النص المفهرس

صفحات 261-280

كتاب الطهارة
٢٤٢- وحدثنا محمد بن خُزَيْمةً، قال: حدثنا حَجَّاج بن المِنْهال،
قال: حدثنا حماد بن سَلَمة، عن عَمَّار بن أبي عَمار، عن أبي هريرة،
قال: قال رسول الله ﴿: ((إذا استَيْقَظَ أَحَدُكم من مَنَامِهِ، فلا يَغْمِسْ
يَدَه في الإِناءِ حتى يَغْسِلَها ثلاثاً، فإنَّه لا يَدْرِي عَلَامَ بأَتَتْ يَدُه).
قال أبو جعفر: فَتَأَمَّلْنا هذا الحديثَ لنقفَ على المراد به إن شاءً
الله، فوَحَدْنا المخاطَبِينَ بما فيه قد كانوا يَّبُولُونَ، ولا يَستَنْجُونَ بِالماءِ،
ويَكْتَفُونَ بالمسح بها كانوا يتمسَّحُون به، ويتغْوَّطُون، فلا يَستَنْجُونَ
بالماءِ، ويَكْتَفُونَ بالاستجمارِ بالحِجارَةِ، وكان غيرَ مأمونٍ منهم أن
يَعْرَقوا في نومهم، فَتَقَعَ أيديهم على موضع البَوْلِ منهم، وعلى موضع
الغائطِ منهم، فَتَنْجُسُ أيديهم بذلك، فأُمِرُوا بِغَسْلِها قبلَ أن يُدْخِلُوها
الآنيةَ التي فيها الماءُ الذي يحاولون التطهيرَ به لصلواتهم، ليُدْخِلُوها فيها
على علمٍ منهم بطهارتها، وإن كانت في العبادة التي تُعْبِّدُوا بها على
الطهارة التي قد يتيقنُونَها حتى يعلموا يقيناً بخروجها من ذلك إلى
ضِدِّه، فمن ذلك ما قد رُوي عن النِّ﴿ في الذي يُخَيَّلُ إليه وهو في
الصلاة أنه يَجدُ شيئاً من قوله له: ((لا تنصرِفْ حتى تجدَ ريحاً أو تسمع
صوتا)(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. عمّ عباد بن تميم: هو عبد الله بن زيد
بن عاصم الأنصاري المازني، صحابي، وهو أخو تميم بن غَزِيَّة والد عباد لأُمِّه.
ورواه الحميدي (٤١٣)، والبخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١)، وأبو داود
- ٢٦١-

كتاب الطهارة
٢٤٣- كما حَدَّثْنَا يونس، قال: حَدَّثْنَا سفيان، عن الزهري، عن
سعيد، وعن عباد بن تميم، عن عمه، أن النبي ﴿. سُئل عن الرجل يُخَيَّل
إليه أنَّهُ يجدُ الشيءَ في الصلاة قال: ((لا ينصرفُ حتى يسمَعَ صوتاً أو
يجد ريحًا».
فكان مثل ذلك من نامَ على طهارةٍ من يده مُتَيِّقَّنةٍ أن لا يَخْرُجَ
عنها إلى ضِدَّها، إلا بما يعلم خروجه إلى ذلك خروجاً متيقناً، فاحتمل
أن يكون الذي أَمَرَ بِهِ﴾﴿ في هذه الآثار على الاختيارِ، لا على
الوجوب(١).
فقال قائلٌ: فقد عُورِضَ أبو هريرة في ذلك بما استعاذَ من شَرِّ
معارضه به إذا لم يكن فيه معه حُجَّة، فإنه يَدْفَعُ ما عارضه به فيه.
٢٤٤- كما حدثنا محمدُ بنُ حُزَيْمة، قال: حدثنا حَجَّاج بن
المنهال، قال: حدثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمَة ، عن
أبي هريرة، قال: سمعتُ رسولَ اللهَمَ﴿، يقول: ((إذا استَيقَظَ أَحدُكُم
(١٧٦)، وابن ماجه (٥١٣)، والنسائي ٩٨/١- ٩٩، والبيهقي ١٦١/١ و٣٦٤/٧
من طريق سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد.
ورواه الإمام الشافعي ٣٦/١، وابن أبي شيبة ٤٢٨/٢، وأحمد ٤٠/٤، والبخاري
(١٧٧) و(٢٠٥٦)، وأبو عوانة ٢٣٨/١ و٢٦٧، والبيهقي ٢٥٤/٢، والبغوي
(١٧٢) من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عباد بن تميم وحده، عن عمه.
(١) وحمله الإمام أحمد على الوجوب في نوم الليل، لأن المبيت إنما هو بالليل.
- ٢٦٢-

كتاب الطهارة
من مَنَامِهِ، فَلا يَغْمِسْ يَدَه في الإناء حتى يَغْسِلَها ثلاثاً، فإنّه لا يَدْرِي
على ما باتَتْ يَدُه). فقال له قَيْنُ الأَشجعي: إذا أَتَيْنا مِهْراسَكُم هذا
بالليل، كيف نَصْنَعُ؟ فقال أبو هريرة: أَعوذُ بالله من شَرِّكَ ياقَيْنُ، هكذا
سمعتُ الْنِيَّ ﴿ يقولُ(١).
قال أبو جعفر: وكان هذا المعارِضُ لأبي هريرة بما عارضه به في
هذا الحديثِ، قد ذَهَبَ عنه معنى ما حَدَّثَ به أبو هريرة عن النبي ◌َطْ ،
وهو المعنى الذي ذَكَرْناه في هذا البابِ، وكان ما أَمَرَه به على الاختيارِ
لا على الوجوب(٢)، إذا لم يكن ضرورةٌ تَدْعُوه إلى خلاف ذلك، فكان
(١) محمد بن عمرو: هو ابن علقمة بن وقاص الليثي، قال الحافظ: صدوق له
أوهام وهو في "شرح معاني الآثار" ٢٢/١.
ورواه أبو عبيد في "غريب الحديث" ١٨٥/٤، وابن أبي شيبة ٩٨/١، والإمام
أحمد ٣٤٨/٢ و٣٨٢، والبيهقي ٤٧/١ من طرق، عن محمد بن عمرو، بهذا الإسناد.
لم يذكر ابن أبي شيبة وأحمد في الموضع الأول قصة قين الأشجعي، وتحرف: "قين"
عند أحمد والبيهقي إلى : "قيس".
الِهْراس : قال الأصمعي وغيره: هو حَجَر منقور مستطيل عظيم كالحوض، يتوضَّأ
منه الناسُ، لا يقدر أحدٌ على تحريكه.
(٢) ليس في خبر أبي هريرة مع قين ما يصرف الأمر عن الوجوب إلى الاختيار،
بل إنه فى جواب أبي هريرة ما يدل على أنَّ الأمر تعبدي محض، وإن كانت هناك
بعض العلل الظاهرة فإن انتفائها لا ينفي الحكم على كل حال. ويمكن أن تكون العلة
أن يكون الشيطان قد عبث بيده مثل قول النبي 8# "إذا استيقظ أحدكم من نومه
فليستنثر ثلاثاً فإن الشيطان يبيت على خيشومه" رواه مسلم، وإلا فلو رجعنا إلى
- ٢٦٣ -

كتاب الطهارة
الذي أَمره به هو الأَوْلى به، لأنه اليقينُ، وكان ما سواه فيه الشكُّ،
وكان إذا دُفِعَ إلى التوضُّؤُ من المِهْراس الذي لا يمكنه معه الاختيار الذي
أُمِرَ به في الحديث الأول، كان معذوراً في تركه الاختيارَ، وكان على
يقينه الأول من طهارة يده، كما هو على يقينٍ من طهارة الماءِ الذي
يُدْخِلُها فيه حتى يعلم يقيناً ما قد أَخرج يدَه عن تلك الطهارة التي
كانت عليها، وما يوجبُ نجاسةَ الماء الذي يُدخِلُها فيه، وكان لا شيء
أَوْلى بهذه الآثار مما حَمَلْناها عليه، إذ كان ذلك يوجبُ نَفْيَ التضادّ
عنها، والذي يطلب المخالفَ لذلك هو حَمْلُها على ما يوجب تنافِيَها
وتضادّها، ونعوذُ بالله عز وجل من هذا المذهب، ومن قائليه، وإياه
نسألُ التوفيقَ.
الأمر الحسي فإن الإنسان في غالب أحواله يعلم أين باتت يده.
أما مسألة نجاسة الماء الذي تدخل فيه اليد قبل غسلها فليس بقوي والأرجح أنه
يبقى على طهارته، وانظر الشرح الممتع لابن عثيمين ٤٠/١- ٤٣.
- ٢٦٤ -

كتاب الطهارة
٣٥- بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله # في أرواث
الأنعامِ المأكولة لحومُها، أنَّها لا تُنَجِّسُ ما تُصِيبُهُ مِن الثياب،
وأن الصلاةَ في الثياب التي أصابتها جائزة
٢٤٥- حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن عثمان بنُ
حَكيم الأوديُّ، قال: حدثنا خالدٌ، يعني ابنَ مخلد القَطَواني، قال: حدَّثْنَا
عليُّ بنُ صالح بن حي، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال:
حدثني عبدُ الله في بيت المال، قال: كان رسولُ اللهِ:﴿ يُصلي عندَ
البيت، وملاٌّ من قريش جلوسٌ وقد نحروا جَزوراً، فقال بعضُهم: أَيُّكم
يأخذُ هذا الفَرْثَ بِدَمِهِ، ثم يُمْهِلُه حتَّى يَضَعَ وجهه ساجدً، فَيَضَعُهُ
على -يعني - ظهره، قال عبدُ الله: فانبعث أشقاها، فأخذ الفَرْثَ،
فذهب به، ثم أمهلَه، فلما خرَّ ساجداً، وضعه على ظهره، فأُخبرت
فاطمةُ بنتُ رسولِ اللهِ مَ﴿ وعليها وهي جارية، فَجَاءَتْ تسعى، فَأَخَذَتْهُ
مِن ظهره، فلما فَرَغَ من صلاته، قال: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ)) ثلاثَ
مرات، ((اللَّهُمَّ عليك بأبي جهل بنِ هشام، وشيبةً بنِ ربيعة، وعُتبة بن
ربيعة، وعُقبة بن أبي معيط) حتّى عدَّ سبعةٌ من قريش، قال عبد الله:
فوالذي أنزل الكتابَ لَقَدْ رأيتُهم جميعاً يَوْمَ بَدْرِ فِي قَلِيبٍ واحدٍ (١).
(١) متفق عليه.
ورواه النسائي ١٦١/١. ورواه الإمام أحمد ٣٩٣/١ (٣٧٢٢) و(٣٧٢٣)
و٣٩٧/١ (٣٧٧٥) مختصراً، و٤١٧/١ (٣٩٦٢) والبخاري (٢٤٠) في الوضوء -
- ٢٦٥ -

كتاب الطهارة
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ وضع الشقيُّ المذكورُ فيه على
ظهرِ رسولِ الله ﴿ُ وهو ساجدٌ الفَرْثَ والدَّمَ اللذَيْنِ وضعهما عليه،
وتمادى رسولُ اللهِفِ﴿ بعد ذلك على صلاته حتى أتمها.
فقال قائلون: ففي هذا دليل أن أرواثَ ما يُؤْكل لَحمُهُ لا يُفْسِدُ
الصلاةَ بالثوبِ الذي أصابته، ولا بإصابته الأبدان، وأنَّه بخلاف
النحاسات مِن الدماء المسفوحاتِ من الأنعام ومِن مَا سواها، وبخلاف
أرواثِ ما لا يُؤْكَلُ لحمه مِن الحمير والبغال، وبخلاف غائط بني آدم
وأبوالهم، وتعلّقُوا في ذلك بما رُوِيّ عن عبد الله بن مسعود مِن امتثاله
باب إذا ألقي على ظهر المُصَلَّى قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته. و(٥٢٠) في
الصلاة - باب المرأة تطرحُ عن المصلي شيئاً مِنَ الأذى. و(٢٩٣٤) في الجهاد والسير
- باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة. و(٣١٨٥) في الجزية والموادعة - باب
طرح جيف المشركين في البئر. و(٣٨٥٤) في مناقب الأنصار - باب ما لقي التي 8 97
وأصحابه من المشركين بمكة. و(٣٩٦٠) في المغازي - باب دعاء النبي ﴿ على كفار
قريش (مختصراً) ومسلم (١٧٩٤) في الجهاد والسير - باب ما لقي التي ﴾ من أذى
المشركين والمنافقين. وابن أبي شيبة ٢٩٨/١٤، والطيالسي (٣٢٥) والنسائي
١٦١/١ في الطهارة - باب فرث ما يؤكل لحمه يصيب الثوب. وابن خزيمة
(٧٨٥)، وأبو يعلى (٥٣١٢)، وابن حبان (٦٥٧٠) واللالكائي في "شرح أصول
الاعتقاد" ٨٤١/٤ (١٤١٨) و(١٤١٩)، والبزار في "البحر الزخار" ١٨٥٢١/٥)
و(١٨٥٣) و(١٨٥٤) و(١٨٦٠)، والبيهقي في الدلائل ٢٧٩/٢ و٨٢/٣، والهيثم
بن كليب (٦٧٥) من طرق عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، نحوه.
-٢٦٦ -

كتاب الطهارة
ذلك من نفسه بعدَ رسول الله ﴾
٢٤٦- وهو ما قد حدثنا محمدُ بنُ علي بن داود، قال: حدثنا
سعيدُ بنُ سُليمان الواسطي، قال: حدثنا هشيمٌ، عن منصورٍ وخالدٍ،
عن ابنٍ سيرين عن يحيى بنِ الجزار أن ابن مسعود صلَّى وعلى بطنه
فَرْثٌ ودَمّ فلم يُعِدِ الصَّلاة(١).
قال أبو جعفر: وهذا المذهبُ قد ذهب إليه غيرُ واحدٍ من أهل
العلم، منهم مالكٌ، والتوري، والحسنُ بنُ صالح، وزُفَرُ بنُ الهُذيل، ولهم
في ذلك مخالفون مِن أهلِ العلم، وهم أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد
بن الحسن، كانوا يقولون : إن ذلك نجس، وإنه في حُكم دماءِ الأشياء
التى هو منها.
وكان مما احتجَّ به الذاهبون إلى قولهم هذا على أهل المقالة الأولى
فيما احتجُّوا به لِقولهم ذلك مِن حديث ابنِ مسعودٍ الذي وصفنا - أنَّ
حديث ابن مسعود ذلك إنما رواه كما ذكروا عليٌّ بنُ صالح، عن أبي
إسحاق، وقد خالفه زكريا بنُ أبي زائدة، وشعبة بن الحجاج، فروياه
(١) إسناده صحيح ورواه عبد الرزاق (٤٥٩) ومن طريقه الطبراني (٩٢١٩) عن
معمر، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، بهذا الإسناد.
ورواه عبد الرزاق (٤٦٠) ومن طريقه الطبراني (٩٢٢٠) عن سفيان الثوري، عن
عاصم بن سليمان، عن ابن سيرين، قال: نحر ابن مسعود جزوراً فتلطخ بدمها
وفرتها، ثم أقيمت الصلاةُ ، فصلى ولم يتوضأ.
-٢٦٧-

كتاب الطهارة
عن أبي إسحاق بخلاف ذلك.
٢٤٧ - كما حدثنا الحسنُ بنُ غُليب، قال: حدثنا يوسفُ بنُ
عديّ، قال: حدثنا عبدُ الرحيم بنُ سليمانَ، عن زكريا بنِ أبي زائدة،
عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأوديِّ، عن عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه، قال: بَيْنَا رسولُ اللهِ﴿ يُصَلِّي عندَ البيت وأبو جهل
وأصحابٌ له جلوس عندَ البيت وقد نحروا جزوراً بالأمس، قال أبو
جهل: أَيُكم يذهبُ إلى سَلَى(١) جزورٍ بني فلان، فَيَأْخُذُهُ، فَيَضَعُهُ على
كتفي رسول الله وَ﴿ إذا سجد، فانبعث أشقى القوم، فأخذه، فلما
سَحَدَ النِيُّنَ﴿، وضعه بَيْنَ كتفيه، فاستضحكوا، وجعل بعضُهم يُقبل
على بعض وأنا قائم أنظر، لو كانت لي مَنْعَةٌ، لطرحتُه عن ظهرِ رسول
الله﴿ وَالنِيُّ :﴿ ساجدٌ ما يرفعُ رأسَه، حتى انطلق إنسانٌ فأخبر
(١) السلى: هي الجلدة التي يكون فيه الولد يقال لها ذلك من البهائم، وأما في
الآدميات، فالمشيمة.
وقولُ ابن مسعود: "لو كانت لي منعة" المنعة بفتح النون وسكونها: القوة، وإنما
قال ذلك: لأنه لم يكن له بمكة عشيرة، لكونه هذلياً حليفاً وكان حلفاؤه إذ ذاك
كفاراً.
وقوله: "وذكر السابع فلم أحفظه" أي ذكره ابن ميمون، ولم يحفظه أبو إسحاق
وقد تذكره أبو إسحاق مرة أخرى، فسماه عمارة بن الوليد، كذا جاء في رواية
البخاري (٥٢٠) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق.
- ٢٦٨-

كتاب الطهارة
فاطمة، فجاءت وهي جَارية فطرحَتْهُ عنه، ثم أقبلت عليهم تَسُبُّهم،
فلما قضى النِيُّ:﴿ صلاتَه، رفع صوتَه، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا،
دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً، ثم قال: ((اللَّهُمَّ عليك بقُريش)) ثلاث
مراتٍ، فلما سمعوا صوتَه ذهب عنهم الضحكُ، وخافوا دعوته. ثم
قال: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بأبي جَهلِ بنِ هشامٍ، وعُتبة بن ربيعة، وشيبةً بن
ربيعة، والوليدِ بنِ عُتبة، وأُميةَ بنِ خلف، وعُقبة بن أبي معيطُ))،
وذكر السابع فلم أحفظه، والذي بعث محمداً :﴿ بالحقِّ لقد رأيتُ
الذين سَّاهُمْ صرعى يَوْمَ بدرِ، ثم سُحِبُوا في القليبِ قليبِ بدر.
٢٤٨- وكما حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا أبو داود
الطيالسيُّ، قال: حدثنا شعبةُ، عن أبي إسحاق، قال: سمعتُ عمرو بنَ
ميمون يحدثُ، عن عبدِ الله، قال: بَيْنَا رسولُ اللهِمِ﴿ يُصلي وقريشٌ
R
قعود، وسَلَى جزورٍ قريبٌ منه، فلما سجد، قالوا: مَنْ يأخذُ هذا
السَّلَى، فَيُلْقيه على ظهره، فكأنّهم هابوه، فقال عُقبة بن أبي معيط: أنا،
فقام، فألقاه على ظهره وهو ساجدٌ، فلم يزل ساجداً حتى جاءت
فاطمةُ عليها السَّلامُ وهي جاريةٌ، فألقته عن ظهره، قال عبد الله: فما
سمعتُ رسولَ اللهِمُ ﴿ دعا على قريش غيرَ يومئذ، قال: «اللَّهُمَّ عليك
المَلَّ مِن قُريش، اللَّهُمَّ عليك بأبي جهلِ بنِ هشام، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بُعتبة
بنِ ربيعة، اللَّهُمَّ عليك بشيبةَ بنِ ربيعة، اللهم عليك بِعُقبة بنِ أبي
معيط، اللهم عليك بأمية بن خلف)). قال عبدُ الله: فلقد رأيتُهم قلبوا
-٢٦٩-

كتاب الطهارة
يومَ بدر جميعاً، ثم سحبوا حتى أُلقوا في القليب غيرَ أبي جهل أو أُمية،
فإنه كان رجلاً بديناً فتقطْع(١).
٢٤٩- وحدثنا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حدثنا وهبُ بنُ جرير،
قال: حدثنا شعبة، ثم ذكر بإسناده مثلَه.
قالوا : فكان في حديثي زكريا وشعبة أن الذي جعله ذلك الشقي
على ظهرِ رسول الله # وهو يُصلي كان سلى ناقةٍ منحورةٍ، وهو
الذي يكونُ فيه ما حامل به مما لا دَمَ فيه ولا فَرْثَ، ومما هو كسائرٍ
لحمها، ولا اختلافَ بين أهل العلم أن من كان في كُمِّه لحم ناقة
مذكاة لا دَمَ ولا رَوْتَ فيه، فصلِّى وهو حاملُه كذلك أن صلاتَه
جائزة.
وإذا كان هذا الاختلافُ في هذا الحديث كما ذكرنا أن يُحمل
ما رواه اثنان عليه أولى بالصحة مما رواه واحدٌ عليه، وإن كان رواته
جميعاً عدولاً أئمة حفاظاً أثباتاً، وإن جُعلت الروايتان متكافئتان، لم
تكن واحدة منهما أولى مِن الأخرى، وكانتا لَمَّا تضادتا ارتفعتا، وصار
ما فيه هذا الاختلاف من الأرواثِ من الأشياء المأكولة لحومها كما لا
حديث فيه.
وأما ما رُوي فيه عن ابنِ مسعودٍ من حديث يحيى بن الجزار، فقد
(١) رواه الطيالسي (٣٢٥)، وتقدم تخريج الحديث.
- ٢٧٠ -

كتاب الطهارة
يحتمل أن يكونَ ذلك لم يكن له مِن المقدار ما يُفْسِدُ به الصلاةَ إذ كان
قليلُ الدم في ذلك خلاف كثيره عندَ كثيرٍ من أهلِ العلم ممن يقولُ
بالمقالة الثانية من المقالتين اللتين ذكرناهما.
ثم رجعنا إلى طلب الأَوْلَى من هذين القولين بالنظرِ الصحيح
المرجوع إلى مثلهِ عند عدم وجود حكم الأشياء المختلَفِ فيها في
الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فوجدنا الأصلَ المتفق عليه أن دماءً
الأنعام المأكولة لحومُها نجسة، وأن وقوعَها في المياه يفسدها، وإن
أصابتها الثيابُ نَجْستها، كدماء بني آدم في ذلك، ولم يَكُنْ لإِكْلٍ لحوم
ما هي راجعة إلى حُكم لحومها، وجعلت راجعة إلى حكم دمائها،
فكان النظر على ذلك أن يكون كذلك أرواتُها لا تجب طهارتها
بطهارة لحومها، وأن يكون أروائها كدمائها، وكغائط بني آدم ودمائهم
في نجاستها، فهذا النظر في هذا الباب.
فقال قائل: فإن الناقةَ المذكورة في حديث ابن مسعود الذي
ذكرت إنما تحرها الوثنيون الذين لا تَحِلُّ ذبائحهم، ولا يكون معه
ذكاة، فسلاها كسلى ناقة ميتةٍ. ففي هذا الحديث حُجَّةٌ عليهم لمن
يذهبُ إلى أنَّ من صلى وفي ثوبه نجاسةٌ، أو في بدنه نجاسة، أو وهو
حامِلٌ نجاسة مِن ميتة، أو مِن غيرها أن صلاته جائزة.
فكان جوابًا له في ذلك بتوفيق الله عزَّ وجَلَّ وعونِهِ: أن تلك
الناقةً قد كانت كذلك، ولكن كان ذلك النحر لها في وقتٍ قد كانت
- ٢٧١ -

كتاب الطهارة
ذبائحُ أهلِ الأوثان كذبائح مَنْ سِواهم من أهل الإسلام، كما كان
نكاحُ نسائهم في أوَّل الإسلام كذلك، ثم حرَّمَ الله بعد ذلك نكاح
نسائهم وأكل ذبائحهم بقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿اليَوْمَأُحِلَّلِكُمُ الَّاتُ
وطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلَّلَكُمْ وطَعَامُكُمْ حِلَّهُمْ والمُخْصَنَاتُ مِنَ
المُؤْمِنَاتِ وَالمُحْصَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]،
فكان في ذلك تحريمُ ما قد كان قبلَ ذلك الوقت غيرَ حرامٍ، ثم طرأ
عليه التحريمُ الذي ذكرنا في النساءِ وفي الذبائح، فعادَ الأمر فيهما إلى
ما هو جارٍ عليه إلى يومِ القيامة. والله عز وجل نسأله التوفيق.
- ٢٧٢-

كتاب الطهارة
٣٦- بابُ بيان مُشكل ما رُوي عن رسول الله في الفَأْرةِ
تموتُ في سمنٍ من حلِّ الانتفاع به
٢٥٠- حدثنا فهد بن سُليمان، قال: حدثنا الحسن بن الرَّبيع،
قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن سعيد
بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﴿ أنه سُئِلَ عن فأْرةٍ وَقَعَتْ في
سمنٍ، قال: «إن كان جامداً، فخُذُوها وما حَوْلَها فَأَلْقُوهُ، وإن كان
ذائِباً أو مائِعاً، فاستَصْبحُوا به، أو فاستَنْفِعوا به))(١).
(١) رجاله ثقات، ورواه أبو يعلى (٥٨٤١) من طريق محمد بن المنهال،
والبيهقي ٣٥٣/٩ من طريق مسدد، كلاهما عن عبد الواحد بن زياد، بهذا الإسناد.
بلفظ: " ... وإن كان ذائباً أو مائعاً لم يؤكل".
ورواه عبد الرزاق (٢٧٨)، ومن طريقه رواه الإمام أحمد ٢٦٥/٢، وأبو داود
(٣٨٤٢)، وابن حبان (١٣٩٣) و(١٣٩٤)، وابن حزم في "المحلى" ١٤٠/١،
والبيهقي ٣٥٣/٩، والبغوي (٢٨١٢) عن معمر، به. بلفظ: " ... وإن كان مائعاً
فلا تقربوه".
ورواه الإمام أحمد ٢٣٢/٢ - ٢٣٣ و٤٩٠ عن محمد بن جعفر، عن معمر، به.
وعلقه الترمذي بعد حديث ميمونة (١٧٩٨).
وسيأتي من حديث ميمونة، واختلف في صحة حديث أبي هريرة:
فقال أبو عيسى: وقد روى معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي
هريرة عن النبي ﴿ نحوه [أي نحو حديث ميمونة] وهو حديث غير محفوظ، قال:
وسمعت محمد بن إسماعيل [البخاري] يقول: وحديث معمر عن الزهري، عن سعيد
بن المسيب ... هذا خطأ أخطأ فيه، قال: والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن
- ٢٧٣ -

كتاب الطهارة
فكان في هذا الحديث إباحة رسول الله﴿ الاستصباحَ أو
الاستنفاعَ بالسمن النَّجسِ، ولا نعلمُ أحداً ممن يُحْتَجُ بروايته روى في
هذا المعنى حديثاً بَيَّنَ فيه هذا المعنى كما بيَّنه معمرٌ في حديثه هذا.
فقال قائل: فإن محمد بن دينار الطَّاحِي قد روى هذا الحديث عن
معمر بغير هذه الألفاظِ، فذكر.
٢٥١- ما قد حدثنا محمد بن خُزيمة، قال: حدثنا مسلم بن
إبراهيم الأزدي، قال: حدثنا محمد بن دينار الطّاحِي، قال: حدثنا
معمرٌ، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبي
﴿ في الفَأْرةِ تقعُ في السَّمْنِ، قال «إن كان مائعاً أُهَرِيقَ، وإذا كان
ابن عباس عن ميمونة "أ.هـ.
وقال ابن أبي حاتم في علل الحديث ١٢/٢: "قال أبو محمد: الصحيح الزهري
عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، عن ميمونة".
ونقل الحافظ في الفتح ٣٤٤/١ عن الذهلي " الزهريات" قوله : "الطريقان عندنا
محفوظان لكن طريق ابن عباس عن ميمونة أشهر".
وفي ٦٦٨/٩ قال: "جزم الذهلي بأن الطريقتين صحيحتان". وقال: " وذكر
الإسماعيلي أنّ الليث رواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: بلغنا أن النبي 98.
سئل عن فأرة وقعت في سمن جامد ... الحديث. وهذا يدل على أن لرواية الزهري
عن سعيد أصلاً، وكون سفيان بن عيينه لم يحفظه عن الزهري إلا من طريق ميمونة لا
يقتضي أن لا يكون له إسناد آخر" أ.هـ
-٢٧٤ -٠
:

كتاب الطهارة
جامداً أُخِذَتْ وما حولها، وأُكِلَ الآخرُ)(١).
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن كلَّ
واحدٍ من عبد الواحد بن زياد، ومن محمد بن دينار لو تفرَّد بحديثٍ
لكان مقبولاً منه، ومن كان كذلك، فانفرد بزيادةٍ في حديثٍ، كانت
تلك الزيادةُ مقبولةً منه.
قال: فقد رَوَى هذا الحديثَ عن الزُّهْري غيرُ معمرٍ، وهو ابنُ
عُيَيْنة، ومالكٌ، فخالفا مَعْمَراً في إسنادهِ، وفي مَتْنِهِ، فذكر.
٢٥٢- ما قد حدَّثْنا يونسُ، قال: حدثنا سفيان، عن الزُّهْري، عن
عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة زوج النبي ﴿،
قالت: سُئِلَ رسول الله ﴿ٌ عن فأرةٍ وَقَعَتْ في سمنٍ ، فماتَتْ، فقال:
((أَلْقُوها وما حَوْلَها وكُلُوم)(٢).
(١) إسناده ضعيف لضعف محمد بن دينار الطاحي، وانظر ما قبله.
(٢) إسناده صحيح، يونس: هو ابن عبد الأعلى، وسفيان هو ابن عيينة.
ورواه ابن أبي شيبة ٢٨٠/٨، وإسحاق بن راهويه في مسند ميمونة (١)،
والطيالسي (٢٧١٦)، والإمام أحمد ٣٢٩/٦ و٣٣٠. والبخاري (٥٥٣٨) في الذبائح
والصيد. باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب، وأبو داود (٣٨٤١) في
الأطعمة باب في الفأرة تقع في السمن. والترمذي (١٧٩٨) في الأطعمة باب ما جاء
في الفأرة تموت في السمن. والدارمي ١٠٩/٢، والنسائي ١٨٧/٧ في الفرع باب
الفأرة تقع في السمن. وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٣٠٩٩)، وابن الجارود
(٨٧٢)، وأبو يعلى (٧٠٧٨)، وابن حبان (١٣٩٢)، والبيهقي ٣٥٣/٩، والطبراني
- ٢٧٥ -

كتاب الطهارة
٢٥٣- وما قد حدثنا يونس، قال: أخبرناه ابنُ وهبٍ، عن
مالك، عن ابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ميمونةً، ولم
یذ کر ابنَ عباسٍ في حديثه.
٢٥٤- وما قد حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: حدثنا عبد الله
بن محمد بن أَسماءً، قال: حدثنا جُويريةُ بنُ أسماءَ، عن مالك عن
الزّهري، أن عُبيد الله بن عبد الله، أخبره:
أن ابن عباس أخبره: أن ميمونة سأَلَتْ رسولَ الله :﴿، فقالت: يا
٢٣/ (١٠٤٣) و(١٠٤٤) و٢٤/(٢٥) من طرق، عن سفيان، بهذا الإسناد.
ورواه عبد الرزاق (٢٧٩) عن معمر، عن الزهري، به. ورواه النسائي ١٧٨/٧،
وأبو داود (٣٨٤٣)، وإسحاق بن راهويه (٣) وابن أبي عاصم (٣١٠٠)، والطبراني
١٠٤٥/٢٣) و٢٤/(٢٦) من طريق عبد الرزاق، عن عبد الرحمن بن بوذوية، عن
معمر، عن الزهري، به. وعلقه أبو داود عقب الحديث (٣٨٤٢) فقال: قال الحسن
- يعني ابن علي -: قال عبد الرزاق: وربما حدث به معمر، عن الزهري، عن عبيد
الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي 8 *.
وسيأتي من طريق الإمام مالك.
ورواه الإمام أحمد ٣٣٠/٦ من طريق الأوزاعي، عن الزهري.
ورواه البخاري (٥٥٣٩) في الذبائح والصيد - باب إذا وقعت الفأرة في السمن
الجامد أو الذائب، من طريق يونس عن الزهري.
ورواه ابن أبي عاصم (٣١٠١) والطبراني ٢٤/(٢٧) من طريق عبد الرحمن بن
إسحاق، عن الزهري.
-٢٧٦ -

كتاب الطهارة
رسولَ الله، فأرةٌ وَقَعَتْ في سمن فماتَتْ، فقال: ((خُذُوها وما حولَها من
السَّمْنَ فَاطْرَحُوهُ)).
٢٥٥- وما قد حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا سعيد بن أبي
مريم، قال: أخبرنا مالكٌ، وابنُ عُبينة، عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن
ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ®، مثله(١).
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنه قد
يحتمل أن يكون كان عند الزُهريِّ في هذا الباب عن سعيد بن المسيِّب
ما رواه عنه معمرٌ، وعن عبيد الله ما رواه عنه ابنُ عيينة ومالكُ، فلا
نجعلُ إحدى الروايتين دافعةً للأُخرى، ولكن نُصَحِّحُهما جميعاً، ونعملُ
بما فيهما.
فقال هذا القائل: فقد وَجَدْناكم تَرْوُونَ عن رسول اللهلَ﴿ر المنعَ
مما أطلقه هذا الحديثُ الذي وريتموه عن معمرٍ من إباحته الاستصباحَ
بما أباح الاستصباح به فيه.
٢٥٦- كما حَدَّثْنَا الربيعُ بن سليمان المرادي، قال: حَدَّثْنَا
شعيب بن الليث.
٢٥٧- وكما حَدَّثْنَا يزيد بن سنان، قال: حَدَّثَنَا أبو الوليد
(١) إسناده صحيح. ورواه الإمام مالك ص ٦٠١ و٦٠٢ ومن طريقه رواه الإمام
أحمد ٣٣٥/٦، والبخاري (٢٣٥) و(٢٣٦) و(٥٥٤٠)، والدارمي ١٠٩/٢،
والنسائي ١٧٨/٧، والبيهقي ٣٥٣/٩، والطبراني ٢٣/ (١٠٤٢).
-٢٧٧-

كتاب الطهارة
الطيالسيُّ، قالا: حَدَّثْنَا الليثُ بن سعد، عن يزيد بن أبي حَبِيبٍ، عن
عطاء بن أبي رباح: أنه سَمِعَ جابر بن عبد الله، يقول: إن رسول الله
* قام عام الفتح، فقال: ((إنَّ الله عَزَّ وجَلَّ قد حَرَّمَ بِيعَ الْخَمْرِ
والأصنامِ والمَيَةِ والخِنْزِير)). فقال له بعضُ المسلمين: كيف ترى في
شحوم الَيْنَة تُدْهَنُ به السفنُ والجلودُ، ويستصبحُ به الناس؟ فقال: (هو
حرامٌ، قاتَلَ الله اليهودَ، لَمَّا حَرَّمَ عليهم الشُّحُومِ جَمَلُوها فباعُوه،
فأكلوا ثمنَهُ)(١).
قال: ففي هذا الحديث مَنْعُ رسول الله:﴿ من الاستصباحِ
بشحومٍ الَيْتَة، ولا فرق بين شحوم الميتة، وبين السَّمْن الذي قد خَالَطَتْهُ
(١) صحيح، ورواه ابن الجارود (٥٧٨) عن محمد بن يحيى، عن أبي الوليد، به.
ورواه الإمام أحمد ٣٢٤/٣، والبخاري (٢٢٣٦) في البيوع باب بيع الميتة
والأصنام و(٤٦٣٣) في التفسير - باب قوله ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي
ظفر)، ومسلم (١٥٨١)، وأبو داود (٣٤٨٦)، والترمذي (١٢٩٧)، والنسائي
٣٠٩/٧ - ٣١٠، وابن ماجه (٢١٦٧)، والبيهقي ١٢/٦ و٣٥٤/٩-٣٥٥، والبغوي
(٢٠٤٠)، و"معالم التنزيل" ١٣٩/٢ من طرق، عن الليث بن سعد، به.
ورواه الإمام أحمد ٣٢٦/٣، ومسلم (١٥٨١)، وأبو داود (٣٤٨٧)، وأبو يعلى
(١٨٧٣)، وابن حبان (٤٩٣٧)، والبيهقي ١٢/٦، والبخاري تعليقاً (٢٢٣٦)
و(٤٦٣٣) من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن یزید بن أبي حبيب، به.
ورواه الإمام أحمد ٣٤٠/٣ من طريق جعفر بن ربيعة عن عطاء، به.
ورواه الإمام أحمد ٣٧٠/٣ من طريق أبي الزبير، عن جابر، نحوه مختصراً.
جملوها، أي : أذابوها. ويستصبح به الناس، أي: يُشعِلُون به سُرُجَهُمْ.
٠-٢٧٨ -

كتاب الطهارة
الميتة.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن الذي في
الفصل الأول من هذا الباب من حديث معمر، والذي في هذا الفصل
الثاني منه من حديث جابر، مختلفان، لأنَّ حديث جابر في شحوم الميتة
التي هي في نَفْسِها حرامٌ، وشحومها كذلك، ولا يحلُّ الانتفاعُ بالحرام،
والذي في حديث معمر الذي في الفصل الأول من هذا الباب إنما هو
الانتفاعُ بالسمن النَّجس، لأن الأشياءَ النَّجسَة يَحِلُّ الانتفاعُ بها من
الثياب النجسة التي لا تَمْنَعُ نجاستها من لبسها ومن النوم فيها إذا كانت
يابسةٌ لا يصيبُ الأبدانَ منها شيءٌ، فكذلك يجوزُ الانتفاعُ بالسمنِ
النَّحِسِ، إذ كان ليس بميتٍ فِي نَفْسِهِ، وإن كان الذي نَجَّسَه هو الَيْنَة
حتى يَصِحَّ الحديثانِ اللذانِ رويناهما عن رسول اللّهِ﴾ في هذينٍ
المعنيينِ، ولا يَتّضادَّانِ.
وقد رُوِيَ هذا المعنى في السمنِ النّحِسِ عن غير واحدٍ من
أصحاب رسول الله آ14 ..
٢٥٨- كما حدثنا محمد بن حُميد بن هشام الرُّعَيْني، قال:
حدثنا عليُّ بن مَعْبَد، قال: حدثنا موسى بن أَعْيَّن، عن عطاءٍ- يعني ابن
السائب-، عن ميسرةً، وزادان، عن علي عليه السلام، قال: إذا
سَقَطَتِ الفأرةُ في السمن وهو جامدٌ، فاطرَحْها وما حولها من السمن،
ثُم كُلْه، وإن كان السمنُ ذائباً، فخُذْها فَأَلْقِهَا، واستَنْفعْ به للسراج،
-٢٧٩ -

كتاب الطهارة
ولا تأْكُلْهِ(١).
٢٥٩- وكما حدثنا إبراهيمُ بن أبي داود، قال: حدثنا يحيى بن
عبد الحميد الحِمَّاني، قال: حدثنا قيس بن الرَّبيع، عن أبي حّصين، عن
يحيى بن وَثَّاب، عن مسروقٍ عن عبد الله في فأرةٍ وَقَعَتْ في سمنٍ، قال:
إنْ كان جامداً، أُلقي وما حَوْلَه، وإن كان ذائباً، استُصْبِحَ به.
٢٦٠- وكما حدثنا يحيى بن عثمان، قال: حدثنا نعيم بن
حَمَّاد، قال: حدثنا ابنُ المبارك، قال: أخبرنا سفيانُ، عن أيوب، عن
نافعٍ، عن ابن عمر في الفأرة تموتُ في الدُّهْن: أنه كان يُرخّصُ فيه
للمِصْبَاحِ(٢).
٢٦١- وكما حدثنا يحيى، قال: حدثنا نُعيم، قال: حدثنا ابن
(١) فيه عطاء بن السائب، وكان قد اختلط.
ورواه ابن أبي شيبة ٢٨١/٨، وابن حزم ١٤٢/١ من طريق محمد بن فضيل عن
عطاء، عن ميسرة وحده، عن علي. وليس فيه: واستنفع به للسراج.
(٢) نعيم بن حماد فيه ضعف، روى له البخاري شيئاً يسيراً، ورواه بنحوه عبد
الرزاق (٢٨٦)، والبيهقي ٣٥٤/٩ من طريق سفيان الثوري، عن أيوب، بهذا
الإسناد. وقرن عبد الرزاق بسفيان معمراً، وفيه مقدار الزيت عشرون قرطلاً.
والقِرطل: عِدل حمار.
وروى ابن أبي شيبة ٢٨١/٨ من طريق أبي بشر، عن نافع: أن حُرْدً وقع في قِدْرٍ
لآل ابن عمر، فسُئِل، فقال انتفعوا به وادهنوا به الأدم.
- ٢٨٠-