النص المفهرس

صفحات 221-240

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
يذهبون إلى أن الإِمامَ لا يُكِّرِ حتى يَفْرُغَ المؤذِّنُ من إقامته، ويحتجُّونَ
في ذلك بحديثِ أنسِ الذي قد رويناه في الباب، ولم يَكُنْ عندنا حديث
أنس ذلك مخالفاً لحديث بلال هذا، لأن الذي في حديث أنسِ إنما هو
أفعالَ رسول الله ﴿ وأصحابهِ بعدما أُقيمَتِ الصَّلاة، وقوله ذلك القول
قد يحتمِلُ أن يكونَ ذلك أرادَ به أن يفعلوا ما أمرهم به، ويكونُ ما
عليه قبل ذلك وبعده على ما في حديث بلال.
قالوا: فإنّه قد رُوِيَ عن أنس، عن البراء ما يَدُلُّ على أن الذي
كان عليه في صلاته تركُ التكبير إلى أن يَفْرُغَ المؤذِّنُ من إقامته،
وذكروا.
٨٣٥- ما قد حَدَّثَنَا أبو أُمية، حدثنا محمدُ بنُ القاسم الأسدي،
عن أبي جَنَابٍ الكلبيِّ، عن طلحة بنِ مُصَرِّفٍ، عن عبد الرحمن بن
عَوْسَجَةَ، عن البراءِ بنِ عازب، قال: كان رسولُ اللهِ ﴿، إذا أُقيمتِ
الصَّلاةُ، مَسَحَ صدورَنا، وقال: ((رُصُّوا الَمناكِبَ بالمناكِبِ، والأقدامَ
بِالأَقْدَامِ، فإِنَّ الله تعالى يُحِبُّ في الصَّلاةِ ما يُحِبُّ فِي القِتَالِ كأَنْهُم
بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)(١).
(١) إسناده ضعيف جداً، محمد بن القاسم الأسدي لقبه كاو، تكلم فيه أحمد،
وضعفه غير واحد، وكذّبه بعضهم. وقال الحافظ: كذبوه، وأبو جناب الكلي -
واسمه يحيى بن أبي حيَّة - ضعفوه لكثرة تدليسه.
ورواه ابن أبي عاصم في ((الجهاد)) (١٤٣) من طريق سعيد بن مسلمة، عن ابن
-٢٢١ -

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
٨٣٦- وما قد حدثنا ابنُ أبي داود، حدثنا أَصْبَغُ بنُ الفرج،
حدثنا حاتم بنُ إسماعيلَ، عن مصعب بن ثابت، قال: طلبنا عِلْمَ هذا
العُودِ الذي في مقام الإمام في مسجدٍ رسول الله مَ﴿، فلم نَقْدِرْ على
أحدٍ يقولُ لنا فيه شيئاً. قال مصعب: فأخبرني محمدُ بنُ مسلم بنِ
السَّائب بن خباب صاحبُ المقصورةِ، قال: جَلَسَ إليَّ أَنسُ بنُ مالكٍ
يوماً، فقال: هل تدري لِمَ صُنعَ هذا العودُ؟ ولم نسأله عنه، فقلتُ: لا
والله. قال أنس: كان رسولُ اللهِ لَ﴿ يَضَعُ يِمِينَه، ثم يلتفتُ إلينا، فيقولُ:
(اسْتَووا وعَدّلوا صُفوفَكُمْ)(١).
قالوا: وقد رُوِيَ عن عثمان هذا المذهب أيضاً، فذكروا.
٨٣٧ - ما قد حدثنا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب: أن مالكاً حدَّثُه
جناب الكلبي، به، مقتصراً على آخره فقط: (( فإن الله يحب .... )).
وللبراء حديث صحيح في تسوية الصفوف بلفظ: كان رسول الله {8# يأتينا
فيمسح عواتقنا وصدورنا ويقول ((لا تختلف صفوفكم، فتختلف قلوبكم، إن الله
وملائكته يُصلُّون على الصف))، رواه أبو داود (٦٦٤)، والنسائي ٨٩/٢.
(١) إسناده ضعيف، مصعب بن ثابت: قال الحافظ لين الحديث، ورواه أبو
داود (٦٦٩)، ومن طريقه البيهقي ٢٢/٢، والبغوي (٨١١) عن قتيبة، عن حاتم
إسماعيل، بهذا الإسناد.
ورواه أبو داود (٦٧٠)، وابن حبان (٢١٦٨)، والبيهقي ٢٢/٢، والبغوي
(٨١٢) من طريق حميد بن الأسود، وابن حبان (٢١٧٠) من طريق بشر بن السري،
كلاهما عن مصعب بن ثابت، به.
-٢٢٢ -

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
عن عمِّه أبي سُهيل بن مالك، عن أبيه، قال: كنتُ مع عثمانَ بن
عفان، ثم قامَتِ الصلاةٍ، وأنا أُكلمه في أن يَفْرِضَ لي، فلم أَزَلْ أُكَلِّمُه
وهو يُسوي الحصى بنعليه حتى جاءَهُ رجالٌ قد كان وكُلَهُم بتسويةِ
الصُّفوفِ، فَأَخبروا أن الصفوفَ قد استوت، فقال لي: استو في الصَّفِّ،
ثم كَّرَ(١).
قالوا: ففي هذا ما قد دلَّ: أن عثمان كان لا يُكَبِّرُ للصلاة إلا
بعدَ فراغ المؤذن من الإقامةِ لها، وهذا مما لا يجئ فيه أكبر مما جئنا به فيه
إذا كان مثلُه لا يُوصَلُ إلى حقيقته، وإذا كان ذلك كذلك كان
الأحسنُ أن يكونَ الأمرُ واسعاً فيه، وأن يكونَ ما علم به منه غيرَ من
عمله على تركه خلافه، وبالله التوفيق.
(١) رجاله ثقات، وهو في ((الموطأ) ص ١١٦ باب ما جاء في تسوية الصفوف.
- ٢٢٣ -

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
١٢٣ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسولِ اللهِ ﴾ من قوله:
((إذا أُقيمتِ الصَّلاةُ فلا تقوموا حتى تَرَوْنِي))
٨٣٨- حدثنا عليُّ بنُ معبد، حدثنا عبد الوهَّاب بنُ عطاء، عن
هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير أنَّ عبدَ الله بن أبي قتادة حدَّثه
عن أبيه أن رسولَ الله ﴿، قال: ((إذا نُودِيَ بالصلاّةِ فلا تَقُومُوا حَتَّى
تروني)) (١).
فنظرنا في هذا الحديث، فوجدنا هشاماً لم يسمعه من يحيى بنٍ
أبي كثير، وإنما حدَّث به عنه، عن كتابه به إليه.
٨٣٩- كما حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونس، حدثنا يحيى
ابنُ حبيب بنِ عَرَبي، حدَّثَنا خالدُ بنُ الحارث، عن هشام، قال: كتب
إلي يحيى يُحَدِّثُ عن عبدِ الله بنِ أبي قتادة عن أبي قتادة، قال: قالَ
رسولُ اللّهَ: ((إذا أُقِيمَتِ الصلَّةُ، فلا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي))(٢).
(١) إسناده صحيح. ورواه البيهقي ٢٠/٢ من طريق مسلم بن إبراهيم ، عن
هشام الدستوائي ، بهذا الإسناد . وانظر ما بعده .
(٢) إسناده صحيح. ورواه أحمد ٣٠٩/٥ و٣١٠، والبخاري (٦٣٧)، والدرامي
٢٨٩/١ من طرق عن هشام الدستوائي، قال: كتب إلي يحيى بن أبي كثير، عن عبد
الله بن أبي قتادة، عن أبيه .
قال الحافظ تعليقاً على قوله: ((وكتب ألي)): ظاهر في أنه لم يسمعه منه، وقد رواه
الإسماعيلي من طريق هشيم، عن هشام وحجاج الصواف، كلاهما عن يحيى، وهو
من تدليس الصيغ، وصرح أبو نعيم في (المستخرج) من وجه آخر عن هشام أن يحيى
- ٢٢٤ -

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
قال أبو جعفر: ثم نظرنا هَلْ حدَّث بهذا الحديثِ غيرُ هشامٍ عن
يحيى بغير هذا الوجه الذي حدَّث به هشامٌ عنه؟
٨٤٠- فوجدنا أبا أُمية قد حدَّثْنا، قال: حدُّثنا القواريريُّ، حدَّثنا
حمادُ بنُ زيد، عن أيوب، وحجَّاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير،
عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، عن النبيِّ﴾، ثم ذكر هذا
الحديثَ(١).
٨٤١- ووجدنا ابنَ أبي مريم قد حدَّثنا، قال: حدَّثْنَا الْفِريابيُّ،
قال: حدَّثنا سفيانُ، وهو التوريُّ، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير،
ثم ذکر بإستاده مثله.
٨٤٢- ووجدنا عبد الغني بن أبي عقيل، قد حدَّثنا، قال: حدثنا
سفيانُ ووجدنا المزني قد حدَّثنا، قال: حدثنا الشافعيُّ، عن سفيانَ، ثُم
قالا جميعاً: عن مَعْمَرٍ، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدِ الله بنِ أبي قتادة
عن أبيه، عن النبي: # بهذا الحديث (٢).
كتب إليه أن عبد الله بن أبي قتادة حدَّثه، فأمن بذلك تدليس يحيى.
(١) إسناده صحيح. ورواه أحمد ٣٠٤/٥، وابن خزيمة (١٥٢٦)، وابن حبان
(٢٢٢٢)، والدولابي ٤٩/١، وأبو نعيم ٣٩١/٨ من طرق عن حجاج الصواف.
ورواه مسلم (٦٠٤)، وابن خزيمة (١٥٢٦)، والدولابي ٤٩/١ من طريق حجاج
الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة وعبد الله بن قتادة، عن أبي قتادة.
(٢) إسناده صحيح. وهو في ((السنن المأثورة)) (١٥٨). ورواه الحميدي (٤٢٧)،
٢٢٥٠ -

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
٨٤٣- ووجدنا أبا أُمية قد حدَّثْنا، قال: حدثنا طَلْقُ بنُ غنّام،
حدَّثْنا شيبانُ، يعني النحوي (ح) ووجدنا أبا الدرداء هاشمَ بنَ محمد
الأنصاري قد حدَّثنا، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياس، حدثنا شيبانُ أبو
معاوية، قال أبو أُمية في حديثه عن يحيى بنٍ أبي كثيرٍ، وقال أبو الدرداء
في حديثه: أخبرنا يحيى بنُ أبي كثير، عن عبدِ الله بنِ أبي قتادة، عن
أبيه، عن النبي ◌ُ﴾ مثلَه (١).
٨٤٤ - ووجدنا سليمانَ بنَ شعيبٍ قد حدَّثنا، قال: حدثنا
الْخَصِيبُ بنُ ناصحِ، حدثنا هِمَّامُ بنُ يحيى، عن يحيى بن أبي كثير، ثم
ذكر بإسناده مثله.
ثم نظرنا: هل رُوي هذا الحديثُ عن رسول اللَّهُ / من غير هذا
الوجه.
٨٤٥ - فوجدنا إسحاقَ بنَ إبراهيم بن يونس قد حدَّثنا، قال:
أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمن بن غزوان، قال: حدثني أبي، عن جرير بن
وابن أبي شيبة ٤٠٥/١ عن سفيان بن عيينة، به. ورواه أبو داود (٥٤٠) عن عيسى
بن يونس، والترمذي (٥٩٢)، والبغوي (٤٤٠) عن عبد الله بن المبارك، والنسائي
٣١/٢ عن الفضل بن موسى السيناني، وعبد الرزاق (١٩٣٢) ومن طريقه مسلم
(٦٠٤)، وابن حبان (٢٢٢٣)، والبيهقي ٢٠/٢-٢١، أربعتهم عن معمر، به.
(١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٨٣٨) عن أبي نعيم الفضل بن دكين،
ومسلم (٦٠٤) من طريق الوليد بن مسلم، كلاهما عن شيبان، بهذا الإسناد.
-٢٢٦ -

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
حازمٍ، عن ثابت عن أنس، عن النبيِّ نَ﴿، فذكر مثله أو نحوه (١).
قال أبو جعفر: فإن كان هذا الحديث محفوظاً، فقد صار عن أبي
قتادة، وعن أنس، عن النبيِّ ◌َ﴿. وكان حديث أبي قتادة قد جاء عن
جماعةٍ، منهم يحيى، فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا قيامَ الناسِ للصلاة قبلَ
حضورِ إمامهم لا حاجةً بهم إليه، لأنّهم لا يدخلون في الصلاة إلا مع
دخولٍ إمامهم فيها أو بَعْدَ دخوله فيها، فكان قيامُهم ذلك فضلاً فَنُهوا
عنه. وفي ذلك ما قد دلَّ على أنَّ الناسَ لا يدخلون في الصَّلاة قبل
دخول إمامهم فيها.
ومثلُ ذلك ما قد رُوِيَ عن علي رضي الله عنه فیه.
٨٤٦- كما قد حدثنا فهدٌ، حدثنا أبو نعيم، حدثنا فِطْر بن
خليفة عن أبي خالدٍ الوالبيِّ، قال: جاءنا عليٍّ رضي الله عنه، وقد
أُقيمت الصَّلاةُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُه، فقال: ما لِي أَراكُمْ سَامِدِينَ؟ (٢).
قال أبو جعفر: والسُّمُودُ عند أهل اللغة: اللهوُ، كذلك قال أبو
عُبيدة (٣) كما حدثنا ولاَّد، قال: حدثنا المصادري عنه، وكذلك قال
الفراء، فنهو أن يكونوا لاهِين. والله الموفق.
(١) إسناده ضعيف جداً. محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، قال الدارقطني وغيره:
كان يضع الحديث، وقال ابن عدي: له عن ثقات الناس بواطيل.
(٢) إسناده ضعيف، أبو خالد الوالبي: قال الحافظ: مقبول.
(٣) انظر ((مجاز القرآن)) ٢٣٩/٢ و ((معاني القرآن) للقراء ١٠٣/٣.
-٢٢٧-

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
١٢٤ - بابُ بيانِ مشكل مُرادٍ رسول الله # في قوله
لأبي بكرة لما رَكَعَ دُونَ الصفِّ، وقد حَفَزَهُ النَّفَسُ:
((زادَكَ اللهُ حِرْصاً، ولا تَعُدُ))
٨٤٧ - حدثنا بكارُ بنُ قتيبة، حدثنا أبو عمر الضريرُ، أخبرنا
حَمّادُ بِنُ سَلَمَة: أن زياد الأعلمَ، أخبرهم عن الحسن عن أبي بكرة،
قال: جِئْتُ رسولَ اللهِ:﴿ راكعاً، وقد حفزني النفسُ، فركَعْتُ دونَ
الصَّفِّ، ثم مشيتُ إلى الصف، فلما قضى رسولُ اللهِلَ﴿ الصلاةَ، قال:
((أَيُّكُمُ الذي رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ؟) قال أبو بكرة: قلتُ: أنا. قال:
((زَادَكَ اللهُ حِرْصاً ولا تَعُدْ) (١).
(١) حديث صحيح. وقد صرح الحسن البصري بسماعه هذا الحديث من أبي
بكرة في رواية النسائي وأبي داود وغيرهما. زياد الأعلم: هو زياد بن حسان بن قرة
الباهلي. والحديث في ((شرح معاني الآثار) ٣٩٥/١ بإسناده ومتنه.
ورواه البيهقي ٩٠/٢ من طريق محمد بن غالب، عن أبي عمر الضرير.
ورواه أحمد ٤٥/٥ من طريق عفان، وأبو داود (٦٨٤) من طريق موسى بن
سليمان، والبيهقي ١٠٥/٣ من طريق سليمان بن حرب، أربعتهم عن حماد بن سلمة،
بهذا الإستاد.
وأخرجه أحمد ٣٩/٥، والبخاري (٧٨٣)، وابن الجارود (٣١٨)، والنسائي
١١٨/٢، والطحاوي ٣٩٥/١، والبيهقي في ((السنن) ١٠٦/٣، والبغوي (٨٢٢)
و(٨٢٣) من طرق، عن زياد الأعلم، عن الحسن، به.
ورواه الطبراني في ((الصغير)) (١٠٣٠)، وابن حبان (٢١٩٤) من طريق عنبسة
-٢٢٨ -

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
٨٤٨- وحدثنا الحسينُ بنُ الحكم الحِبَري، حدثنا عفانُ بنُ
مسلمٍ، حدثنا حمادُ بنُ سلمة، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه (١).
فتأملنا قولَ رسول الله ﴿ لأبي بكرة: (لا تَعُدْ) فوجدنا بعضَ
الناس قد حَمَلَه على أن لا يعودَ إلى السَّعي إلى الصلاة الذي كان منه
حتى حفزه الْنّفَسُ. ووجدنا بعضَهم قد حمله على نهيه إِيَّاه أن يركع
دُونَ الصَّفِّ حتى يأخُذَ مقامَه من الصف.
الأعور، والطيالسي (٨٧٦) عن أبي حرة، وعبد الرزاق (٣٣٧٦)، ومن طريقه أحمد
٤٦/٥ من طريق قتادة، ثلاثتهم، عن الحسن، به.
ورواه أحمد ٤٢/٥ و٥٠ من طريق عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه.
وقوله: ((زادك الله حرصاً)، قال الحافظ: أي: على الخير، قال ابن المنير: صوب
التبي ﴿ فعل أبي بكرة من الجهة العامة وهي الحرص على إدراك فضيلة الجماعة،
وخطأه من الجهة الخاصة، وقوله: (ولا تعد)، أي: إلى ما صنعت من السعي الشديد،
ثم الركوع دون الصف، ثم من المشي إلى الصف.
وقال الشافعي فيما نقله عنه البيهقي: قوله: ((ولا تعد)، يشبه قوله: ((لا تأتوا
للصلاة تسعون))، يعني - والله أعلم -: ليس عليك أن تركع حتى تصل إلى موقفك
لما في ذلك من التعب كما ليس عليك أن تسعى إذا سمعت الإقامة.
وروى ابن أبي شيبة ٢٥٧/١ عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن عجلان، عن
الأعرج، عن أبي هريرة، قال: إذا ركعت والإِمام راكع، فلا تركع حتى تأخذ مقامك
من الصف.
(١) حديث صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٣٩٥/١ بإسناده ومتنه.
-٢٢٩ -

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
ووجدنا مما قد روى هذا المعنى بعينه
٨٤٩- مما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حدثنا المُقَدَّميُّ،
حدثني عُمَرُ بنُ علي، حدثنا ابنُ عجلان، عن الأعرج عن أبي هُريرة
رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﴿: (إذا أَتَى أَحَدُكُمْ الصَّلاةَ، فلا
يَرْكَعْ دُونَ الصَّفِّ حتّى يَأْخُذَ مكانَه مِنِ الصَّفِ) (١).
وكان المعنيات جميعاً مما يجوزُ أن يكونَ رسولُ اللهلم/ قد أرادهما
جميعاً بقوله لأبي بكرة: (ولا تَعُدْ). والله أعلمُ بمراد رسول الله عَ ﴿ كان
في ذلك.
فقال قائل: أفتكرهونَ الركوعَ دونَ الصفِّ؟ وقد روي عن زيدٍ
بنِ ثابت أنه كان يَفْعَلُ ذلك، وذكر:
٨٥٠- ما قد حدثنا يونسُ، حدثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن أبي
أمامة بنِ سهلٍ، قال: رأيتُ زيد بن ثابت دخل المسجد والناسُ ركوع
(١) عمر بن علي - وهو عمر بن علي بن عطاء بن مقدم - قد صرح هنا
بالتحديث، لكن قال ابن سعد: كان يدلس تدليساً شديداً، يقول: سمعت، وحدثنا،
ثم يسكت، ثم يقول هشام بن عروة، والأعمش: فمثل هذا التدليس لا يتقع فيه
التصريح. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٣٩٦/١ بإسناده ومتنه.
ونسبه الحافظ في «الفتح» ٢٦٩/٢ إليه، وحسُن إستاده.
ورواه ابن أبي شيبة ٢٥٧/١ عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن عجلان، عن
الأعرج، عن أبي هريرة موقوفاً، وهذا أصح من المرفوع.
- ٢٣٠ -

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
حتى إذا أمكنه أن يَصِلَ الصفَّ وهو راكعٌ فَرَكَعَ، ثم دَبَّ وهو راكعٌ
حتى وَصَلَ الصَّفَّ (١).
٨٥١- وما قد حدثنا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ، حدثني مالكٌ،
وابنُ أبي ذئبٍ، عن ابن شهاب، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه (٢).
٨٥٢- وما قد حدثنا ابنُ أبي داود، حدثنا سعيدُ بن أبي مريم،
أخبرنا ابنُ أبي الزنادٍ، أخبرني أبي، عن خارجة أن زيد بن ثابت كان
يَرْكَعُ على عَتَبَةَ المسجدِ ووجهه إلى القبلة، ثم يمشي معترضاً على شِقّه
الأيمن، ثم يعتدُّ بها إن وَصَلَ إلى الصَّفِّ أو لم يَصِلْ (٢).
قلنا له: نحن نَكْرَهُ الركوعَ دونَ الصَّفِّ للواحد ولا نَكْرَهُهُ
للجماعةِ، لأن الواحد يكونُ بذلك كالمُصَّلِّي وحْدَهُ في صفِّ، وذلك مما
قد قيلَ فيه ما قيل مِن فسادِ الصَّلاة معه ومن جوازِها على الكراهة
لذلك، وهكذا كان محمدُ بنُ الحسن يقولُ في ذلك مما لم يَحْكِ فيه
خلافاً بَيْنَهُ وبَيْنَ أَحدٍ من أصحابِه.
(١) إسناده صحيح، وهو عند الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٣٩٨/١
بإسناده ومتته. ورواه ابن أبي شيبة ٢٥٦/١ عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد.
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٩٠/٢ بإسناده ومتنه.
ورواه البيهقي ٩٠/٢ من طريق ابن وهب، عن يونس بن يزيد، وابن أبي ذئب،
كلاهما عن الزهري، بهذا الإسناد.
(٣) إسناده حسن. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٣٩٨/١ بإسناده ومتنه.
- ٢٣١-

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
وكما حدثنا محمدُ بنُ العباس، عن علي بن معبدٍ، عن محمد بنِ
الحسن رحمه الله.
وقد رُوي عن عبدِ الله بن مسعودٍ ركوعَه دُونَ الصَّفِّ أيضاً مع
غیرہ:
٨٥٣- كما حدثنا محمدُ بنُ عمرو بنِ يونس، حدثنا يحيى بنُ
عيس، عن سفيان، عن منصورٍ، عن زيدِ بنِ وَهْبٍ، قال: دخلتُ
المسجدَ أنا وابنُ مسعودٍ، فأدركنا الإمامَ، وهو رَاكِعٌ، فَرَكَعْنا، ثم مَشَيْنا
حتى استوينا في الصَّفِّ، فلما قضى الإِمامُ الصلاةَ، قمتُ لأَقضي، فقال
عبدُ الله: قد أدركتَ الصلاةَ (١).
٨٥٤- وكما حدثنا فهدٌ، حدثنا أبو نُعَيم، حدثنا بشير بنُ
سلمان، حدثنا سيارٌ أبو الحَكَمٍ، عن طارق، قال: كنا مع ابنِ مسعودٍ
جلوساً، فجاء آذِنُه، فقال: قد قامتِ الصَّلاةُ فقامَ وقُمْنا، ودخلنا
المسجدَ، فرأى الناسَ ركوعاً في مقدمِ المسجدِ، فكبَّرَ ورَكَعَ ومشىء
وفعلنا مثلَمَا فَعَلَ(٢).
(١) إسناده صحيح وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٣٩٧/١ بإستاده ومتنه.
ورواه عبد الرزاق (٣٣٨١)، ومن طريقه الطبراني (٩٣٥٤) عن سفيان، به.
ورواه ابن أبي شيبة ٢٥٥/١، والبيهقي ٩٠/٢- ٩١ من طريق أبي الأحوص، عن
منصور، به.
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٣٩٨/١ بإسناده ومتنه.
-٢٣٢-

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
فكان الذي فيما روينا عن عبدِ الله: أنَّهم قد كانوا جماعةٌ، وقد
يحتمل أن يكونَ زيدُ بنُ ثابت في فعلِه ما قد فَعَلَ مما رويناه عنه في هذا.
الباب قد كان مع غيره ممن يُريدُ ما يُريدُ، وكانوا بذلك جماعةً والله
أعلمُ بحقيقة الأمرِ كان في ذلك، غيرَ أنه لا يجبُ أن يُحملَ ما كان منه
على خلاف ما يُروى عن رسول الله ﴿ في الصلاة دونَ الصف، وهذا
أحسنُ ما وقفنا عليه من تأويلٍ قول النبيَِّ﴿ لأَبِي بَكْرَةً لما كان منه ما
قد رَوَيْنا عنه في حديثه الذي رويناه عنه في هذا الباب، وبالله التوفيق.
١٢٥ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيّ عَنْ رسول الله # فيمن أدرك
ركعةٌ من الصلاة أنه قد أدرك الصلاةَ وفضلها
٨٥٥- حدثنا الربيعُ بنُ سليمان الجيزِي، قال: حدثنا أبو الأسود
النضرُ بن عبد الجَبَّار المرَادِي، قال: حدثنا نافعُ بن يزيد، عن ابن الهَاد،
عن عبد الوهّاب بنِ أبي بكر، عن ابنِ شِهَاب، عن أبي سلمة بن عبد
الرحمن عن ابي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله ﴿ قال: «مَنْ
أَدركَ ركعةٌ مِنَ الصَّلاةِ، فقد أدْرَكَ الصَّلاةَ وفضلَها))(١).
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ، فلم نجد أحداً رواه عن ابن
وانظر ((معجم الطبراني الكبير)) (٩٣٥٣) و(٩٣٥٥) و(٩٣٥٦) و(٩٣٥٧).
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات.
-٢٣٣-

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
شهاب بإدراك الصلاة وفضلها غيرَ عبد الوهّاب بن ابي بكر، وهو
مقبولُ الرواية (١).
وقد وجدنا الليث بن سعد رواه عن ابنِ الهاد، عن ابن شِهَاب
بغير ذكرٍ لعبد الوهَّاب فيه، وبغير ذكر في إدراك فضل الصلاة
٨٥٦- كما حدثنا محمد بن خُزَيْمة وفهد، قالا: حدثنا عبدُ الله
بنُ صالح، قال: حدثنا اللَّيْث، عن ابنِ الهَاد، عن ابن شِهَاب، عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: سمعتُ
رسولَ اللهِ﴾﴿ يقولُ: ((مَنْ أدركَ ركعةً من الصَّلاةِ، فقد أدركَ
الصَّلاةَ).
فكان في ذلك ما وجب علينا تأملُه، فتأملناه، فوجدنا مُدْرِكَ
الصلاة مدْرِكاً لفضلِها، فكان ما رواه الليثُ عليه كافياً لنا مِمَّا زاد
نافع عليه فيه، ثمَّ تأملناه من رواية غير عبد الوهَّاب وغير ابن الهاد عن
ابن شهاب كيف هو؟
٨٥٧- فوجدنا يونس قد حدَّثنا، قال: حدثنا ابنُ وهب، قال:
حدثني مالكٌ، عن ابن شِهَاب، عن أبي سَلَّمة عن أبي هريرة رضي الله
عنه، أن رسول الله ﴾ قال: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصلاةِ ركعةً، فقد أدرَكَ
(١) وقد وثقه النسائي، وقال أبو حاتم: ثقه صحيح الحديث ما به بأس مِنْ قدماء
أصحاب الزهري.
- ٢٣٤-

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
الصلاةَ)) (١).
٨٥٨- ووجدنا أحمد بنَ شُعَيْب قد حدثنا، قال: أخبرنا قُتَيْبَةُ بنُ
سعيد، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة
يرفعه، قال: ((مَنْ أدركَ ركعةٌ مِنَ الصلاةِ، فقدْ أدركَ)) (٢).
قال أبو جعفر: فكان موافقً لما رواه الليثُ أيضاً عليه، ومخالفاً لما
رواه نافع، وعقلنا أنَّ ذلك الإدراكَ إنّما هو لفضل الصلاة لا إدراك
الصلاة نفسها، لأنّه لو كان إدراكاً لها نفسها، لما وجب عليه قضاء
بقيتها، ولما كان ذلك كذلك، تأمَّلنا ما يقولُه كثيرٌ من أهل العلم في
مُدْرِك هذا المقدار من الصلاة أنه يكون به مدركاً لها في وجوب فرضها
(١) إسناده صحيح. وهو في (الموطأ) ١٠/١، ومن طريق الإمام مالك رواه الإمام
الشافعي ٥١/١، والبخاري (٥٨٠)، ومسلم (٦٠٧)، والنسائي ٢٧٤/١، وابن
حبان (١٤٨٣)، وأبو داود (١١٢١)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)، والبغوي
في ((شرح السنة)) (٤٠٠)، وابن خزيمة (٩٨٥)، وأبو يعلى (٥٩٦٢).
(٢) إسناده صحيح وهو في ((سنن النسائي)) ١١٢/٣.
ورواه الحميدي (٩٤٦)، وأحمد ٢٤١/٢، ومسلم (٦٠٧)، والترمذي (٥٢٤)،
والدارمي ٢٧٧/١، وابن ماجه (١١٢٢)، والنسائي ١١٢/٣، والبغوي (٤٠١) من
طريق سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد.
ورواه عن معمر، عن الزهري، به: عبدُ الرزاق (٢٢٢٤) و (٣٣٦٠)، وأحمد
٢٥٤/٢، و٢٦٠ و٢٧٠ و٢٧١ و٢٨٠، ومسلم (٦٠٨)، وأبو عوانة ٣٧٢/١ -
٣٧٣، وابن الجارود (١٥٢)، وصححه ابن خزيمة (٩٨٥).
- ٢٣٥-

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
عليه، وفي قضاء ما فاتَّهُ منها على مثلٍ ما صلاةُ مُدركوها، ويجعلون من
أُدرك منها ما دُونَ ذلك منها بخلاف ذلك، حتى قال الحجازيون منهم
في الحائض تَطْهُرُ من حيضَتِهَا وقد بقي عليها مِن وقت الصلاة التي
طَهُرَت في وقتها مقدارُ ركعة منها: إنه واجب عليها قضاؤها، وفي
الصبي إذا بلغ في مثل ذلك الوقت منها، وفي النصراني إذا أَسْلَم في مثل
ذلك الوقت منها: إنهما يقضِيَان تلك الصلاة، وأنَّ هؤلاء الثلاثة الذين
ذكرنا لو كان ذلك منهم، وقد بقي من وقت تلك الصلاة أقلُّ من
ركعة إِنهم بخلاف ذلك، وإِنهم لا يجبُ عليهم قضاؤها، وقالوا في مثل
ذلك في صلاة الجمعة: مَنْ أدرك منها ركعة، قضى أخرى، ومن أدرك
منها ما دون الركعة، صلَّى أربعاً، ويحتجُّون في ذلك بالحديث الذي قد
رويناه في أول هذا الباب.
ووجدنا من الحجة عليهم لمخالفيهم في ذلك من العراقيين مِمَّن
يقول في الخَيَّضِ إذا طَهُرَتْ في وقت الصلاة وقد بقي عليهنَّ من وقتها
مقدارُ ما يغتسلن فيه، ويدخلن فيها بتكبيرة وهو أقلُّ القليل منها: إنه
يجب عليهنَّ قضاءُ تلك الصلاة، ويقولون مثل ذلك في الصِّبْيَانِ إذا
بلغوا، وفي النصارى إذا أسلَمُوا، ويقولُون في مَنْ دخل في التشهد في
صلاة الجمعة، وجعلوه في ذلك كمُدْرِك ركعةً منها أنه قد رُوِيَ عن
رسول الله ﴿ في إدراك القليل من الصلاة مثل الذي قد رُوِيَ عنه في
الآثار التي ذكرنا في إدراكِ الركعةِ مها.
٨٥٩- كما قد حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا يعقوبُ
-٢٣٦ -

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
بنُ إسحاق الحضرمي، قال: حدثنا أبو عَوَانة، عن يَعْلى بنِ عطاء عن
سعيد بن المُسَيِّب، قال: دخلنا على رجل من أصحاب النبي ﴿ من
الأنصار وهو وَجِعٌ، فقال: مَنْ في البيت؟ فقيلَ: أُهُلُك ووَلَدُك
وجُلَساُؤك في المسجد. قال: فَأَجْلِسُوني. قال: فأسنده ابنُه إلى صدْرِهِ،
ثم قال: لأحدثَنَّكُم اليومَ حديثاً ما حدَّثْتُ به منذُ سمعتهُ من رسول الله
◌َ﴿ احتساباً، وما أُحدِّثُكُمُوه اليوم إلا احتساباً، سمعتُ رسولَ الله لَّ
يقول: (إِنَّ العبدَ المسلمَ إذا توضأَ فأحسنَ الوُضُوءَ، ثم عَمَدَ إلى
المسجدِ لم يرفعْ رجلَه الْيُمْنَى إلاَّ كُتِبَتُ له بها حسنةٌ، ولم يضع
الْيُسْرَى إِلاَّ حُطَّتْ عنه بها خطيئةٌ حتى يبلغَ المسجدَ، فليتقرَّب أو
لِيَتَبَاعَد، فإن أدركَ الصَّلاةَ في الجماعةِ مع القومِ، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من
ذنهِ، وإن أدركَ منها بعضاً، وسبق ببعضٍ، فقضَى ما فَاتَهُ فأحسنَ
ركوعَهُ وسجودَهُ كان كذلك، وإن جاءَ والقومُ قعودٌ كان
كذلك»(١).
فكان في هذا الحديث في إدراك أقلِّ القليل من الصلاة مثلُ ما في
الآثار الأُول من إدراك ركعةٍ منها، وإذا كان ما قد رُوِيَ في إدراك
(١) رجاله ثقات، لكن رواه أبو داود (٥٦٣)، ومن طريقه البيهقي ٦٩/٣ عن
محمد بن معاذ بن عباد العنبري، ومحمد بن نصر المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة))
(١٠٦) عن يحيى، كلاهما عن أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن معبد بن هرمز،
عن سعيد بن المسيب، عن رجل من الأنصار .... ، ومعبد بن هرمز: مجهول.
-٢٣٧-

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
الركعة منها معناه معنى إدراك الفضل، فدلَّ ذلك مُخَالفهم على أنّه
يكونُ من أدرك ذلك من الصلاة يكونُ به من أهلِها كمُدْرِكِي ما هو
أكثر من ذلك منها، كان ما رويناه في هذا الحديث يدلّهم على أنَّ
مدركَ أقلّها في حكم مدرِكِ ذلك منها والله أعلم.
وممن كان يقولُ هذا القولَ من العراقيين ابو حنيفة وأبو يوسف
ومحمد، إلاَّ أنَّ محمدًا خالف أبا حنيفة وأبا يوسف في الجمعة، فقال
فيها، كما قال الحجازيون فيها، وهذا الذى ذكرناه هو وجهِ النَّصَفَةِ في
هذا الباب.
فإن قال قائل: قد يَحتمل ما رويَته في أوَّل هذا البابِ كان بعد ما
رويته في آخره، فيكون ناسخاً له !!
قِيلَ له: وقد يَحتمل أنْ يكونَ هذا الحديث الذي رويناه في
آخره، فيكون ناسخاً له، ولما كان ذلك كذلك، كانت الحجتان
متكافِئتين، غيرَ أنَّ لأهل القول الآخر في ذلك من حمل الحديث الآخر
على الزيادة على ما في الحديث الأوَّل أنَّ الله عز وجل إذا تفضَّل على
عباده بنعمة أنعَمَها عليهم من الثواب على عمل يعملونه له، لم ينسخه
بقطع ذلك الثواب عنهم، ولا يَنْقُضُهُمْ منه إلاّ بذنوبٍ تكونُ منهم
يستحقون بها ذلك، ومن ذلك قوله عز وجل: ﴿فَظْلِم مِنَ الذِينَ هَادُوا
حَرَنَا عَلَيْهِ مُطَيَِّاتٍ أُحِلَّتَ لَهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٦] وكان ما في
الحديث الآخرِ من الثواب الزائد على ما في الحديث الأوَّلِ الذي رويناه
في أوَّل هذا الباب نعمةً من الله على عباده وفضلاً تفضّل به عليهم،
-٢٣٨-

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
فاستحالَ أنْ ينسخّ ذلك، وأن يدفعه عنهم إلاّ بذنوبٍ تكونُ منهم
يستحقُّون بها ذلك، ولم يكن ذلك منهم بحمد الله ونعمته، فَثَبتَ بما
ذكرناه بقاءُ حكم ما في الحديث الآخر وعَدَمُ نسخه، وثَبَتَ أنَّ
الاستدلال بما فيه على الواجب من الاختلاف الذي ذكرناه فيما ذكرنا
اختلاف أهلِ العلم فيه أولاً من الاستدلال على ذلك بما في الحديث
الأولِ، مع أنا لو خلينا والقياس، لكان الواجبُ عندنا في الحائض التي
ذكرنا، وفي الصبي، وفي النصراني اللذين ذكرنا أنَّهُ لا يجب عليهم قضاءُ
الصلاة التي ذكرنا إلاّ بأنْ يُدْرِكُوا من الوقت الذي صاروا فيه مِن أهل
الصلاة مقدارها بكمالها، كما لا يجب عليهم من الصيام إلّ ما أدركوا
وقته بكماله، وقد كان زُفَرُ(١) يقول هذا القول، غير أنَّ ما دلَّ على
خلافه مما قد رويناه عن رسول الله صل أوْلى عندنا منه. والله تعالى نسألُه
التوفيق.
(١) هو زُفَرُ بنُ الهُذَيْلِ بنِ قيس بن مسلم. قال الذهبي: هو من بحور الفقه،
وأذكياء الوقت، تفقه بأبي حنيفة، وهو أكبر تلامذته، وكان ممن جمع بين العلم
والعمل، وكان يدري الحديث ويتقته. (سير أعلام النبلاء) ٣٨/٨-٤١.
-٢٣٩-

كتاب الصلاة - صلاة الجماعة
١٢٦ - بابُ بيان مشكل ما رُوي في خروج المصلي خلف
معاذ بن جبل إلی صلاة نفسه هل كان بتکبیر مستأنف أو ببناء
علی دخوله کان مع معاذ
٨٦٠- حدثنا المزنيُّ، قال: حدثنا الشافعيُّ، عن سفيان بن عيينة.
وحدثنا بكارُ بن قُتيبة، حدثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، حدثنا سفيانُ بنُ عُبينة،
عن عمرو بنٍ دينارٍ أنّه سَمِعَ جابرَ بنَ عبدِ الله يقولُ: كان معاذُ بنُ
جبل يُصَلِّي مع النبيِّنَ﴿ العشاءَ، أو قال: العَتَّمَة، ثم يَرْجِعُ، فُيُصليها
بقومِه في بني سَلِمَة، فأُخِّرِ النبيُّ عليه السَّلامُ صلاة العِشاءِ، أو قال:
العَتَمَة ذاتَ ليلة، فصلَّ معاذٌ معه، ثم رجع، فأمَّ قومه، وقرأ سورة
البقرة، فتنحى رَجُلٌ من خلفه، فقيل له: أَنَافَقْتَ؟ قال: لا، ولكني آتي
النبيََّ﴿، فأخبره، فأتى النبيََّ﴿، فقال له: ما رَسُولَ الله إنَّكَ أخرت
العِشاءِ الآخرةَ، وإنَّ معاذاً صلَّى معك، ثم رَجَعَ، فأمَّنا، فافتتح سورةً
البقرة، فلما رأيتُ ذلك، تأخرتُ، فصليتُ، وإنما نحن أصحابُ نواضِح
نَعْمَلُ بأيدينا، فأقبل النِيُّ ◌َ على معاذ، فقال: ((أَفْتَّانُ أَنْتَ يا مُعاذُ؟!
أَفْتَّابٌ أَنْتَ يا مُعاذُ؟! إقرأ سورة كذا وسورة كذا)(١).
(١) إسناده صحيح. ورواه في ((شرح معاني الآثار)) ٢١٣/١-٢١٤ عن أبي
بكره يكار بن قتيبة، عن إبراهيم بن بشار، بهذا الإسناد. وهو في ((السنن المأثورة)»
(٧).
ورواه أحمد ٣٠٨/٣، والحميدي (١٢٤٦)، ومسلم (٤٦٥) (١٧٨)، والنسائي
١٠٢/٢-١٠٣، وأبو داود (٦٠٠) و(٧٩٠)، وأبو يعلى (١٨٢٧)، وابن خزيمة
- ٢٤٠-