النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
وَمِنْ سُورَةٍ بَنِي إِسْرَائِيلَ
بسم الله الرحمن الرحيم
٥١٣٧ - حدثنا عَمُدُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أخبرنا
مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِىِّ، قال أخبرنى سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ عن أَبِى هُرَيْرَةَ قال:
قال النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم: ((حِينَ أَسْرِىَ بِى لَقِيتُ مُوسَى - قال فَفَعَتَهُ -
فَإِذَا رَجُلٌ، قال حَسِبْتُهُ قَالِ مُضْطَرِبُ الرَّحِلِ الرَّأْسِ، كَأنَّهُ مِنْ رِجالٍ
شَُّوءَةَ، قال وَلَقِتُ عِيسَى - قال فَنَعَتَهُ - قال رَبْعَةَ أَخَرَ كَانَّهُ خَرَجَ مِنْ
( ومن سورة بنى إسرائيل )
مكية إلا (وإن كادوا ليفتنونك) الآيات الثمان ومائة وعشر آيات أو إحدى
عشرة آية .
قوله: (قال) أى أبو هريرة (فنعته) أى وصف النبى صلى اللّه عليه وسلم
موسى (فإذا رجل قال حسجته قال مضطرب ) وعند البخارى : فإذا رجل
حسبته ، قال مضطرب بحذف قال قبل حسبته ، وكذلك فى بعض نسخ الترمذى
قال الحافظ فى الفتح: القائل حسبته هو عبد الرزاق ، والمضطرب الطويل غير
الشديد، وقيل الخفيف اللحم . وتقدم فى رواية هشام بلفظ ضرب وفسر بالنحيف
ولا منافاة بينهما انتهى ( الرجل الرأس ) بفتح الراء وكسر الجيم ، دهين الشعر
مسترسله . وقال ابن السكيت : شعر رجل: أى غير جعد (كأنه من رجال
شنوءة) بفتح المعجمة وضم النون وسكون الواو بعدها همزة ثم ماء تأنيث حى
من المن ينسبون إلى شنوءة، وهو عيد اللّه بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر
ابن الأزد ، ولقب شنوءة لشنئان كان بينه وبين أهله ، والنسبة إليه شنوئى بالهمز
بعد الواو ، وبالهمز بغيروا .
وقال الداودى : رجال الأزد معروفون بالطول (قال ربعة) بفتح الراء
وسكون الموحدة وبجوز فتحها وهو المرفوع، والمراد أنه ليس بطويل جداً
(٣٦ تحفة الأحوذي ٨ )

٥٦٢
دِيمَسٍ، يَعْنِى الْحَمَّمَ، وَرَأَيْتُ إِبراهِيمَ ، قال: وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ، قال:
وَأْتِيتُ بِإِنَتَبْنِ أَحَدُهُاَ لَنٌ وَالْآخَرُ فِيهِ خْرٌ ، فَقِيلَ لِ خُذْ أَبَّهُمَ شِئْتَ،
فَأَخَذْتُ الَبَنَ فَشَرِبْتُهُ، فَقِيلَ لِ: هُدِيتَ لِلْفِطْرَةِ، أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ،
ولا قصير جداً بل وسط ( من ديماس ) بكسر المهملة وسكون التحتانية وآخره
مهملة ( يعنى الحمام) هو تفسير عبد الرزاق كما فى الفتح، والديماس فى اللغة.
السرب ، ويطلق أيضاً على الكن والخام من جملة الكن . والمراد من ذلك وصفه
بصفاء اللون ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه حتى كأنه كان فى موضع كن الخرج
منه وهو عرقان .
وفى رواية ابن عمر عند البخارى: ينطف رأسه ماء. وهو محتمل لأن يراد
الحقيقة وأنه عرق حتى قطر الماء من رأسه، ويحتمل أن يكون كناية عن من بد
نضارة وجهه . ويؤيده أن فى رواية عبد الرحمن بن آد عن أبى هريرة عند أحمد
وأبى داود: يقطر رأسه ماء وإن لم يصبه بلل ( قال وأنا أشبه ولده به ) أى قال
النبى صلى الله عليه وسلم أنا أشبه أولاد إبراهيم عليه الصلاة والسلام به صورة،
ومعنى ( وأتيت بإناتين أحدهما لبن ) قيل ولم يقل فيه لبن كأنه جعله لبناً كله
تغليباً للين على الإناء لكثرته وتكثيراً لما اختاره، ولما كان الخمر منهياً عنه قلله
فقال (والآخر فيه خمر ) أى خمر قليل .
إعلم أنه قد اختلفت الروايات فى عدد الآنية ، ففى بعضها أتيت بإنائين أحدهما
لبن والآخر فيه خمر كما فى هذه الرواية، وفى بعض روايات البخارى : ثم رفع
لى البيت المعمور ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل.
وفى حديث أبى سعيد عند ابن إسحاق فى قصة الإسراء فصلى بهم يعنى الأنبياء
ثم أتى بثلاثة آنية: إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء ، فأخذت اللبن .
واختلفت الروايات أيضاً فى مكان عرض الآنية ، ففى رواية مسلم عن أنس:
ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاء جبريل بإناء من خمر وإناء
من لين فأخذت اللبن. وفى بعض روايات البخارى: أتى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ليلة أسرى به بإيلياء بإناء فيه خمر وإناء فيه لبن ، فنظر إليهما فأخذ

٥٦٣
أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْرَ غَوَتْ أَمَّتُكَ)). هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٥١٣٨ - حدثنا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورِ، أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أخبرنا
اللبن . فهاتان الروايتان تدلان على أن عرض الآنية كان فى بيت المقدس . وفى
بعض روايات البخارى المذكورة : أنه كان فى السماء .
قال الحافظ بعد ذكر هذه الروايات وغيرها: يجمع بين هذا الاختلاف إما
يحمل ثم على غير بابها من الترتيب ، وإنما هى بمعنى الواو هنا، وإما بوقوع غرض
الآنية مرتين ، مرة عند فراغه من الصلاة ببيت المقدس، وسببه ما وقع له من
العطش كما فى حديث شداد: فصليت من المسجد حيث شاء الله وأخذنى من العطش
أشد ما أخذنى، فأتيت بإناءين أحدهما لبن والآخر عسل الخ، ومرة عند وصوله
إلى سدرة المنتهى، ورؤية الأنهار الأربعة. وأما الاختلاف فى عدد الآنية وما
فيها فيحمل على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر ، ومجموعها أربعة آنية
فيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التى رآها تخرج من أصل سدرة المنتهى.
ووقع فى حديث أبى هريرة عند الطبرى لما ذكر سدرة المنتهى: يخرج من أصلها
أنهار من ماء غير آمن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين ، ومن
عسل مصفى، فلعله عرض عليه من كل نهر إناء انتهى ( حديت للفطرة أوأصبت
الفطرة ) شك من الراوى، والأدل بصيغة الخطاب مجهولا ، والثانى معلوماً.
قال القرطبى : يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة لأنه أول شىء يدخل
بطن المولود ويشق أمعاءه، والسر فى ميل النبي صلى الله عليه وسلم إليه دون غيره
لكونه كان مألوفاً له ولأنه لا ينشأ عن جنه مفسدة ( أما ) بالتخفيف حرف
التنبيه (إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك) أى ضلت نوعاً من الغواية المترتبة
على شربها ، بناء على أنه لوشربها لأحل للأمة شربها فوقعوا فى ضررها وشرها ،
وفيه إيماء إلى أن استقامة المقتدى من النبى والعالم والسلطان ونحوهم سبب لاستقامة
أتباعهم لأنهم بمنزلة القلب الأعضاء كذا فى المرقاة .
قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه الشيخان .

٥٦٤
مَعْمَرٌ عِن قَتَادَةً عن أَنَسٍ ((أَنَّ النََّّ صلى اللهُ عليه وسلم أنِىَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةٌ
أُسْرِىَ بِهِ مُلْجَمَا مُسْرَجاً، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرَثِيلُ: أَ بِمُحَمَّدٍ
تَفْعَلُ هَذَا، فَ رَكِبَكَ أَحَدٌ أَ كْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْهُ . قال: فَرْفَضَّ عَرَفً)).
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لانَعْرِفُهُ إِلاّ من حديثٍ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
قوله: ( أتى بالبراق) بضم الموحدة وتخفيف الراء ، مشتق من البريق، فقد
جاء فى لونه أنه أبيض أو من البرق لأنه وصفه بسرعة السير ، أو من قولهم شاة
برقاء إذا كان خلال صوفها الأبيض طاقات سود ، ولا ينافية وصفه فى بعض
الأحاديث بأن البراق أبيض ، لأن البرقاء من الغنم معدودة فى البياض ( ليلة
أسرى) بصيغة الماضى المجهول من الإسراء (به ) أى بالنبى صلى الله عليه وسلم
( ملجماً) اسم مفعول من الإلجام قال فى القاموس : ألجم الدابة ألبسها اللجام
وهو ككتاب، فارسى معرب ( مسرجاً ) اسم مفعول من الإسراج ، يقال
أسرجت الدابة: إذا شددت عليها السرج ( فاستصعب عليه ) أى صار البراق
صعباً على النبى صلى الله عليه وسلم (أبمحمد) صلى الله عليه وسلم والهمزة الإنكار
(تفعل هذا) أى الاستصعاب ( فماركبك أحد أكرم على الله منه ) أى من محمد
صلى الله عليه وسلم ( فارفض عرقاً ) أى جرى عرقه وسال ، ثم سكن وانقاد
وترك الاستصعاب .
قوله: ( هذا حديث حسن غريب) قال الحافظ: وصححه ابن حبان ، وذكر
ان إسحاق عن قتادة أنه لما شمس وضع جبر ئيل يده على معرفته، فقال أما تستحي،
فذكر نحوه مرسلا لم يذكر أنساً . وللنسائى وابن مردويه من طريق یزید بن
أبى مالك عن أنس نحوه موصولا؟ وزاد وكانت تسخر الأنبياء قبله، ونحوه
فى حديث أبى سعيد عند ابن إسحاق ، وفيه دلالة على أن البراق كان معداً لركوب
الأنبياء خلافا لمن نفى ذلك كان دحية ، وأول قول جبريل فاركبك أكرم على الله
منه : أى ماركبك أحد قط ، فتكيف يركبك أكرم منه.
وقد جزم السهيلى: أن البراق إنما استصعب عليه لبعد عهده بركوب الأنبياء
قبله قال النووى قال الزبيدى فى مختصر العين وتبعه صاحب التحرير: كان الأنبياء

٥٦٥
٥١٣٩ - حدثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبراهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، أخبرنا أبو ثُمَيلَةً
عن الزُّبَيْرِ بنِ جُنَادَةَ، عن ابنِ بُرَيْدَةَ، عن أَبِيهِ قال: قال رسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم: ((لَمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى بَيْتِ الَّقْدِسِ قَال ◌ِبْرَئِلُ بِأَصْبٍُّ
فَخَرَقَ بِهِ الْجَرَ وَشَدَّ بِهِ الْبُرَاقَ)).
هذا حديثٌغريبٌ.
يركبون البراق، قال وهذا يحتاج إلى نقل صحيح. قال الحافظ: قد ذكرت النقل
بذلك ثم ذكر الحافظ آثاراً تشهد لذلك .
قوله : ( عن الزبير بن جنادة ) بمضمومة وخفة نون وإهمال دال ، الهجرى
کنیته أبو عبد الله الکوفی ، روى عن عبد الله بن یریدةوعطاء بن أبي رباح، وعنه
عيسى بن يونس وأبو تميلة يحيى بن واضح وغيرهما . قال أبو حاتم : شيخ ليس
بالمشهور ، وذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال فيه جنادة المعلم: سكن مرو ، له
عند الترمذى حديث واحد فى ربط البراق .
قلت: وقال الحاكم فى المستدرك مروزى ثقة ( عن ابن بريدة) اسمه عبد الله
( لما انتهينا إلى بيت المقدس) أى وصلنا إليه ( قال جبر ئيل بأصبعه) أى أشار
بها . قال فى النهاية: العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير
الكلام واللسان، فتقول قال بيده: أى أخذ ، وقال برجله : أى مشى.
قال الشاعر :
وقالت له العينان سمعاً وطاعة.
أى أومأت. وقال بالماء على يده: أى قلب، وقال بثوبه: أى رفعه ، وكل
ذلك على الجاز والاتساع ( تفرق به الحجر ) وفى البزار: لما كان ليله أسرى به
فأتى جبريل الصخرة التى ببيت المقدس فوضع أصبعه فيها لحرقها فشد بها البراق .
وفى حديث أنس عند مسلم : فركبته حتى بيت المقدس ، قال فربطته بالحلقة
التى يربط بها الأنبياء .
قوله : ( هذا حديث غريب) وأخرجه البزار .

٥٦٦
٠ ٥١٤ - حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا اللَّيْثُ عن عُقَيْلٍ عن الزُّهْرِىِّ عن
أَبِى سَلَمَةَ عن جايِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ ، أَنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال:
((لَمَّا كَذَّبَذْنِى قُرَّيْشٌ قُمْتُ فِى الْحِجْرِ فَجَلَّى اللهُ لِ بَيْتَ الَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ
أُخْبِرُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ)).
٣
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفى البابِ عن مالِكِ بنِ صَعْصَةُ وأبِى سَعِيدٍ
وابنِ عَبَّاسٍ وأَبِى ذَرٍّ وابنٍ مَسْعُودٍ .
قوله: (لما كذبتتى قريش ) أى نسبونى إلى الكذب فما ذكرت من قضية
الإسراء وطلبوا منى علامات بيت المقدس (قت فى الحجر) بالكسر: اسم الحائط
المستدير إلى جانب الكعبة الشمالى ( تجلى اللّه لى بيت المقدس ) بتشديد السلام
من النجلية : أى أظهره لى قال الحافظ: قيل معناه كشف الحجب بينى وبينه حتى
رأيته ، ووقع فى رواية عبد الله بن الفضل عن أم سلمة عند مسلم قال: فسألونى
عن أشياء لم أثبتها، فكربت كرباً لم أكرب مثله قط ، فرفع الله لى بيت المقدس
أنظر إليه ما يسألونى عن شىء إلا نبأتهم به. ويحتمل أنه حمل إلى أن وضع بحيث
يراه ثم أعيد .
وفى حديث ابن عباس عند أحمد والبزار: بإسناد حسن: لجىء بالمسجد
وأنا أنظر إليه حتى وضع عند دار عقيل، فنعته وأنا أنظر إليه ، وهذا أبلغ
فى المعجزة ولا استحالة فيه، فقد أحضر عرش بلفيس فى طرفة عين اسليمان
وهو يقتضى أنه أزيل من مكانه حتى أحضر إليه وماذاك فى قدرة اللهبعزيز انتهى
(فطفقت) بكسر الفاء قبل القاف: أى فشرعت (أخبرهم عن آياته) أى علامات
بيت المقدس ودلالاته ( وأنا أنظر إليه ) جملة حالية .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه الشيخان .
قوله: (وفى الباب عن مالك بن صعصعة وأبى سعيد وابن عباس وأبي ذر وابن
مسعود) أما حديث مالك بن صعصعة فأخرجه الترمذى فى تفسير سورة ألم نشرح
مختصراً، وأخرجه الشيخان مطولا. وأما حديث أبى سعيد فأخرجه البيهقى وابن

٥٦٧
٥١٤١ - حدثنا ابنُ أَبِى عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَنُ عن عَمْرِ و بنِ دِينَارٍ
عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عَبَّاسٍ فِى قَوْلِهِ تَعَلَى: ( وَمَاَ جَعَلْنَاَ الرُّؤْيَا الْتِى أَرَيْنَكَ
إِلّ فِتْنَةٌ لِلِنَّاسِ) قال: ((مِىَ رُؤْيَاَ عَيْنِ أُرِيَهاَ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم
جرير وابن أبى حاتم وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد والنسائى والبيهقى
والبزار . وأما حديث أبى ذر فأخرجه الشيخان . وأما حديث ابن مسعود
فأخرجه مسلم .
﴿تنبيه) اعلم أن الترمذى ذكر هذه الأحاديث فى تفسير قوله تعالى: ((سبحان
الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله امريه
من آياتنا إنه هو السميع البصيرى)) وقد اختلف أهل العلم هل كان الإسراء بجسده
صلى الله عليه وسلم مع روحه أو بروحه فقط، فذهب معظم السلف والخلف إلى
إلى الأول، وذهب إلى الثانى طائفة من أهل العلم، منهم: عائشة ومعاوية والحسن
وابن اسحاق. وحكاه ابن جرير عن حذيفة بن اليمان ، وذهبت طائفة إلى التفصيل
فقالوا : كان الإسراء بجسده يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، واستدلوا
على هذا التفصيل بقوله: (( إلى المسجد الأقصى، جله غاية الإسراء بذاته صلى
الله عليه وسلم، فلو كان الإسراء من بيت المقدس إلى السماء وقع بذاته لذكره،
والذى دلت عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة ، هو ما ذهب إليه معظم السلف
والخلف من الإسراء جسده وروحه يقظة إلى بيت المقدس ، ثم السماوات وهو
الحق ، والصواب لايجوز العدول عنه ولا حاجة إلى التأويل وصرف هذا النظم
القرآنى وما يماثله من ألفاظ الأحاديث إلى ما يخالف الحقيقة ، ولا مقتضى لذلك
إلا مجرد الاستبعاد وتحكيم محض العقول القاصرة عن فهم ماهو معلوم من أنه
لا يستحيل عليه سبحانه شىء . ولو كان ذلك مجرد رؤيا كما يقوله من زعم أن
الإسراء كان بالروح فقط وأن رؤيا الأنبياء حق لم يقع التكذيب من الكفرة
النبى صلى الله عليه وسلم عند إخباره لهم بذلك حتى ارتد من ارتد من لم يشرح
بالإيمان صدراً ، فإن الإنسان قد يرى فى نومه ماهو مستبعد بل هو محال ولا ينكر
ذلك أحد ، والكلام فى هذه المسألة مبسوط فى المطولات.
قوله: ( فى قوله تعالى: وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس ) قال

٥٦٨
لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الَقْدِسِ ( وَالشَّجَرَةَ الَلْعُونَةَ فِى الْقُرْآنِ) قال مِيَّ
الحافظ ابن جرير فى تفسيره: اختلف أهل التأويل فى ذلك: فقال بعضهم
هو رؤيا عين، وهى ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم لما أسرى به من مكة إلى
بيت المقدس ثم ذكر من قال ذلك تم قال .. وقال آخرون : هی رؤياه النی رأى
أنه يدخل مكة فروى بإسناده عن ابن عباس قوله. ((وما جعلنا الرؤيالتى أريناك
إلا فتنة للناس، قال يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى أنه دخل مكة
هو وأصحابه وهو يومئذ بالمدينة لجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة
قبل الأجل فرده المشركون ، فقالت أناس: قد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد كان حدثنا أنه سيدخلها ، فكانت رجعته فتنتهم ثم قال : وقال آخرون ممن
قال: هى رؤيا منام إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى فى منامه قوماً يعلون
منبره فذكر من قال ذلك ، قال وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب ، قول من قاله
عنى به الرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم مارأى من الآيات والعبر فى طريقه
إلى بيت المقدس وببيت المقدس ليلة أسرى به ، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب
الإجماع الحجة من أهل التأويل على أن هذه الآية إنما نزلت فى ذلك ، وإياه عنى
الله عز وجل بها . فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام وما جعلنا رؤياك
التى أريناك ليلة أسرينا بك من مكة إلى بيت المقدس، إلا فتنة للناس، يقول
الإبلاء للناس الذين ارتدوا عن الإسلام لما أخبروا بالرؤيا التى رآها عليه الصلاة
والسلام، وللمشركين من أهل مكة الذين ازدادوا بسماعهم ذلك من رسول الله
صلى الله عليه وسلم تمادیاً فی غیہم و کفراً إلى کفرهم انتهى ( قال هی رؤیا عین أريها
التبى صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به) أريها بضم الهمزة وكسر الراء من الإراءة
ولم يصرح بالمرئى، وعند سعيد بن منصور من طريق أبى مالك قال: هو ما أرى
فى طريقه إلى بيت المقدس ، وزاد عن سفيان فى آخر الحديث : وليست رؤيا
منام، واستدل به على إطلاق لفظ الرؤيا على مايرى بالعين فى اليقظة وقد أنكره
الحريرى تبعاً لغيره وقالوا: إنما يقال رؤيا فى المنام، وأما التى فى اليقظة فيقال
رؤية ، ومن استعمل الرؤيا فى اليقظة المنفى فى قوله .
* ورؤباك أحلى فى العيون من الغمض .

٥٦٩
شَجَرَةُ الزَّقُومِ)). هذا حديثٌ حسنٌ محيحٌ.
٥١٤٢ - حدثنا عُبَيْدُ بنُ أَنْبَاطِ بنِ مُمَّدٍ الْقُرَشِىُّ الْكُوفِىُّ،
أخبرنا أبى عن الأعَشِ عن أبى صالحِ عن أَبِى هُرَ يْرَةَ عن النَّيِّ صلى اللهُ
عليه وسلم فى قَوْلِهِ تَعَلَى: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً )
تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ الَّيْلِ وَمَلاَئِكَةُ النََّرِ ».
وهذا التفسير يرد على من خطأه كذا فى الفتح ( والشجرة الملعونة ) بالنصب
عطف على الرؤيا تقديره: وما جعلنا الرؤيا التى أريناك والشجرة الملعونة فى القرآن
إلا فتنة للناس ( قال هى شجرة الزقوم) هذا هو الصحيح. وذكره ابن أبى حاتم
عن بضعة عشر نفساً من التابعين . وأما الزقوم ، فقال أبو حنيفة الدينورى
فى كتاب النبات: الزقرم شجرة غبراء تنبت فى السهل صغير الورق مدورته
لاشوك لها ، زفرةمرة ولها نور أبيض ضعيف تجرسه النحل ورؤوسها قباح جداً
وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال قال: المشركون يخبرنا محمد أن فى النار.
شجرة والنار تأكل الشجرة فكان ذلك فتنة لهم .
فإن قلت : أين لعنت شجرة الزقوم فى القرآن .
قلت لمنت حيث لمن الكفار الذين يأكلونها، لأن الشجرة لاذنب لها حتى
قلعن ، وإنما وصفت بلعن أصحابها على المجاز . وقيل وصفها الله تعالى باللعن لأن
اللعن الإبعاد من الرحمة وهى فى أصل جهنم فى أبعد مكان من الرحمة .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخارى والنسائى.
قوله: (وقرآن الفجر) قبله أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ،
فقوله وقرآن الفجر، عطف على الصلاة والمراد من قرآن الفجر صلاة الفجر سميت
الصلاة قرآناً لأنها لا نجوز إلا بالقرآن (تشهده ) أى تحضر قرآن الفجر ، يعنى
صلاته . قال الحافظ ابن كثير فى تفسير هذه الآية : يقول تبارك وتعالى لرسوله
صلى الله عليه وسلم آمراً له بإقامة الصلوات المكتوبات فى أوقاتها: أقم الصلاة
لدلوك الشمس قيل لغروبها قاله ابن مسعود ومجاهد وابن زيد. وقال هشم عن
مغيرة عن الشعبى عن ابن عباس دلوكها زوالها، ورواهنافع عن ابن عمر ، ورواه.

٥٧٠
هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. وَرَوَاهُ عَلِىُّ بنُ مُسْهِرٍ عن الأعمَشِ عن أَبى
صَلحٍ عن أَبِى هُرَيْرَةَ وَأَبِى سَعِيدٍ عن الَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم.
٥١٤٣ - حدثنا بِذَلِكَ عَلِيُّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا عَلِىُّ بِنُْ مُشْهِرٍ
عن الأعْمَشِ فَذَ كَرَ نَحْوَهُ.
٥١٤٤ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الرَّحَنِ، أخبرنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ
مُوسَى عن إِسْرَائِيلَ عن السُّدِّىِّ عن أَبِيهِ عن أُبِى هُرَ يْرَةَ عن النّبِيِّ صلى اللهُ
عليه وسلم فى قَوْلِهِ تَعَلَى: ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِمَ مِهِمْ) قال: يُدْعَى
مالك فى تفسيره عن الزهرى عن ابن عمر ، وقاله أبو برزة الأسلمى وهو رواية
أيضاً عن ابن مسعود وبجاهد ، وبه قال الحسن والضحاك وأبو جعفر الباقر وقتادة
واختاره ابن جرير ومما استشهد عليه ما رواه بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: دعوت
رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه فطعموا عندى ثم خرجوا حين
زالت الشمس لمخرج النبى صلى الله عليه وسلم فقال: أخرج يا أبا بكر. فهذا حين دلكت
الشمس ، فعلى هذا تكون هذه الآية دخل فيها أوقات الصلوات الخمس ، فمن قوله
لدلوك الشمس إلى غسق الليل وهو ظلامه وقيل غروب الشمس أخذ منه الظهر
والعصر والمغرب والعشاء وقوله وقرآن الفجر يعنى صلاة الفجر. وقد بينت السنة
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تواتراً من أقواله وأفعاله تفاصيل هذه الأوقات
على ما عليه أهل الإسلام اليوم ما تلقوه خلفاً عن سلم وقرناً بعدقرن كما هوم قرر
فى مواضعه انتهى .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه .
قوله: ( حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) هو الإمام الدارمى (أخبرنا عبيد
الله بن موسى) العبسى الكوفى ( عن إسرائيل بن يونس).
قوله : (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره : يخبر
تبارك وتعالى عن يوم القيامة أنه يحاسب كل أمة بإمامهم واختلفوا فى ذلك فقال
مجاهد وقتادة أى نبيهم وهذا كقوله تعالى (( ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم

٥٧١
أَحَدُمْ، فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَ يُمَدُّلَهُ فِى جِسِْهِ سِتُونَ ذِرَاعًا، وَيُبَيَّضُ
وَجْهُ، وَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ تَجٌ مِنْ أُؤْ أٍُ يَقَلَأَلَأُ، فَنْطَلِقُ إِلَى أَمْحَبِهِ،
فَرَوْنَهُ مِنْ بُعْدٍ، فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ الْذِفَ بِهَذَا، وَبَارِكْ لَذَا فِى هَذَا، حَتّى
بَأْتِهُمْ، فَيَقُولُ لَهُمْ: أَبْشِرُوا، لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمُ مِثْلُ هَذَا، وَأَمَّا
الْكَفِرُ فَيُسَوِّدُ وَجْهُهُ، وَيُمَدُّ لَهُ فِى جِسِْهِ سِتُّونَ ذِرَامًا ◌َى صُورَةٍ آدَمَ ،
وَيُلْبَسُ تَجاً، فَيَرَاهُ أَمْحَابُهُ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، اللَّهُمَّ
لا تَأْتِنَ بِهَذَا. قال: فَيَأْتِيهِمْ، فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ أَخْزِهِ، فَيَقُولُ: أَبْعَدَكْ
اللهُ، فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمُ مِثْلَ هَذَا)).
قضى بينهم بالقسط ، الآية. وقال بعض السلف هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث
لأن إمامهم النبى صلى الله عليه وسلم وقال ابن زيد بكتابهم الذى أنزل على نبيهم
من التشريع واختاره ابن جرير ، وروى عن ابن أبى نجيح عن مجاهد أنه قال بكتبهم
فيحتمل أن يكون أراد هذا وأن يكون أراد مارواه العوفى عن ابن عباس فى قوله
يوم ندعو كل أناس بإمامهم ، أى بكتاب أعمالهم . وكذا قال أبو العالية والحسن
والضحاك، وهذا القول هو الأرجح لقوله تعالى ((وكل شىء أحصيناه فى إمام مبين))
وقال تعالى: ((ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه، الآية وهذا لاينافى
أن يجاء بالنبى إذا حكم الله بين أمته فإنه لابد أن يكون شاهداً على أمته بأعمالها ولكن
المراد مهنا بالإمام هو كتاب الأعمال، ولهذا قال تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم
فمن أوفى كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم الخ، انتهى.
قلت: ويؤيد القول الأرجح حديث أبى هريرة هذا، فإنه أص صريح فى أن
المراد بقوله بإمامهم كتاب أعمالهم ( فيعطى كتابه ) أى كتاب أعماله ( ويمد له
فى جسمه) أى يوسع له فيه (اللهم أخزه) بفتح الهمزة من الإخزاء، بمعنى
الإذلال والإهانة .

٥٧٢
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَالسُّدِّىُّ اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الرَّحَنِ.
٥١٤٥ - حدثنا أبو كُرَيْبٍ، أخبرنا وَكِيْعٌ ، عن دَاوُدَ بنِ بَزِيدَ
الزَّعَافِرِىِّ عن أَبِيهِ عن أبى هُرَيْرَةَ قال: ((قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم.
فى قَوْلِهِ: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَمَا تَمُوداً)، وَسُئِلَ عَنْهَا، قال:
مىَ الشَّفَاعَةُ» .
هذا حديثٌ حسنٌ . وَدَاوُدُ الزَّعَافِرِىُّ هُوَ دَاوُدُ الْأَوْدِىُّ ابْنُ يَزِيدٌ
ابنِ عَبْدِ الرَّْعَنِ، وَهُوَ عَمُ عَبْدِ اللهِ بنِ إِذْرِيسَ .
قوله : ( هذا حديث حسن غريب ) وأخرجه البزار بسند الترمذى إلا أن
شيخه غير شيخه وقال لايروى إلا منهذا الوجه انتهى . وفى مسنده عبدالرحمن بن
أبى كريمة والد السدى وهو مجهول الحال (والسدى اسمه إسماعيل بن عبد الرحمن)
ابن أبى كريمة ، وهو السدى الكبير .
قوله: ( عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) قال الحافظ ابن كثير : أى افعل
هذا الذى أمرتك به لنقيمك يوم القيامة مقاماً محموداً ، يحمدك فيه الخلائق كلهم
وخالقهم تبارك وتعالى .
قال ابن جرير: قال أكثر أهل التأويل ذلك هو المقام الذى يقومه محمد صلى
الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس ايريحهم ربهم من عظيم ماهم فيه من شدة
ذلك اليوم انتهى ( وسئل ) بصيغة المجهول ( عنها) أى عن هذه الآية (قال هى
الشفاعة ) أى المقام المحمود ، هو المقام الذى أشفع فيه، وتأنيث الضمير التأنيث
الخبر. وفى رواية أحمد قال: هو المقام الذى أشفع لأمتى فيه.
قوله: ( هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد فى مسنده وابن جرير فى تفسيره.
قوله: ( وداود الزعافرى) بزاى مفتوحه ومهملة وكسر فاء (هو داود
الأودى ) بفتح الهموة وسكون الواو وبالدال المهملة (ابن يزيد بن عبد الرحمن)
الأعرج الكوفى ضعيف من السادسة ( وهو عم عبد الله بن إدريس) بن يزيد
ابن عبد الرحمن الأودى .

٥٧٣
٥١٤٦ - حدثنا ابنُ أُبِى ◌ُعُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ، عن ابنِ أبى مَجِيحٍ
عن بُجَاهِدٍ عن أَبِى مَعْدَرِ عن ابنِ مَسْعُودٍ قال: ((دَخَلَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلاَثُمَثَةٍ وَسِتُونُ نُصُباً، فَجَعَلَ
الَِّىُّ صلى الله عليه وسلم يَطْعَنُهاَ بِخْصَرَةٍ فِى بَدِهِ، وَرُبَّمَ قَال بِعُودٍ ، ويقولُ:
جاء الحقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَنَ زَهُوقاً، جاءَ الْقُّ وَما يُبْدِى!
الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ)).
قوله: (أخبرنا سفيان) هو ابن عيينة (عن ابن أبى نجيح ) هو عبد الله،
واسم أبي نجيح يسار (وعن أبى معمر ) هو عبد الله بن سخبرة.
قوله: ( ثلاثمائة وستون نصباً ) بضم النون والصاد المهملة وقد تسكن بعدها
موحدة : هى واحدة الأنصاب، وهو ما ينصب للعبادة من دون الله تعالى. ووقع
فى رواية ابن أبى شيبة عن ابن عيينة صنماً بدل نصباً ، ويطلق النصب ويراد به
الحجارة التى كانوا يذبحون عليها للأصنام وليست مرادة هنا، وتطلق الأنصاب
على أعلام الطريق وليست مرادة هنا ولا فى الآية ( لجعل النبي صلى الله عليه وسلم
يطعنها) بضم العين وبفتحها والأول أشهر (بمخصرة) كمكنسة مما يتوكأ عليه
كالعصا ونحوه. وما يأخذه الملك، يشير به إذا خاطب، والخطيب إذا خطب
( وربما قال بعود).
وفى حديث أبى هريرة عند مسلم : يطعن فى عينيه بسية القوس . وفى حديث
ابن عمر عند الفاكهى وصححه ابن حبان : فيسقط الصنم ولا يمسه ، والفاكهى
والطبرانى من حديث ابن عباس فلم يبق ون استقبله إلا سقط على قفاه مع أنها
كانت ثابتة بالأرض، وقد شد لهم إبليس أقدامها بالرصاص، وفعل النبى صلى الله عليه
وسلم ذلك لإذلال الأصنام وعابديها، ولإظهار أنها لا تنفع ولا أضر ولا تدفع عن
نفسها شيئاً. كذا فى الفتح (جاء الحق وزهق الباطل) أى جاء الإسلام وبطل الكفر
(إن الباطل كان زهوقا) أى مضمحلا زائلا (جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد)
أى زال الباطل وهلك ، لأن الإبداء والإعادة من صفة الحى فعدمهما عبارة عن

٥٧٤
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَفِيهِ عن ابنِ عُمَرَ.
٥١٤٧ - حدثنا أحمدُ بنُ مَفِيجٍ، أخبرنا جَرِيرٌ ، عن قَابُوسَ بنِ
أَبِى ظَبْيَانُ عن أَبِهِ، عن ابنِ عَبَّاسٍ قال: ((كَانَ النَِّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم
بِمَكَّةَ، ثُمَّ أُمِرَ بالْهِجْرَةِ، فَزَلَتْ عَلَيْهِ: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِ مُدْخَلَ
صِدْقٍ وَأَخْرِ جْنِى ◌ُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِ مِنْ لَدُنْكَ ـُ أْطَانًا نَصِيراً))).
الهلاك والمعنى جاء الحق وهلك الباطل . وقيل الباطل الأصنام. وقيل إبليس
لأنه صاحب الباطل ، أو لأنه هالك، كما قيل له الشيطان من شاط، إذا هلك ، أى
لايخلق الشيطان ولا الصنم أحداً ولا يبعثه، فالمنشىء والباعث هو الله تعالى لاشريك
له، وهذه الآية أعنى ((جاء الحق وما يبدىء الباطل وما بعيد)) فى سورة سبأ.
قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه الشيخان .
قوله : ( وفيه عن ابن عمر ) أخرجه الفاكهى وصححه ابن حبان كما تقدم
فى عبارة الفتح .
قوله: ( أخبرنا جرير ) هو ابن عبد الحميد (عن أبيه ) اسمه حصين بن جندب
أن الحادث الجنبي الكوفى ، ثقة من الثانية .
قوله: ( وقل ربى أدخلنى ) أى المدينة ( مدخل صدق ) أى إدخالا مرضياً
لا أرى فيه ما أكره (وأخرجنى) أى من مكة (مخرج صدق) أى إخراجاً
لا ألتفت بقلبي إليها ( واجعل لى من لدنك سلطاناً نصيراً) أى قوة تنصر فى بها
على أعدائك .
قال الحسن البصرى فى تفسير هذه الآية: إن كفار أهل مكة لما انتمروا
برسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه أو يطردوه أو يوثقوه، فأراد قتال أهل
مكة، أمره أن يخرج إلى المدينة ، فهو الذى قال الله عز وجل: ((وقل رب أدخلنى
مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق ) الآية .
وقال قتادة : وقل رب أدخلنى مدخل صدق: يعنى المدينة ، وأخرجنى مخرج
صدق : يعنى مكة ، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم . وهذا القول هو
أشهر الأقوال .

٥٧٥
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
٥١٤٨ - حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا يحيى بنُ زَكَرِيًّا بَنِ أَبِى زَائِدَةَ
عن دَاوُدَ بنِ أَبِ هِنْدٍ عن عِكْرِمَةَ، عن ابنٍ عَّاسِ قال: (( قالَتْ قُرَيْرٌ
لِيَهُودَ : أَعْطُونَ شَيْئًا نَسْأَلُ عَنْهَ هَذَا الرَّجُلَ. فقال: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ.
فَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَأَنْزَلَ الهُ تَعَلَى: (وَيَسْأَ لُونَكَ عَنِ الرَّوجِ قُلِ الرُّوحُ
وقال العوفى : عن ابن عباس : أدخلنى مدخل صدق: يعنى الموت وأخرجنى
مخرج صدق يعنى الحياة بعد الموت ، وقيل غير ذلك من الأقوال، والأول أصح
وهو اختیار ابن جرير ، کذا فی تفسير ابن كثير .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد .
قوله: ( نسأل عنه هذا الرجل) أى التبى صلى الله عليه وسلم (فقال سلوه)
كذا فى الفسخ الحاضرة عندنا بلفظ الواحد . ونقل الحافظ هذا الحديث فى الفتح
عن الترمذى ، وفيه: فقالوا بلفظ الجمع وهو الظاهر .
وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث فى مسنده بسند التر مذى وفيه أيضاً : فقالوا
بصيغة الجمع ( فأنزل الله تعالى يسألونك عن الروح ) حديث ابن عباس هذا يدل
على أن هذه الآية نزلت بمكة . وفى حديث ابن مسعود الآنى : قال كنت امشى مع
النبي صلى الله عليه وسلم فى حرث بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من
اليهود إلخ. وأخرجه البخارى فى كتاب العلم من صحيحه وفيه: بينا أنا أمشى مع
النبي صلى الله عليه وسلم فى خرب المدينة إلخ، وهو صريح فى أن هذه الآية نزات
بالمدينة.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن يتعدد النزول بحمل سكونه فى المرة الثانية على
توقع مزيد بيان فى ذلك وإن ساخ هذا ، وإلا فما فى الصحيح أصح ، قال
والأكثر على أنهم سألوه عن حقيقة الروح الذى فى الحيوان، وقيل عن جبريل،
وقيل عن عيسى ، وقيل عن القرآن ، وقيل عن خلق عظيم روحانى ، وقيل غير
ذلك . وجنح ابن القيم فى كتاب الروح: إلى ترجيح أن المراد بالروح المسئول عنها
فى الآية ماوقع فى قوله تعالى: ((يوم يقوم الروح والملائكة صفاً)). قال وأما

٥٧٦
مِنْ أَمْرٍ رَبِّ وَمَا أُوْقِيْتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً)، قَالُوا: أُوتِقَا عِلذّاً كَبِيراً،
أُوتِيناَ الثَّوْرَاةَ، وَمَنْ أُوِىَ التَّوْرَاةَ فَقَدْ أُوِىَ خَيْراً كَبِيراً، فَأَنْزِلَتْ:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادَاً لِكَلِمَتِ رَبِى لَنَفِدَ الْبَحْرُ) إلى آخِرِ الآيةِ ».
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ .
أرواح بنى آدم فلم يقع تسميتها فى القرآن إلا نفساً، كذا قال، ولا دلالة فى ذلك
لما رجحه بل الراجح الأول يعنى روح الإنسان. فقد أخرج الطبرى من طريق
العوفى عن ابن عباس فى هذه القصة أنهم قالوا عن الروح : وكيف يعذب الروح
الذى فى الجسد وإنما الروح من الله؟ فنزلت الآية، هذا تلخيص كلام الحافظ
(قل الروح من أمر ربى).
قال الخازن : تكلم قوم فى ماهية الروح ، فقال بعضهم : هو الدم ، ألا ترى
أن الإنسان إذا مات لا يفوت منه شىء إلا الدم، وقال قوم: هو نفس الحيوان،
بدليل أنه يموت باحتباس النفس ، وقال قوم: هو عرض، وقال قوم: هو جسم
لطيف يحيى به الإنسان، وقيل: الروح معنى اجتمع فيه النور والطب والعلم
والعلو والبقاء، ألا ترى أنه إذا كان موجوداً يكون الإنسان موصوفاً بجميع هذه
الصفات ، وإذا خرج منه ذهب الكل .
وأقاويل الحكماء والصوفية فى ماهية الروح كثيرة ، وأولى الأقاويل أن يوكل
علمه إلى الله عز وجل وهو قول أهل السنة .
قال عبد الله بن بريدة: إن الله لم يطلع على الروح ملكاً مقرباً ولا نياً
مر سلا بدليل قوله: ( قل الروح من أمر ربى) أى من علم ربى الذى استأثر به
( قالوا ) أى اليهود ( أوتينا عداً كبيراً) وفى بعض النسخ: كثيراً مكان كبيراً.
(قل لو كان البحر ) أى ماؤه (مداداً) هو ما يكتب به (لكلمات ربى) الدالة على
حكمه وجمائبه بأن تكتب به ( لنفد البحر) فى كتابتها، وبقية الآية: قبل أن تنفد.
بالتاء والياء (تفرغ كلمات ربى ولو جئنا بمثله) أى البحر (مدداً ) أى زيادة
ولم تفرغ هى ونصبه على التمييز .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد .

٥٧٧
٥١٤٩ - حدثنا عَلِىُّ بنُ خَشْرَمٍ، أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ ، عن
الأعمَشِ عن إبراهِيمَ ، عن عَلَقَةَ عن عَبْدِ اللهِ قال: ((كُنْتُ أَمْشِى مَعَ النَّيِّ
صلى اللهُ عليه وسلم فى حَرْثٍ بِلَدِينَةِ وَهُوَّ بَوَ كَأُ عَلَى عَسِيِبٍ، فَمَرَّ بِغَفَرٍ
مِنَ الْيَهُودِ، فقال بَعْضُهُمْ: أَوْ سَأَلْتُمُوهُ، فقال بَعْضُهُمْ: لا تَسْأُوهُ فَإِنَهُ
يُسِْعُكُمْ مَا تَكْرَ هُونَ ، فقالُوا: يَا أَبَ الْقَاسِ حَدِّثْنَا عَنِ الرُّوحِ، فَمَ
النَّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم سَاعَةً وَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّماءِ، فَمَرَفْتُ أَنَّهُ يُوحَى
إِلَيْهِ حَتَّى صَعَدَ الْوَحْىُ ، ثُمَّ قال: (الروحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِهُمْ مِنَ
الْعِلْ إِلاَّ قَلِيلاً))).
قال الحافظ فى الفتح بعد ذكر هذا الحديث: رجاله رجال مسلم وهو عند ابن
إسحاق من وجه آخر عن ابن عباس نحوه
قوله : (عن عبد اللّه) هو ابن مسعود.
قوله: ( فى حرث ) بفتح المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة (وهو يتوكأ)
أى يعتمد ( على عسيب ) بمهملتين وآخره موحدة بوزن عظيم، وهى الجريدة
التى لا خوص فيها ، ووقع فى رواية ابن حبان ومعه جريدة .
قال ابن فارس : العسبان من النخل كالقضبان من غيرها ( بنفر من اليهود)
هذا اللفظ معرفة تدخله اللام تارة وتارة يتجرد وحذفوا منه ياء النسبة ففرقوا
بين مفرده وجمعه كما قالوا: زنج وزنجى ( حتى صعد الوحى ) أى حامله ( ثم قال
الروح من أمی ربی).
قال الرارى فى تفسيره: المختار أنهم سألوه عن الروح الذى هو سبب
الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه، وبيانه أن السؤال عن الروح يحتمل
عن ماهيته ، وهل هى متحيزة أم لا ؟ وهل هى حالة فى متحيز أم لا؟ وهل هى قديمة
أو حادثة؟ وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى؟ وما حقيقة تعذيبها
وتنعيمها وغير ذلك من متعلقاتها ، قال: وليس فى السؤال ما يخصص أحد هذه
( ٣٧ تحفة الأحوذي ٨)

٥٧٨
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
٥١٥٠ - حدثنا عَبْدُ بنُ مَُيْدٍ، أخبرنا الْسَنُ بنُ مُوسَى وَسُلَيْانٌ
ابن حَرْبٍ، قال أخبرنا ◌َّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن عَلِىِّ بنِ زَيْدٍ، عن أَوْسِ بنِ
خالِدٍ عن أبى هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((يَحْشَرُ
النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاَثَةَ أَصْغَافٍ: صِنْفًا مُشَاةً وَصِنْفَاَ رُ كْبَانَا، وَصِدْفاً عَلَى
المعانى إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهية وهل الروح قديمة أو حادثة.
والجواب: يدل على أنها شىء موجود مغاير للطبائع والأخلاط وتركيبها
فهو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث، وهو قوله آمالى ((كن) فكأنه قال:
هى موجودة محمدثة بأمر الله وتكوينه، ولها تأثير فى إفادة الحياة للجسد ،
ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه. قال ويحتمل أن يكون المراد
بالأمر فى قوله: ((من أمر ربى) الفعل، كقوله: ((وما أمر فرعون برشيد،
أى فعله .
فيكون الجواب: الروح من فعل ربى إن كان السؤال هل هى قديمة أو حادثة
فيكون الجواب : أنها حادثة ، إلى أن قال: وقد سكت السلف عن البحث فى هذه
الأشياء والتعمق فيها انتهى (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) أى بالنسبة
إلى علمه تعالى .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه أحمد والشيخان .
قوله: ( عن على بن زيد) هو ابن جدعان ( عن أوس بن خالد ) قال فى
التقريب : أوس بن أبى أوس ، واسم أبى أوس خالد الحجازى ، يكنى أبا خالد
مجهول ، وقيل إنه أبو الجوزاء، فإن صح فلعل له كنيتين .
قوله: (صنفاً مشاة) بضم الميم جمع ماش، وهم المؤمنون الذين خلطوا صالح
أعمالهم بسيتها ( وصنفاً ركباناً ) أى على النوق ، وهو بضم الراء وهم السابقون
الكاملون الإيمان، وإنما بدأ بالمشاة جبراً لخاطرهم كما قيل فى قوله تعالى ((فمنهم ظالم
لنفسه)، وفى قوله سبحانه وتعالى ((يهب لمن يشاء إناثاً)، أو لأنهم المحتاجون إلى
المغفرة أولا ، أو لإرادة الترقى وهو ظاهر .

٥٧٩
وُجُوهِهِمْ. قِلَ: يارسولَ اللهِ وَكَيْفَ يَمْثُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قال: إِنَّ
الَّذِى أَمْشَهُمْ عَلَى أَقْدَامِمْ قَدِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيهِمْ عَى وُجُوهِهِمْ، أَمَ إِنَّهُمْ
يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَذَبٍ وَشَوْكَةٍ)) .
هذا حديثٌ حسنٌ. وقد رَوَى وَهِيبٌ عن ابنِ طَاوُسٍ عن أَبِيهِ عن
أبِى هُرَيْرَةَ عن الَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم شَيْئاً من هذا .
(٥١٥ - حدثنا أَحَدُ بنُ مَنِيج، أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ ، أخبرنا
بَهْزُ بنُ حَكِيمٍ عن أُبِهِ عن جَدِّهِ قالَ: قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم: ((إِنَّكُمُ تَخْتُورُونَ رِجَالاً وَرُ كْبَانًا وَتُجَرُّونَ عَلَى وُجُومِكُ )).
وقال التور بشتى رحمه الله: فإن قيل لم بدأ بالمشاة بالذكر قبل أولى السابقة؟
قلنا: لأنهم هم الأكثرون من أهل الإيمان (وصنفاً على وجوههم) أى يمشون
عليها وهم الكفار ( قيل يارسول الله وكيف يمشون على وجوههم ) أى والعادة
أن يمشى على الأرجل ( قال ) إن الذى أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم
على وجوههم ) يعنى وقد أخبر فى كتابه بقوله ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم
عمياً وبكماً وصماً ) وإخباره حق ووعده صدق وهو على كل شىء قدير، فلا ينبغى
أن يستبعد مثل ذلك ( أما ) بالتخفيف للتنبيه (إنهم ) أى الكفار ( يتقون ) أى
يحترزون ويدفعون (كل حدب ) أى مكان مرتفع (وشوكة ) واحدة الشوك ،
وهى بالفارسية خار .
قال القاضى رحمه الله: يتقون بوجوههم، يريد به بيان هوانهم واضطرارهم
إلى حد جعلوا وجوههم مكان الأيدي والأرجل فى التوقى عن مؤذيات الطرق
والمشى إلى المقصد لما لم يجعلوها ساجدة لمن خلقها وصورها .
قوله : ( هذا حديث حسن ) وأخرجه ابن جرير وابن مردويه والبيهقى (وقد
روى وهيب ) بن خالد (عن ابن طاوس) اسمه عبد الله (عن أبيه) هو كيان
ابن سعيد .
أوله:{(إنكم محشورون رجالا) بكسر الراء جمع راجل بمعنى ماش (وتهرون

٥٨٠
هذا حديثٌ حسنٌ.
٥١٥٢ - حدثنا عَمُدُ بنُ غَيْلَانَ، أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ وَأبو
دَاوُدَ وَأَبِ الْوَلِدِ - وَالَّغْظُ لَفْظُ يَزِيدَ وَلَّعْنَى وَاحِدٌ - عن شُعْبَةَ عن ◌َمْرِو
ابنِ مُرَّةً عن عَبْدِ اللهِ بنِ سَلَمَةَ عن صَفْوَانَ بنِ عَمَّالِ المرَادِىِّ((أَنَّ ◌َهُودِيَّيْنِ
قَالَ أَحَدُهَا لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِىِّ نَشْأَلُهُ. قال: لا تَقُلْ لَهُ
نَبِيٌّ، فإِنّهُ إِنْ يَسْمَعْهَ تَقُولُ لَهُ نَسِيٌّ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ . فَأَتَيَ الذّيَّ
فَأَلاَهُ عَنْ قَوْلِ اللهِ أَعَالَى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى نِسْعَ آياتِ بَيِّنَت)،
فقال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: لا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، ولا تَزْنُوا،
ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْقِّ ، ولا تَسْرِقُوا ، ولا نَسْحَرُوا،
ولا تَمْثُوا بِبَرِىءٍ إِلَى سُلْطَانٍ فَيَقْتُلَهُ، ولا تَأْكُلُوا الرِّبَاَ، ولا تَقْذِفُوا
مُخْصَنَةً ، ولا تَفَرُّوا مِنَ الزَّحْفِ - شَكَّ شُعْبَةَ - وَعَلَيْكُمُ الْيَهُودَ خاصَّةٌ،
أَلاَّ تَعْتَدُوا فِى السَّبْتِ. فَقَبَّلاَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَلاَ: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيِّ .
قال: فماَ يَمْتَعُكُمَا أَنْ تُسْلِمَ؟ قالا: إِنَّ دَاوُدَ دَعا اللّهَ أَنْ لا يَزَالَ فِى ذُرِّبَّتِهِ
نَبِىٌّ، وَإِنَّا تَخَفُ إِنْ أَسْلَمْفَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ)).
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
على وجوهكم بصيغة المجهول من الجر أى تسحبون.
قوله : ( هذا حديث حسن ) تقدم هذا الحديث فى باب شأن الحشر من
أبواب صفة القيامة وتقدم هناك تخريجه .
قوله: (إن يهوديين قال أحدهما لصاحبه اذهب بنا إلخ ) تقدم هذا الحديث
مع شرحه فى باب قبلة اليد والرجل من أبواب الاستئذان والأدب.