه مِن تحريمهم العمرةَ في شهور الحجّ. وقد رُوِيَ هذا الحديثُ من جهة غيرِ هذه الجهة بزيادةٍ على ما في هذا الحديث من الوقت الذي كانوا يُحَرِّمُون العمرة فيه، وبانَ السَّبَبُ الذي نقض به رسولُ الله ◌َ﴿ ما كانوا عليه مِما ذكر في هذا الحديث ١٦١٧- كما حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ عَدِيُّ الكوفيُّ، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ زكريًّا بنِ أبي زَائِدة، عن ابن جُرَيْج، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: والله ما أعْمَرَ رسولُ اللهَ ﴿ عائشةَ في ذي الحِجَّةِ إلاّ ليقطع بذلك أمرَ الجاهلية، فإنَّ هذا الحي من قريش ومَنْ دَانَ دينُهم كانوا يقولون: إذا عَفَا الوَبَرُ، وبرأ الدَّبَرُ، ودَخَلَ صَفَرٌ، فقد حلَّت العُمرة لمن اعتمر، فكانوا يُحَرِّمُونَ حتى ينسلخَ ذو الحِجة والمحرم، كما أعْمَرَها رسولُ الله ◌َ﴿ إلاَّ لِيقطعَ ذلك مِن فعلهم(١). ١٦١٨- كما حَدَّثْنَا جعفرُ بنُ محمد الفِرْيَابي، قال: حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ سَهْلِ الحَنَّاط، وكان يُلَقِّبُ خربوش، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ أبي زائدة، قال: حَدَّثَنَا ابنُ جُرَيج وابنُ إسحاق عن عبد الله بنِ طاووس، عن أبيه، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما، ثم ذكر مثله غير (١) حديث حسن، وهذا إسناد ضعيف لأجل عنعنة ابن إسحاق وابن جريج، وانظر ما بعده. - ١٦٢- كتاب الحج أنَّه قال في آخره: إلاَّ لِنَقْضِ ذلك مِن قولهم (١). فاختلف يوسفُ بنُ عَدِيّ والحسنُ بنُ سهل في إسنادٍ هذا الحديث فقال يوسفُ فيه: عن ابن جُرَيج، عن محمد بن إسحاق، وقال الحسنُ فيه: عن ابنٍ ◌ُريج وابنِ إسحاق. وفي هذا الحديث أنهم كانوا يُحرِّمُون العُمْرة في المُحَرَّم، وليس من شهور الحج، كما كانوا يُحرِّمونها في ما قبلَه من شهور الحج، وذلك عندنا - والله أعلمُ - وَهْمٌ من محمد بن إسحاق، لأنَّ المستفيض عندَ الناسِ من تحريم العربِ العُمرة إنما كان في شهور الحج، لا فيما سواها، وكذلك هو منصوصٌ في حديث وُهَيْبٍ الذي قد رويناه فيه أيضاً أنهم كانوا يُسَمُّون المحرَّمِ صَفَراً، ففي ذلك ما قد دَلَّ على أنهم إنما كانوا يريدون بقولهم: ودخل صفر، أي دخل المُحَرَّمُ الذي كانوا يُسمونه صفراً، لا يريدون بذلك صفراً الذي يعقب المحرم. وقد رُوِيَ عن عبد الرزاق هذا الحديث عن معمر وابن جريج ١٦١٩- حَدَّثْنَا جعفر الفِرْيَابِي، قال: حَدَّثْنَا العباسُ بنُ عبد العظيم العَنبري، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الزراق، قال: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ وابنُ جُرَيج، عن ابنٍ طاووس، عن أبيه ولم يذكر ابنَ عباس فيه قال: قدموا بالحج خالصاً لا يُخالِطُه شيءٌ -يعني أصحابَ رسول (١) حديث حسن، الحسن بن سهل ذكره ابن حبان في ثقاته وقد توبع، وابن إسحاق صرّح بالتحديث كما عند الإمام أحمد ٢٦١/١ (٢٣٦١)، ورواه الطبراني في الكبير (١٠٩٠٧) عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن الحسن بن سهل الخياط (كذا في المطبوع)، عن يحيى، به. ورواه أبو داود (١٩٨٧)، وابن حبان (٣٧٦٥)، والبيهقي ٣٤٤/٤-٣٤٥ من طرق عن يحيى بن أبي زائدة، به. -١٦٣- كتاب الحج الله:﴿ :- وكانوا يَرَوْن العمرة في أشهر الحجِّ أفجرَ الْفُحُورِ، وكان يُعْجِبُهُمْ من أمرِ الإسلام ما كان في الجاهلية، وكانوا يقولون: إذا برأ الدبرُ، وعَفَا الوَبَرُ، وانسلخ صفر، حلَّتِ العُمْرة لمن اعتمر(١). فكان في هذا الحديث أنهم كانوا يقصدون بتحريم العُمرة إلى شهور الحج خاصة، وفي ذلك موافقة مَعْمَر وابن جريج لما رواه وُهَيْب في ذلك ومخالفتهما لابن إسحاق فيما رواه فيه غير أن فيه: وانسلخ صَفَرَ(٢). وذلك عندنا - والله أعلم- وَهَمّ، وإنما هو: ودخل صَفَر يريدون بذلك دخول المحرَّم الذي كانوا يُسمُّونه صفراً والله أعلمُ. وفي حديث محمد بن إسحاق أنَّ الذي قصد به رسولُ الله اح﴿ إلى نقض ما كانوا عليه في الجاهلية مما ذكرنا هو إعمارُه عائشة رضي الله عنها في ذي الحجة، وهذا عندنا مُحَالٌ، لأَنَّ رسول الله وَ﴿ْ أَمَرَ الناس قبل ذلك أن يفسخوا إحرامهم بالحج، وأنْ يُحرمُوا مكانَه بعمرة وفيهم عائشة. ١٦٢٠- كما حَدَّثَنَا فهدٌ، قال: حَدَّثْنَا أبو نُعَيْم، قال: حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بنُ عبد الله بنِ أبي سَلَمة، عن عبد الرحمن بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجنا مَعَ رسولِ اللهِلَ﴿ ولا نَذْكُرُ إِلَّ الحجَّ، فلما جئنا سَرِفًَ(٣) طَمِثْتُ، فدخل عليَّ رسولُ الله ◌ِ﴾ (١) رجاله ثقات وهو موقوف على طاووس. (٢) قال الحافظ: ووجه تعلق جواز الاعتمار بانسلاخ صفر مع كونه ليس من أشهر الحج، وكذلك المحرم، أنهم لما جعلوا المحرم صفراً، ولا يستقرون ببلادهم في الغالب ويبرأ دبر إبلهم إلا عند انسلاخه، ألحقوه بأشهر الحج على طريق التبعية، وجعلوا أول أشهر الاعتمار شهر المحرم الذي هو في الأصل صفر. (٣) موضع على ستة أميال من مكة أو أكثر، يصرف ولا يصرف، به قبر ميمونة -١٦٤ - كتاب الحج وأنا أَبْكِي، فقال: ((ما يُبْكِيك)؟ فقلت: لَوَدِدْتُ أَنّي لم أحجَّ العام أو أخرج العام. قال: (لعلك نَفِسْتِ)) قلتُ: نعم. قال: ((إنَّ هذا أمرٌ كَتَّبَهُ الله على بنات آدم، فافْعَلِي ما يفعلُ الحَاجُّ غيرَ أنْ لا تَطُوفِي بالبيتِ)) قالت: فلما جئنا مَكَّة، قال رسولُ الله ﴿ لأصحابه: ((اجعلُوها عُمرة)) فحلَّ الناسُ إلاَّ مَنْ معه هدي، فكان الهديُ معه، ومع أبي بكر وعمر رَضِيَ الله عنهما وذي الْيَسَارَة، ثم أهلُّوا بالحج، فلما كان يَوْمُ النَّحْرِ طَهُرْتُ، فأرسلني رسولُ اللهِ﴿ فَأَفَضْتُ، فأتي بلحم بقرٍ، فقلتُ: ما هذا؟ فقالوا: أهدى رسول الله ﴿ عن نِسائِهِ البقر حتَّى إذا كانت ليلةُ الحَصْبَةِ، قلتُ: يا رسولَ الله يرجعُ النَّاسُ بحخَّةٍ وعُمرةٍ، وأرجع بحجَّةٍ؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفِنِي خلفَه، فإني لأذكر أنّي كنتُ أَنْعُسُ، فيضربُ وجهي مؤخرةُ الرَّحْلِ حتى جِئْنَا التّنعيم، فأهلَلْتُ بعمرةٍ جَزَاءَ عُمْرَةِ الناسِ التي اعتمروها (١). زوجة النبي * ورضي الله عنها. (١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٣٠٥) عن أبي نعيم، بهذا الإسناد. ورواه مسلم (١٢١١)، والبيهقي ٣/٥ من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماشجون، به. ورواه الإمام الشافعي ٣٨٩ - ٣٩٠، والإمام أحمد ٣٩/٦، والحميدي (٢٠٦)، والبخاري (٢٩٤) و(٥٥٤٨) و(٥٥٥٩)، ومسلم (١٢١١) (١١٩)، والنسائي ١٥٣/١ و١٥٦/٥ و٢٤٥، وابن ماجه (٢٩٦٣)، وابن خزيمة (٢٩٠٥) و(٢٩٣٦)، وأبو يعلى (٤٧١٩)، ابن حبان (٣٨٣٤)، والبغوي (١٩١٣)، والبيهقي ٣٠٨/١، و٣/٥ و٨٦ من طرق، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، به. ورواه أيضاً عن عبد الرحمن بن القاسم: الإمام مالك، وحماد بن سلمة، ومحمد بن إسحاق. ورواه عن القاسم: أفلح بن حميد، وأيمن بن نابل. وانظر (١٧٠٧). - ١٦٥- كتاب الحج قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث عن عائشة أنهم خروجُوا مع رسول الله﴿ وهي منهم ولا يذكرون إلاَّ الحجَّ، وأنَّ رسول الله صل أمر الناسَ أنْ يجعلُوها عُمرة إلاَّ مَنْ كان معه المَدْي، وأنها قالت لِرسول اللَّه ◌َّ ليلة الحصبة: أَيَرْجِعُ الناسُ بحجة وعُمرة وأرجعُ بحجة. وهذا مما يجب أنْ يُوقف عليه، وأنْ يُكشف معناه، لأنَّ أصحابَ رسولِ الله ◌ِ﴿و كانوا فسخوا الحج الذي كانوا أحرموا به، وأحرموا مكانَه بعمرة، فكشفنا ذلك، فوجدناه مُحتملاً أنْ تكونَ عائشة أحرمت بالحج كما أحرم الناسُ به، ثم عادَ إحرامُها إلى العمرة التي عادَ إحرامُ الناس إلى مثلِها، ثم أدركها الحيضُ، فأمرها رسولُ اللهَ﴿ برفضها والإحرامِ بالحج مكانَها، واتسع لها بذلك رضوانُ الله عليها أنْ قالت لرسول الله # ليلةَ الحصبةِ: أيرجعُ الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة؟! وقد بين ذلك غيرُ واحد عنها، منهم: الأسودُ بن یزید ١٦٢١- كما قد حَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمان المُرَادي، قال: حَدَّثْنَا أسدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثْنَا أبو عَوَانة، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجنا ولا نرى إلاَّ أنَّه الحجُّ، فلما قَدِمِ مكّة، طافَ ولم يَحِلَّ وكان معهُ الهَدْي، فطاف مَنْ معه من نسائه وأصحابه، فحلَّ منهم مَنْ لم يكن معه الهديُ، قال: وحاضَتْ هِي. قالت: فقضينا مناسِكَنًا من حجِّنا، فلما كانت ليلةُ الحَصْبةِ(١) ليلةُ النّفْرِ، قلتُ: يا رسولَ اللهِ أيرجِعُ أصابُك بحجٌ وعمرة وأرجعُ أنا بحجُ؟ (١) الحصبة المراد بها: ليلة المبيت بالمحصب وهو البطحاء التي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الوادي واتسع. -١٦٦- كتاب الحج قال: ((أمَا كنتِ طُفْتِ بالبيتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا))؟ قالت: قلتُ: لا. قال: ((انطلقِي مع أخيكِ إلى التَّنْعِيم فأهِلَّي بعُمرة، ثم موعدُك مكان كذا و كذا)»(١). (١) حديث صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار) ٢٠٢/٢. ورواه الإمام أحمد ١٢٢/٦ عن عفان، والبخاري (١٧٦٢) عن أبي النعمان، وهما عن أبي عوانة، بهذا الإسناد. وسيتكرر برقم (١٧٠٠). وقد رُوِيَ هذا الحديث بأطول منه وفيه ذكر صفية رضي الله عنها. وقد رواه عن منصور: أبو عوانة، وعبيدة بن حميد، وشعبة، وشيبان، وإسرائيل، ومفضل، وسفيان، وجرير، ورواية جرير عند البخاري (١٥٦١)، ومسلم (١٢١١) (١٢٨) و(٣٨٧). ورواه عن إبراهيم: منصور، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان، والأعمش وابن عون ورواية الحكم عند البخاري (٥٣٢٩) و(٦١٧٥)، ومسلم (١٢١١) (٣٨٧). ورواية الأعمش عند البخاري (١٧٧١) و(١٧٧٢)، ومسلم (١٢١١) (١٢٩) و(٣٨٧). ورواية ابن عون عند البخاري (١٧٨٧) ومسلم (١٢١١) (١٢٦) و(١٢٧) وبعض هذه الروايات مختصرةً، وبعضها مطولاً. وقد علق الحافظ في ((الفتح)) ٤٢٣/٣ على قول عائشة: ((ولا نرى إلا أنه الحج)) فقال: ولأبي الأسود عن عروة عنها كما سيأتي (أي عند البخاري): ((مهلين بالحج)، ولمسلم من طريق القاسم عنها: ((لا نذكر إلا الحج))، وله من هذا الوجه (أبينا بالحج))، وظاهره أن عائشة مع غيرها من الصحابة كانوا أولاً محرمين بالحج، لكن في رواية عروة عنها هنا ((فمنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهلَّ بحج وعمرة، ومنا من أهلَّ بالحج) فيحمل الأول على أنها ذكرت ما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحج، فخرجوا لا يعرفون إلا الحج، ثم بَيَّنَ لهم النبي ﴿ وجوه الإحرام، وجوَّزَ لهم الاعتمار في أشهر الحج، وسيأتي في باب الاعتمار بعد الحج من طريق هشام بن عروة عن أبيه -١٦٧- كتاب الحج ففي هذا الحديث ما قد دَلَّ على أنها قد كانت خرجت من عُمرتها التي صارت مكانَ حجتها بتركها الطوافَ لها حتى تشاغَلَت بما تشاغلت به من أمر حجتها. وقد روى عُرْوَةُ بنُ الزبير هذا الحديثَ عن عائشة، فبيّن فيه معنىًّ غيرَ هذا المعنى كان هو السببَ لِخروجها من العمرة ١٦٢٢- كما حَدَّثْنَا أبو بَكْرَةَ بَكَّارُ بن قُتَيْبَة ومحمد بن خُزَيْمة، عنها ((فقال: من أحب أن يهل بعمرة فليهل، ومن أحب أن يُهل بحج فليُهل))، ولأحمد من طريق ابن شهاب عن عروة ((فقال: من شاء فليهل بعمرة، ومن شاء فليهل بحج)، ولهذه النكتة أورد المصنف في الباب حديث ابن عباس: ((كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور)) فأشار إلى الجمع بين ما اختلف عن عائشة في ذلك، وأما عائشة نفسها فسيأتي في أبواب العمرة، وفي حجة الوداع من المغازي، من طريق هشام بن عروة عن أبيه عنها في أثناء هذا الحديث قالت: ((وكنت ممن أهل بعمرة))، وسبق في كتاب الحيض من طريق ابن شهاب تحوه عن عروة، زاد أحمد من وجه آخر عن الزهري ((و لم أسُقْ هدياً) فادعى إسماعيل القاضي وغيره أن هذا غلط من عروة وأن الصواب رواية الأسود والقاسم وعروة عنها أنَّها أهَلّتْ بالحج مفرداً، وتُعقب بأن قول عروة عنها: إنها أهلت بعمرة صريح، وأما قول الأسود وغيره عنها: ((لا نرى إلا الحج))، فليس صريحاً في إهلالها بحج مفرد، فالجمع بينهما ما تقدم من غير تغليط عروة، وهو أعلم الناس بحديثها، وقد وافقه جابر بن عبد الله الصحابي كما أخرجه مسلم عنه، وكذا طاووس ومجاهد عن عائشة، ويحتمل في الجمع أيضاً أن يقال: أهلَتْ عائشة بالحج مفرداً كما فعل غيرها من الصحابة، وعلى هذا ينزل حديث الأسود ومن تبعه ((ثم أمر النبي # أصحابه أن يفسخوا الحج إلى العمرة)) ففعلت عائشة ما صنعوا فصارت متمتعة، وعلى هذا يتنزَّلُ حديث عروة: ((ثم لما دخلت مكة وهي حائضٌ فلم تقدر على الطواف لأجل الحيض أمرَها أن تُحرمَ بالحجِّ). -١٦٨- كتاب الحج قالا: حَدَّثَنَا عثمانُ بنُ الهَيْثَم بن الجَهْم، قال: أخبرني ابن جُرَيْج، قال: حدثني هِشَامُ بن عُرْوة، عن عُرْوةً، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أمَرَنا الْنِيُّ ◌َ﴿ أَنْ تُهِلَّ بالحجِّ ومن شاء، فليُهِلَّ بالعُمرة. قالت: فكنتُ مِمَّن أهلَّ بعمرة، فحِضْتُ، فدخل عليَّ النبيِ ﴿ّ، فأمرني أنْ أنْقُضَ رأسِي، وأمتّشِط وأدَع عُمْرَتِي (١). وقد وافق عروة فيما رواه من ذلك عن عائشة رضي الله عنها ابنُ أبي مُلَيْكة، وعكرمةُ مولى ابن عباس، فرويا عنها مثلَ ذلك ١٦٢٣- وكما حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا يوسف بن عَدِيّ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ أبي زائدة، عن نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي ملكية، عن عائشة رضي الله عنها، ثم ذكر مثله. ١٦٢٤ - وكما قد حَدَّثْنَا ابن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا يوسف بن عدي، قال: حَدَّثْنَا ابن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن زيد بن الحسن، عن عِكْرمة، عن عائشة، ثم ذكر مثلَه(٢). (١) إسناده صحيح، ورواه ابن أبي شيبة ٢٩٩/٧ في الرد على أبي حنيفة، عن عبدة، عن هشام، به. ورواه البخاري (١٧٨٦) عن محمد بن المثنى، عن يحيى القطان، عن شام، بهذا الإسناد. ورواه الإمام مالك في (الموطأ)) ٤١٠/١ عن ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله * في حجَّة الوداع، فأهللنا بعمرة ... ورواه من طريق الإمام مالك البخاري (٤٣٩٥)، ومسلم (١٢١١)، وأبو داود (١٧٨١)، والنسائي ١٦٥/٥-١٦٦، وابن حبان (٣٩١٧)، والبيهقي ٣٤٦/٤ ر٣٥٣ رسيأتي برقم (١٧٠٥). (٢) إسناده صحيح، ورواه بن راهوية (٧١٤)، والطيالسي (١٥٠٧)، والإمام أحمد ٢٤٥/٦، والبخاري (٢٩٨٤) من طريقين عن ابن أبي ملكية بنحو رواية الأسود. وانظر (١٧٠٨). -١٦٩- كتاب الحج فكان في هذه الأحاديث أنها إنما خرجت من عُمرتها بإذن النبيِّ ** بنقضِ رأسِها وامتشاطِها وتركِها إيّاها. وهذه الأحاديثُ أوْلَى من حديث القاسم، لأَنَّه قد بُِّّنَ فيها ما لم يُبين في حديث القاسم. وفي ذلك ما قد دَلَّ على أنَّ نقضَ النبيِ﴿ لما كان عليه المشركون مما ذكرنا، إنما كان بفسخهم الحجَّ وإحرامم بالعُمرة، لا بعمرة عائشة التي أحرمت بها ليلةَ الحصبة، لأنَّ تلك العُمرة إنما كانت قضاءً من عُمرة كانت فيها كسائر الناسِ كانوا في عُمَرِهِم التي كانوا فيها، وخرجوا مِن الحج إليها، وخرجت عائشة رضي الله عنها من تلك العُمرة التي هي كعُمَرِهِمْ بالحَيْض الذي طَرَأ عليها قبلَ طوافِها لِعمرتها، فلم يَصْلَحْ لها مع ذلك المضي فيها بعد إحرامها بالحجة التي أحرمت بها كما أحرم سائرُ الناس بمثلها، لأنها تكونُ لو فعلت ذلك واقفة بعرفة لحجتها ومحله بَعْدَ ذلك من حجتها ومعها عمرة لم تكن طافت لها. وقد دَلَّ على ما ذكرنا من ذلك ما خاطب به سراقةُ بنُ مالك بن حُعْشُم رسول الله ﴿ في تلك العمرة التي أحْرَم الناسُ بها بأمر رسول الله ﴿ إِيَّهم مكانَ الحج الذي كانوا أحرموا به، وفسخوه إليها ١٦٢٥- كما حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان الُرَادي، قال: حَدَّثَنَا أسدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثْنَا حاتِمٌ، قال: حَدَّثْنَا جعفرُ بنُ محمد، عن أبيه، عن جابر في حديثه في الحج قال: فأهَلَّ - يعني- رسولُ الله ◌ِ﴾ بالتوحيد، وأهَلَّ الناس بهذا الذي يُهُلُّون به، ولم يرد رسول الله فِ * عليهم شيئاً. قال جابر: لسنا نرى إلاّ الحجَّ، لسنا نعرف العُمْرَةَ حتى إذا كنَّا آخرَ طواف على المَرْوَةِ، قال: ((إنّي لو استقبلتُ من أمْرِي ما - ١٧٠- كتاب الحج اسْتَدْبَرْتُ، ما سُقْتُ الهَدْي وجعلتُها عُمرة، فمن كانَ ليسَ معه هَدْيٌّ، فَلْيَحْلِلْ وَلْيَجْعَلْهَا عُمرةً) فحلَّ الناسُ وقصَّرُوا إلَّ النبيَّ ◌َ﴿ ومَنْ كان معه الهَدْيُ، فقام سراقةُ بنُ مالك بن حُعْثُم، فقال: يا رسولَ الله عُمْرَتُنا هذه لِعامِنَا هذا أمْ للأبدِ؟ قال: فشَبَّكَ رسولُ اللهِلَ﴿ه أصابعَهُ في الأخيرة، فقال: ((دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ هكذا في الحَجِ)(١). ١٦٢٦- وكما حَدَّثْنَا محمد بن حُميد بن هشام الرُّعَيْني، قال: حَدَّثْنَا عليُّ بِنُ مَعْبَد، قال: حَدَّثَنَا موسى بن أعْيَن، عن خُصَيْف، عن عطاء، عن جابرٍ، قال: لما قدِمْنَا مع رسولِ الله # مكّة في حجة الوداع سأل الناسَ: ((بماذا أحرمتم))؟ فقال أناسٌ: أهللنا بالحجِّ. وقال آخرون: قدمنا مُتَمَتِّعينَ. وقال آخرون: أهلَلْنا بإهلاكَ يا رسولَ الله. فقال لهم رسولُ اللهِلَ﴿: ((مَنْ كان قَدِمَ ولم يَسُقْ هدياً فَلْيَحْلِلْ، فإني لو استقبلتُ مِنْ أمرِي ما استدبَرْتُ، لم أسُقِ الفَذي حتّى أكون حلالاً) فقال سراقةُ بنُ مالك بن جُعْشم: يا رسولَ الله: عُمرتنا هذه لعامِنَا أمْ للأبدِ؟ فقال: ((لا بل لأبدِ الأبدِ))(٢). وهذا الحرف الذي في هذا الحديث من قول جابر: ((وقال آخرون: قدِمنا متمتعين)) يَبْعُدُ في القلوب، لأن المتمتعين إنما يبتدئُون (١) حديث صحيح. ورواه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، والنسائي في (الكبرى)) كما في «التحقة) ٢٧٢/٢، وابن ماجه (٣٠٧٤)، والدارمي ٤٤/٢ -٤٩، وابن الجارود (٤٦٩)، والبيهقي ٦/٥ من طرق عن حاتم بن إسماعيل، بهذا الإسناد. ورواه الطيالسي (١٦٦٨)، والشافعي ٣٧٠/١ و٣٧١ و٣٧٢، والبغوي (١٩١٨) من طرق عن جعفر، به. (٢) إسناده ضعيف. خصيف بن عبد الرحمن الجزري: ضعيف. - ١٧١ - كتاب الحج إحرامَهم بالعُمرة ثم يُعقبونها بالحج، وهم فلم يكونوا يعرفون العمرةَ في أشهرِ الحج حينئذٍ، فكيف يتمتعون التمتعَ الذي لا يكونُ إلاَّ بعمرةٍ؟ وهذا عندنا وهمٌ من خُصَيْف. فأمَّا غيرُه من أصحاب عطاء، فرواه عن عطاء، عن جابر بخلاف ذلك، منهم: قيسُ بنُ سعد ١٦٢٧- كما حَدَّثَنَا محمد بنُ خُزَيْمة، قال: حَدَّثْنَا حجَّاج بنُ مِنْهال، قال: حَدَّثْنَا حَمَّادُ بنُ سلمة، عن قيس بنِ سعد، عن عطاء، عن جابر رضي الله عنه، قال: قَدِمَ رسول الله:﴿ لأربعٍ خَلَوْنَ من ذي الحِجَّةِ، فلما طافوا بالبيت وبَيْنَ الصفا والمروة، قال رسولُ الله ◌ِ 17: (اجعلُوها عُمرَةٌ) فلمَّا كان يومُ التروية لَبَّوْا، فلما كان يومُ النحر قَدِمُوا، فطافوا بالبيت ولم يطوفوا بَيْنَ الصفا والمروة(١). فكيف يجوز أن يأمرهم جميعاً أن يَحِلُّوا إلى العُمرة، وبعضهم في عُمرة؟! وكذلك روى غير جابر هذا الحديث أنهم قدموا مكة مُلِّين بالحج خاصةً منهم ابنُ عمر. ١٦٢٨- حَدَّثَنَا محمدُ بنُ خُزَيْمة، قال: حَدَّثْنَا حجَّاج، قال: حَدَّثَنَا حَمّاد، قال: حَدَّثَنَا حُمَيْد، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عُمَر رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ وأصحابَه قَدِمُوا مَكّة مُلَبِّين بالحجِّ، فقال رسولُ الله﴿: ((مَنْ شاء أن يجعلها عُمرة إلاَّ مَنْ كانَ معه الهدي)(٢). (١) رواه أبو داود (١٧٨٨)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٢٤١/٢ من طريق حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. (٢) حديث صحيح. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٥٢/٢، ورواه أحمد ٢٨/٢ عن روح وعفان، كلاهما عن حماد بن سلمة، به. ورواه البخاري (٤٣٥٣) عن مسدد، عن بشر بن المفضل، ومسلم (١٢٣٢) عن - ١٧٢- كتاب الحج ومنهم: أبو سعيد الخدري ١٦٢٩- كما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ حُزَيْمة، قال: حَدَّثنَا حجَّاج بن مِنْهَال، قال: حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حَدَّثْنَا داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: خرجنا من المدينة نَصْرُخُ بالحج صراخاً، فلما قَدِمْنا، طُفْنَا، فقال رسولُ اللهَ﴿: ((اجعلُوها عمرةٌ، إلاَّ مَنْ كانَ معه اھدي»(١). ومنهم: أسماء ابنةُ أبي بكرٍ ١٦٣٠- حَدَّثْنَا نصرُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا الْخَصِيبُ بن نَاصِح، قال: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عن منصور بنِ عبد الرحمن، عن أُمِّه، عن أسماء ابنة أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: قَدِمَ رسولُ الله :﴿* وأصحابه مُهلِين بالحجِّ، وكان مع الزبير الهَدْيُ، فقال رسولُ اللهِ وَ﴿و سريج بن يونس، عن هشيم، كلاهما عن حميد، حَدَّثْنَا بكر أنه ذكر لابن عمر أن أنساً حدثهم أن النبيَّ # أهلَّ بعمرة وحجة، فقال: أهل النبي # بالحج، وأهللنا به معه، فلما قدمنا مكة، قال: من لم يكن معه هدي فليجعلها عمرة. ورواه النسائي ١٥٠/٥ عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، عن حميد، به. ورواه مسلم (١٢٣٢) (١٨٦) عن أمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع، وأبو يعلى (٤١٥٤) عن أبي خيثمة، عن سعيد بن عامر، كلاهما عن حبيب بن الشهيد، عن بكر بن عبد الله، به. (١) حديث صحيح. ورواه مسلم (١٢٤٧) عن عُبَيد الله بن عمر القواريري، عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حَدَّثَنَا داود، بهذا الإسناد. ورواه أيضاً (١٢٤٨) عن حجاج الشاعر، عن معلى بن أسد، عن وهيب بن خالد، عن أبي نضرة، عن جابر، وعن أبي سعيد الخدري. -١٧٣- كتاب الحج لأصحابه: ((مَنْ لم يكن معه الهَدْي فَلْيَحْلِلْ)(١). وفيما ذكرنا من هذا دليلٌ على ما وصفنا غير أنه قد رُوِيَ عن أنس بن مالك أيضاً في ذلك ما يدخل في المعنى الذي أنكرناه من حديث خُصَيْف. ١٦٣١- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بن هِلَاَل، قال: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قال: حَدَّثْنَا أُيُوب، عن أبي قِلاَبَة، عن أنس رضي الله عنه أنَّ النبي ◌َ ◌ّ صلَّى الظهر بالمدينة أربعاً، وصلَّى العصر بذي الحُلَيْفَةِ ركعتين، وبات بها حتّى أصبح، فلما صلَّى الصبح، رَكِبَ راحلته فلما انبعثت به، سبَّح وكَر حتى إذا استوت به على البَيْدَاءِ، جمع بينهما، فلما قدمنا مَكَّة أمرَهم رسولُ الله ﴿ أَنْ يَحِلُّوا، فلما كان يومُ التروية، أهُلُّوا بالحجِ(٢). قال أبو جعفر: فذلك أيضاً مما يَبْعُدُ في القلوب أنْ يكونوا جَمَعوا بين الحجِّ والعُمرة، وهم كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحج، ويَعُدُّونَها مِن أفجر الفجور، وكيف يجوزُ أنْ يُؤْمَرُوا بالإِحلال من (١) رواه مسلم (١٢٣٦) (١٩٢) عن عباس بن عبد العظيم العنبري، والنسائي ٢٤٦/٥ عن محمد بن عبد الله بن المبارك، كلاهما عن أبي هاشم المغيرة بن سلمة المخزومي، عن وهيب بن خالد، بهذا الإسناد. ورواه أحمد ٣٥١/٦، ومسلم (١٢٣٦) (١٩١)، وابن ماجه (٢٩٨٣)، والطبراني ٢٤/(٣٥٤) من طرق عن ابن جريج، حدثني منصور بن عبد الرحمن، به. يلفظ: ((خرجنا محرمين)، وليس فيه التقييد بالحج كما في رواية وهيب. ورواه بنحوه أحمد ٣٥٠/٦، والطبراني ٢٤/(٣٥٥) من طريق منصور، به. (٢) إسناده صحيح. ورواه البخاري (١٥٥١)، وأبو داود (١٧٩٦) عن موسى بن إسماعيل، والبخاري (١٧١٤) عن سهل بن بكار، كلاهما عن وهيب، به. -١٧٤- كتاب الحج الإحرام الذي كانوا فيه، وفيه عمرة إلى عمرة(١)، وقد كان ابنُ عمر أنكَرَ هذا على أنس بن مالك، وأخبر أنَّ إحرامهم إنما كان بالحجِّ لا عمرة معه: ١٦٣٢- كما حَدَّثْنَا حسينُ بنُ نصرِ، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بن عبد الله بنِ يونس، قال: حَدَّثْنَا زهيرُ بنُ معاوية، قال: حَدَّثْنَا حُمَيْد، قال: وحدثني بكرُ بنُ عبد الله، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ أنه لَّى بِعُمرةٍ وحجةٍ، قال: لبيكَ بِعُمْرَةٍ وحجٌ. فذكر ابنُ عبد الله الْمُزَنِي لابن عُمر قولَ أنس فقال: وَهِلَ أُنْسٌ إِنَّما أهَلَّ رسولُ اللهِوَ﴿ بالحج وأهْلَلْنَا به معه، فلما قَدِمْنَا مكة، قال: (مَنْ لم يكن معه هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ) قال بكر: فرجعتُ إلى أنس فأخبرتُه بقول ابن عُمر، فلم يزل يذكر ذلك حتّى مات(٢). ١٦٣٣ - وكما حَدَّثْنَا حسينُ بن نصر، قال: سمعتُ يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حُمَيد، فذكر مثله بإسناده. وزاد فلما قَدِمَ رسول الله :﴿ قال: ((مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌّ فَلْيَجِلَّ)، وكان مع رسولِ اللهِ﴿ هدي فلم يَحِلَّ. قال أبو جعفر: وفيما روينا من هذه الآثار مما قد دَلَّ على أن الذي نقض به رسولُ الله/ ما كانوا عليه في الجاهلية من تحريمهم العُمرة في شهور الحج إنما كان بفسخِهِ الحج وأمرِه أصحابه به، (١) قال ابن القيم رحمه الله (زاد المعاد ١٦٠/٢): ثم إنه * خيرهم عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة، ثم ندبهم عند دنوهم من مكة إلى فسخ الحج والقران إلى العمرة لمن لم يكن معه هدي، ثم حتم ذلك عليهم عند المروة. (٢) إسناده صحيح. وهو في ((شرح معاني الآثار) ١٥٢/٢، وانظر (١٦٢٨). - ١٧٥- كتاب الحج وإحرامِهم بالعُمرة، لا بأمره عائشة بالاعتمار بعد الحج في ذي الحِجة. والله نسأله التوفيق. وقد ذكرنا في هذا الباب حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسولَ الله ﴿ٌ قال للناس: «مَنْ شاء أنْ يُهِلَّ بالحج، ومن شاء فَلُهِلَّ بالعُمرة)) فذلك عندنا -والله أعلمُ- على قول كان منه لهم بعد أن فسخوا الحج الذي كانوا أحرموا به، وقدموا مَكَّة عليه، فقال لهم: من شاء فليُهل بالعمرة حتى يكون بها متمتعاً ومنْ شاء أنْ يهل بالحج بلا عُمرة معه، لأنه قد قامت الحجة بإحلالهم من الحج قبل ذلك، فعقل عنهم أنَّ ذلك لم يكن إلاّ لسببٍ أُرِيد به إباحة العمرة لهم حينئذٍ، لأنها كانت محرمةً عليهم، ولأَنَّه لا يصلحُ إدخالُ العُمرة على الحج ويصلُح إدخالُ الحج على العُمرة، فأمرَهم بالخروجِ من الحجِّ بذلك لَيَتْسِع لهم الإحرامُ بالعُمرة لمن شاء أنْ يُحْرِمَ بها، واستئنافُ حجِّه لمن شاء أن يُحرم بها بلا عُمرة معها، فيرجع بحجة لا عُمرة معها. والله نسأله التوفيق. ٢٣١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ من قولِهِ: ((لا صرُورَةَ في الإسلامِ)) ١٦٣٤ - حَدَّثَنَا صالحُ بنُ عبدِ الرحمن بن عمرو بنِ الحارث الأنصاريُّ، قال: حَدَّثَا حجاجُ بنُ إبراهيمَ الأزرقُ، قال: حَدَّثَنَّا عيسى بنُ يونسَ، عن ابنِ جريجٍ، عن عُمَرَ بنِ عطاءٍ -قال أبو جعفرٍ: وهو ابنُ أبي الخُوَار - عن عكرَمَةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَِّ * قالَ: «لا -١٧٦- كتاب الحج صَرُورَةَ في الإسلام)(١). قال أبو جعفر: ولم نَجدْ في هذا البابِ حديثاً متصل الإسنادٍ إلى رسول الله ﴿ غيرَ هذا الحديثِ، فأمَّا ما سِواهُ من الأحاديثِ المرويَّةِ فيها، فمنها ما يُروَى عن ابنِ عباسٍ مما لا يتجاوزُ به إلى النبيِّ /، فمن ذلك: ١٦٣٥- ما حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ شريكٍ، عن عمرو بنِ دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ - ولم يَذْكُرِ النِيَّ نَ﴿- قالَ: لا صَرُورَةَ في الإِسلامِ، إنَّه كانَ الرجلُ في الجاهليةِ يَلْطِمُ وجْهَ الرجلِ، ويقولُ: إنّه صرورةٌ، فقيلَ (١) إسناده ضعيف، ابن جريج مدلس وقد عنعن، وعمر بن عطاء - وهو عمر بن عطاء بن ورّاز- ضعيف، وليس هو عمر بن عطاء بن أبي الخوار الثقة كما ظنّه الطحاوي، قال الإمام أحمد: كل شيء روى ابن جريج عن عمر بن عطاء، عن عكرمة فهو ابن ورّاز، وكل شيء روى ابن جريج عن عمر بن عطاء، عن ابن عباس فهو ابن أبي الخوار، كان كبيراً، قيل له: أيروي ابن أبي الخوار عن عكرمة؟ قال: لا، وقال يحيى بن معين: عمر بن عطاء الذي يروي عنه ابن جريج يحدث عن عكرمة ليس هو بشيء، وهو ابن ورَّاز، وهم يضعفونه، كل شيء عن عكرمة فهو ابن ورَّاز، وعمر بن عطاء بن أبي الخوار ثقة. ورواه الطبراني (١١٥٩٥) عن أبي يزيد القراطسي، عن حجاج بن إبراهيم الأزرق، بهذا الإسناد. قال الهيثمي في (المجمع)) ٢٣٤/٣: رجاله ثقات! ورواه أحمد ٣١٢/١، والبيهقي ١٦٤/٥ عن محمد بن بكر، وأبو داود (١٧٢٩)، وابن عدي في ((الكامل)) ١٦٨٢/٥، والحاكم ٤٤٨/١ من طريق أبي خالد الأحمر، كلاهما عن ابن جريج، به. ولم ينسب أحد منهم عمر بن عطاء، وقيده ابن عدي في (الكامل)، والمزي في ((تحفة الأشراف) ١٥٣/٣ بابن وراز، وفي رواية البيهقي (يقال: هو عمر بن عطاء بن وراز)). -١٧٧- كتاب الحج لعكرمةَ: وما الصَّرورَةُ؟ قال: يقولونَ: الذي لم يَحُجّ ولم يعْتَمِرْ (١). ١٦٣٦ - ومنه ما قد حَدَّثْنَا رَوْحُ بنُ الفَرَج، قال: حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ عديّ الكوفيُّ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن عمروٍ، عن عكرمةَ - ولم يذكر ابنَ عباسٍ - أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ قَالَ: «لا صَرُورَةَ في الإسلامِ)). قال سفيانُ، كانَ أهلُ الجاهليةِ يقولونَ للرجلِ إذا لم يَحُجّ: هو صَرُورَةٌ، فقال النبيُّمَ: ((لا صَرُورَةَ في الإسلامِ))(٢). ١٦٣٧ - ومنه ما قد حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونسَ البغداديُّ، قال: حَدَّثَنَا الفضلُ بنُ سهلِ الأَعْرِجُ، قال: حَدََّنَا أبو أحمدَ، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ شريكٍ، عن عمروِ بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ - ولم يذكر النبي ◌َ﴿- قالَ: لا صَرُورَةً في الإسلامِ. قالَ: كان الرجلُ يَلَطِمُ وجْهَ الرجلِ في الجاهليةِ، ثم يقولُ: إني صَرُورَة. فَيُقالُ: ذَرُوا صَرُورَةً وجهله، ولو ألقَى سُلاحه في رَحْلِهِ. قلتُ لعكرمةً: وما الصرورةُ؟ قالَ: الذِي لم يُحُجَّ ولم يعتَمِرْ، أو قالَ: ولم يُضَحِّ، أو كما قالَ(٣). ومنه ما يُروَى موقوفاً عن عكرمةً، غيرَ متجاوَزِ بِهِ إلى ابنِ عباسٍ. كما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ خزيمةَ، قال: حَدَّثْنَا حجَّاجُ بنُ مِنهالِ، قالَ: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سلَمَة، عن عاصمِ الأحولِ، عن عكرمةً، قال: كانَ يُكرِهُ أنْ يُقالَ: صَرُورةً. (١) إسناده صحيح، وهو موقوف. (٢) رجاله ثقات، وهو مرسل. (٣) رجاله ثقات، وانظر ((سنن البيهقي)) ١٦٥/٥. -١٧٨ - كتاب الحج قال أبو جعفر: فتأمَّلنا هذا الحديثَ لنقفَ على الصَّرورةِ التي نَهى ء رسولُ اللهِ : ﴿ أن تكونَ في الإسلامِ، مَا هِيَ؟ فوجدنا في حديثٍ فهدٍ عن أبي نعيمٍ الذي قد رويناهُ في هذا البابِ من كلامٍ ابنِ عباسٍ أن الرجلَ كانَ في الجاهليةِ يَلْطِمُ وجهَ الرجلِ، ويقولُ: إِنَّه صرورةٌ، فاحتملَ أنْ يكونَ الملطومُ هو الصَّرورة لأَنَّه لم يحجَّ ولم يعتمر، واحتملَ أن اللاطمَ هو الصرورةُ، فيُعذر في ذلك لجهلِهِ الذي من أجلِهِ لم يحجّ، ولم يعتمرْ، فأردْنا أن نَقِفَ على حقيقةِ ذلكَ، فوجدنا في حديثٍ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ بنِ يُونسَ ما قد دَلَّ أن اللاطِمَ هو المرادُ في ذلك لا الملطومُ. ١٦٣٨- وأجازَ لنا هارونُ بنُ محمدٍ العَسقلانيُّ ما ذكر لنا أنَّ الغَلاَبِي حَدَّثَّهُ إياهُ، قال: حَدَّثَنَا مُصعَبُ بنُ عبدِ الله - يعني الزُّبيري - قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عُيينة، عن عمروٍ بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: كانَ الرجلُ يَلْطِمُ الرجلَ في الجاهليةِ، فيقولُ: أنا صرورةٌ، فيُقالُ: دَعُوا الصَّرورةَ بِجَهْلِهِ، وإنْ رَمَى بهعره(١) في رحلِهِ، فقالَ رسولُ الله ﴿: ((لا صَرُورَةَ في الإسلامِ)(٢). فكانَ في ذلك تحقيقُ ما ذكرنا، ثم احتجْنَا أن نقفَ على إباحةٍ هذا الاسمِ واستعمالِهِ في مَنْ لم يُحُجَّ أو في كراهتِهِ والنهي عن استعمالِهِ، فوجدنا في حديثٍ صالحٍ بنِ عبدِ الرحمن الذي قد روينَاهُ في هذا البابِ قولَ رسولِ اللهِ﴿: «لا صَرُورَةَ في الإسلامِ)) فاحتملَ أن يكونَ ذلكَ (١) الْجَعْرُ: قال ابن الأثير: ما تيس من الثُّعل في الدبر أو خرج يابساً. (٢) رجاله ثقات، لكنه مرسل. -١٧٩- كتاب الحج يُرادُ بهِ النهيُ عن هذا القولِ في الإسلامِ، واحتملَ أن يكونَ يُرادُ به أنْ لا يبقَى في الإسلامِ أحدٌ حتى يَحُجَّ، فيكونُ في ذلكَ انقطاعُ هذا الاسمِ عن الناس جميعاً في الإِسلام. فتأمُّلْنا ذلك فوجدنا الرجلَ قد يعْجِزُ عن الحجِّ، إمَّا لزَمانةٍ في بدنِهِ، وإما لقلّةٍ في ذاتِ يدِهِ، ولا يحجُّ من أجلِ ذلكَ، فيكونُ من حَمَلَ معنَى قولِ النبيِّ ◌َ ﴿ُ: ((لاَ صَرُورَةَ في الإسلامِ)) أَنَّهُ يدخلُ فيه ذلكَ، كانَ ذلكَ بَعِيداً، لأنَّ ذلكَ المتخلّفَ عن الحجِّ لم يكنْ مُختاراً لذلكَ، وإنما كانَ تخلفُهُ عجْزاً لِمَا قد ذَكَرْنا، فاستحالَ أنْ يكونَ مذموماً بذلكَ، أو يكونَ هذا الاسمُ الذي قد ذكرنَا فَمَا أُرِيدَ بِهِ ذَمُّ مَنْ يُمسَّى به يَلزمُهُ، ولما بَطَلَ هذا التأويلُ عقلنَا أنَّ المرادَ بِهِ هو أنْ لا يُقالَ هذا القولُ لأحدٍ، وقد روينَا ذلكَ في هذا البابِ في حديثِ ابنِ خزيمةَ، عن حجاجٍ، عن حمادٍ، عن عاصم الأحولِ، عن عكرمةَ، أنه كَرِهَ أن يُقالَ: صَرُورَةٌ. وقد روينا ذلكَ أيضاً عن ابنِ مسعودٍ مُنقطعاً فَمّا لم يتقدَّمْ ذكرُنَا له في هذا الباب. ١٦٣٩- كما حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ يزيدَ، قال: حَدَّثْنَا حجاجُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثْنَا يحيىَ بنُ زكريّا بنِ أبي زائدةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبد الله المسعوديِّ، عن القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: قال عبدُ اللهِ: لا يقولَنَّ أحدُكم: إنّي صَرُورَةٌ، فإنَّ المسلمَ ليسَ بِصَرورةٍ(١). (١) رجاله ثقات، يحيى بن زكريا -وإن لم ينصَّ أحد على وقت سماعه من المسعودي، وكان قد اختلط - قد تابعه من سمع منه قبلَ اختلاطه، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يدرك جدَّه. ورواه الطبراني (٨٩٣٠) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين، والبيهقي ١٦٥/٥ - ١٨٠ -