النص المفهرس
صفحات 521-540
كتاب الصلاة - الجنائز
١٢١٠ - حَدَّثْنَا محمدُ بن عبد الله بن عبد الحكم، حَدَّثْنَا بشر بن
بكر، عن الأُوْزَاعِي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي الْمُهَاجر، عن
عِمران، فذكرَ مثلَه(١) غيرَ أنَّه قالَ مكان ما في الحديث الأول فقال له
علي: فقال له عمر.
١٢١١- حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، حَدَّثْنَا
الفِرِيابي، حَدَّثْنَا الأَوْزَاعي، ثم ذكر مثلَ حديث ابنِ عبد الحكم في
إسناده ومتنه سواء.
ففيما روينا صلاة رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم على هذه
المرجومة في الزنى:
١٢١٢ - حَدَّثَنَا أحْمَدُ بنُ شعيبٍ، أخبرنا محمدُ بن يحيى
النَّيْسَابُوري، ونوحُ بن حبيب الْقُومَسي، قالا: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزَّاق،
حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عن الزهري، عن أبي سَلَمَة بنِ عبد الرحمن، عن جابرِ أنَّ
رجلاً من أسلم جاء النبيَّ عليه السَّلامُ فاعترف بالزِّنى فأعرض عنه، ثم
اعترفَ، فأعرضَ عنه، حتى شَهِدَ على نفسه أربعَ مراتٍ، فقال النبيُّ
(١) هو مكرر ما قبله إلا أن قولَ الأوزاعي فيه: ((عن أبي المهاجر)) وهم منه،
صوابه: ((أبو المهلب)) كما نبه عليه غيرُ واحد من الأئمة فيما قاله النسائي في
((الکبری)).
ورواه ابن ماجه (٢٥٥٥)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ١٩٩/٨-
٢٠٠ من طريق الأوزاعي، بهذا الإسناد. وقال: لا نعلم أحداً تابع الأوزاعي على
قوله: ((عن أبي المهاجر))، إنما هو ((أبو المهلب)).
- ٥٢١-
كتاب الصلاة - الجنائز
عليه السَّلامُ: ((أبكَ جُنُونٌ؟)) قال: لا، قال: ((أَحْصَنْتَ) قال: نعم، فأمر
به النبيُّ عليه السَّلامُ، فَرُجمَ، فلما أَذْلَقَتْهُ الحجارةُ، فَرَّ فَأُدْرِكَ، فَرُجِمَ
حتى مات، فقال له النبيُّ عليه السَّلامُ خيراً، ولم يُصَلِّ عليه(١).
ففي هذا تركه الصلاةَ على هذا المرحوم في الزِّنى، وهو ماعِزُ بن
مالك.
فتأملنا جميعَ ما روينا في كُلِّ واحدٍ من هذين المرجومَينْ في الزِّنى
في صلاة رسولِ الله عليه السَّلامُ على مَنْ صَلَّى عليه منهما، وفي تركه
الصلاةَ على مَنْ ترك الصلاةَ عليه منهما لأيِّ معنىٍ كان ذلك منه.
فوجدنا المرأةَ التي رجمها لإقرارِها عنده بالزنى، كان منها الله
تعالى في إقرارها عنده بذلك جودٌ منها بنفسها له، وبذل منها نفسَها
لإقامة الواجبِ في ذلك الزنى عليها، وفي صيرها على ذلك حتى أُخِذَ
منها، وكان ذلك منها موجباً لحمدِها فصلِّى عليها، إذ كان مِن سنته
(١) إستاده صحيح، وهو عند عبد الرزاق (١٣٣٣٧)، والنسائي ٦٢/٤-٦٣.
ورواه البخاري (٥٢٧٠) و(٦٨١٤) و(٦٨٢٠)، ومسلم (١٦٩١)، وأبو داود
(٤٤٣٠)، والترمذي (١٤٢٩)، والنسائي في ((الكبرى) كما في ((التحفة)) ٣٩٤/٢،
والدارمي ١٧٦/٢، وابن الجارود (٨١٣)، وأحمد ٣٢٣/٣، والبيهقي ٢١٨/٨ من
طرق عن الزهري، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حسن صحيح.
تنبيه: وقع في رواية البخاري (٦٨٢٠) من طريق محمود بن غيلان، عن عبد
الرزاق بلفظ ((فصلى عليه))، وقد رواه ثمانية عن عبد الرزاق، فلم يذكروا قوله ((فصلى
علیه)).
- ٥٢٢-
كتاب الصلاة - الجنائز
عليه السلام صلاتُه على المحمودينَ مِن أمته.
ووجدنا ما كان مِن الرجل الذي كان أقرَّ عنده بالزنى بخلافٍ
ذلك، لأنه لم يَجِيءُ إليه باذلاً لنفسه في رجمه إِيَّاه الذي يكونُ به موتُهُ،
وإنما جاءه، لأنه يرى أنه لا يفعلُ ذلك به، وسنأتي بما رُوِيَ في ذلك
فيما بَعْدُ من كتابنا إن شاءَ، ثم كان منه بعدَ ذلك - قَبْلَ أن يُؤْتِى على
نفسِهِ - هَرَبُه مِن إقامة عقوبةِ الله عليه التي أوجبها ما أقرَّ به على نفسه
عليه، فكان في ذلك موقعَ الريبِ في أمره، لأنه قد يحتَمِلُ أن يكونَ
ذلك الْهَرَبُ كان منه لِرُجوع كان عمَّا أقرَّ به أو فِراراً من إقامة العقوبة
التي قد لزمته عليه وكان مذموماً في كُلِّ واحدة من هاتين الحالتين،
فترك النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم الصلاةَ عليه لذلك، لأن مِن سنته أن لا
يُصَلّي على المذمومين من أمته، كما لم يُصَلِّ على قاتل نفسه وإن كان
مسلماً، وكما لم يُصَلِّ على الغَالِّ من الغُزاة معه بخيير، وقد ذكرنا ما
رُوِيَ في ذلك بأسانيده فيما تقدم منا في كتابنا هذا في باب ما رُوِيَ
عنه في أمر عبد الله بن أُبَي بنِ سَلُولٍ من صلاته عليه أو من تركٍ صلاته
عليه، فمما رُوِيَ في أمر المحروم الذي قد ذكرنا مِن هربه عن استتمام
الرجم، وما كان مِن رسول الله عليه السَّلامُ من القول عندما بلغه ذلك
منه :
١٢١٣- ما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ داود، حَدَّثْنَا إسماعيل بن سالم
الصَّائغ، حَدَّثْنَا أبو معاوية، أخبرني النعمانُ بنُ ثابت، عن علقمة بن
مرتد، عن ابنٍ بريدة، عن أبيه، قال: جاء ماعِزٌ الأسلميُّ إلى رسول الله
-٥٢٣-
كتاب الصلاة - الجنائز
صلَّى الله عليه وسلّم وهو جالسٌ، فأقرَّ بالزنى، فَرَدَّهُ أُربعَ مرات، ثم
أمر برجمه، فأقاموه في مكانٍ قليلِ الحِجارة، فلما أصابته الحجارةُ،
جَزِعَ، فخرج يَشْتَدُّ حتى أتى الحَرَّة، فثبت لهم فيها فَرَمَوْهُ بحلاميدِها
حتى سَكَتَ، فقالوا: يا رسولَ الله، ماعز حين أصابته الحجارةُ جْزِعَ،
فخرج يَشْتَدُّ، فقال: ((هلاّ خَلَيْتُم سَبِيلَهُ)(١).
١٢١٤- وما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بن داود، حَدَّثْنَا عبد الرحمن بن
صالح الأزديُّ، حَدَّثْنَا يحيى بن زكريا بنِ أبي زائدة، عن محمد بنِ
عمروٍ، عن أبي سَلَّمَة، عن أبي هريرة، قال: قيل للنبيِّ صلَّى الله علِّيه
وسلَّم: إن ماعزاً حين وجد مَسَّ الموت والحجارَةِ فَرَّ، قال: ((أَفَلاَ
تَرَكْتُمُوهُ)(٢).
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد فيه ضعف. ورواه مسلم (١٦٥٩)، وأبو داود
(٤٤٣٣)، والنِّسَائي في (الكبرى) كما في ((التحفة)) ٧٤/٢ من طريق علقمة بن
مرتد، به. ورواه مسلم، والإمام أحمد ٣٤٧/٥، والدارمي (٢٣٢٥) و(٢٣٢٩) من
طريق بشير بن المهاجر عن عبد الله بن بريدة، نحوه.
(٢) صحيح لغيره محمد بن عمرو بن علقمة: صدوق له أوهام.
ورواه الإمام أحمد ٢٨٦/٢-٢٨٧ و٤٥٠، وابن ماجه (٢٥٥٤)، والترمذي
(١٤٢٨)، والنسائي في الكبرى (تحفة ١٥١١٨/١١)، والحاكم ٣٦٣/٤ من طريق
محمد بن عمرو، بهذا الإسناد.
وروى في الصحيحين من طريق الزهري عن أبي سلمة وابن المسيب عن أبي
هريرة، بنحوه ولكن أبهم ماعزاً.
رواه البخاري (٥٢٧١) و(٦٨١٥) و(٦٨٢٥) و(٧١٦٧)، ومسلم (١٦٩١م).
- ٥٢٤-
كتاب الصلاة - الجنائز
١٢١٥- وما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن أبي داود، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بنُ
عمر القواريري، حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ زريع، حَدَّثْنَا محمدُ بن إسحاق، حدثني
محمدُ بن إبراهيم، عن أبي الهيئمِ بنِ نصرِ بنِ دهرٍ الأسلميّ، عن أبيه،
قال: كُنْتُ في مَنْ رجم ماعزاً، فلما وجد مَسَّ الحِجارة جَزِعَ جَزَعاً
شديداً، فذكرنا ذلك للنبيِّ صلَّى الله علَّيه وسلَّم، قال: ((فَهَلاً
تَرَكْتُمُوهُ)(١)؟
قال ابن إسحاق: فذكرتُ ذلك مِن حديثه حين سمعته يقول:
(فَهَلاَ تَرَكْتُمُوهُ)) لِعاصم بنِ عُمَرَ بن قتادة، فقال: حدثني حسنُ بن
محمد بن علي، قال: حدثني ذلك مِن قولِ رسولِ الله عليه السَّلامُ: ((هَلاَ
تَرَكْتُمُوهُ) لِماعز من ستُّ من رجال أسلمَ، وما أَتَّهِمُ القَوْمَ، ولم أعرِف
الحديثَ، فجئتُ جابراً، فقلت: إن رجالاً مِن أسلم يُحدثون أن رسولَ
الله عليه السَّلامُ قال لهم حِينَ ذكروا جَزَعَ ماعزٍ من الحجارة: «هَلا
تَرَكْتُمُوهُ))؟ ما أَتْهِمُ القومَ، ولا أعرِفُ الحديثَ، فقال: يا ابنَ أخي، أنا
أعلمُ هذا الحديثَ، كنت فيمن رجم الرجلَ، فرجمناه، فوجد مَسَّ
الحجارةِ فصرخ بنا: يا قوم رُدُّوني إلى رسولِ الله عليه السَّلامُ، فإن
(١) أبو الهيثم مجهول، ورواه ابن أبي شيبة ٧٧/١٠-٧٨، والإمام أحمد ٤٣١/٣،
والدارمي (٢٣٢٣) والنسائي كما في ((التحفة)) ٨/٩ من طرق عن ابن إسحاق، بهذا
الإسناد.
ورواه النسائي في الكبرى من طريق أبي عثمان بن نصر السلمي، عن أبيه، به.
- ٥٢٥-
كتاب الصلاة - الجنائز
قومي قتلوني وغرُّوني من نفسي وأخبروني أن رسولَ الله عليه السَّلامُ
غَيْرُ قاتلي، فلم نَنْزِعْ عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسولِ الله صلَّى
الله عليه وسلَّم فأخبرناه بما قال، قال: (فَهَلاَّ تَرَكْتُمُ الرَّجُلَ وجِئْتُمُونِي
بِهِ) ليستثبت رسولُ الله عليه السَّلامُ منه، فأما لِتركه حدًّاً فلا، فعرفتُ
وجه الحدیثِ(١).
١٢١٦- وما قد: حَدَّثَنَا أحمد بن شعيب، أخبرنا محمدُ بنُ عبد
الله المبارك، حَدَّثَنَا يحيى بنُ آدم، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن زيدِ بنِ أسلم، عن
يَزِيدَ بنِ نُعَيْمٍ، عن أبيه، جاء ماعزُ بنُ مالك إلى النبيِّ صلَّى الله عَلَيه
وسلَّم، فقال: يا رسولَ الله إنّي زنيتُ، فَأَقِمْ عليَّ كتابَ الله حتى أتى
أربعَ مرارٍ، قال: ((اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُموهُ))، فلما مَسَّتْهُ الحِجارةُ، جَمَزَ،
فاشتدَّ، فخرج عبدُ الله مِن باديته، فرماه بِوَظِيفِ حمارِ، فصرعه فرماه
الناسُ حتى قتلوه، فذكر النبيِّ صلَّى الله عَلَّيه وسلَّم فِرَارَهُ، فقال: ((هَلّ
تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ)؟
وفيما روينا في هذا الفصلِ قولُ المرجومِ للناس: إنَّ قومي قتلوني،
وغرُّوني من نفسي، وأخبروني أن رسولَ الله عليه السَّلامُ غير قاتلي،
فدلَّ ذلك أن مجيتَه كان إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم وإقرارَه
(١) إسناده قوي. ورواه ابن أبي شيبة ٧٨/١٠، وأبو داود (٤٤٢٠)، وأحمد
٣٨١/٣، والنسائي في (الكبرى)) كما في التحفة)) ١٧٠/٢ من طرق عن محمد بن
إسحاق، به.
-٥٢٦-
كتاب الصلاة - الجنائز
عنده بما أقر به ليس لأنه يرجمه الرجمَ الذي يكون فيه قتلُهُ، ولكن لِمَا
سوى ذلك من نزول قرآن فيه، بمعنى عسى أن لا يكون معه عقوبةٌ له،
فلم يكن في ذلك كالجُهَنِيَّةِ المقرة عند رسول الله عليه السَّلامُ بالزنى
على نفسها وطلبها من إقامة العقوبة عليها، وتردادها إليه لذلك في
حالٍ حملها، وبعد وضعها حملها، وبعد فِطامها ولدها في ذلك ما قد
دَلَّ على علمها كان بالعقوبة، لأن ذلك لا يخفى على مِثلها في مثلٍ
تلك المدة، ولا يخفيه عليها من يراها تَطْلُبُ إقامةَ الحد عليها فيما كان
منها يغفر الله لها.
وفي ذلك ما قد دَلَّ على المعنى الذي تركَ رسولُ الله صلَّى الله
عليه وسلّم الصلاة على ذلك المرجوم:
فإن قال قائل: ففي حديث جابرٍ من رواية أبي سلمة عنه أن
رسولَ الله عليه السَّلامُ لما بلغه ما كان مِنه، قال له: ((خيراً»، ففي ذلك
ما قد دَلَّ على أنه كان عنده محموداً، ولم يكن مذموماً.
قيل له: في حديثٍ جابر ما قد ذكرتَ، وقد رُوِيَ عن أبي سعيد
الخدري فيما كان من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عند ذلك في
أمره خلاف ذلك.
١٢١٧- كما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بن شعيب، حَدَّثْنَا عبد الرحمن بنُ
خالد - يعني الرَّقي القطان - حَدَّثْنَا معاويةُ بنُ هشام، عن سُفيان، عن
داود بنِ أبي هندٍ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: جاء ماعِزٌ إلى
النبيِّ عليه السَّلامُ، فاعترف بالزنى أربعَ مراتٍ، فسأل عنه النبيُّ صلَّى الله
- ٥٢٧-
كتاب الصلاة - الجنائز
عليه وسلَّم، ثم أمر به، فَرُجِمَ، فرجِمناه بالخَرَفِ والْجَنْدَلِ والعِظَامِ، وما
حَفَرْنَا له وما أوْتَقْنَاه، فسبقنا إلى الحَرَّة، فَاتَّبَعْنَاهُ فقام لنا، فرميناه حتى
سَكَتَ، فما استغفر له النبيُّ عليه السَّلامُ وما سَبَّهُ(١).
ففي هذا الحديثِ خلافُ ما في حديث جابرٍ، ثم تأملنا حديثَ
جابرٍ، فوجدنا عن ابنِ بُريدة، عن النبي عليه السَّلامُ ما قد كشف المعنى
لنا فيه:
١٢١٨- كما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، أخبرني إبراهيمُ بن
يعقوب بن إسحاق الجوزجاني، حَدَّثْنَا يحيى بن يعلى بن الحارث،
حَدَّثْنَا أبي، حَدَّثْنَا غيلانُ بن جامع، عن عَلْقَمَةَ بنِ مَرْتَدٍ، عن سليمان
بن بريدة، عن أبيه، أنهم لبثوا بعد رمي ماعز يَوْمَينْ أو ثلاثة، فجاء
النبيُّ صلى الله عليه وسلَّم وهم جلوسٌ، فَسَلَّمَ ثم جلس، فقال:
(اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بنِ مَالِكٍ))، فقالوا: غفر اللهُ لماعز بن مالك، فقال
النبيُّ عليه السَّلامُ: (لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهَا))(٢).
(١) إسناده حسن. معاوية بن هشام القصار، صدوق له أوهام.
ورواه مسلم (١٦٩٤)، وأبو داود (٤٤٣١) و(٤٤٣٢)، وأحمد ٢/٣ -٣ و٦١-
٦٢، والدارمي ١٧٨/٢، وابن أبي شيبة ٧٤/١٠-٧٥ من طرق عن داود، بهذا
الإسناد.
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((سنن النسائي الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٧٤/٢.
ورواه مسلم (١٦٩٥)، وأبو داود (٤٤٣٣) من طريقين، عن يحيى بن يعلى بن
الحارث، بهذا الإسناد.
-٥٢٨-
كتاب الصلاة - الجنائز
فوقفنا بذلك على أنه قد كان ترك النبي صلَّى الله علَّيه وسلَّم
الصلاة عليه، ومن هذا القول المدةَ المذكورةَ في هذا الحديثِ، ودَلَّ
ذلك على أن الحمد لَحقَهُ من النبيِّ عليه السَّلامُ بعدَ ذهابٍ وقتٍ
الصلاةِ عليه، وإن كان غيرُه قد صلَّى عليه قبلَ ذلك، ويحتمل أن يكونَ
ذلك الحمدُ له لمعنىّ علمه النبيُّ صلَّى الله عَلِّيه وسلَّم حَدَثَ في أمرِهِ من
رحمة الله تعالى لَحقَتْهُ إما بوحي جاءه، وإما برؤيا رآها فيه، وقد وجدنا
من ذلك شيئاً في حديثٍ قد رُوِيّ عن أبي هريرة.
١٢١٩- وهو ما قد حَدَّثْنَا الحسينُ بن نصرِ، قال: سمعتُ يزيدَ
بنَ هارون، يقول: أخبرنا حمادُ بن سلمة، عن أبي الزُّبَيْر، عن عبد
الرحمن بنِ هَضَّاض، عن أبي هريرة، أن ماعِزَ بنَ مالكٍ زنى، فأتى
هَزَّالاً، فَأَقَرَّ له أنه زنى، فقال له هَزَّالٌ، أْتِ النبيَّ صلَّى الله عَلَّيه وسلَّم،
فَأَخْبِرْهُ قبل أن يَنْزِلَ فيك قُرآن، فأتى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال:
يا رسولَ الله، إني قد زَنَيْتُ، فأعرض عنه حتى قال ذلك أربعَ مِرَارٍ، ثم
أمر به أن يُرْجَمَ، فلجأ إلى شجرةٍ، فَقُتِلَ، فقال رجلٌ لصاحبه: هذا قد
قُتِلَ كما يُقْتَلُ الكَلْبُ، فمر رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم بحمارِ
منتفخٍ، فقال لهما: ((انْهَشَا مِنْ هذَا)، قالا: يا رسولَ الله لا نستطيعُ،
جيفةٌ مُنْتِنَةٌ، فقال: ((مَا أَصَبْتُما مِنْ أخِيكُمَا أَنْتَنُ، إنّهُ بَهِشٌ فِي أَنْهَارِ
الجَنّةِ))، ثم قال: ((وَيْحَكَ يا هَزَّالُ ألا سَتَرْتَهُ، وَيْحَكَ يَا هَزَّالُ أَلاَ
سَتَرْتُ)(١)؟
(١) عبد الرحمن بن هضاض: هو عبد الرحمن بن الصامت، وقيل: ابن هضاض،
-٥٢٩-
كتاب الصلاة - الجنائز
١٢٢٠ - وكما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بن شعيب، حَدَّثْنَا محمد بنُ حاتم
بن نعيم، أخبرنا حِبَّان بنُ موسى، أخبرنا عبدُ الله -يعني ابنَ المبارك-
عن حماد بن سلمة، عن أبي الزُّبير، عن عبد الرحمن بن هَضَّاض، عن
أبي هريرة، ثم ذكر مثلَه، غير أنه قال: مكان ((بهش في أنهار الجنة)،
(إِنْهُ لَيَنْغَمِسُ فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ)(١).
فدلَّ ما ذكرناه في حديثِ بُريدة أن هذا القولَ كانَ مِن النبي عليه
السَّلامُ لم يكن عقيباً لرجمه ماعزاً، وإنما كانت بينهما مُدَّةٌ وقف بها
رسولُ الله عليه السَّلامُ مِن حقيقة ما صارَ إليه عند الله تعالى مما لم يكن
واقفاً عليه قَبْلَ ذلك، ولا عالماً به حتى أعلمه الله إيّاه، وكان ما في
حديث جابر: ((فقال النبيُّ عليه السَّلامُ له خيراً) كان مؤخراً عن غير
الصلاة عليه.
فأما في حديث ابن هضَّاض الذي رويناه مما حكى فيه مِن قول
رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم للرجلين ما قال موصولاً بانصرافهم مِن
رجمه، فذلك مُسْتَحِيلٌ، لأن رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلم لم يَحْضُرْ
وقال البخاري: لا يعرف إلا بهذا الحديث. وقال الحافظ: مقبول.
ورواه أبو داود (٤٤٢٨) و(٤٤٢٩) من طريق أبي الزبير، بهذا الإسناد.
والـ(بهش) هو المسارعة في أخذ الشيء وتناوله.
(١) هو مكرر ما قبله، وهو عند النسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة))
٠١٤٦/١٠
- ٥٣٠-
كتاب الصلاة - الجنائز .
رَجْمَهُ، وإنما جاءَهُ راجموه، فأخبروه بما كان منهم ومنه، ثم كان منه
بعدَ ذلك هذا القولُ بعدَ وقوفه على حقيقةِ ما صار إليه عند ربِّه تعالى
مِن عفوه عنه.
١٧٦ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله# في تركه
الصَّلاة على مَنْ قَتَلَ نفسَه
١٢٢١ - حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ منصور،
قال: حَدَّثْنَا إسرائيلُ وشريكٌ وزُهَيْرٌ، عن سِماكٍ، عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ:
أنَّ رجلاً نَحَرَ نفسَهِ بِمِشْقَصٍ، فلم يُصَلِّ عليه النِّيُّ ﴿(١).
١٢٢٢- وحَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ حَمْدَوَيه البَيْكَنديُّ، قال: حَدَّثَنَا
(١) حديث صحيح رواه مسلم (٩٧٨)، ورواه أحمد ١٠٢/٥ و١٠٧،
والترمذي (١٠٦٨) من طريق وكيع، عن إسرائيل وشريك، بهذا الإسناد. وقال
الترمذي: حديث حسن صحيح.
ورواه الطيالسي (٧٧٩)، وابن أبي شيبة ٣٥٠/٣-٣٥١، وأحمد ٩١/٥ -٩٢،
وابنه عبد الله ٩٤/٥ و٩٦، وابن ماجه (١٥٢٦)، وابن حبان (٣٠٩٣) و(٣٠٩٥)،
والطبراني ٢/(١٩٥٥) و(١٩٥٦) من طرق عن شريك وحده، به.
ورواه عبد الرزاق (٦٦١٩)، وأحمد ٨٧/٥، وابته في زياداته ٩٧/٥، والترمذي
(١٠٦٨)، والطبراني (١٩٢٠)، والحاكم ٣٦٤/١ من طرق عن إسرائيل وحده، به.
ورواه أحمد ٩٢/٥، ومسلم (٩٧٨)، وأبو داود (٣١٨٥)، والنسائي ٦٦/٤،
والبيهقي ١٩/٤ من طرق عن زهير بن معاوية وحده، به.
ورواه أحمد ١٠٧/٥ من طريق حجاج، عن سماك، به. وانظر (١٢٠٤).
- ٥٣١-
كتاب الصلاة - الجنائز
أحمدُ بنُ عبدِ الله بن يونس، قال: حَدَّثَنَا زهيرٌ، قال: حَدَّثْنَا سِمَاكٌ،
قال: حَدَّثْنَا جابرُ بنُ سمرة، قال: مَرِضَ رَجُلٌ فَصِيحَ عليهِ، فجاء حارُه
إلى سولِ اللهِ﴿، فقال: إنَّه قد مَاتَ، قال: ((وما يُدْرِيكَ؟) قال: أنا
رأيته، فقال رسولُ اللهِ ﴿هَ: ((إِنَّه لم يَمُتْ) فَرَجَعَ، فصَيحَ عليه، فجاء إلى
رسولِ الله ﴿، فقال: إنَّه ماتَ، فقال: (إِنَّهُ لَم يَمُتْ)، فَرَجَعَ الرَّجُلُ،
فَصَيحَ عليه، فقالت امرأتُه: انطلق إلى رسول الله، فأخبره، فقال الرجلُ:
اللهم الْعَنْهُ، ثم انطلق إلى الرجل، فرآه قد نَحَر نفسَه بمشاقِصَ معه،
فانطلق إلى رسول الله ﴿، فأخبره أنه قد مَاتَ، قال: ((وما يُدريك؟))
قال: رأيتُهُ نَحَرَ نفسَه بِمَشَاقِصِهِ، قال: ((أنتَ رأيتَه؟)) قال: نَعَم، قال:
((إذن لا أُصلِّي عليه)(١).
فكان في هذا الحديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تركُه
الصَّلاةَ على ذلك الرجلِ لِقلته نفسه.
وهذه مسألة قد اختلف أهلُ العِلْمِ فيها، فطائفةٌ تذهب إلى أنه
يُصَلَّى على من هذه سَبِيلُهُ، منهم: إبراهيمُ النخعي، وأبو حنيفة
وأصحابُه.
وطائفةٌ تقولُ: لا يُصلى عليه، وتحتجُّ بهذا الحديثِ.
فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا تركَ الصلاةِ عليه إنما كان مِن
رسول الله وَ﴿ لا مِن النَّاسِ جميعاً، وقد يحتملُ أن يكونَ رسولُ اللهَ فَلّ
(١) رواه الطبراني (١٩٣٢)، والبيهقي ١٩/٤ من طريق أحمد بن يونس، به.
-٥٣٢ -
كتاب الصلاة - الجنائز
لم يُصَلِّ عليه لِفعله الَّذْمُومِ الذي كان منه بنفسه، وكان من شريعة
رسول الله ﴿ أن لا يُصَلِّي على المذمومين من أُمته، وأن يُصلي عليهم
غيرُه، كما قد رُوِيَ عنه في الذي قتل بخيبر معه مِن أمره الناسَ بالصَّلاة
عليه، وتركه ذلك، ومن تغير وجوههم عند ذلك، ومن قوله لهم: ((إنَّ
صاحِبَكُم غَلَّ في سبيلِ الله). ففتش متاعهُ، فوجد فيه خرز من خرز
يهود لا يُساوي درهمين، وقد ذكرنا ذلك بإسناده فيما تقدم منا في
كتابنا هذا(١).
وكما قد رُوِيَ عنه: أنه كان إذا أُتِي بالرَّحُلِ لِيُصَلِّي عليه، سأل:
(أُعَلَيْهِ دَيْنٌ؟) فإن قالوا: لا، صَلَّى عليه، وإن قالوا: نَعَمْ، قال: ((هل
تَرَكَ له وَفَاءً؟)) فإن قالوا: نعم، صَلَّى عليه، وإن قالوا: لا، قال: ((صَلُّوا
على صَاحِبِكُم))(٢).
وكان تركُه للصلاة على من ذكر تركه الصَّلاةَ عليه فيما ذكرنا،
ليس على منعٍ منه الناس سِواه أن يُصَلُّوا عليه، وكان تركُه الصلاةَ
عليه، لأن من سُنة الصَّلاةِ على الموتى سؤال الله لهم الجنةَ، وكمان مَنْ
كان منه ما كان ممن امتنع مِن الصَّلاةِ عليه يحولُ بينَه وبينَ الجنةِ إِما
لذنبه، وإما لِدَيْنه الذي عليه، فترك الصلاةَ عليهم لِذلك، لأنَّ صلاته
على من يُصلي عليه رحمةٌ، وصلَّى عليهم غيرُه ممن ليست صلاتُه في
(١) تقدم رقم (١٢٠٣).
(٢) حديث صحيح، متفق عليه من حديث أبي هريرة، وقد تقدم تخريجه.
-٥٣٣-
كتاب الصلاة - الجـنائز
هذا المعنى كصلاته {آ﴾ فيه.
وكذلك القاتلُ لِنفسه تركَ الصلاةَ عليه لما كان منه مما يمنعُه مما
سُئِلَ للمصلى عليهم، ولم يمنع من ذلك غيره ممن ليست صلاتُه عليه
كصلاته هو ﴿، والله عَزَّ وجَلَّ نسألُه التوفيق.
١٧٧- بابُ بیانِ مُشْکِل ما رُوي عن رسول الله څ﴾ من قوله:
اللحدُ لنا والشقُّ لِغیرنا، أو لأهل الكتاب
١٢٢٣ - حَدَّثْنَا إِبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا أبو عامرِ
العَقَدِيُّ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن عثمان، عن زاذان، عن جريرٍ، قال:
قال رسولُ الله ◌ِ﴿: ((اللَّحْدُ لَّنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَ)(١).
(١) حديث صحيح بطرقه وشواهده، عثمان بن عمير أبو اليقظان البحلي الكوفي
الأعمى، وإن كان ضعيفاً- قد تابعه عمرو بن مرة عند أحمد ٣٥٧/٤، والطبراني
(٢٣٣٠)، وأبو جناب الكلبى يحيى بن أبي حية عند أحمد أيضاً ٣٥٩/٤، وأبو حمزة
ثابت بن أبي صفية عند الحميدي (٨٠٨)، والإمام أحمد ٣٥٩/٤، والطبراني
٢/(٢٣٢٨) وهي الرواية التالية هنا.
ورواه ابن سعد في ((الطبقات) ٢٩٤/٢، وأحمد ٣٦٢/٤، والطبراني (٢٣٢٠)
و(٢٣٢١)، والبغوي (١٥١٢) من طرق عن سفيان الثوري، بهذا الإسناد.
ورواه الإمام أحمد ٣٥٧/٤ وابن أبي شيبة ٣٢٢/٣، والطيالسي (٦٦٩)، وابن
ماجه (١٥٥٥)، والطبراني (٢٣١٩) و(٢٣٢٣) و(٢٣٢٤) و(٢٣٢٥) و(٢٣٢٦)
من طرق عن أبي اليقظان عثمان بن عمير، به.
-٥٣٤-
كتاب الصلاة - الجنائز
١٢٢٤ - وحَدَّثْنَا أحمدُ بنُ الحسن الكوفيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله
بنُ نُميرِ، عن أبي حمزةَ الثَّمالي، عن زاذان، عن جريرٍ، قال: قال رسولُ
اللّهِّ: (اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِأَهْلِ الْكِتَابِ)).
١٢٢٥- وحَدَّثَنَا ابنُ أبي داود اللاَّحِقِي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ
الواحد بنُ زيادٍ، قال: حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بنُ أرطاة، قال: حَدَّثْنَا عثمان
البحليُّ، عن زاذان، عن جريرِ بنِ عبد الله، قال: أسلم أعرابيٌّ، فبينا هو
يَسِيرُ إذ دخل خُفُّ بعيرهٍ في جُحْرِ ضَبِّ، فوقصه، فمات، فسأله رسولُ
الله ◌َ ◌ّ، فقال: ما فعل الأعرابِيُّ، فَأُخْبِرَ خَبَرَه، فقال: ((رَحِمَه اللهُ عَمِلَ
قليلاً ويُعمّر طويلاً، اذهبُوا به، فاحْفِروا له)) قالوا: يا رسول الله: نَشُقُّ
لَهُ أو نَلْحَدُ؟ فقال: ((الَحَدُوا له، اللَّحْدُ لنا والشَّقُّ لِغيرنا)».
١٢٢٦ - حَدَّثْنَا أبو أُمية، قال: حَدَّثَنَا طَلْقُ بنُ غَنَّام، قال: حَدَّثَا
قيسٌ، عن عثمان بنِ عُميرٍ، عن زاذانَ، عن جريرٍ رضي الله عنه قال:
قال رسولُ اللهِلَ﴿: ((الْحَدُوا ولا تَشْقُّوا، فإِنَّ اللَّحْدَ لنا، والشَّقَّ
ورواه عبد الرزاق في (٦٣٨٥)، ومن طريقه البيهقي ٤٠٨/٣، والطبراني
(٢٣١٩) عن الثوري، عن سالم بن عبد الرحمن (في الطبراني: سلمة، وفي البيهقي:
مسلم، ولعل الصواب مسلم بن عبد الرحمن النخعي كما أشار إليه حسين أسد في
تحقيقه للحميدي)، عن عثمان بن عمير، عن زاذان، عن جرير.
قال البيهقي: ورواه وكيع والفريابي وجماعة من سفيان عن عثمان بن عمير، لم
یذ کروا فیه مسلم بن عبد الرحمن.
- ٥٣٥-
كتاب الصلاة - الجنائز
لِغیرنا».
قال أبو جعفر: فتأملنا قوله : ﴿ هذا، فوجدناه محتملاً أن يكون
اللحدُ لنا، أي: أنه الذي نَعْرِفُه، لأن العرب لم تكن تَعْرِفُ غيره،
والشق لأهل الكتاب، أي: لأنه الذي كانوا يستعملونه لا يعرفونَ
غيره، قد كانت لهم أنبياء صلوات الله عليهم، وكانوا في أيامهم على
ذلك وقد أمر الله عَزَّ وجَلَّ نبيه ◌َ﴿ بالاقتداء من قبله من الأنبياء بقوله
عَزَّ وجَلَّ: ﴿أُوْلِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبَهُدَهُمْ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فكان
عليه وَ﴿ّ الاقتداءُ بهم حتى يَنْسَخَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ له شريعتهم بما نسخها
به، فصار اللحدُ والشقُّ جميعاً من سنن المسلمين، إذ لم يُنْهَوا عن واحٍ
منها غَيْرَ أن اللحد أولاهما، لأنه الذي اختاره الله عَزَّ وَجَلَّ لنبيهِ﴿،
فألحد له ولم يشق له. ومما يَدُلُّ على إباحة الشَّقِّ، وأنه لم يلحقه نهي ما
قد رُوِيَ مما كان أصحابُ رسولِ اللهِوَ﴿ أرادوه في رسول الله عُ ﴿وَ بعدَ
موته
١٢٢٧- كما حَدَّثْنَا محمد بنُ على بنِ داود، وأبو أمية، قالا:
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الله البَيْنُوني، قال: حَدَّثْنَا مباركُ بنُ فضالة، عن
حُميدٍ، عن أنس قال: لما تُوُفّيَ رسولُ الله :﴿ كان رَجُلٌ يَلْحَدُ، ورجل
يَضْرَحُ، فقالوا: نستخيرُ رَّبَّنَا عَزَّ وحَلَّ، ونُرْسِلُ إليهما، فأيهما سبق،
تركناه، فأرسل إليهما، فسبق صاحِبُ اللحدٍ، فَلَحَدُوا لِرسول الله (١).
(١) حسنه الحافظ في ((التلخيص)) ١٢٨/٢. ورواه الخطيب في ((تاريخه)) ٤١٢/٥
- ٥٣٦-
كتاب الصلاة - الجنائز
١٢٢٨- وكما حَدَّثْنَا بحرُ بنُ نصر، قال: حَدَّثَنَا أسدُ بنُ موسى،
قال: حَدَّثَنَا المباركُ ثم ذكر بإسناده مثلَه.
ففي ذلك ما قد دَلَّ على أنَّ النَّحْدَ والشَّقَّ قد كانما يستعملان
جميعاً، وبان بما اختاره عَزَّ وجَلَّ لرسولِ الله :﴿ من اللحدِ على الشَّقِّ
فَضْلُ اللحد على الشق.
وإن قال قائلٌ: ففيما قد رويتُم في خير الأعرابي أن رسولَ اللهِمَّ
لما قالوا له: أَفَلْحَدُ له أو نَشُؤُّ؟ فقال: «الحَدُوا له»، وفي حديث قيس
الذي قد رويتموه أيضاً: ((ولا تَشُقُّوا) فيكون ذلك على النهي عن
الشق.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عَزَّ وجَلَّ أن ذلك لم يكن
على النهي عن الشَّقِّ، لأنه مكروه، ولكنه على النهي عن تركِ الأفضلِ،
والأخذ بما هو دونَه فمما قد رُوِيَ بما فُعِلَ برسولِ الله ◌ِ﴿ مِن اختيارهم
له اللحد على غيره
١٢٢٩- ما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا أبو عامر
العقديُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ جعفر الزهريُّ، عن إسماعيل بنِ محمد
بنٍ سعد، عن عامر بن سعد، أن سعداً رضي الله عنه، قال: الْحَدُوا لي
من طريق أبي عبد الله محمد بن عبد الله البينوني، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ١٣٩/٣ عن أبي النضر، وابن ماجه (١٥٥٧)عن هاشم بن القاسم،
كلاهما عن مبارك بن فضالة. وقد صرح مبارك بن فضالة بالتحديث عندهما.
- ٥٣٧-
كتاب الصلاة - الجنائز
لَحْدً، وانصبوا علي نصباً، كما صُنِعَ برسول الله (١).
١٢٣٠ - وما قد حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّتَنَا عبدُ العزيز بنِ
عبد الله الأُويسي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ جعفر المَخْرَمِيُّ. ثم ذكر
یاسناده مثله.
١٢٣١- وما قد حَدَّثَنَا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حَدَّثْنَا حَجَّاجُ بنُ
مِنهال، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، عن أبي عمران الجونيِّ، عن أبي
عسيب، قال: لما وَضِعَ رسولُ الله ◌َ﴿ه في لحده، قال المغيرةُ: إنه قد بقي
عليَّ شيءٍ مِن قبل قدميه لم يُصْلِحُوه، قال: ادْخُلُ، فأُصلحه، فأدخل
يَدَهُ، فَمَسَّ قدمي رسول الله مَ﴿ ثم قال: أهيلوا عليَّ التراب، فأهالوه
عليه حتى بلغ نصف ساقيه ثم خرج، فقال: أنا أحْدَتُكُمْ عهداً برسول
الله (٢).
١٢٣٢- وما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ علي بن داود، قال: حَدَّثْنَا
(١) إسناده صحيح. ورواه الإمام أحمد ١٦٩/١ (١٤٥٠) و١٨٤/١ (١٦٠١)
و(١٦٠٢)، ومسلم (٩٦٦)، والنسائي ٨٠/٤، وابن ماجه (١٥٥٦)، والبيهقي
٤٠٧/٣ من طرق عن عبد الله بن جعفر الزهري، بهذا الإسناد.
ورواه الإمام أحمد ١٦٩/١ (١٤٥١) و١٧٣/١ (١٤٨٩)، والنسائي ٨٠/٤ عن
طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد بن سعد،
عن أبيه، عن سعد بن أبي وقاص، به.
(٢) إسناده قوي، ورواه أحمد ٨١/٥ من طريقين عن حماد بن سلمة، عن أبي
عمران الجوني، عن أبي عَسيب أو أبي عُسيم.
-٥٣٨-
كتاب الصلاة - الجنائز
عفان، قال: حَدَّثْنَا حماد بن سلمة، قال: حَدَّثْنَا أبو عمران الجوني، عن
أبي عُسَيْمٍ، قال: شَهِدَ ذلك، ثم ذكر هذا الحديث.
١٢٣٣ - وما قد حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ حمدويه البَيْكندي، قال:
حَدَّثْنَا ابن الحِمَّاني قال: حَدَّثْنَا أبو بُردة ومَنْزِلُه في بني حجر، قال:
حَدَّثْنَا علقمةُ بنُ مَرْتَدٍ، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: أُخِذَ النبيُّ ◌َهُ مِن
قِبَلِ القِبلة، وأُلحِدَ له ونُصِبَ. عليه اللِّنُ نصباً(١).
١٢٣٤- وما قد حَدَّثَنَا فهدٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سعيد ابنِ
الأَصْبَهَاني، قال: أنبأنا عبدُ الرحيم بنُ سليمان، عن مجالدٍ، عن الشعبي،
عن المغيرة بنِ شُعْبَةً، قال: كُنْتُ فيمن حفر قَبْرَ رسول اللهل:﴿ فلما
سُوِّيَ عليه لَحْدُهُ، أَلْفَيْتُ شيئاً في القبر، فنزلتُ فوضعتُ يدي على
اللحد، فأنا آخِرُ الناسِ عهداً برسول اللهلح﴿(٢).
١٢٣٥ - وما قد حَدَّثْنَا عليٌّ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حَدَّثْنَا يحيى
بنُ معين، قال: حَدَّثْنَا وهبُ بنُ جرير، قال: حَدَّثْنَا أبي قال: سمعتُ
محمد بن إسحاق يُحَدِّثُ، عن أبيه إسحاق بن يسار، عن عبدِ الله بنِ
(١) إسناده ضعيف، يحيى الحماني ضعيف، وأبو بُردة -واسمه عمرو بن يزيد
التميمي - ضعيف. ورواه الطبراني في ((الأوسط)) (٥٧٦٦) عن محمد بن عبد الله
الحضرمي، عن الحماني به. وأورده الهيثمي في («مجمع الزوائد)) ٢/٣، وقال: رواه
الطبراني في (الأوسط))، وأعلَّه بيحيى الحمّاني.
(٢) مجالد ابن سعيد الهمداني ليس بالقوي. ورواه الطبراني في ((الكبير))
٢٠/(٩٩٣) من طرق عن مجالد، بهذا الإسناد.
-٥٣٩-
كتاب الصلاة - الجنائز
الحارث بن نوفل، قال: خرجتُ مع عمي علي بن أبي طالب رضي الله
عنه معتمراً في زمنٍ عثمان رضي الله عنه فلما قَدِمَ مكة نزل على أُمِّ
هانئ بنت أبي طالب، فلما فرغ مِن طوافه، وحلق رأسه، دخل عليه
رَهْطٌ من أهل العِراق، فقالوا: إن المغيرةَ بنَ شُعبة يُحدِّثُ أنه آخِرُ النَّاس
عهداً برسول الله ﴿، فقال: كَذَبَ، آخِرُ الناس عهداً برسول الله مخلد
قُتَمُ بنُ عباسٍ (١).
١٢٣٦- وما قد حَدَّثْنَا فهدٌ، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ سعيدٍ، قال:
حَدَّثْنَا أبو خالدٍ الأحمر، عن حجاج، عن نافع، عن ابنِ عمر رضي الله
عنهما قال: لُحِدَ لِرسولِ اللهِ :﴿، ولأبي بكر، ولعمر رضي الله
عنهما(٢).
١٢٣٧- وما قد حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال:
حَدَّثْنَا عبد الله بن نافع، عن عاصم بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن
ابن عمر رضي الله عنهما، قال: لحد لرسول الله وَ﴾، ولأبي بكر،
ولعمر رضي الله عنهما.
قال أبو جعفر: فَدَلَّ ما ذكرنا على أن الشَّقَّ غيرُ منهي عنه، وإن
(١) إستاده قوي. ورواه أحمد في (المسند) ١٠١/١ عن يعقوب بن إبراهيم بن
سعد الزهري، عن أبيه، عن ابن إسحاق، حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن مِقسم
أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن مولاه عبد الله بن الحارث ..
(٢) حجاج بن أرطاة مدلس وقد عنعن.
ورواه ابنُ أبي شيبة ٣٢٣/٣ عن أبي خالد الأحمر، بهذا الإسناد.
- ٥٤٠-