النص المفهرس
صفحات 121-140
کتاب الإیمان
يرفع ذلك البأسَ، وأن مجئَ البأسِ مِنْ قِبَلِ عباده يرفعه ذلك القولُ،
فجاء عُذْرُ أسامةَ مما ذكرنا، وفيما كان من أسامة مما استعمله ما يَدُلُّ
على أن الحوادثَ إذا كانت كان مباحاً لنا استعمال رأينا فيها، وردُّها
إلى ما يرد مِثْلُها إلى مثلِه من أحكام الله عز وجل، وأنّا إن خالفنا
أحكامَه في الحقيقة غيرُ ملومين على ذلك ولا مأخوذين به.
ومثلُ هذا ما قد رُوِيَ عن رسول الله # ((في القاضي إذا اجتهد،
فأصاب أنَّ له أجرين، وإذا اجتهد فأخطأ، أنَّ له أجراً))(١)، وسنذكر
ذلك بأسانيده فيما بَعْدُ مِن كتابنا هذا، ونذكر مع ذلك معانيه التي قالها
أهلُ العلم فيه، والله نسأله التوفيق.
(١) روى ذلك من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة رضي الله عنهما:
رواه البخاري (٧٣٥٢) في الاعتصام بالكتاب والسنة - باب أجر الحاكم إذا
اجتهد فأَصاب أو أخطأ. ومسلم (١٧١٦) في الأقضية - باب بيان أجر الحاكم إذا
اجتهد فأصاب أو أخطأ (في الروايتين الأخريين). وأبو داود (٣٥٧٤) في الأقضية -
باب في القاضي يخطئ. والنسائي في الكبرى (تحفة ١٥٨/٨). وابن ماجة (٢٣١٤)
في الأحكام - باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق. والإمام الشافعي في الأم ٢٠٤/٤،
والإمام أحمد ١٩٨/٤ و٢٠٤ والدارقطني ٢١٠/٤ و٢١١، والبيهقي ١١٩/١٠،
والبغوي (٢٥٠٩) والخطيب في "تاريخ بغداد" ٢٣٥/٤.
ومن حديث أبي هريرة فقط: رواه النسائي ٢٢٤/٨ في القضاء - باب الإصابة
في الحكم وأبو يعلى (٥٩٠٣). وابن حبان (٥٠٦٠)، والدارقطني ٢٠٤/٤.
ومن حديث عمرو بن العاص فقط: رواه الإمام أحمد ٢٠٤/٤. وابن حبان
(٥٠٦١) ومسلم (١٧١٦) الرواية الأولى.
- ١٢١-
کتاب الإیمان
١٤ - بابُ بيانِ مُشكلٍ ما رُويَ عن رسولِ الله في القومِ
الذین قتلهم خالد بن الولیدِ بَعْد أن کان منهم أن قالوا:
صَبَأْنَا صَبَأْنَا
٩١ - حدثنا يزيدُ بنُ سنان، قال: حدثنا نُعيم بنُ حَمّاد، قال:
حدثنا ابنُ المبارك، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سالمٍ، عن أبيه،
قال: بَعَثَ النِي﴿ خالد بن الوليد إلى بني حَذِيمة، فدعاهم إلى
الإِسلام، فلم يُحْسِنُوا أن يقولوا: أَسْلَمْنَا، فجعلوا يقولون: صَبَأْنَا،
صَبَأْنَا، وجعل خالدٌ يَقْتُلُ ويَأْسِرُ، ودفع إلى كُلِّ رجلٍ منا أسيرَه، حتّى
إذا كان ذاتَ يومٍ أمر خالدٌ كُلَّ رَجُلٍ منا أن يَقْتُلَ أسيرَه، فقلتُ: واللهِ
لا أقتلُ أسيري، ولا يَقْتُلُ رجلٌ مِن أصحابي أسيرَه، فلما قَدِمْنا على
النِّ ◌َ﴿، ذكرنا صنع خالدٍ له، فرفع يديه، ثم قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أَبرأ
إليك مما صَنَعَ خالدٌ) مرتين(١).
٩٢ - حدثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: حدثنا نوحُ بنُ حبيبٍ
القُومَسيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَزَّاق، قال: أنبأنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهري، ثم
ذکر یإسنادهِ مثلَه.
(١) رواه البخاري (٤٣٣٩) في المغازي - باب بعث النبي8* خالد بن الوليد
إلي بني جَذِيمة. و(٧١٨٩) في الأحكام - باب إذا قَضَى الحاكم بِجَور، أو خلاف
أهل العِلْم فهو رَدّ. والنسائي ٢٣٦/٨ في آداب القضاء - باب الرد على الحاكم إذا
قَضَى بغير الحق. وعبد الرزاق (٩٤٣٤)، والإمام أحمد ١٥٠/٢ (٦٣٨٢) وابن حبان
(٤٧٤٩)، والبيهقي ١١٥/٩.
- ١٢٢ -
کتاب الإیمان
قال: ففي هذا الحديثِ قولُ بني حَذِيمة: صَبَأْنَا، صَبأَنَا، فكان مِن
خالد فيهم ما كان، فكان مِن رسول الله﴿ فيما كان مِن خالدٍ ما
كان، مما ذلك كُلُّه مذكورٌ في هذا الحديثِ.
فقال قائلٌ: ما المعنى الذي تَرَكَ رسولُ اللهِ ﴿ أَخذَ الواجبِ لهم
من خالد لما كان منه فيهم بعدَ إسلامِهِمْ.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ الذي
كان منهم من قولهم: صبأنا؛ قد يكونُ على الإسلام، وقد يكونُ على
الدخول في دينِ الصابئين، وقد يكونُ على ما سوى ذلك، إلا أنه زوالٌ
عن شئ إلى شئ، فكان من رسول اللهمَ﴿ ما كان مِن إنكاره على
خالد بن الوليد ما كان منه، أنه قد كان عليه الاستثبات في أمورِهم،
والوقوف على إرادتهم بقولهم: صبأنا، هل ذلك إلى الإسلام، أو إلى
غيره؟ فلما لم يفعل ذلك، برئ إلى اللهِ عز وجل مما كان منه، ولم يأخذ
لهم بما لم يعلم يقيناً وجوبه لهم في قتلٍ خالد إِيَّاهم. والله نسأله التوفيق.
-١٢٣ -
کتاب الإیمان
١٥- بابُ بیان مشکل ما رُوي عن رسول الله ټ﴾ فیما کان ین
عمار بن ياسر ومِن خالد بن الوليد في القومِ بُعِثًا إلیھم،
فاعتصموا
٩٣- حدثنا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شكيب
الكُوفي، قال: حدثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن الحسن بنِ عُبيدِ الله، عن
محمد بن شَدَّاد، عن عبد الرحمن بنِ يزيد، قال: حدثني الأشتُ، قال:
حدثني خالدُ بنُ الوليد، قال: بعثني رسولُ اللهِ﴿ أنا وعمَّر، في سَرِيَّةٍ،
فأصبنا أَهْلَ بَيْتٍ قد كانوا وَخَّدوا، فقال عمارٌ رضي الله عنه: إنَّ
هؤلاء قد احتجزوا منا بتوحيدهم، فسفهته، ولم أَحْفِلْ بقوله، فلما
رجعنا إلى النبيِّ ﴿، شكاني إليه، فلما رأى النبيَّ ◌َ﴿ٌ لا يَنْتَصِرُ له مني،
أدبر وعيناه تَدْمَعَانِ، فقال النبيُّ :﴿: (يا خَالِدُ لا تَسُبَّ عماراً، فإنَّه مَنْ
يَسُبَّ عمَّاراً سَبَّ الله، ومَنْ يُسَفّهْ عماراً، يُسَفّهْهُ الله عز وجل))، قال:
قلتُ: واللهِ يا رسول الله، ما مِنْ ذنوبي شىٌ أخوفُ عليَّ منهنَّ،
فاستغفر لي، قال: فاستغفر لي رسولُ اللهِ حَ﴾(١).
(١) إسناده ثقات سوى محمد بن شداد لم يوثقه إلا ابن حبان وقال فيه الحافظ:
مقبول. لكنه توبع كما سيأتي.
رواه النسائي في "فضائل الصحابة". (١٦٧) مختصراً.
ورواه مطولاً أيضاً (١٦٦) والطبراني في "الكبير" (٣٨٣٠)، والحاكم ٣٨٩/٣
كلهم من طريق الحسن بن عبيد الله، به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه
الذهبي. ورواه الطبراني (٣٨٣٢) (٣٨٣٣)، والحاكم ٣٩١/٣ من طريق سلمة بن
- ١٢٤-
کتاب الإيمان
كهيل عن عمران بن أبي الجعد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأشتر، عن خالد بن
الوليد.
وروى أحمد في "المسند" ٩٠/٤، وفي "الفضائل" (١٦٠٤)، والنسائي في "فضائل
الصحابة" (١٦٥)، والطيالسي (١١٥٦)، والطبراني (٣٨٣١) من طريق شعبة، عن
سلمة بن كهيل: سمعت محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن الأشتر، قال:
كان بين عمار وبين خالد بن الوليد کلام، فشكاه عمار إلى رسول الله #، فقال
رسول الله 8#: ((إنه من يُعادِ عماراً، يُعاده الله عز وجل، ومن يُغضه الله عز وجل،
ومن يسبّه الله عز وجل)».
ورواه الحاكم ٣٨٩/٣ من طريق شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن محمد بن عبد
الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن الأشتر، عن خالد بن الوليد، قال: كان بيني وبين عمار
شئ، فشكوتُه إلى رسول الله ﴿، فقال رسول الله ﴾: "من يسب عماراً، يسبّه الله،
ومن يُعادِ عمّاراً، يعاده الله"، وقال: صحيح الإسناد.
ورواه أحمد ٨٩/٤ ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة ١٣٢/٤ والحاكم
٣٩٠/٣ - ٣٩١ من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، عن سلمة بن
كهيل، عن علقمة، عن خالد بن الوليد، قال: كان بيني وبين عمار بن ياسر كلام،
فأغلظت له، فانطلق عمار يشكوني إلى النبيِّ ﴿، فجاء خالد وهو يشكوه، فجعل
يغلظ له ولا يزيده إلا غلظة، والنبي ور ساكت، فبكى عمار، وقال: يا رسول الله ألا
تراه؟ قال: فرفع النبي# رأسه وقال: "من عادى عماراً، عاداه الله، ومن أبغض
عماراً، أيفضه الله"، قال خالد: فخرجت فما كان شئ أحب إليّ من رضى عمار،
فلقيتُه فرضي.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين لاتفاقهما على
- ١٢٥-
کتاب الإیمان
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ قولُ عمار في أهلِ ذلك البيت
الذين كانوا وَخَّدُوا: إنهم قد احتجزوا بتوحيدهم، وإن خالداً لم يَحْفِلْ
بقوله، وكان معنى خالد في أهلٍ ذلك البيت كمعنى أسامة في قتيله
الذي قتله بعدَ توحيده، وكان ما كان من عمار فيهم إصابة حقيقة
حكم الله عز وجل فيهم، فكان كُلُّ واحدٍ منهما في اجتهاده محموداً،
وكان عمارٌ في ذلك فوقَ خالد في الحمدِ للإصابة منه لحقيقةِ الأمر في
ذلك، ولتقصير خالدٍ عنه. والله نسأله التوفيق.
العوام من حوشب وعلقمة، على أن شعبة أحفظُ منه، حيث قال: عن سلمة بن
كهيل، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن الأشتر، والإسنادان
صحيحان.
-١٢٦ -
كتاب الإيمان
١٦ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن رسولِ الله# في النفر
الخثعمِیِین الذین کان بعث إليهم خالداً ومن قتله إيَّاهم بعد
اعتصامهم بالسجود
٩٤- حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا يوسفُ بن عدي،
قال: حدثنا حفصُ بن غياث، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن قيس بنِ
أبي حازمٍ، عن خالد بنِ الوليد، أن النبيَّ : ﴿ بعثه إلى أُناسٍ من خَتْعَم،
فاعْتَصَمُوا بالسُّجودِ، فقتلهم، فَودَاهُمْ النِيُّ ◌َ﴿ بنصفِ الدِّية، ثم قال:
(أنا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ، لا تَرَاءَى نَارَاهُما))(١).
فسأل سائلٌ عن المعنى الذي به ارتفع عن خالدِ بنِ الوليد ما كانَ
منه في هؤلاء القوم بعد أن وقَفَ على سجودهم ووجوب الإسلام لهم
بذلك.
فكان جوايُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أن السجودَ
غيرُ موقوفٍ به على حقيقة مَنْ يكونُ منه ممن لم يُعْلَمْ إسلامُه قَبْلَ
(١) إسناده قوي ورواه الطبراني في "الكبير ٣٨٣٦/٤) من طريق يوسف بن
عدي، به وقال الهيثمي ٢٥٣/٥: رجاله ثقات.
وفي الباب حديث جرير موصلا ومرسلا رواه أبي داود (٢٦٤٥) في الجهاد -
باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود. والترمذي (١٦٠٤) و(١٦٠٥) في السير -
باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين.
وحديث سمرة: رواه أبو داود (٢٧٨٧) في الجهاد - باب في الإقامة بأرض
المشركين. والحاكم ١٤١/٢.
-١٢٧-
کتاب الإیمان
ذلك، لأنه قد يكونُ الله عز وجل، فيكون إسلاماً لِفاعله، وقد يكونُ
على التعظيم للرئيس، فلا يكونُ إسلاماً لفاعله، بل يكونُ مقتاً له
وللمفعول له إن رَضِيَهُ مِن فاعله، فلما كان السجودُ كما ذكرنا،
ومحتملاً ما وصفنا، دخل ذلك مِن خالد فيما لم يَقُمْ عليه فيه حُجَّةٌ في
قتله من قد يكونُ له قتله، غير أنه قد كان الاستثباتُ في ذلك حتى
يَعْلَمَ إرادةَ أولئك القَوْمِ بسجودهم ما هو، هل هو الإِسلام أو غيره؟
من أجل ذلك ودَاهُمْ رسولُ اللهِمَ﴿ بما وداهم به، تطوعاً منه
بذلك، وتفضُّلاً منه به، وجزاءٌ منه لغيرهم إليه.
وأما قوله {﴿: «إِنِي بَرِئٌ مِنْ كُلِّ مسلمٍ مع مشركٍ، لا تراءى
ناراهما)) فإن أهل العربية جميعاً يقولون في هذا الحرف: لا تراءى
ناراهما، ويقولون في ذلك قولين:
أحدُهما: أنه لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يسكن بلادَ المشركين، فيكون
معهم بقدر ما يرى كُلُّ واحدٍ منهما نارَ صاحبه، وكان الكسائي يقول
العربُ تقول: داري تنظر إلى دار فلان، ودورنا تُنَاظِرُ.
والآخر منهما: أنه أراد بقوله: ((لا تراءى ناراهما)) يريد نارَ
الحرب، ومن ذلك قولُ الله: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْنَارِ اَ لِلحَرْبِ أَطْفَ هَا الله﴾
[المائدة: ٦٤]، فناراهما مختلفتان، هذه تدعو إلى الله، وهذه تدعو إلى
الشيطان، فكيف يَصْلُحُ أن يكونَ أهلُ كل واحدة منهما ساكناً مع
أهل الأخرى في بلدٍ واحد، والله عز وجل نسأله التوفيق.
- ١٢٨ -
كتاب الإيمان
١٧ - بابُ بيانِ مُشكل ما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ ﴾ في إلقاءِ
الأرضِ الرجلَ المدفونَ فيها القاتل للذي قال لا إله إلا الله،
وقتله إيّاه علی أنَّ ذلك كان تعوذاً منه
٩٥- حدثنا أبو أمية، حدثنا محمدُ بنُ سعيد ابن الأصبهاني،
قال: حدثنا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن السُّميط بن
السُّمَير، عن عِمران بنِ حُصَيْنٍ، قال: بعتنا رسولُ اللهِ:﴿ فِي سَرِيَّةٍ،
فحمل رجلٌ من وَلَدِ أبي على رجلٍ من المشركين، فلما غَشِيَهُ بالرمح،
قال: إني مسلمٌ فَقَتَلَه، ثم أتى النبيَّ :﴿، فقال: يا رسولَ الله: إني قد
أذنبتُ فاستغفر لي، فقال: ((وما ذاك؟)) قال: إني حملتُ على رجلٍ،
فلما غشيتُهُ بالرمح، قال: إني مسلم، فظننتُ أنه مُتَعَوِّذٌ فقتلتُه، فقالَ:
(أفلا شققتَ عن قلبه حتّى يَسْتَبِين لك؟)) قال: ويستبينُ لي؟ قال: ((قد
قال لك بلسانه، فلم تُصَدِّقْه على ما في قلبه))، فلم يلبثِ الرجلُ أن
مات، فَدُفِنَ فأصبح على وجهِ الأرض، فقلنا: عدو نبشه فأمرنا عبيدنا
وموالينا فحرسوه فأصبح على وجه الأرض فقلنا: فلعلهم غَفُلُوا،
فحرسنا نحن، فأصبح على وجه الأرض، فأتينا النبيَّ مَ﴿، فأخبرناه، قال:
(إِنَّ الأَرْضَ تَقْبَلُ مَنْ هو شرٌ منه، ولكن الله عز وجل أحبّ أن
يُخْبِرَكُمْ بعظمِ الدَّهِ»، ثم قال: «انتَهوا بهِ إلى سَفْحِ هذا الَجَلِ،
فَانْضُدُوا عليه مِنَ الحِجَارةِ)) ففعلنا(١).
(١) إسناده حسن إذا كان السميط سمعه من عمران. والسميط بن سمير ويقال:
ابن عمير وثقه العجلي وابن حبان، وروى له مسلم متابعةً، وقال فيه الحافظ في
"التقريب": صدوق. وقال في الإصابة: له إدراك. والحديث رواه ابن ماجة (٣٩٣٠)
- ١٢٩ -
كتاب الإيمان
٩٦- حدثنا أبو أُمية، قال: حدثنا زكريا بنُ عَدِي، قال: حدثنا
حفصُ بنُ غياث، عن عاصم الأحول، قال: حدثنا السُّمَيط، عن
عِمران، قال: لقي رَجُلٌ من ولدِ أبي العَدُوَّ، ثم ذكر هذا الحديثَ.
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا فيما تقدّم منا في هذه الأبواب من
هذا الجنسِ ما يُغنينا عن الكلامِ في هذا الباب، غير أنَّ في هذا الباب
حرفاً وهو قولُ الخزاعي صاحب القصة المذكورة فيه لرسول الله من﴿:
إنّي قد أَصَبْتَ ذنباً، فاستغفِرْ لي، فدلَّ ذلك على أنه قد كان ممن قامت
عليه الحجةُ بجرمه في قتله مَنْ قال مثلَ ما قال له الذي قتله، فقتله على
ذلك.
غير أن فيه ظنّه بقوله: إني مسلم متعوذاً، فقد يحتمل ذلك أن
يكونَ زيادةٌ منه في الاعتذارِ إلى رسول الله# في قتله ذلك الرجل،
أي: لأن قتله المتعوِّذَ بذلك القول أيسرُ مِن قتله مَنْ قال ذلك القول لا
لتعوذٍ به، ولكن لِحقيقة دخوله في الإسلام، فلم يكن ذلك رافعاً عنه
عقوبة ذنبه الذي كان منه فيه، فكان من عند الله عز وجل فيه ما كان
مِن أجلٍ ذلك، والله أعلمُ بحقيقة الأمر كان في ذلك، والله عز وجل
نسأله التوفيق.
في الفتن - باب الكف عمن قال لا إله إلا الله. وقال البوصيري في الزوائد: هذا
إسناد حسن. ورواه الطبراني ١٨/(٥٦٢) وهما من طريق حفص بن غياث، به.
لكن رواه الإمام أحمد ٤٣٨/٤، والطبراني ١٨ (٦٠٩) وهما من طريق معتمر بن
سليمان التيمي، عن أبيه، قال: حدثني السميط الشيباني عن أبي العلاء قال: حدثني
رجل من الحي أن عمران بن حصين، فذكره. وزاد فيه رجلين؛ أحدهما مجهول.
- ١٣٠ -
کتاب الإیمان
١٨ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عنه عليه السَّلامُ في جوابه
المقداد لما سأله عن الكافر الذي قطع یَدَهُ، ثم لاذ بشجرة،
فقال: أسلمتُ لله جَلّ وعَزَّ، أأقتُلُه؟
٩٧- حدثنا يونس، حدثنا يحيى بنُ عبدِ الله بنِ بُكَيْرٍ، حدثني
الليثُ بنُ سعد [ح]، وحدثنا أحمدُ بن شعيب، أخبرنا قتيبةُ بنُ سعيد،
حدثنا الليثُ - ثم اجتمعا، فقالا - عن ابنِ شهاب، عن عطاء بنِ
يزيد، عن عبد الله بنِ عدي بن الخيار، عن المقداد أخبره أنّه قال: يا
رسولَ الله، أرأيتَ إن لقيتُ رجلاً من الكفار، فقاتلني، فضرب إحدى
يدي بالسَّيْفِ، فقطعها، ثم لاذ منّي بشجرة، فقال: أسلمتُ لله، أأقتلُه
يا رسولَ الله بعد أن قالها؟ قال: ((لا تقتُلْهُ، فإن تقتلْه، فإنه بمنزلتك قبل
أن تقتُلَه وأنت بمنزلته قَبْلَ أن يقولَ كلِمَته التي قال )»(١).
(١) رواه البخاري (٤٠١٩) في المغازي - باب منه (١٢). و(٦٨٦٥) في
الديات - باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يِقتل مُؤْمناً متعمداً فجزاؤه جَهْتُمْ﴾. ومسلم (٩٥) في
الإيمان - تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله. وأبو داود (٢٦٤٤) في الجهاد
- باب على ما يقاتل المشركون. والنسائي في "الكبرى" (تحفة الأشراف ٥٠٣/٨)،
والإمام أحمد ٣/٦ و٤ و٥و٦. والطبراني في "المعجم الكبير" ٢٠/(٥٨٣) إلى (٥٩٤)،
والبيهقي ١٩٥/٨ كلهم من طريق الزهري، عن عطاء، به.
ورواه ابن حبان (٤٧٥٠)، والطبراني ٢٠/(٥٩٥)، والخطيب في "تاريخ بغداد"
٢٤١/٤ من طريق الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبيد الله بن
عدي بن الخيار، عن المقداد، به.
- ١٣١ -
كتاب الإيمان
فكان ما في هذا الحديثِ من ما يَجبُ كَشْفُه وتأمُّلُه وطلبُ
المعنى المراد فيه، فكان قولُ رسول اللهمُ﴿ جواباً للمقداد ◌ًّا سأله بعد
قطع الكافر يده أن لا يقتلَّه، وأعلمه أنه إن قتله، كان بمنزلته قبل أن
يَقْتُلَه، أي: إنه يعودُ بإسلامه إلى أن يكونَ به مسلماً، كما كنتَ أنتَ
مسلماً، وأن تكونَ أنت بمنزلته قبل أن يقولَ كلمتّه التي قال، يعني
بذلك كلمته التي صار بها مسلماً، أي: إنك تعودُ قاتلاً لمن قد صار
مسلماً، فتكون بذلك من أهل النار، كما كان من قبلَ الكلمة التي قالها
كافراً من أهل النارِ، وبالله التوفيق(١).
(١) وقال ابن حبان: معنى قوله: "وكنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال"
يريد به: أنك إن قتلته بعدما أنهاك عنه مستحلاً له، كنت كذلك، وله معنى آخر:
وهو أنك إن قتلته، كنت بمنزلته يريد أنك تقتل قوداً به لقتلك المسلم. وقال الخطابي:
فيما نقله عنه في "الفتح" ١٩٧/١٢: معناه أن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن
يسلم، فإذا أسلم صار مصان الدم كالمسلم، فإن قتله المسلم بعد ذلك صار دمه مباحاً
بحق القصاص كالكافر بحق الدين، وليس المراد إلحاقه في الكفر، كما يقوله الخوارج
من تكفير المسلم بالكبيرة، وحاصله اتحاد المنزلتين مع اختلاف المأخذ، فالأولى: إنه
مثلك في صون الدم، والثاني: أنك مثله في الهدر.
- ١٣٢ -
كتاب الإيمان
سـ
١٩ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسولِ الله ﴾ من قوله:
((مَنْ بَدَّلَ دينَه فَاقْتُلُوهُ))
حدثنا أبو القاسم هشامُ بن محمد بن قُرَّةَ بنِ أبي خليفة، قال:
حدَّثْنا أبو جعفر أحمدُ بنُ محمد بن سلامةَ بن سلمةَ الأَرْدي، قال:
٩٨- حدثنا عليٌّ بن شَيْبةَ، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال:
أنبأنا حَمَّادُ بن سلمة، عن أيوب (ح)، وحدَّثْنا الربيعُ بن سُليمانٌ
الُرادي، قال: حدثنا أسدُ بن موسى، قال: حدثنا حَمَّادُ بن زيدٍ، عن
أيوب، عن عكرمة، أنَّ عليّ رضي الله عنه أُتَي بقومٍ زنادقة أو ارْتَدُّوا
عن الإسلامِ ووجدوا معَهُم كتباً، فأمرَ بنارٍ فَأُجِّحت، فألقاهُم وكُتُبَهم،
فبلغَ ذلك ابنَ عباس، فقال: لو أني كنتُ أنا، لقتلْتُهم، لقولِ رسولِ الله
﴿، ولَمْ أحرقْهُم، لنهي رسول اللهِلَ﴾: «مَنْ بَدَّلَ دينه فاقتلوه ولا
تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ))(١).
(١) رواه البخاري (٣٠١٧) في الجهاد والسير - باب لا يعذب بعذاب الله.
و (٦٩٢٢) في استتابة المرتدين - باب حكم المرتد والمرتدة واستقابتهم، وأبو داود
(٤٣٥١) في الحدود - باب الحكم فيمن ارتد. والترمذي (١٤٥٨) في الحدود -
باب ما جاء في المرتد. والنسائي ١٠٤/٧ و١٠٥ في تحريم الدم - باب الحكم فى
المرتد. وابن ماجة (٢٥٣٥) في الحدود - باب المرتد عن دينه. والحميدي (٥٣٣)،
والإمام أحمد ٢١٧/١ (١٨٧١)، و٢١٩/١ (١٩٠١)، و٢٨٢/١ (٢٥٥١)
و (٢٥٥٢) و٣٢٢/١ (٢٩٦٨) والإمام الشافعي في "المسعد" ٨٦/٢، وعبد الرزاق
(٩٤١٣) و(١٨٧٠٦) والطبري في "تهذيب الآثار" مسند علي ص ٨١، وابن أبي
شيبة ١٤٣/١٠ و٣٨٩/١٢، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" ٥١٦/١، وأبو يعلى
-١٣٣-
کتاب الإیمان
٩٩- وحدثنا عليُّ بن شَيبةَ، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال:
حدثنا سعيدُ بن أبي عروبةَ وسفيانُ، عن أيوبَ، عن عِكرمةً، عن ابن
عباس رضي الله عنهما، عن النبيِّ ﴿ قال: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)).
١٠٠- وحدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن يونس، قال: حدثنا
إسحاقُ بنُ أبي إسرائيل، قال: حدثنا حَمَّادُ بنُ زيد، وسفيانُ بن عيينة
[ح]، وحدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حدثنا بُندارٌ، قال: حدثنا عبدُ
الوهَّاب كلَّهم، عن أيوبَ، عن عكرمةً، عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: قالَ رسولُ الله ﴿: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)).
١٠١- حدثنا عبدُ الغني بن أبي عقيل، قال: حدثنا سفيانُ بنُ
عُيينةً، عن أيوبَ، عن عكرمة، قال: ذُكِرَ عند ابن عباس قومٌ أحرقَهم
عليٌّ، فقال: لو كنتُ، لقتلتُهم، لقول رسول الله ﴿ُ: ((مَنْ بَدَّلَ دينَهُ
فَاقْتُلُوهُ))، ولم أكنْ لأَحْرِقَهُمْ بالنار، لقولِ رسولِ اللهِعَ ﴾: ((لا يُعَذِّبُ
بَعَذَابِ اللهِ أَحَدٌ) فبلغَ ذلك علياً رضي الله عنه فكأنه لم يَشْتُهه.
١٠٢- وحدثنا إسحاقُ بن إبراهيم، قال: حدثنا محمودُ بن
غيلان، قال: حدثنا محمدُ بنُ بكر، قال: أنبأنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن إسماعيلَ،
عن مَعْمَرِ، عن أيوبَ، عن ◌ِكْرِمةَ، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما، عن
(٢٥٣٢) و(٢٥٣٣)، وابن حبان (٤٤٧٥) و (٤٤٧٦) والطبراني ١١/(١١٨٣٥)
و (١١٨٥٠)، والحاكم ٥٣٨/٣، والدارقطني ١٠٨/٣ و ١١٣ والبيهقي ١٩٥/٨
و ٢٠٢ و٧١/٩ والبغوي ٢٣٨/١٠ (٢٥٦٠) و(٢٥٦١) وبعض الروايات مقتصرة
على قوله: "من بدل دينه فاقتلوه" وأسانيد المصنف التالية صحيحة.
- ١٣٤ -
کتاب الإیمان
رسول الله ﴿ مثلَه.
قال أبو جعفرٍ: فذهبَ ذاهبون إلى أنَّ مَنِ ارتَدَّ عن الإسلام،
وجبَ قتُلُه، رَجَعَ إلى الإسلام أو لَمْ يَرْجِعْ إليه، وجَعَلُوا ارتدادَه موجباً
عليه القتلَ حدًّا لِما كان منه، قالوا: كما أنَّ الزانيَ لا تَرْفَعُ عنه توبِتُه
حدَّ الزنى، وكما أنَّ السارقَ لا تَرْفَعُ عنه توبته حدَّ السرقة، كانَ مثلَ
ذلك المرتدُّ، لا تَرْفَعُ عنه توبته حدَّ رِدَّته، وهو القتلُ. فكانَ من حُجَّتِنا
عليهم في ذلك لِمخالفتهم فيه أَنَّ وَجَدْنا الله عزَّ وجل أمرنا بإقامةٍ حدٍّ
الزنى على الزاني، وبإقامةِ حدِّ السرقة على السارق، فقال عز وجل في
كتابه: ﴿الزَّانِيةُ والتَّانِيِ فَاجْلِدُوا كُلَّ واحدٍ منهما مائَةَ جددةٍ﴾ [النور: ٢]،
وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَبْدِهِما﴾ [المائدة: ٣٨] فكانَ اسمُ الزنى
غيرَ مفارقٍ للزاني وإن تَرَكَ الزنى.
وكذلك اسمُ السارق لازمٌّ للسارق وإنْ زالَ عن السَّرقةِ،
وتَرَكَها.
ووَجَدْنَا الْمُرتدَّ قد صارَ بِرِدَّتِه كافراً، وكان إذا زال عن الردة إلى
الإِسلام لا يجوز أن يقال له كافر لأَنَّه إنَّما كانَ يجوزُ أن يُسمَّى بالكُفرِ
لَمَّا كان كافراً، فَلَمَّا خرجَ عن الكُفرِ، وصارَ مسلماً، لم يَجُرْ أَنْ يُقَالَ
له: كافر، لأنه لا يجوزُ مع ذلك أَن يُسمى مسلماً، فاستحالَ أن يُسَمَّى
في حالٍ واحدةٍ كافراً مسلماً، وقد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّالذِينَ آَمُواثُمَّ
كَفَرُوا ثُمَ آَمَنَوَائِمَ كَفَرِوا ثُمَازِدَادُوا كُفْراً﴾ [النساء: ١٣٧] فأثبتَ
-١٣٥-
کتاب الإيمان
لهم عزَّ وجلَّ الإِيمانَ بعدَ كفرهم الذي كان منهم ارتداداً عن الإِيمان،
ولَمَّا كانَ ما ذكرنا كذلك، كانَ معقولاً أنَّ مَنْ لَزِمَه اسمُ معنىٍّ من
هذه المعاني، ولم يَزَلْ عنه ذلك الاسمُ كانَ من أهلِهِ، ووَجَبَ أن تُقامَ
عليه عقوبتُه، وإنَّ مَنْ كانَ من أهلِها في حالٍ، فزالَ عنه الاسمُ الذي
يُسَمَّى بهِ أهلها، زالتْ عنه العقوبةُ الواجبةُ على أهلِ ذلك الاسم، وقد
وَجَدْنا عن رسولِ اللهِ﴿ِ ما يُوجبُ على الراجعِ من الرِّدةِ من الاسم ما
ذكرنا من رفعٍ القتل عنه بذلك.
١٠٣- وهو ما قد حَدَّثَنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا محمدُ بنُ
سعيد ابن الأَصْبَهَانِي، قال: حدثنا عليُّ بنُ مُسْهٍِ، عن داودَ بنِ أبي
هندٍ، عن عكرمة، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما، قال: ارتدَّ رجلٌ من
الأنصارِ فَلَحِقَ بمكةَ، ثم نَدِمَ، فأرسلَ إلى قومِه، سَلُوا رسولَ اللهِّ:
هَلْ لي من توبةٍ؟ قال: فأنزلَ الله عز وجل: ﴿كَيْفَ هْدِي الله قوماً"
كَفَرُوا بعد إيمانهم وشَهِدُوا أَنَّ الرسولَ حَقٌّ﴾ - إلى قوله - ﴿إِلا الذين تَأْبُوا من
بعد ذلك وأَصْلَحوا﴾ [آل عمران: ٨٦-٨٩] فكتبوا بها إليه، فاسْتَرْجَعَ
فَأَسْلَمَ(١).
قال أبو جعفر: فقالَ أهلُ المقالة الأولى: فقد وَجَدْنا في كتاب الله
(١) حديث صحيح، رواه النسائي ١٠٧/٧ في تحريم الدم - باب توبة المرتد.
وفي "الكبرى" (تحفة ١٣٣/٥)، والطبري في التفسير (٧٣٦٠) و(٧٣٦٢) (ت
شاكر)، وابن حبان (٤٤٧٧)، والحاكم ١٤٢/٢ و٣٦٦/٤، والبيهقي ١٩٧/٨
والواحدي في "أسباب النزول" (٢٢٥) و(٢٢٦).
-١٣٦ -
کتاب الإیمان
عزَّ وجل ما يَدُلُّ على ما ذكرنا، وهو قولُه جلَّ وعز: ﴿إِنّهَ مَنْ يُشْرِكُ باللهِ
فَقَّدُ حَرَّمَ الله عَلَيهِالْجَنَّةِ﴾ [المائدة: ٧٢] فأخبرَ عزَّ وجل أنَّه مَنْ أشركَ بالله
عز وجل حَرَمَه الجنةَ، ولم يذكُرْ عز وجل أنَّ رجوعَهُ عن شِرْكه
يُخرجُه من ذلك حتى يعودَ إلى أنْ يكونَ من أهلِ الجنة.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنّه قد يجوزُ
أنْ يكونَ أرادَ بذلك الشرك الذي يكونُ من أهله حتى يموتَ على ذلك
كما قالَ عز وجل في الآية الأُخرى: ﴿ مَنْ يَدِدْ مِنْكُمْ عَ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو
كافرٌّ فَأُولِك حَبِطَتْ أَعمالُهم في الدُّنيا والآخرةِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧] فَبَّن
عزَّ وجل في هذه الآية أنَّه أرادَ بالوعيد الَّذي فيها مَنْ يموتُ على رِدَّتِه
لا مَنْ يرجعُ منها إلى الإسلامِ الذي كانَ من أهله قبلَ ذلك، فمثلُ ذلك
قولُّه عز وجل: ﴿إِنَهُ مَنْ يُشْرِكُ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ الله عليه الجِنّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] هو
الشرك الذي يموتُ عليه، لا الشرك الذي يَنْزِعُ عنه، ويرجِعُ إلى
الإِسلام حتى يموتَ عليه. واللهُ عَزَّ وجَلَّ نسألُه التوفيقَ.
-١٣٧-
کتاب الإیمان
٢٠ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله﴾ فى جوابه
من سأله عن ذوي المكارم في الجاهلية ممن لم يُدْرِك
الإسلام
١٠٤- حدَّثْنا أبو أُمَيَّةَ، حدثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، حدثنا
حفصُ بنُ غياثٍ، عن داودَ - وهو ابنُ أبي هند -، عن الشعبيّ، عن
مسروق، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قُلْتُ: يا رسولَ الله إنَّ ابنَ
جُدْعَانَ في الْجَاهِلَّةِ كان يَصِلُ الرَّحِمَ ويُطْعِمُ المِسْكِينَ، فَهَلْ ذلك نافِعُه؟
قال: ((لا يا عائشةُ، إنّه لم يَقُلْ: رَبِّ اغْفِر لي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (١)
١٠٥- وحدَّتنا محمدُ بنُ علي بن داود، حدثنا عفانُ بنُ مسلم،
حدثنا عبدُ الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي سفيانَ، عن عُبَيْدِ بنِ
عُميرِ، عن عائشة مثلَه، غيرَ أنه لم يَقُلْ فيه: يا عائشة، وقال فيه زيادة
(١) إسناده صحيح وهو فى صحيح مسلم (٢١٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة
بهذا الإسناد. وابن جدعان: هو عبد الله بن جدعان التيمي القرشي أحدُ أجوادٍ
العرب المشهورين في الجاهلية، وكان يُسمى "حاسي الذهب" لأنه كان يشرب في
إناء من الذهب، وذكر رسولُ الله ◌ِ﴿ أنه شَهِدَ في دارِه حلف الفضول. وكان عبدُ
الله ابنَ عم أبي بكر الصديق.
والحديث رواه مسلم (٢١٤) في الإيمان - باب الدليل على أنّ مَن مات على
الكفر لا ينفعه عمل. والإمام أحمد ٩٣/٦ و١٢٠، وإسحاق بن راهوية في "مسند
عائشة" (١٠٨٩) و(١٠٩٠)، وأبو يعلى (٤٦٧٢)، وابن حبان (٣٣٠) و(٣٣١)،
وابن منده في "الإيمان" (٩٦٩)، وأبو عوانة ١٠٠/١، والحاكم ٤٠٥/٢.
-١٣٨-
كتاب الإيمان
على ما في حديث أبي أمية: (ويَقُكُّ العَاني)).
١٠٦ - وحدثنا ابنُ أبي داود، حدثنا عيسى بنُ إبراهيم، حدثنا
عبدُ الواحد، ثم ذكر بإسناده مثله.
١٠٧ - وحدثنا ابنُ أبي داود، حدثنا محمدُ بنُ المِنهال، حدثنا
يزيدُ بنُ زريع، حدَّثْنَا عُمارَة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن عائشة
رضيَ الله عنها، قالت: قلتُ: يا رسول الله، أخبرني عن ابنٍ عمتيّ ابن
جُدعان، قال: فقال رسولُ اللهِمَ﴿: «ما كانَ؟)) قلتُ: كان يَنْحَرُ
الكَوْمَاءَ، وكان يَجْلُبُ على الماءِ، وكان يُكْرِمُ الْجَار، وكان يَقْرِي
الضَّيفَ، وكان يَصْدُقُ الحَديثَ، وكان يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُوفِي بالذُمَّةِ،
ويَفُكُّ العَانِي، وَيُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَيُؤدِّي الأَمَانَةَ، قال: ((هَلْ قال يوماً
واحداً: اللهم إني أَعُوذُ بكَ مِنْ نَارِ جَهَنَّم؟ )) قلتُ: ما كان يَدْرِي ما
نارُ جهنم، قال: ((فلا إذاً).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ مِن جوابٍ رسول الله (8*
عائشة في ابنِ جُدعان لما سَأَنْهُ عَنْهُ، وَوَصَفَتْ له مِن أَحْوالِهِ التي كان
عليها في الجاهِلَيَّةِ ما وصفته له، ومن جوابه لها في ذلك أن ذلك غيرُ
نافِعه ولم يَزِدْهَا على ذلك شيئاً.
١٠٨- وحدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حدثنا وهبُ بنُ جرير، أنبأنا
شُعبة، عن سماك بن حرب، عن مُرَيٍّ بنِ قَطَري رجلٍ من بني تُعلَ، عن
عدي بن حاتم، قال: قلتُ: يا رسولَ الله إنَّ أبي كان يَفَعَلُ كذا وكذا
- ١٣٩ -
کتاب الإیمان
ويَصِلُ الرَّحِمَ، قال: ((إِنَّ أَبَاكَ أَرادَ أَمراً فَأَدْرَكَهُ))(١).
١٠٩- وحدَّثنا إبراهيمُ، حدثنا أبو حُذيفة، حدثنا سفيانُ، عن
سماكٍ، عن مُرَيّ، عن عدي بن حاتم، قال: قلتُ النبيِّل/®: إن أبي كان
يُطْعِمُ المساكينَ، ويَعْتِقُ الرِّقابَ، فهل لَّهُ في ذلك مِن أجرٍ؟ قال: ((فإِنَّ
أباك كان يَلْتَمِسُ أمراً، فأصابه)).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ مِن جوابِ رسولِ الله:﴿ عدياً
لما سأله عن أبيه، ووصفه له ما وصفه له من الأحوال التي كان عليها،
ومِن جوابِ رسولِ الله ## له عندَ ذلك بما ذكر من جوابه أَّاه له في
هذا الحديث وأن الذي كان من أبيه إنما كان لِمعنىًّ قد بلغه، ولم
يتجاوزْ به رسولُ الله ◌ُ/ عن ذلك.
١١٠- وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حدثنا أبو عاصمٍ، عن أبي
نعامة، عن عبد العزيز، رجلٌ مِن بني ضََّّةَ، عن سلمانَ بنِ عامر أنَّه أتى
النبيَّ ◌َ﴿ فقال: إنَّ أبي كان يقري الضيفَ، ويفعل ويفعل، وإنه مات
قَبْلَ الإِسلام، قال: (لَنْ يَنْفَعَهُ ذلك))، فلما ولَّى، قال: ((عليَّ بالشيخ)،
فلما جاءَ، قال: (إِنَّ ذلك لَنْ يَنْفَعَهُ، ولكن في عَقِبِهِ أنهم لن يَفْتَقِرُوا،
(١) في إسناده مري بن قطري لم يوثقه غيرُ ابن حبان، وقال الذهبي: لا يُعرف،
تفرد عنه سماك بن حرب، وقال الحافظ: مقبول ورواه مطولاً ومختصراً الطيالسي
(١٠٣٤)، وأحمد ٢٥٨/٤ و٣٧٧ و٣٧٩، وابن حبان (٣٣٢)، والطبراني
٢٥٠/١٧، والبيهقي ٢٧٩/٧ من طرق عن شعبة، بهذا الإسناد.
-١٤٠-