النص المفهرس
صفحات 541-560
كتاب الصلاة - الجنائز
كان اللحدُ أفضلَ منه، لاختيار الله عَزَّ وجَلَّ إِيَّاه لرسول اللهلَ﴿، ثم قد
كان مثلُ ذلك لأهلٍ بدرِ أن الله عتبهم مما اختاروه لهم مِن اللحد على
الشقِّ.
١٢٣٨- كما حَدَّثَنَا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثَنَا شُجاع بنُ
الوليد، قال: حَدَّثْنَا زيادُ بن خيثمةَ، قال: حدثني إسماعيلُ السُّدِّيُّ، عن
عكرمة، عن ابنِ عباس قال: دخل قَبْرَ رسول الله ﴿ أربعةٌ: العباسُ،
وعليٌّ، والفضلُ رضي الله عنهم، وسَوَّى لَحْدَهُ رجلٌ من الأنصار هو
الذي سَوَّى لحودَ قبورِ الشهداء يومَ بدرِ(١).
وقد رُوِيَ عن ابنِ عباس حديث عن النبي﴿ موافق لحديثِ
جريرٍ في اللحد والشَّقِّ
١٢٣٩- وهو ما قد حَدَّثْنَا فهد، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ سعيد ابن
الأصْبَهاني، قال: حَدَّثْنَا حكام بنُ سلم الرازيُّ، قال: سمعتُ علي بن
عبدِ الأعلى يذكر عن أبيه، عن سعيد بنِ جُبير، عن ابنِ عباس رضي
الله عنهما قال: قال رسولُ الله ﴿: ((اللَّحْدُ لنا، والشَّقُّ لِغَيرِنا)(٢).
(١) رواه ابن حبان (٦٦٣٣)، والبزار (٨٥٥) من طريق شجاع بن الوليد إلا
أن البزار قال فيه: ((شهداء يوم أحد). وانظر ((مجمع الزوائد) ٣٧/٩.
(٢) حسن بشواهده، وهذا إسناد ضعيف، علي بنُ عبد الأعلى: فيه ضعف.
ورواه أبو داود (٣٢٠٨)، والترمذي (١٠٤٥)، والنسائي ٨٠/٤، وابن ماجه
(١٥٥٤)، والبغوي (١٥١١)، والبيهقي ٤٠٨/٣ من طرق عن حكام بن سلم، به.
قال الترمذي: حديثُ ابنِ عباس حديثٌ حسن غريب من هذا الوجه، وفي الباب
- ٥٤١-
كتاب الصلاة - الجنائز
وقد زعم بعضُ أهل العلم بالأسانيدِ أن عبدَ الأعلى صاحب هذا
الحديث [الذي] حدث به عنه ابنه هو عبدُ الأعلى بن أبي جميلة، فإن
كان كذلك فمقدارُه في العلم جليلٌ(١).
١٢٤٠ - وقد رُوِيَ عن أبي الدردراء في الشَّقِّ ما قد حَدَّثَنَا فهدُ
بنُ سليمان وهارون بنُ كامل جميعاً، قالا: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن صالح،
قال: حَدَّثَنَا معاويةُ بنُ صالح، عن أبي الزاهِرِيَّة، عن جُبير بن نفير، عن
أبي الدرداء أنه سُئِلَ عن الشَّقِّ في القبر، فلم يَرَ بِه بأساً (٢).
ففيما قد رويناه عن أبي الدرداء في هذا ما قد وافق ما ذهبنا إليه
في هذا الباب من الشق في هذا الحديث من إباحته وإن كان اللحدُ
أفضلَ منه، والله نسأله التوفيق.
عن جرير بن عبد الله، وعائشة، وابن عمر، وجابر.
(١) الصواب: عبد الأعلى بن عامر الثعلبي.
(٢) عبد الله بن صالح في حفظه شيء، وباقي رجاله ثقات.
- ٥٤٢-
كتاب الصلاة - الجنائز
١٧٨ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله من قوله
وهو علی قبر إحدی ابنتیهِ اللتین کان عُثمان تزوجھما: «لا
يدخلُ القبرَ أحدٌ قارف أهلَه الليلة»
١٢٤١ - حَدَّثْنَا محمدُ بنُ علي بنِ داود، قال: حَدَّثْنَا عُبَيْدُ الله بنُ
محمد بن عائشة التيمي، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، عن ثابت، عن
أنس رضي الله عنه، قال: ماتت إحدى بناتِ رسول اللهلم﴿، فقال
رسولُ اللهِ ﴿: «لا يَدْخل القبرَ أحدٌ قَارَفَ أهلَهُ اللَّيْلَ)) فلم يَدْخُلْ
زوجُها(١).
قال أبو جعفر: فابنةُ رسول الله :﴿ هذه هي أمّ كُلْثوم توفيت
وكانت وفاتُها رضي الله عنها في سنةٍ تسعٍ من الهجرة، وتأملنا قولَ
(١) إسناده صحيح. ورواه أحمد ٢٢٩/٣ عن يونس، و٢٧٠/٣، والحاكم ٤٧/٤
من طريق عفان، كلاهما عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد.
ورواه البخاري في ((التاريخ الصغير)) ص ٤٤ عن عبد الله المسندي، عن عفير، عن
حماد، به.
وجاء تسميتها عندهم رقية، وقد استنكره الإمام البخاري في («التاريخ الأوسط»
فيما نقله عنه الحافظ في ((الفتح)) ١٥٨/٣ فقال: ما أدري ما هذا، فإن رقية ماتت
والنبي * يبدر لم يشهدها. وقال الحافظ: إن الوهم فيه من حماد بن سلمة، والصواب
أنها أمُّ كلثوم. رواه الواقدي عن فليح بن سليمان، عن بلال بن علي، عن أنس،
ورواه ابن سعد في (الطبقات) ٣٨/٨ في ترجمة أم كلثوم، وكذا الدولابي في («الذرية
الطاهرة)). وانظر حديث (١٢٤٣).
- ٥٤٣-
كتاب الصلاة - الجنائز
النبي ﴿: ((لا يدخل القبر أحدٌ قارفَ أهلَه الليلةَ)) فوجدنا المقارفة (١)
قد تكون من المقاولة المذمومة [وقد تكون من غيرها من الإصابة،
واستحال] عندنا أن يكونَ أراد بذلك الإصابة، لأنَّ إصابةَ الرجلِ أهله
غيرُ مَذْمومةٍ، وكان الذين كان إليهم نزولُ قبرها وإدخالُها فيه من
ذوي أرْحَامها المحرمات منها، ولا نعلم - كان- منهم حينئذٍ حاضراً
غيرَ رسولِ اللهِوَ﴿ لأنّه أبوها، وغيرَ عمِّ العباس بن عبد المطلب، وغيرَ
مَنْ كان يمسُّها برحم محرم مِنْ قبل أمِّها، وهو أخوها لأُمِّها هندُ بنُ أبي
هالة التميمي، ومن عسى أنْ يكون بينَه وبينَها حُرمة برضاع، فكان
هؤلاء أوْلى الناسِ بإدخالها قبرَها، واحتمل أن يكونَ فيهم سوى رسول
الله:﴿ مَنْ قد كان بينَه وبَيْنَ أهله مقارفةٌ لم يحمدها رسولُ الله ◌ِ﴿ منه،
(١) قال الحافظ في ((الفتح) ١٥٨/٣ تعليقاً على قوله: ((لم يقارف): يقاف وفاء،
زاد ابن المبارك عن فيلح: أراه يعني الذنب. ذكره المصنف (أي: البخاري) في باب
من يدخل قبر المرأة تعليقاً، ووصله الإسماعيلي، وكذا سريج بن النعمان عن فليح،
أخرجه أحمد عنه، وقيل معناه: لم يجامع تلك الليلة، وبه جزم ابن حزم، وقال: معاذ
الله أن يتبجحَّ أبو طلحة عند رسولِ الله # بأنه لم يذنب تلك الليلة. انتهى. ويقويه أن
في رواية ثابت المذكورة بلفظ: ((لا يدخل القبر أحدٌ قارفَ أهلَه البارحة، فتنحَّى
عثمان))، وحكى عن الطحاوي أنه قال: ((لم يقارف)) تصحيف! والصواب: لم يقاول،
أي: لم ينازع غيره الكلام، لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء. وتُعقب بأنه
تغليط للثقة بغير مستند، وكأنه استبعد أن يقع لعثمان ذلك لحرصه على مراعاة
الخاطر الشريف، ويجاب عنه باحتمال أن يكون مرض المرأة طال واحتاج عثمان إلى
الوقاع، ولم يظن عثمان أنها تموت تلك الليلة.
-٥٤٤-
كتاب الصلاة - الجنائز
فلم يُحِبَّ بذلك أنْ يتولَّى من ابنته ما يتولاه لو لم يكن ذلك منه. وقد
كان من خُلُقِهِ ﴿ الذي شرَّفَه الله عَزَّ وَجَلَّ به وجعله في أعلى مراتبٍ
الأخلاق ألا يُواجه أحداً بشيء، كان منه مِمَّا قد كرهه منه، إنما يقول
ذلك تعريضاً به كمثلٍ ما رُوِيَ عنه عندَ قول أهلٍ بريرة في بيعهم
عاشة: نبيعكِها - يعنون بريرة وهي مكاتبة- بيعاً تُعتقُ بهِ [على] أنْ
يكونَ ولاؤُها لنا أنه خطبَ النَّاسَ، فقال: ((ما بالُ أقوامٍ يشترطون
شُرُوطاً ليست في كتاب الله عَزَّ وجَلَّ، مَنْ اشتَرَطَ شَرْطاً ليس في
كتاب الله، فهو باطلٌ، وإن كان مئة شرط، قضاءُ الله أحقّ وشرطه
أَوْثَق، إنما الولاءُ لمن أَعْتَقَ)) (١) وسنذكر ذلك بإسنادِه فيما بعدُ مِن
كتابنا هذا إنْ شاء الله، فأسمعهم ذلك بخطابه الناسَ جميعاً وهُم فيهم به
لِينتهوا عنه.
ومن قولُه ﴿: «ما بالُ رجال يقولُ أحدُهم: قد طلقتُك قد
راجعتُك))(٢).
١٢٤٢- حدثناه بَكَّار بين قُتَيْبة، قال: حَدَّثْنَا مُؤَمَّل بنُ إسماعيل،
(١) حديث صحيح. رواه مالك في ((الموطأ) ٧٨٠/٢-٧٨١، ومن طريقه
البخاري (٢١٦٨) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة
ورواه مسلم (١٥٠٤) (٦) و(٨) من طريق ابن شهاب، وهشام بن عروة،
كلاهما عن عروة، به.
(٢) مؤمل بن إسماعيل سيئ الحفظ لكنه توبع، وهو حديث حسن، رواه ابن
ماجه (٢٠١٧)، والطيالسي (٥٢٧)، والبيهقي ٣٢٢/٧.
. - ٥٤٥ -
كتاب الصلاة - الجنائز
قال: حَدَّثْنَا سفيانُ الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي بُرْدَة، عن أبي
موسى، عن النبيِّ ﴿ يريدُ بذلك فاعليه وفي من خاطب بذلك غيرهم.
فمثلُ ذلك يحتمل قوله ﴿: ((لا ينزل القبرَ من قارف أهلَه الليلة))
لأنَّ فيمن خاطبه بذلك مَنْ كان ذلك منه في ليلته تلك، وفيهم من لم
يكن منه فيها، فقال ذلك القولَ، لِيسمعه مَنْ كان ذلك منه في ليلته
تلك فلا يَدْخُلُ قبرها، وهذا أحسنُ ما قَدَرنا عليه من معاني هذا
الحديث التي يُخرج عليها.
وأمَّا ما في من قولِ الذي رواه: فلم يَدْخُلُ زوجُها، يعني قبرَها،
فإن ذلك قد حملَهُ قومٌ على أنه مُحتمل عندهم أنْ يكونَ بينه وبينها قبل
وفاتها في تلك الليلة هذه المقارفة، وهم الذين يذهبونَ إلى أنَّ للرجل أنْ
يُغَسِّلَ زوجته بعد وفاتِها(١)، فقالوا كما يكونُ له أنْ يُغسلها بعد
وفاتها، فكذلك له أن يُدْخِلَها قبرَها بعد وفاتها، فأمَّا نحن، فمذهبُنا أنه
لا يُغَسِّلُها، بعدَ وفاتها لانقطاعٍ ما كان بينَه وبينها في حياتها بوفاتها،
وهو عندنا خارجٌ من ذلك غیر داخل فيه.
وقد رُوِيَ هذا الحديثُ من وجهٍ آخر بزيادةٍ على هذا المعنى
١٢٤٣- كما قد حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا أبو
(١) وحجتهم في الجواز حديث عائشة رضي الله عنها في مرض النبي # قبل وفاته
وفيه قوله * لعائشة: («لو متِّ قبلي فقمتُ عليك وكفنتك ... الحديث رواه الإمام
أحمد ٢٨٨/٦، وابن ماجه (١٤٦٥)، وابن حبان (٦٥٨٦)، والبيهقي ٣٩٦/٣.
-٥٤٦-
كتاب الصلاة - الجنائز
عامر العَقَدِي. وكما حَدَّثْنَا فَهْد بن سليمان، قال: حَدَّثَنَا موسى بن
داود، قالا: حَدَّثْنَا فُلَيْح بن سليمان، عن هِلاَل بن علي، عن أنس بن
مالك رضي الله عنه، قال: شهدنا بنتاً لرسول اللهلَ﴿، ورسولُ الله ◌َ﴾
جالسٌ على القبر، فرأيتُ عينيه تَدْمَعَان. فقال: (هل منكم أحدٌ لم
يُقَارِفْ أهلَه الليلةَ؟)) فقال أبو طلحة: أنا، قال: ((فانزِلْ) فنزل في
قبرها(١).
فكان ما في هذا الحديث مما حكي فيه عن أبي طلحة يَبْعُدُ من
القلوبِ، لأنَّ أبا طلحة لم يَكُنْ من ذَوِي أرحامها الذين يتولون ذلك
منها، مع أنَّ الذي رَوَى هذا الحديث - وهو فُلَيْحِ بنُ سليمان- ليس
معه من الإتقان ولا من التثبّت في الرواية، كما مع الذي رَوَى الحديثَ
الأولَ وهو حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، اللهُمَّ إلاَّ أنْ يكونَ لم
يَحْضُرْ قبرها حينئذٍ أحد من ذوي أرحامها المحرمات غير رسول الله
﴿، فاحتاج إلى معونته على ذلك، فكان من أبي طلحة ما كان لمعونته
إِيَّاه على ذلك، وذلك له واسع كما يَتَسِع للرجال الذين ليسوا بذوي
محارمٍ من النساء الميتات إذا لم يكن يحضرتهن ذوو أرحام منهن أن
يلمُسُوهُنَّ من وراء الثياب مكانَ الغسل لهن. والله نسألُه التوفيقَ.
(١) رواه البخاري (١٢٨٥) و(١٣٤٢)، وأحمد ١٢٦/٣ و٢٢٨، والحاكم
٤٧/٤، والبيهقي ٥٣/٤ من طريق فليح بن سليمان، به.
-٥٤٧-
كتاب الصلاة - الجنائز
١٧٩ - بابُ بیانِ مُشْکِل ما روي عن رسول الله څ﴾ فیمن کان
إليه إدخالُ مَنْ توفي مِن أزواجِ رسولِ اللهِ ﴾ في قبورِهِنَّ
١٢٤٤ - حَدَّثْنَا يزيدُ بن سِنَان، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ سعيدٍ
القَطَّانُ، قال: حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ أبي خالد، قال: حَدَّثْنَا عامر، قال
حدثني عبدُ الرحمن بنُ أَبْزَى، قال: صليتُ مع عُمر بن الخطاب رضي
الله عنه على زينب رضي الله عنها بالمدينة، فكَّر عليها أربعاً، ثم أرسلَ
إلى أزواج النبيِّ ◌َ﴿ مَنْ تَأْمُرْنَ أنْ يُدْخِلَها القبرَ؟ قال: وكان يُعجبه أن
يكون هو الذي يلي ذلك، قال: فأرسَلُوا إليه: انْظُرْ مَنْ كان يَراها في
حياتها، فليَكُن هو الذي يُدْخِلُها القبرِ. فقال عمرُ رضي الله عنه:
صَدَقْتُنَّ(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ أنَّ عمر رضي الله عنه قد كان
أعجبه أن يكونَ هو الذي يتولّى إدخالَها قبرها، وكان ذلك عندنا -
والله أعلم- أنها لما كانت له أمّاً، لأن الله عَزَّ وحَلَّ قال: ﴿الَِّيُّ أَوَلَى
بالُؤْمِيْنَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأْوَاجُهُ أَمَهَاتَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وكان لها بذلك
(١) إسناده صحيح. ورواه ابن سعد في ((الطبقات) ١١١/٨ و١١٢ عن زهير بن
معاوية، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن نمير، ومحمد بن عبيد الطنافسي، والطبراني
٢٤/(١٣٤) من طريق وكيع وعبد الله بن نمير، والبزار (٢٦٦٧) من طريق شعبة،
خمستهم عن إسماعيل بن أبي خالد، بهذا الإسناد. وقد سقط من سند الطبراني
المطبوع: ((عن عبد الرحمن بن أبزى).
-٥٤٨-
كتاب الصلاة - الجنائز
ابناً، أعجبه لذلك أن يكونَ هو المتولّي لإدخالها قبرَها، ثم استظهر في
ذلك بما عندَ الباقيات بعدها من أزواج رسولِ الله ﴿ ** في ذلك، لأَنّهنَّ
فيه مثلُها، ولأنَّ ذلك الحكم الذي بَّن به في ذلك، تبينُ هي فيه، وكان
ذلك مما قد يقع في مثلِه الإشكالُ إنْ كانت، وإن كانت له أُمّاً وكان
هو لها ابناً، فإن له أن يتزوَّج بنتاً من بناتها وأن الذي بينَه وبينها من
البنوة ومن أمومة في ذلك تخالِفُ الأمومةَ والبنوةً في الأنساب وفي
الرضاع، فرجع إلى ما عندهنَّ في ذلك ليقف على حقيقتِه، إذ كان مثلُ
ذلك مما لا يَسْقُطُ عليهن كيف كان الحكم فيه الذي قد عَلِمْنَهُ مِنْ
رسولِ الله ﴿ وأوقفهن عليه، فأعلمنه أنَّ إدخالَها قبرها هو إلى مَنْ
كان يراها في حياتها، فخالف ذلك ما كان الأمرُ عليه عنده فيه قبلَ
ذلك، وبَانَ بذلك عنده أنَّ أمومتهن للمؤمنين وبنوة المؤمنين لهن لها
حكمٌ خاص، خلافَ حكم البنوة إلى النسب، وخلافَ حكم الأمومة
من الرضاع إذا كانت الأمومة من النسب والأمومة من الرضاع تُبيحان
النظَر من الأولادٍ لِكُلِّ واحدٍ من ذلك الجنسين إلى من كان به لهن أمّاً،
والأمومة بالنسب الذي بينهن وبَيْنَ رسول الله:﴿ لهنَّ لا يُبيحهن ذلك
والأمومة من النسب ومن الرضاع يمنعان من نكاح مَنْ ولده أولئك
الأمهات من البنات، ولا يمنع الأمومة بتزويج النبي # من تزوجه من
النساء من مثلٍ ذلك، لأنّه جائز للمؤمنين تزويج ما وَلَّدْنَ من رسول
الله﴿ من البنات وما ولدن من غيره منهن، فكانت تلك الأمومةُ لها
حكمٌ بائنٌ من حكم الأمومتين الأخريين، ولما كان ذلك كذلك،
- ٥٤٩-
كتاب الصلاة - الجنائز
استعمله عُمَرُ رضي الله عنه مِنْ أهله وهنَّ الباقياتُ من أزواج النبي
وأحطنا علماً أنهنَّ لم يأخذن حكمَ تلك الأمومة إلاَّ مِن رسولِ الله ◌ِ﴿،
وأنهن لم يأخذنه مِن جهة الاستنباط، ولا من جهة الاستخراج، لأنَّ
ذلك لا يُؤْخَذ مثلُه من جهة الاستنباط، ولا من جهة الاستخراج،
وإنَّما يؤخذ من جهة التوقيفِ، والتوقيفُ فيه وفي أمثاله لا يكون إلاَّ
من رسول الله ﴿ فَمِنْ هذه الجهة أدخلنا هذا الحديثَ في أحاديث
رسولِ الله {8. والتمسنا منه ما التمسنا من حديثه الذي قد تقدم ذكرنا
له فيما تقدم من كتابنا هذا.
وقد روى هذا الحديثَ حجاجُ بنُ إبراهيم، عن أبي عوانة، عن
فراس بن يحيى، عن عامر، فخالف إسماعيل في المرأة المذكورة فيه
المتوفاة من أزواج رسول الله ﴿، وذكر فيه أنها أمّ حبيبة مكان ما ذكر
إسماعيل فيه أنها زينب.
١٢٤٥- كما حَدَّثْنَا يوسف بن يزيد، قال: حَدَّثْنَا حجاجُ بنُ
إبراهيم، قال: حَدَّثْنَا أبو عَوَانة، عن فِرَاسٍ، عن عامر، عن عبد الرحمن
بن أبْزَى أن أمَّ حبيبة زوجَ النبي ﴿ تُوفِّيَتْ، فصلَّى عليها عُمر رضي
الله عنه، فكَّر عليها أربعاً، وبعثَ إلى أُمَّهات المؤمنين: مَنْ يُدْخِلُها في
قبرها؟ فَقُلْنَ: الذي كان يَحِلُّ له أنْ يراها في حياتها (١).
(١) تسمية المتوفاة بأم حبيبة وهم من أحد رواته كما سيتبه عليه الطحاوي بعد
قليل.
- ٥٥٠-
كتاب الصلاة - الجنائز
قال أبو جعفر: وهذا عندنا خطأ، لأنَّ أم حبيبة بقيت بعد وفاة
عُمر رضي الله عنه دهراً طويلاً(١)، ثم التمسنا هذا الحديث من غير
جهة حجَّاج بن إبراهيم مما يرجع إلى فِراس، كيف هو؟
١٢٤٦ - فوجدنا محمد بن خُزَيْمة قد حَدَّثْنَا قال: حَدَّثْنَا حجَّاج
بن مِنْهال، قال: حَدَّثْنَا أبو عَوَانة، قال: حَدَّثَنَا فِرَاس، عن عامر
الشَّعْبِي، عن عبد الرحمن بن أبْزَى، قال: صليتُ مع عُمر رضي الله عنه
على زينب ابنةِ جَحْشٍ، فكَّر عليها أربعاً(٢).
وقد ذكرنا فيما تقدَّم من كتابنا هذا ما رُوِيَ عن رسول الله لَ﴿و
من قوله، - كان- لأزواجه: (أَوَّلُكُنَّ بِي لُحُوقَاً أطْوَلُكُنَّ يَدَيْنِ)) وأنهن
كن يتطاولن بأ يديهن. وتقول عائشة في ذلك: وكانت زينب ابنة
جحشٍ امرأة قصيرة وكانت تصنع بيدها ما تُعِينُ به في سبيل الله عَزَّ
ء
وجَلَّ، وعلَّمهنَّ بذلك أنها كانت أطوَلَهن يَدَيْنِ بالخير. والله عَزَّ وجَلَّ
نسأله التوفيق.
(١) قال الواقدي، وأبو عبيد، والفسوي: ماتت أم حبيبة سنة أربع وأربعين، وقال
المفضل الغلابي: سنة اثنتين وأربعين. انظر (سير أعلام النبلاء)) ٢٢٢/٢.
(٢) إسناده صحيح. ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ١١١/٨ عن عفان بن مسلم،
عن أبي عوانة، بهذا الإسناد. ولفظه: صَلَّى عمر على زينبَ بنتِ ححش، فكَبَّرَ عليها
أربعَ تكبيرات، قال: فأراد أن يدخل القَبر، فأرسل إلى أزواج النبي، فقلن: إنه لا يحل
لك أن تدخل القبر، وإنما يدخلُ القبرَ مَنْ كان يُحِلُّ له أن ينظر إليها وهي حية.
-٥٥١-
كتاب الصلاة - الجنائز
١٨٠ - بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله ﴾ في کسرٍ
عظم الميت
١٢٤٧ - حُدَّثْنَا بكارُ بنُ قتيبةَ، قال: حَدَّثْنَا صفوانُ بنُ عيسى،
قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عمارةَ، عن عَمْرَةَ، عن عائشةَ، قالت: قالَ رسولُ
الله﴿: ((كَسْرُ عِظامِ الميتِ كَكَسْرِ عظامِ الحيِ).
١٢٤٨ - حَدَّثْنَا عبدُ الملكِ بنُ مروانَ الرقيُّ؛ قالَ: حَدَّثْنَا شجاعُ
بنُ الوليدِ، عن سعدِ بنِ سعيدٍ، عن عَمْرَةَ، عن عائشةَ، قالت: سمعتُ
رسولَ اللهِ وَ﴿ يقولُ: ((إِنَّ كَسْرَ عظْمِ المؤمنِ ميتاً مثلُ كسرِهِ حيّاً)(١).
١٢٤٩- حَدَّثْنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثْنَا عُبَيدُ الله بنُ موسى
العبسيُّ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن سعدِ بنِ سعيدٍ، عن عَمْرَة، عن
عائشة(٢).
(١) حديث صحيح. سعد بن سعيد: صدوق سيئ الحفظ وقد توبع.
ورواه أحمد ٢٦٤/٦ عن شجاع بن الوليد به. ورواه عبد الرزاق (٦٢٥٦)،
وأحمد ٥٨/٦ و١٦٨-١٦٩ و٢٠٠، وأبو داود (٣٢٠٧)، وابن ماجه (١٦١٦)،
والدار قطني ١٨٨/٣، والبيهقي ٥٨/٤، وبن عدي في ((الكامل)) ١١٨٩/٣، وأبو نعيم
في («أخبار أصبهان)) ١٨٦/٢ من طرق عن سعد بن سعيد، به.
ورواه ابن حبان (٣١٦٧) من طريق أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري، عن
يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة.
(٢) رواه الخطيب في (تاريخه)) ١٢٠/١٣ من طريق أحمد بن حفص، عن عُبيد الله
بنِ موسى، بهذا الإسناد. وانظر ما قبله.
- ٥٥٢-
كتاب الصلاة - الجنائز
١٢٥٠- وحَدَّثْنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثَنَا عبيدُ الله، قال: أخبرنا
سفيانُ، عن حارثةَ بنِ محمدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: قالَ رسولُ
الله ◌َ﴿: ((كَسْرُ عظمِ الميتِ ميتاً ككسرٍهِ حيّاً)(١).
فقال قائلٌ: ممن لا علمَ عندَهُ بتأويلٍ أحاديثِ رسولِ اللهِ وَ الت:
((يلزمُكُم بهذا الحديثِ أن تجعَلُوا في كسرٍ عظامِ المَوْتَى مثلَ الذي
تجعلُونَهُ في كسرِ الأحياءِ)).
فكان جوابُنا له في ذلكَ: أنَّ الذي ألزَمَنَاهُ لا يلزمُنَا، لأَنّا وجدَنَا
عظمَ الحِيِّ لَهُ حُرْمَةٌ، وفيه حياةٌ يجبُ على من كانَ سبباً لإخراجهما
منهُ، وإعادتِهِ مِنَ الحياةِ إلى المواتِ ما يجبُ عليه في ذلكَ من القِصاص،
ومنْ أَرْشٍ، وكانَ عظمُ الميتِ لا حياةً فيه، ولَهُ حُرمَةٌ، فكانَ كاسِرُهُ في
انتهاكِ حرمَتِهِ ككاسِرٍ عظمِ الحيِّ في انتهاكِ حرمتِهِ، ولم يكنْ ذلكَ
الكسرُ إخراج الحياة منه حتى عَاد بِهَا مَواتاً كما يكونُ في كسرِ عظم
الحيِّ كذلكَ، فانتفَى السَّبَبُ الذي يُوجِبُ في كسرِ عظمِ الحيِّ ما
يُوجِبُ من قِصاصٍ ومن ديةٍ، فلم يجبْ عليهِ قِصاصٌ ولا دِيةٌ، وكانت
حرمتُهُ بعدَ أنْ صارَ مَواتً لَّا كانتْ باقيةً، كان منتهكُها بعدَ أنْ صارَ
مَوَاتاً كَهُوَ في انتهاكِهَا لَمَّا كانَ حيًّ، والله نسألُهُ التوفيقَ.
(١) حارثة بن محمد بن أبي الرجال: ضعيف. ورواه الخطيب ١١٩/١٣ -١٢٠
من طريق أحمد بن حفص، عن عبيد الله بن موسى، به. وانظر ما قبله.
- ٥٥٣-
كتاب الصلاة - الجنائز
١٨١ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في إخوانهُ
هَلْ هُمْ أصحابُه أو هل هُمْ سِواهُمْ؟
١٢٥١- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الصلت أبو
يعلى، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معنٍ، حَدَّثْنَا داودُ بنُ خالد، عن رَبيعةَ بنِ أبي
عبدِ الرحمن، أنَّ ربيعةً بنَ عبدِ الله بنِ الهُدَير أخبره - وكان يَصْحَبُ
طلحةَ بنَ عُبيدِ الله رضي الله عنه- قال: ما سَمِعْتُ طلحةَ يُحَدِّثُ عن
النبيِّ ◌َ﴿ إلا حديثاً واحداً، قُلنا: ما هُوَ؟ قال: كُنَّا مع رسولِ الله ◌ِ﴾ في
سَفَرٍ، فلما أشرفنا على حَرَّةٍ وَاقِمٍ، إذا نحن بقُبور، فَقُلْنا: يا رسولَ اللهِ
هذه قبورُ إخواننا؛ قال: ((هذه قبورُ أصحابنا))، فلما جاءَ قبورَ الشُّهداء،
قال: ((هذه قبورُ إخوانِنَا)(١).
١٢٥٢ - وحَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ أن مالكاً حدَّثه عن
العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرةَ أن رسول الله لَ ﴿ْ خَرج
إلى المقبرة، فقال: ((السلامُ عَلَيْكُم دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إن شَاءَ اللهُ
(١) إسناده حسن. ورواه أحمد ١٦١/١، وأبو داود (٢٠٤٣)، وابن عدي في
(الكامل)) ٩٦١/٣، والبزار في «البحر الزخار» (٩٥٥) من طرق عن محمد بن معن،
بهذا الإسناد.
حرَّة واقم: هي إحدى حرتي المدينة، وهي الشرقية، وأما الحرّة الثانية، فهي حرَّة
وَبَرَة، وهي الغربية.
وقوله: ((محنّة)، هو حيث ينعطف الوادى، وهو منحناه أيضاً، ومحاني الوادي:
معاطفه.
- ٥٥٤-
كتاب الصلاة - الجنائز
بِكم لاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنّي رَأيْتُ إخْوانَنَا)، قالوا: يا رسولَ الله ألسنا
بإخوانِك، قال: (بَلْ أَنْتُمْ أَصْحابِي، وإخْواني الَّذِينَ لم يَأْتُوا بَعْدُ، وأنا
فَرَطُهُم على الحَوْضِ»(١).
(١) حديث صحيح. وهو في (الموطأ) ٢٨/١- ٣٠، ومن طريق مالك رواه أحمد
٣٧٥/٢، ومسلم (٢٤٩)، والنسائي ٩٣/١ -٩٥، وابن خزيمة (٦)، والبيهقي
٨٢/١-٨٣، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٥١). ورواية أحمد مختصرة جداً.
ورواه أحمد ٣٠٠/٢ و٤٠٨، ومسلم (٢٤٩)، وابن ماجه (٤٣٠٦)، وابن خزيمة
(٦) من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن، بهذا الإسناد.
وقوله: ((وإنا إن شاء الله بكم لاحقون))، قال أبو عمر بن عبد البر في ((التمهيد))
٢٤٣/٢٠: في معناه قولان: أحدهما: أن الاستثناء مردود على معنى قوله: ((دار قوم
مؤمنين))، أي: وإنا بكم لاحقون مؤمنين إن شاء الله، يريد في حال إيمان، لأن الفتنة
لا يأمنها مؤمن، ألا ترى إلى قول إبراهيم عليه السَّلامُ: ﴿وَاجْتُبْنِي وَبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ
الأَصْنَامَ)، وقول يوسف عليه السَّلامُ: «تَوَفِّنِي مُسْلِماً ,الْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.
والوجه الثاني: أنه قد يكونُ الاستثناءُ في الواجبات التي لا بُدَّ من وقوعها كالموت
والكون في القبر ولا بُدَّ منه ليس على سبيل الشَّكِّ، ولكنها لغة العرب، ألا ترى إلى
قوله تعالى: ﴿لََدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ الله آمنينَ﴾ والشَّكُّ لا سبيل إلى إضافته
إلى الله عَزَّ وجَلَّ، تعالى عن ذلك علاَّمُ الغيوب.
وقوله : (بل أنتم أصحابي)، قال الباجي في («المنتقى) ٦٩/١- ٧٠: يريد أن لهم
مزيةٌ على إخوانه واختصاصاً بصحبته، ولم ينفِ بذلك أن يكونوا إخوانه، وإنما منع
أن يُسَمَّوْا بذلك، لأن التسمية بذلك إنما هي على سبيلِ الثناء على الُسمَّى والترفيع
من حاله، فيجب أن يُسمى بأرفع حالاته، ويوصف بأفضل صفاته، وللصحابة
بصحبة التي # درجةٌ لا يَلْحَقُهُمْ فيها أحدٌ، فيجب أن يُوصفوا بها، والذين لم يكونوا
- ٥٥٥-
كتاب الصلاة - الجنائز
فتأملنا هذين الحَدِيثِينِ، فوجدنا الأخوةَ هي المصافاةَ التي لا غِشَّ
فيها، ولا باطنَ لها يُخالِفُ ظاهِرِهَا، ومنها قولُ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّا
المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، أي: لأنَّ ما يَينَهم، وما بعضهم عليه
لبعض، فظاهِرُه غيرُ مخالفٍ لباطنه، ومنه قولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿اغْفِرْلَنَا
وَلَإِخْوَنَ الَّذِينَ سَبَقُونَ بِالإيمانِ﴾ [الحشر: ١٠]، ثم منه قول رسول الله ﴾
مما أمر به أمته، فقال: ((لا تَحاسَدُوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا،
وكُونُوا عبادَ اللهِ إخْوَانً)(١)، وكانت الصحبة قد تكونُ بظاهرٍ يُخالِفُه
الباطن الذي مع أصحابها، والأخوة بخلافٍ ذلك، وهي الخالية من هذا
الذي لا يُخالِفُ ظاهِرُها باطنَها، وباطنُها ظاهِرَها. وبالله التوفيقُ
والعصمةُ.
أَتَّوْا بعدُ مِنْ أنه ليست لهم درجة الصُّحبة، فلذلك وصفهم بأنوهم إخوانُه، جعلنا الله
منهم برحمته.
(١) رواه من حديث أنس بن مالك البخاري (٦٠٧٦)، ومسلم (٢٥٥٩).
-٥٥٦-
كتاب الصلاة - الجنائز
١٨٢ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في لعنه
زائراتِ القُبور والمتّخذينَ عليها المساجِدَ والسُّرج
١٢٥٣- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا وهبُ بنُ جرير،
حَدَّثَنَا شعبةُ، عن محمد بن جُحَادَة، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباس،
قال: لَعَنَ رسولُ اللهِ:﴿ زائراتِ القُبور، والمتْخذينَ عليها المَسَاجِدَ
والسُّرجَ(١).
١٢٥٤- وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا أبو معمرٍ، حَدَّثَنَا
عبدُ الوارث بنُ سعيد، عن محمد بن جُحَادَةً، عن أبي صالح، عن ابنِ
عباسٍ، قال: لَعَنَ رسولُ اللهِ وَ﴿هُ زَائِرَاتِ القُبورِ والمَتَّخِذِينَ عليها
المَسَاجِدَ والسُّرُجَ(٢).
(١) إسناده ضعيف. أبو صالح وهو باذام مولى أم هانئ ضعيف.
ورواه الطيالسي (٢٧٣٣)، وابن أبي شيبة ٣٧٦/٢ و٣٤٤/٣، وأحمد ٢٢٩/١
(٢٠٣٠) و(٢٦٠٣) و(٢٩٨٤) و(٣١١٨)، وأبو داود (٣٢٣٦)، والحاكم
٣٧٤/١، والبيهقي ٧٨/٤ من طرق، عن شعبة، بهذا الإسناد.
وللحديث شواهد لكن ليس فيها (السُّرج)).
وسيأتي حديث ابن عباس وعائشة في هذا الباب.
(٢) إسناده ضعيف كسابقه.
ورواه ابن ماجه (١٥٧٥)، والترمذي (٣٢٠)، النسائي ٩٤/٤ -٩٥، وابن حبان
(٣١٧٩) و(٣١٨٠)، والبيهقي ٧٨/٤، والبغوي (٥١٠) من طرق، عن عبد الوارث
بن سعيد، بهذا الإسناد. ورواية ابن ماجه مختصرة بلفظ: لعن رسول الله # زوارات
القبور.
-٥٥٧-
كتاب الصلاة - الجنائز
فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدناه محتملاً أن يكونَ ذلك كان مِن
رسول الله ﴿ٌ قبلَ إباحته زيارة القبورِ، ووجدناه محتملاً أن يكونَ أراد
به جميعَ الأشياءِ المذكورةِ في هذا الحديث مِن اتخاذ المساجد على القبور
والسُّرج مع ذلك، ويكون الوصول إلى ذلك بالزيارة للقبور المُتَّخَذِ
ذلك عليها، وتكونُ الزيارةُ للقبور ما لم يكن ذلك متخذاً قبلها مباحةً.
فنظرنا فيما رُوِيَ عن رسول الله ◌َ﴿ في إباحته زيارة القبور، بعد
أن كانت منهياً عنها
١٢٥٥- فوجدنا فهدَ بنَ سليمان قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثَنَا
النفيلي، حَدَّتْنَا زهيرُ بن معاوية، حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ اليامي، عن محارب بنٍ
دِثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: كُنَّا مع رسول الله ﴿ٌ فِي سَفَرٍ،
فنزل بنا، ونحن قريبٌ من ألف رجلٍ، فصَلَّى بنا ركعتين، ثم أقبل علينا
بوجهه وعيناه تَذْرِفَانِ، فقام إليه عُمَرُ، ففداه بالأب والُمِّ، يقول: ما
لك يا رسول الله؟ قال: ((إني استأذنتُ ربي في الاستغفارِ لأُمي، فلم
يأذن لي، فدمعت عيناي رحمةً لها من النار، وإني كنتُ نهيتكم عن
زيارة القبورِ، فزوروها، ولْتَزِذْكُم زيارتُها خيراً، وإنّي كنتُ نهيتكم
عن لحوم الأضاحي بعدَ ثلاثٍ، فكلوا وأمسِكُوا ما شِئْتُم، وإني كنت
نهيتكم عن الأشربة في الأوعية، فاشْرَبُوا في أيِّ وِعَاءِ شئتم، ولا
تَشْرَبُوا مُسْكِراً)(١).
(١) إسناده صحيح. ورواه النسائي ٢٣٤/٧ عن عمرو بن منصور، والحاكم
-٥٥٨-
كتاب الصلاة - الجنائز
١٢٥٦- ووجدنا يونسَ قد حَدَّثْنَا، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ،
أخبرني أسامةُ بن زيد: أن محمدَ بنَ يحيى بن حَبان، أخبره: أن الواسِعَ
بنَ حبان، أخبره: أنَّ أبا سعيدٍ الْخُدْرِي، حدثه: أنَّ رسولَ اللهل﴿، قال:
(فهيتُكم عن زِيارَةِ القُبُورِ، فَزُورُوها، فإنَّ فيها عِبْرَةً، ونهيتُكم عن
٣٧٦/١ من طريق أبي شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، كلاهما عن عبد الله بن
محمد التفيلي، بهذا الإسناد. وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي،
ولم يذكر النسائي قصة زيارة النبي * قبر أمه، ورواية الحاكم مختصرة دون ذكر قصة
الأضاحي والأسقية.
ورواه أحمد ٣٥٥/٥، ومسلم (٩٧٧)، والنسائي ٢٣٤/٧ و٣١١/٨، والطحاوي
في («شرح معاني الآثار)) ١٨٥/٤ و٢٢٨، وابن حبان (٥٣٩٠)، والبيهقي ٧٦/٤
و٧٦-٧٧ من طرق، عن زهير بن معاوية، به. ورواية مسلم والنسائي دون ذكر
زيارة النبي * لقبر أمه، ولم يذكر الطحاوي قصة زيارة القبور.
ورواه ابن أبي شيبة ٣٤٢/٣، وأحمد ٣٥٠/٥، ومسلم (٩٧٧) (١٠٦)
و١٥٦٣/٣-١٥٦٤ (٣٧) و١٥٨٤/٣ (٦٣) و١٥٨٥/٣ (٦٥)، وأبو داود
(٣٢٣٥)، والنسائي ٨٩/٤ و٣١٠/٨-٣١١، وأبو القاسم البغوي في (الجعديات))
(٢٠٧٤) و(٢٠٧٥) و(٢٠٨٤)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٨٥/٤
و ٢٢٨، وابن حبان (٥٣٩١) و (٥٤٠٠)، والبيهقي ٧٧/٤ و٢٩٨/٨ من طريقين
عن محارب بن دثار، به. وبعضهم يزيد فيه على بعض.
ورواه عبد الرزاق (٦٧٠٨)، وابن أبي شيبة ٣٤٤/٣، وأحمد ٣٥٦/٥، ومسلم
(٩٧٧)، والنسائي ٨٩/٤ و٢٣٤/٧-٢٣٥ و٣١٠/٨ و٣١١، من طرق عن عبد الله
بن بريدة، به. ورواية بعضهم مختصرة.
- ٥٥٩-
كتاب الصلاة - الجنائز
النبيذِ، ألا فانْتَبِذُوا، ولا أُحِلُّ مسكراً، ونهيتكم عن لُحومِ الأضاحي،
فَكُلُوا واذَّخِروا)(١).
(١) حديث حسن، رجاله ثقات غير أسامة بن زيد الليثي: صدوق يهم.
وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٨٦/٤، بهذا الإسناد. وروايته مختصرة بقصة
الأضاحي.
ورواه الحاكم ٣٧٤/١، والبيهقي ٧٧/٤ من طريقين عن عبد الله بن وهب، به.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
ورواه أحمد ٣٨/٣ من طريق عبد الله بن المبارك، عن أسامة بن زيد الليثي، به.
ورواه أحمد ٦٣/٣ و٦٦ من طرق عن فليح بن سليمان، عن محمد بن عمرو بن
ثابت، عن أبيه، قال: مرّ بي ابن عمر، فقلت: من أين أصبحت غادياً أبا عبد الرحمن؟
قال: إلى أبي سعيد الخدري، فانطلقت معه، فقال أبو سعيد: سمعت رسول الله 8*
يقول :... فذكر نحوه.
ورواه البزار (٨٦١ - كشف) من طريق عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن
عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، مثله. وأورده الهيثمي في (المجمع)) ٥٨/٣،
وقال: رواه البزار، وإسناد رجاله رجال الصحيح.
ورواه البخاري (٣٩٩٧) و(٥٥٦٨)، والنسائي ٢٣٣/٧ من طريق يحيى بن
سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري.
وروايتهما مختصرة بذكر الأضاحي وفيها قصة.
ورواه مختصراً بقصة الأضاحي أحمد ٢٣/٣، والنسائي ٢٣٤/٧، وأبو يعلى
(٩٩٧) من طريق يحيى بن سعيد، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٨٦/٤-
١٨٧ من طريق أنس بن عياض، كلاهما عن سعد بن إسحاق، عن زينب بنت
- ٥٦٠-