النص المفهرس
صفحات 41-60
مقدمة الإمام الطحاوي
وما قد حَدَّثَنَا الحسينُ أيضاً، حَدَّثْنَا شَبَابَةُ بنُ سَوَّارِ، أخبرَنا
المسعوديُّ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن ابنِ مسعودٍ قال:
عَلَّمَنَا رسولُ الله صلَّى الله عَلَيه وسلَّم، ثم ذكرَ نحوَهُ.
وما قد حَدَّثْنَا يزيدُ بن سِنَان بن يزيدَ البصريُّ أبو خالد،
حَدَّثْنَا بشر بنُ عمرَ الزَّهرانيُّ، ومحمدُ بنُ كَثِيرِ العَبْدِيُّ، قالا: حَدَّثَنَا
شُعبة، عن أبي إسحاقَ، عنْ أبي عُبيدة، عنْ عبدِ اللهِ قال: كان النبي
عليه السَّلامُ يُعَلّمنا خُطبة الحاجة، ثم ذكر هذا الكلامَ بعينه(١).
وزاد بشر: قال شعبة: وقد أخبرنا أبو إسحاقَ، عنْ أبيٍ
الأحوصِ، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بهذا الحديث، وأن هذا حديث
أبي عُبيدَة.
قال أبو جعفر: فكان هذا الذي وجدْنَاه عنْ رسول الله صلَّى
الله علَّيه وسلَّم في هذا المعنى من حديث ابن مسعود.
وقد رُوِيَّ عنِ ابنِ عباس مما يدخلُ في هذا المعنى أيضاً:
ما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عليّ بنِ دوادَ، وفَهْدُ بنُ سليمانَ قالا:
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الصَّلتِ الكوفيُّ، حَدَّثْنَا يحيى بنُ زكريا، عَنْ داودَ بنٍ
أبي هندٍ، عن عمرو بنِ سعيدٍ، عَنْ سعيد بن ◌ُبير، عن ابنِ عباسٍ قال:
كُلَّمَ رجل النبيَّ عليه السَّلامُ في حاجةٍ، فأجابه النبيُّ صلَّى الله عَلَّيه
وسلَّم: «إن الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ، فَلاَ مُضِلَّ لَهُ،
(١) تقدم تخريجه، وهو حديث صحيح، وهذا إسناد منقطع؛ أبو عبيدة لم يسمع
من أبيه.
- ٤١-
مقدمة الإمام الطحاوي -
-
ومَنْ يُضْلِلْ، فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنْ لا إله إلاّ اللّهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ
لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُه، أمَّا بَعْدُ»(١).
وقد روي عَنْ نُبَيْطِ بن شَرِيطٍ ما يَدْخُلُ في هذا المعنى أيضاً:
ما حَدَّثَنَا فهدٌ، حَدَّثَنَا أبو غسانَ النَّهدِيُّ، حَدَّثَنَا موسى بنُ
محمدٍ الأنصاريُّ، حَدَّثَنَا أبو مالكِ الأشْجِعِيُّ، عن نُبَيْطِ بنِ شَرِيط قال:
كنت رديفَ أبي على عَجُزِ الرَّاحِلةِ، والنبي صلَّى الله عليه وسلَّم يخطب
عِنْدَ جمرة العَقَبَةِ، وهو يقول: «الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، وأشهد
أن لا إله إلا الله، وأني عبده ورسوله»، ثم قال: «أوصيكم بتقوى
الله»(٢).
ثم قال: فمما أنا ذاكرُهُ منَ الأبوابِ الَّتي أَنَّا مجري كتابي هذا على
مِثْلِه إنْ شاء الله:
(١) إسناده صحيح، ورواه مطولاً بقصة إسلام ضماد: مسلم (٨٦٨)، والنسائي
٨٩/٦، وابن ماجه (١٨٩٣)، وأحمد ٣٠٢/١ و٣٥٠ والبيهقي ٢١٤/٣ من طرق،
عن داود بن أبي هند، بهذا الإسناد.
(٢) موسى بن محمد الأنصاري: منكر الحديث، كما في «التقريب».
ورواه البيهقي ٢١٥/٣ من طريق عباس بن محمد الدُّوري، عن أبي غسان مالك
بنِ إسماعيل، بهذا الإسناد.
وقد روى هذا الحديث دون ذكر هذه الخطبة، وإنما فيه قوله # «فإن دمائكم
وأموالكم عليكم حرام ... الحديث رواه أحمد ٣٠٥/٤، وابن أبي عاصم في الآحاد
والمثاني (١٢٩٨) والنسائي في الكبرى (تحفة ٧/٩) من طريقين عن أبي مالك، به.
- ٤٢-
کتاب الإیمان
كتاب الإيمان
- ٤٣ -
كتاب الإيمان
موضوعات كتاب الإيمان
الفطرة وحديث كل مولود يولد على الفطرة
٤٥
خلق العباد حنفاء
٤٥
القدر .
٥٩
الإيمان موجب لدخول الجنة
٧٣
مؤمن أهل الكتاب يؤتى أجره مرتين
٨٣
من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بعمل الجاهلية
٨٨
سباب المسلم وقتاله ورميه بالكفر
٩٧
النطق بالشهادة يحفظ الدماء.
١١٧
من بدل دينه فاقتلوه.
١٣٣
حكم ذوي المكارم في الجاهلية ولم يدركوا الإسلام
١٣٨
الاستغفار للمشركين
١٤٨
الرجل الذي أوصى بحرقه بعد موته
١٥٧
من صفات المؤمن
١٦٨
معنى ماورد من قول النبي ((ليس منا))
١٨٢
معنى إن الله لايمل حتى تملوا
٢١٤
الشؤم والغول والطيرة
٢١٨
-٤٤-
كتاب الإيمان
١ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِي عَن رسولِ اللهِ﴾ من قولِهِ: ((كلُّ
مولودٍ يُولَدُ علی الفِطْرَةِ» ممَّ یَنْفَرِهُ به بعضُ رواتِهِ بأنَّه قالَ:
((فما يزالُ عليها حتى يُعْرِبَ عنه لسانُه، فأَبَواهُ یُهَوِّدانِهِ
ویُنصِّرانِه ويُشْرَّکانِهِ»
١ - حدثنا يونسُ بن عبدِ الأعلَى، قال: حدثنا ابنُ وهبٍ، قال:
أخبرني يونسُ بن يزيدَ، عن ابن شهابٍ، أن أبا سلمةَ بنَ عبد الرحمن
أخبرهُ أنَّ أبا هريرةَ قالَ: قال رسولُ اللهِ ﴿: «مَا مِنْ مَولودٍ إلاّ يُولَدُ
على الفِطْرَةِ)، ثم يقولُ: (اقرَؤوا ﴿فِطْرَة الَّهِالتِي فَطَرَالَّسَ عَلَا لاَتَبدِيلَ لِخَلْقِ
اللّهِ ذلكَ الدينِ الْقَيْمُ﴾))(١) [الروم: ٣٠].
(١) حديث صحيح، روي عن أبي هريرة رضي الله عنه من عشر طرق:
الأول: الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به:
رواه البخاري (١٣٥٩) في الجنائز - باب إذا أُسلم الصبيُّ فماتَ، هل يصلى
عليه؟ وهل يُعرَضُ على الصبي الإسلام؟، و(١٣٨٥) في الجنائز - باب ما قيل في أولاد
المشركين، و(٤٧٧٥) في تفسير سورة الروم - باب ﴿لا تبديل لخلق الله﴾، ومسلم
(٢٦٥٨) في القدر - باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت الأطفال
الكفار وأطفال المسلمين. ورواه الطحاوي في " شرح معاني الآثار" ١٦٢/٢، وابن
بطة في "الإبانة " - كتاب القَدَر ٧٠/٢ (١٤٧٩).
الثاني: أبو الزناد، عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة:
رواه مسلم (٢٦٥٨) الموضع السابق، والإمام مالك (٩٩٥ رواية أبي مصعب)،
وأبو داود (٤٧١٤) في السنة - باب في ذراري المشركين. والحميدي (١١١١) و
- ٤٥-
كتاب الإيمان
(١١١٣), والإمام أحمد ٢٤٤/٢ و٤٦٤. وأبو حنيفة في المسند (٥)، وأبو يعلى
(٦٣٠٦)، وابن حبان (١٣٣)، وابن بطة ٦٩/٢ (١٤٧٨)
وهذه الرواية فيها: قالوا يا رسول الله أرأيتَ الذي يموتُ وهُوَ صغيرٌ؟ قال: الله
أعلمُ بِما كانوا عاملين. وبعض الروايات مختصر على هذا.
الثالث: الزهري، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة:
رواه مسلم (٢٦٥٨) الموضع السابق، وعبد الرزاق (٢٠٠٨٧)، والإمام
أحمد ٢٣٣/٢، وابن حيان (١٣٠).
الرابع: طاوس عن أبي هريرة:
رواه النسائي ٥٨/٤ في الجنائز - باب أولاد المشركين (مختصراً) والحميدي
(١١١٣)، والإمام أحمد ٢٨٢/٢ و٣٤٦. وفيه أنه﴿ سُئل عن أولاد المشركين
فقال: اللهُ أعلَم بِما كانوا عاملين. ورواية النسائي مقتصرة عليه.
الخامس: عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة:
رواه البخاري (٦٥٩٩) في القدر - باب الله أعلم بما كانوا عاملين. ومسلم
(٢٦٥٨) الموضع السابق، والإمام أحمد ٣١٥/٢، والبغوي ١٥٤/١ (٨٤). وفي
"معالم التنزيل" ٢٦٩/٦ وفيه أيضا: قالوا: يا رسولَ الله أفرأيتَ مَنْ يموتُ وهو صغير؟
قال: الله أعلم بما كانوا عاملين.
السادس: عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي هريرة:
رواه مسلم (٢٦٥٨) الموضع السابق، وفيه: " .. كلُّ إنسانٍ تلده أمُّه يلكزُه
%
الشيطان في حضنيه إلّ مريم وابتها".
السابع: الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة:
رواه أبو يعلى (٦٣٩٤) وابن حبان (١٢٨)، والذهلي في "الزهريات" كما ذكره
ابن حجر في الفتح ٢٤٨/٣.
الثامن: رواه البخاري (١٣٥٨) في الجنائز - باب إذا أسلم الصبي فماتَ هل
-٤٦-
كتاب الإيمان
٢- حدثنا الربيعُ بن سليمانَ الجيزيُّ، قال: حدثنا أسدُ بنُ
موسى، قال: حدثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن الزهريِّ، عن أبي سلمةَ عن أبي
هريرةَ: قال: قال رسولُ اللهَ﴿: ((كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطْرَةِ، فَأَبَواهُ
يُهَوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِه أو يُمَجسانِهِ، كمثلِ البهيمةِ تُنْتَجُ البهيمةَ، هل
یکونُ فیھا جَدْعاءُ))(١).
٣- حدثنا محمدُ بنُ خُزيمةَ، قال: حدثنا معلَّى بنُ أسدٍ، قال:
حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختارِ، عن سهيلِ بنِ أبي صالحٍ، عن أبيهِ، عن
أبي هُريرةَ، عن النبيِّمَ﴾، قالَ: ((كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطْرَةِ، فَأَبَواءُ
يُهَوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِه أو يُشَرِّكَانِهِ أو يُمَجِّسانِهِ وَيُكَفَرانِهِ)) قيلَ: يا
يُصليَّ عليه؟ وسياق روايته هكذا: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب: قال ابن شهاب:
يُصلَّى على كل مولود .. إلى أن قال: فإن أبا هريرة رضي الله عنه كان يُحدِّث ..
الحديث. وقد تقدم في الطريق الأولى رواية الزهري عن أبي سلمة، وفي الثالث روايته
عن سعد بن المسيب. قال الحافظ في الفتح ٢٤٨/٣٣: "وقد تقدم أيضا من طريق
شعيب عن الزهري عن أبي هريرة دون واسطة، وصنيع البخاري يقتضي ترجيح
طريق أبي سلمة، وصنيع مسلم يقتضي تصحيح القولين وبذلك جزم الهذلي [يعني في
الزهريات].
وانظر أيضا الطريق السابع، ولا يمنع أن يسمعه الزهري من الثلاثة.
التاسع: سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة: رواه أبو يعلى (٦٥٩٣)
العاشر: أبو صالح عن أبي هريرة، وسيأتي بعد التعليق التالي.
(١) أي أنّ البهيمةَ تنتجُ بهيمةً سليمة، والجدعاء: مقطوعة الأذن، وتغييرهم لفطرة
الإسلام مثل تغييرهم البهيمة السليمة، وفيه إيماء إلى صمم الكفار عن سماع الحق.
-٤٧ -
کتاب الإیمان
رسولَ الله: الذي يموتُ حينَ يُولَدُ؟ قال: (الله أعلمُ بما كانُوا
عامِلینَ))(١)
قال أبو جعفرٍ: فكل ما روينا من هذه، فمرجعُهُ إلى أبي هريرةً.
٤- وقد حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا عمرو بنُ الربيعِ بنِ
طارق الهلاليُّ، قال: حدثنا السَّرِيُّ بنُ يحيى، عن الحسنِ، قال: حدث
الأسودُ بنُ سريعٍ وكان أوَّلَ مَنْ قَصَّ في هذا المسجدِ قال: غزوتُ مع
رسولِ الله ﴿ أربعَ غَزَواتٍ، فتناولَ أصحابُهُ الذُّرِّيَّةَ بعدما قَتَلُوا المقاتِلَة،
فبلَغَ ذلكَ رسولُ اللهِ ﴿، فاشتدَّ ذلكَ عليه، فقالَ: (ألا ما بالُ أقوامٍ
قَتَلوا المقاتِلَةَ، ثم تناولوا الذُّرِّيَّةَ) فقال رجلٌ: يا رسولَ الله أليسُوا أبناءَ
المشركينَ، فقالَ رسولُ الله ◌َ﴿ه: ((إنَّ أخيارَكُم أبناءُ المشركينَ، أما إنَّه
ليستْ تُولَدُ نسمةٌ إلا وُلِدَتْ على الفطرة، فما يزالُ عليها حتّى يَبينَ
عنها لِسانُها، فَأَبَواها يُهوِّدانِها أو يُنَصِّرانها) (٢).
(١) هذا هو الطريق العاشر للحديث السابق، وهي رواية أبي صالح عن أبي
هريرة رضي الله عنه:
رواه مسلم (٢٦٥٨) في القدر - باب معنى كل مولود يولد على الفطرة.
والترمذي (٢١٣٨) في القدر - باب ما جاءَ كلُّ مولود يولد على الفطرة. والإمام
أحمد ٢٥٣/٢ و٤١٠ و٤٨١، وابن حبان (١٢٩) واليغوى (٨٥).
(٢) إسناده ثقات، إلا أنه من رواية الحسن عن الأسود، وفي سماعه منه خلاف إلا
إنه صرَّح بالتحديث في الرواية التالية (٦) وكذا عند البخاري في التاريخ الكبير
٤٤٥/١، وانظر التعليق على ترجمة الأسود بن سريع في تهذيب الكمال ٢٢٣/٣.
والحديث رواه الإمام أحمد ٤٣٥/٣ و٢٤/٤، والدارمي (٢٤٦٦)، وعبد الرزاق
-٤٨-
کتاب الإیمان
٥- حدثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني السريُّ
بن یحیی، ثم ذکر بإسناده مثله.
قال أبو جعفر: غير أنَّا لما تأملنا هذا الحديثَ وجدنا فيهِ، قالَ:
حدَّث الأسودُ بنُ سريعٍ، قال: كنّا في غزاةٍ لنا، فَأَصَبْنا وقتلْنا في
المشركينَ حتى بَلَغَ بهمُ القتلُ إلى أنْ يَقْتُلُوا الذُّرِّيَّةَ، فبلَغَ ذلك رسولَ الله
﴿ فقالَ: «ما بالُ أقوامٍ بلغَ بِهِمُ القَتْلُ إلى أن قَتَلوا الذُّرِّيَّةَ، ألا لا
تَقْتُلُنَّ ذُرِّيَّةً، ألا لا تَقْتُلُنَّ ذُرِّيَّةً)) قِيلَ: لِمَ يَا رَسَولَ الله؟ أليسُوا أولادَ
المشركين؟ قالَ: (أَوَلَيسَ أخيارُكُم أولادَ المشركينَ)).
٦- حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمُ بن يونسَ، قال: حدثنا حسينُ بنُ
يونسَ الزَّيَّاتُ - قال أبو جعفرٍ: وهو الكوميُّ وهو مشهورٌ ثِقَةٌ، وحدَّثنا
محمد بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ، قال: حدثنا الأشعثُ، عن الحسن، أنَّ
الأسودَ بنَ سريعٍ حدَّثَّهم أنَّ رسولَ الله ﴿ بعثَ جَيْشاً، فأَفْرَطوا في
قتلِ المشركينَ حتَّى تَنَاوِلُوا الذُّرِّيَّةَ، فقال النِيُّ:﴿: «ما بالُ أقوامٍ أفرطوا
في القَتْلِ حتَّى تناولُوا الذُّرِّيَّةَ، فقالوا: يا رسولَ الله أَوَلِيسُوا أولادَ
المشركين؟ فقالَ البِيُّ ﴿: ((أوليسَ خِيارُكُم أولادَ المشركينَ))؟.
فإنَ لَنَا بهذين الحديثينِ أنَّ الحسنَ حدَّثَ بما فيهما، وبِمَا في
(٢٠٠٩٠)، وابن أبي شيبة ٣٨٦/١٢، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"
(١١٦٠) و(١١٦١) و(١١٦٢)، وابن حبان (١٣٢)، والطبراني في "المعجم الكبير"
٨٢٦/١) إلى (٨٣٥) وفي "الأوسط" (١٩٨٤) و(٤٩٤١)، وابن بطة في الإبانة
كتاب القدر ٧٠/٢ (١٤٨٠)، والحاكم ١٣/٢، والبيهقي ٧٧/٩ و١٣٠.
-٤٩-
کتاب الإیمان
الحديثِ الذي قبلَهُما من حديثِ الأسودِ؛ عن الأسودِ سماعاً.
٧- وقد حدثنا الهرويُّ محمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ، قال: حدثنا آدمُ بنُ
أبي إياسٍ، قال: حدثنا شيبانُ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن الأسودِ، عن
رسول الله :﴿ قَالَ: ((كلُّ نَسَمَةٍ تُولَدُ على الفِطْرَةِ حتى يُعرِبَ عنها
لِسانُها، فَأَبَواها يُهوِّدَانها ويُنَصِّرانِها)).
قال أبو جعفرٍ: فتأملنا ما قيلَ في تأويلِ هذا الحديثِ.
فوجدنا عليَّ بنَ عبدِ العزيز قد أجازَ لنا عن أبي عُبيدِ القاسمَ بنِ
سلام، قال: سألتُ محمدَ بنَ الحسن، عن تفسير هذا الحديث - يعني
حديث أبي هريرةَ الذي ذكرنَاهُ في أَوَّل هذا البابِ - فقالَ: كانَ ذلك
في أوَّل الإسلامِ قبلَ أن تَنْزِلَ الفرائضُ، وقبلَ أن يؤمرَ المسلمونَ
بالجهادِ(١).
قال أبو عبيدٍ: كأَنَّهُ يذهبُ إلى أَنَّه لو كانَ يُولَدُ على الفطرةِ ثمَّ
ماتَ قبلَ أن يُهوِّدَهُ أبواه أو يُنصِّرانِه ما وَرِثاهُ، لأَنه مسلمٌ وهما
كافِرَانِ، ولما جازَ مع ذلكَ أن يُسبَى، فلما نزَلَتِ الفرائضُ وجرت
السُّنَنُ بخلافٍ ذلك، دلَّ على أنَّه مولودٌ علی دینِهما.
قال أبو عبيدٍ: وأمَّا عبدُ الله بنُ المبارك، فبلغَني أنّهُ سُئِلَ عن
(١) هذا تأويل لا يستقيم لأَنّ الحديث جاء بصيغة الإخبار وهو لا يقبل النسخ،
ولا يُساغ أن يُحْمَل الحديث على أنّه مِن الأحكام، وانظر حديث عياض بن حمار
في الباب التالي. قال ابن حجر في الفتح ٢٤٩/٣: والحق أنّ الحديث سيق لبيان ما هو
في نفس الأمر، لا لبيان الأحكام في الدنيا.
- ٥٠-
کتاب الإیمان
تأويلِهِ، فقال: تأويلُهُ الحديثُ الآخرُ أنَّ النِيَّلَ﴿ْ سُئِلَ عن أطفالِ
المشركينَ، فقالَ: (الله أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ)) يذهبُ إلى أَنَّهم يولَدُون
على ما يَصيرُون إليهِ من إسلامٍ أو كفرٍ، فمنْ كانَ في علمِ الله عز وجل
أَنَّه يصيرُ مُسلِماً، فإنَّه يولدُ على الفطرةِ، ومنْ كانَ علمُه فيه أنَّ يصيرُ
كافِراً يموت كافراً. (١)
قال أبو عبيدٍ: وأحدُ التفسيرينِ قريبٌ من الآخر(٢).
(١) قال الحافظ في الفتح تعقيبا على هذا القول: "وتعقب بأنّه لو كان كذلك لم
يكن لقوله: (فأبواه يهودانه .. الخ) معنَّى لأنهما فَعَلا به ما هو الفِطرة التي وُلِد عليها،
فيتنافى في التمثيل بحال البهيمة.
(٢) غريب الحديث ٢١/٢ لأبي عبيد، وردّه ابن قتيبة في "إصلاح غلط أبي عبيد
في غريب الحديث"، لكنه فَسَّرَ الفِطرة بأنّها العهد الذي أخذه اللهُ على بني آدم في
أصلاب آبائهم، وذكر فيه قولا لحماد بن سلمة، ورَوَىَ هذا القول ابن بطة في الإبانة
(١٤٨١) ووافقه، وهو قول أبي يعلى كما ذكره الحافظ في الفتح، وابن القيم في
شفاء العليل. وجمهور أهل العلم وعامة السلف أنّ المراد بالفطرة: الإسلام، كما نقل
ذلك ابن عبد البر في التمهيد والقرطبي في التفسير وابن حجر في الفتح، وممن قال به:
أبو هريرة، وابن عباس، وقتادة ومجاهد، وعكرمة، والزهري، والحسن، وإبراهيم
النخعي، والضحاك، والإمام البخاري، والإمام أحمد، قال الإمام البخاري في صحيحه
- كتاب التفسير - سورة الروم باب "لا تبديل لخلق الله" والفطرة: الإسلام.
نقل الحافظ ابن حجر في الفتح ٢٥٠/٣ عن ابن القيم قال: "سبب اختلاف
العلماء في معنى الفِطرة في هذا الحديث أنَّ القدرية كانوا يحتجون به على أنَّ الكُفر
والمعصية ليسا بقضاء الله بل مما ابتدأُ النّاسُ إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم
بتأويل الفطرة على غير معنى الإِسلام، ولا حاجة لذلك، لأن الآثار المنقولة عن
- ٥١-
کتاب الإیمان
قال أبو جعفر: فتأملنا ما قد ذكرناهُ عن محمدِ بنِ الحسنِ مما جَنَحَ
إليهِ أبو عبيدٍ، فوجدنا في حديثِ الأسودِ بنِ سريعِ الذي روينَاهُ مَّا قد
دَفَعَ ذلكَ، لأَنَّ محمداً أخبَرَ أنَّ ذَلَكَ القولَ قبلَ أن يُفْتَرَضَ الجهادُ، وفي
حديثِ الأسودِ أَنَّه كان في غزوةٍ من غَزَواتِ رسولِ اللهِ ﴿ التي هِي
الجهادُ، ثُمَّ لَّا اختَلَفُوا في معنى هذا الحديثِ على ما قد ذكرنَا وقالُوا في
تأويلِهِ ما قد وصفنَا بعدَ جعلنا إِيَّاهُ كلَّه حديثاً واحداً، وأثبتْنا فيه قولَه
﴿: ((فما يزالُ عليها حتَّى يُعربَ عنهُ لِسانُهُ) اعتبرنا ما جاءَ من ذكرٍ
الفطرةِ في كتابِ الله عزَّ وجلَّ، فوجدنَا الله عزَّ وجلَّ قد قالَ في كتابِهِ:
﴿الْحَمْدُ للهِفَاطِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] أَيْ: خالق السماواتِ
والأرضِ. وكذلكَ حدثنا وَلَدُ النِّحويُّ، عن المَصَادِريِّ، عن أبي
عُبیدةً.
وقال عزَّ وجلَّ فيه أيضاً: ﴿وَمَالِي ◌َ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرني﴾ [يس: ٢٢]،
أي الذي خَلقَني، وقال عزّ وجل: ﴿فِطْرَةَ اللهِالتّي فَطَرَ النَّاسَ عليها﴾ [الروم:
٣٠]، أي: ملَّةَ الله التي خَلَقَ الناسَ عليها(١). وكذلك أيضاً حدثنا ولاَّدٌ
السلف تدل على أنهم لم يفهموا مِنْ لفطِ الفِطرةٍ إلاّ الإسلام، ولا يلزم مِن حملِها
على ذلك موافقة مذهب القَدَرية لأنه قوله: (فأبواه يهودانه الخ) محمول على أنَّ ذلك
يقع بتقدير الله تعالى، ومِنْ ثَمَّ احتج عليهم مالك بقوله في آخر الحديث (الله أعلم بما
كانوا عاملين) " أ.هـ.
(١) تقدم بيان أنّ الفطرة في الحديث هي الإسلام، ولو كانت كما ذُكِر هنا لما
احتاج إلى قوله: فأبواه يهودانه ..
-٥٢-
كتاب الإيمان
النَّحْوِيُّ، عن الْمَصَادِريِّ، عن أبي عُبيدةً في أشياءَ من هذه المعاني.
وكانت الفِطْرَةُ فِطرَتَينِ: فِطرةُ يُرادُ بها الخِلقة التي لا تَعُّدَ معها،
وفطرةً مَعَها التعبُّدُ المستَحِقُّ بفعلِهِ الثوابَ والمستوجبُ بتركِهِ العِقابَ،
وكان قولُهُ ﴿: ((كلُّ مولودٍ يُولدُ على الفِطرةِ)) يريدُ الفطرةَ المتعبد
أهلُها المثابُونَ والُعاقبُون، فكان أهلُها الذين هم كذلك ما كانُوا غيرَ
بالغينَ ممن خُلِقَ للعبادَةِ كما قال عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَإلاَ
لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦] وإن كانُوا قبلَ بلوغِهم مرفُوعاً عنهم الثوابُ
سے
والعقابُ غيرَ أَنَّهم إذا عَبَّرَتْ عنهم ألسنتُهم بشيءٍ من إيمانٍ أو من كفرٍ
كانُوا من أهلِهِ، وإنْ كانُوا غيرَ مُثابينَ على محمودِهِ، وغيرَ معاقَبِينَ على
مذمومِهِ، كما قالَ:﴿ فما يزالُ عليها حتى يُعْربَ عنه لسانُهُ)) ولذلك
قَبلَ ﴿ إسلامَ من لم يبلُغْ، وأدخَلَهُ فِي جمَلَةِ المسلمينَ، وفي ذلكَ ما
يوجبُ خروجَ من كانَ من المسلمينَ بالرِّدَّةِ في تلكَ الحالِ من الإسلامِ
حتّى يستحِقَّ بذلكَ المنعَ من الميراثِ من أَبَوَيْهِ المسلِمَّيْنِ، وقالِ﴿ّ:
((فأبواهُ يُهوِّدانِهِ أو يُنَصِّرَانِه أو يُشَرِّكانِهِ) أي: بتهويدِهما أو
بنصرانِيَّتِهما أو بشركِهِما، فيكونُ سَبْياً إنْ كانَ أبواه حَرْبيين، ومأخوذاً
بعدَ بلوغه عاقلاً بالجزيةِ إنْ كان أبواهُ ذِمِّيَّين. فهذا عندنا تأويلُ ما قد
رويناهُ. والله نسألُهُ التوفيقَ.
- ٥٣-
كتاب الإيمان
٢- بابُ بيان مشكل ما رواه عياض بن حمارٍ، عن النبي { أنّه
قال: ((إنَّ الله عز وجلَّ قال: إنِّي خلقتُ عبادي حُنفاء كُلّهم،
وإنّه أتتهم الشياطين فاجْتالَتْهُمْ عن دينهم، فَحَرَّمَتْ عليهم ما
أحللتُ لهم، وأُمَرتُهُمْ أن يُشر کوا بي ما لم أُنزِّلْ علیھم به
سُلطاناً)).
٨- حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدَّثنا عُمَرُ بنُ عِمران
السَّدوسي، قال: حدثنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ، عن قتادة، عن مُطَرِّفِ بنِ
عبدِ الله بن الشِّخِيرِ، عن عياض بن حمار أنّه سَمعَ رسولَ اللهِوَ﴿
يقولُ في خطبته:
((إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ أَمَرَني أَن أُعلِّمكم ما جَهِلْتُم من دينكم
يَوْمَكُم هذا، وإنَّ كُلَّ مالِ نَحَلْتُهُ عَبْدِي، فَهُوَ له حَلَاَلٌ، وإنّي خَلَقْتُ
عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وإِنَّه أَتتهم الشَّيَاطِينُ، فاجتالتهم عن دينهم،
فَحَرَّمَتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأَمَرَتْهُم أن يُشرِكوا بي ما لم أُنَزِّلْ به
عليهم سُلْطانا)(١).
٩- وحدثنا مالك بنُ يحيى الهَمْدَاني، قال: حدثنا عبدُ الوهّاب
(١) في إستاده عُمر بن عمران: مجهول، لكن رواه بطرق أخرى صحيحة كما
سيأتي، وهو في صحيح مسلم.
فاجتالتهم: أي استخفوهم فذهبوا بهم، وأزالوهم عما كانوا عليه وجالوا معهم في
الباطل.
- ٥٤-
کتاب الإیمان
بنُ عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، ثم ذكر بإسنادهِ مثلَه.
١٠- وحدثنا يزيدُ بنُ سِنان، وإبراهيمُ بن أبي داود جميعاً، قالا:
حدَّتْنا أبو عمر الحَوْضِيُّ، قال: حدثنا همَّامُ بنُ يحيى (ح)، وكما حدَّثَنَا
يزيد وأحمدُ بن داود، قالا: حدثنا هُدْبَةُ بنُ خالدٍ، قال: حدثنا همَّام،
ثم اجتمعوا جميعاً، فقالُوا: حدثنا قتادةُ، قال: حدثني العلاءُ بنُ زياد
ويزيد أخو مُطَرِّفٍ، ورجلان آخران نسي هَمَّامٌ أسماءَهما، أن مطرفاً
حدثهم، أن عياض بن حمارِ حدَّثْه أنه سَمِعَ رسولَ الله ◌ُ﴿: يقول في
خطبته، ثم ذكروا مثلَه(١).
١١- وحدثنا أحمدُ بنُ داود، قال: حدثنا عليُّ بنُ عبد الله بن
هارون، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبي - قال أبو جعفر: وأبو أبيه
(١) هذا الحديث رواه مسلم (٢٨٦٥) في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها-
باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار. وابن ماجة (٤١٧٩) في
الزهد- باب البراءة من الكبر (مختصرًا). والبخاري في "خلق أفعال العباد" (٤٨)،
والنسائي في "فضائل القرآن" (٩٥) و(٩٦) والإمام أحمد ١٦٢/٤ و٢٦٦،
والطيالسي (١٠٧٩)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١١٩٦) مختصراً، وعبد
الرزاق (٢٠٠٨٨)، والطبراني ١٧/ (٩٨٧) و(٩٩٢) إلى (٩٩٧) و (١٠٠٠ -
مختصراً) وكل الروايات من طريق مطرف عن عياض؛ عدا رواية الطبراني (٩٩٧)
فهي من رواية عبد الرحمن بن عائذ عن عياض.
وأكثر الروايات مطولة؛ بأطول من حديث (١١) هنا مع بعض الاختلاف في
السياق أو الألفاظ ولمزيد من الفائدة راجع الحديث بطوله في مسلم. وسيأتي برقم
(٥١).
- ٥٥-
کتاب الإیمان
هذا: هارونُ بن أبي عيسى قد روى عن محمد بن إسحاق، قال:
وحدثني ثورُ بنُ يزيد، عن يحيى بن جابر، عن عبد الرحمن بن عائذ
الأزديِّ - قال: وكان عبدُ الرحمن مِن حملة العلمِ يَطْلُبُه مِن أصحاب
رسول الله ﴿ وأصحابِ أصحابه - أنه حدثه، عن عياض بن حمارٍ
المجاشعي أن رسولَ اللهِ ﴿ قال للناس يوماً: ((ألا أُحدِّثُكم بما حَدَّثَني الله
عز وجلَّ في الكتاب؟ إنَّ الله عَزَّ وجَلَّ خلقَ آدمَ وبنيه حُنَفَاء
مسلمين، وأعطاهم المالَ حلالاً لا حرامَ فيه، فمن شَاءَ اقتنى، ومن
شَاءَ احْتَرَثَ، فجعلوا مما أعطاهُمُ الله عز وجل حلالاً وحراماً،
وعَبَدُوا الطواغيتَ، فأمرني الله عز وجل أن آتِيَهُمْ فَأُبَيِّنَ لهم الذي
جَبَلَهُمْ عليهِ، فَقُلْتُ لِربي عز وجل أُخَاطِبه: تَتْلَغُ قُريشُ رأسي كما
تُتَلَغُ الخبزةُ(١)، أمر فقال لي: أمْضِهِ أُمْضِكَ، وانفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ،
وقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ، فإني سأجعلُ مع كلِّ جيشٍ عشرةَ
أمثالِهم من الملائكة، ونافخُ في صدورٍ عَدُوِّكَ الرُّغْبَ، ومعطيك كتاباً
لا يَمْحُوه الماءُ (٢) أُذَكَّرُكَهُ نائماً ويقظاناً. فانصروني وقريشٌ هذه،
فإنهم قد دَمَّوْا وجهي، وسلبوني أهلي، وأنا باديهم، فإن أَغْلِْهُمْ
يأتوا ما دعوتُهم إليه طائعين أو كارهين، وإن يغلبوني، فاعلموا أني
(١) تتلغُ قريشٌ رأسي كما تُتلغُ الخبزة: أي يشدخوا رأسي ويشجّوه كما يشدخ
الخبز؛ أي يُكسر.
(٢) كتاباً لا يمحوه الماء: معناه محفوظ في صدور المؤمنين لا يتطرق إليه الذهاب،
بل يبقى على ممر الأزمان.
- ٥٦-
کتاب الإیمان
لست على شيءٍ، ولا أدعوكم إلى شيءٍ).
قال: وقد كان مكحولُ يُضارع حديث عبد الرحمن بن عائذ،
عن عياض بن حمار.
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ لِنَقفَ على المراد بما فيه إن
شاء الله، فوجدنا الحَنَفَ في كلام العرب: هو الميلُ، ومنه قيل لصاحب
القدم المائلة إلى ناحية: أحنف، وكان الجمعُ للحنيف حُتَفَاءَ، فقيل من
أجل ذلك ما قد قيل في هذا الحديث: إنهم مخلوقون حنفاء، أي: مَيَّلاً
إلى ما خُلِقُوا له، وهو ما ذكره الله عز وجل في قوله: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ
والإنسَإِلاَ لَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦]، وكانوا بذلك حُنفاء، وكان في
خلقه إيَّهم أن كتب بعضهم سعيداً، وكتب بعضهم شقياً على ما في
الآثار المذكورة في الباب الذي قبل هذا الباب(١)، وكان الشَّقِيُّ منهم
مَنْ أَطاعَ الشياطينَ فيما دعتْه إليه على ما في حديث عياض هذا،
والسعيدُ مَنْ خالف عليهم، وتَمَسَّك بما خلقه الله عز وجل له من
العبادة له، وترك الميل إلى سواه، وقد رُوي عن عبد الله بن عباس رضي
الله عنهما في تأويل هذه الآية:
١٢- ما قد حدثنا الربيعُ بنُ سليمان الأزديُّ الجيزِيُّ، قال:
حدثنا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ سالمٍ، قال: حدَّثْنا
ابنُ جريجٍ، عن عطاء، عن ابنِ عباس في قوله عز وجل: ﴿ومَا خلقتُ الجنَّ
(١) هو الباب التالي.
-٥٧-
کتاب الإیمان
٥
والإنسَ إلا لِيَعْبُدون﴾، قال: على ما خلقتهم عليه من طاعتي ومعصيتيّ،
وشقوتي وسعادتي(١).
قال أبو جعفر: وكان في ذلك من تأويل ابن عباس ما قد دلَّ
على أن الخلق من الله عز وجل لعباده هو على ما كتب فيهم من طاعته
ومعصيته، وشقوته وسعادته، لا يخرجون عن ذلك إلى غيره وإن كانت
أعمالهم السعيدة كانت باختيارهم لها، وأعمالهم التي تخالف ذلك
كانت باختيارهم لها، فكانت سعادتهم بأعمالهم المحمودة منهم،
وشقاوتهم لأعمالهم المذمومة منهم، وكل ذلك مما قد تقدم من الله عز
وجل فيهم أنهم سيعملون تلك الأعمال فيسعدون بها، أو يشقون بها،
فعاد حديث عياض هذا والأحاديث التي ذكرناها قبله في الباب الذي
قبل هذا الباب(٢) إلى معنى واحد يُصَدَّقُ بعضها بعضاً، ولا يُخالِف
بعضها بعضاً، والله عز وجل نسأله التوفيق.
(١) رواه اللالكائي ٦٣٣/٣ (١٠١٨) من طريق عبد الله بن يوسف، به وروى
ابن بطة من طريق ابن جريج عن زيد بن أسلم قال في هذه الآية: "ما جُبلوا عليه من
الشقاء والسعادة" (الإبانة - كتاب القدر ١٨٠٦) روى الطبراني في تفسير لهذه الآية
عن ابن عباس: إلا ليقُروا بالعبودية طوعاً وكرها.
(٢) هو الباب التالي.
- ٥٨ -
کتاب الإیمان
٣- بابُ بيانِ مشكل حديث ابن مسعود: حدَّثنا رسولُ اللهِ﴾
وهو الصادقُ المصدوقُ، وما فيه مما هو عن رسول الله ◌ُلاّ وما
فيه مما هو من كلامٍ ابن مسعود(١)
١٣- حدَّثْنا يزيدُ بنُ سنان، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطان،
قال: حدَّثْنا الأعمشُ، عن زيدِ بنِ وهب، عن عبدِ الله بنٍ مسعودٍ، عن
البيِّ ◌َ﴿ بنحو حديثهِ الذي حدثناه، فقال فيه ... ، حدَّتَنا عثمان بنُ
عمر بن فارس ومحمد بن كثير العبدي، قالا: حدثنا شعبة، عن سليمان
الأعمش، قال: حدَّثنا زيد بن وهب، قال: حدثنا عبدُ الله بن مسعود
مثل حديثه الذي حدثناه.
قال: حدَّثنا أبو عامر العقديُّ، قال: حدثنا شعبةٌ، عن الأعمش،
قال: سمعتُ زيد بنَ وهب، قال: سمعتُ عبد الله يقولُ: حدثنا رسولُ
الله ﴿ٌ وهو الصادِقُ المصدوقُ: (إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ في بَطْنِ أُمِّه
أربعينَ يوماً وأربَعينَ ليلَةً دماً، ثم يكُونُ عَلقةً مثلَ ذلك، ثم يكونُ
مُضغةً مثلَ ذلك، ثم يُبْعَثُ إليه مَلَكٌ، فيؤْمَرُ أن يَكْتُبَ رِزْقَه وَأَجَلَهُ،
وشَقِيُّ أو سعيدٌ، فو اللهِ إِنَّ أحدَكُمْ لَيَعْمَلُ بأعمالِ أهلِ الْجَنَّةِ حتى ما
يكونُ بَيْنَه وبينَها إلا ذِرائعٌ فَيَغْلِبُ عليه، فيعمل بأعمالِ أهلِ النار
فيدخل النار، وإنَّ أحدكم ليعمل بأعمال أهل النارِ حتى ما يكون
(١) هذا الباب وضعه الطحاوي لتمييز الحديث المرفوع وكلام ابن مسعود، وقد
وضعناه هنا لِما ساق فيه من أحاديث متعلقة بالقَدَر.
- ٥٩-
کتاب الإیمان
بينه وبينها إلا ذراع فيغلب عليه، فيعمل بأعمال أهل الجنة، فيدخل
الجنَّةِ)(١).
(١) رواه البخاري (٣٢٠٨) في بدء الخلق - باب ذكر الملائكة صلوات الله
عليهم. و(٣٣٣٢) في أحاديث الأنبياء - باب خلق آدم وذريته. و(٦٥٩٤) في أول
كتاب القدر. و(٧٤٥٤) في التوحيد - باب قوله تعالى ﴿ولقد سبقت كلمتنا لمادنا
المرسلين﴾. ومسلم (٢٦٤٣) في القَدَر - باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه. وأبو
داود (٤٧٠٨) في السُّنة - باب في القدر. والترمذي (٢١٣٧) في القدر - باب ما
جاء أن الأعمال بالخواتيم. وابن ماجة (٧٦) في المقدمة - باب في القدر. والنسائي
في الكبرى (تحفة الأشراف ٩٢٢٨)، والحميدي (١٢٦)، والإمام أحمد ٣٨٢/١
(٣٦٢٤). و٤٣٠/١ (٤٠٩١)، والدارمي في "الرد على الجمهية" (٢٦٩) و(٢٧٠)
وابن أبي عاصم في "السنة" (١٧٥)، والطيالسي (٢٩٨) وأبو يعلى (٥١٥٧)، وابن
حبان (٦١٧٤)، والبغوي في "شرح السُّنة" (٧١)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب
القَدَر (١٣٩٤) و(١٣٩٥) واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١٠٤٠)
و(١٠٤١) و(١٠٤٢)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٢١) و(٨٢٢) كلهم من
طريق الأعمش، به. قال الحافظ في الفتح: "وكنت خرجته في جزء من طريق نحو
الأربعين نفساً عن الأعمش" وذكر أن أبو عوائه أخرجه في صحيحه عن بضع
وعشرين نفساً من أصحاب الأعمش.
ورواه الإمام أحمد ٤١٤/١ (٣٩٣٤)، والنسائي في الكبرى (تحفة الأشراف
٩٢٢٨) من طريق سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب.
ورواه الطبراني في الصغير ٧٤/١ من طريق ابن عون، عن زيد بن وهب.
ورواه أبو نعيم في الحلية ١٧٠/١٠ من طريق حبيب بن حسان، عن زيد.
ورواه الإمام أحمد ٣٧٤/١ (٣٥٥٣) من طريق أبي عبيدة بن عبد الله، عن عبد
الله بن مسعود، نحوه.
- ٦٠ -