النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ أحد منهم ، والذى يظهر أن فى رواية الباب تجوزاً بينته الرواية التى فى الباب بعده من وجه آخر ، عن عبيد الله بن عمر بلفظ: فقال تصلى عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم . وروى عبد بن حميد والطبرى من طريق الشعبى عن ابن عمر عن عمر قال : أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى على عبد الله بن أبى، فأخذت بثوبه فقلت: والله ما أمرك الله بهذا، لقد قال: ((إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)) ووقع عند ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس فقال عمر: أقصلى عليه وقد نهاك الله أن تصلى عليه؟ قال أين قال: وقال: استغفر الآية. وهذا مثل رواية الباب، فكأن عمر قد فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب، من أن أو ليست للتخيير بل للقسوية فى علم الوصف المذكور ، أى أن الاستغفار لهم وعدم الاستغفار سواء، وهو كقوله تعالى: ((سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ، لكن الثانية أصرح ، ولهذا ورد أنها نزلت بعد هذه القصة . وفهم عمر أيضاً من قوله سبعين مرة أنها للمبالغة ، وأن العدد المعين لا مفهوم له، بل المراد نفى المغفرة لهم ولو كثر الاستغفار . فيحصل من من ذلك النهى عن الاستغفار فأطلقه . وفهم أيضاً أن المقصود الأعظم من الصلاة على الميت طلب المغفرة للميت والشفاعة له ، فلذلك استلزم عند النهى عن الاستغفار ترك الصلاة ، فلذلك جاء عنه فى هذه الرواية إطلاق النهى عن الصلاة، ولهذه الأمور استنكر إرادة الصلاة على عبد الله بن أبى. هذا تقرير ماصدر عن عمر مع ما عرف من شدة صلابته فى الدين ، وكثرة بغضه الكفار والمنافقين، وهو القائل فى حق حاطب بن أبي بلتعة مع ما كان له من الفضل كشهوده بدراً وغير ذلك ، لكونه كاتب قريش قبل الفتح. دعنى يارسول الله أضرب عنقه فقد نافق، فلذلك أقدم على كلامه للنبي صلى الله عليه وسلم بما قال ، ولم يلتفت إلى احتمال إجراء الكلام على ظاهره لما غلب عليه من الصلابة المذكورة . قال الزين بن المنير: وإنما قال ذلك عمر حرصاً على النبى صلى الله عليه وسلم ومشورة لا إلزاماً ، وله عوائد بذلك . ﴿تنبيه﴾ قال الخطابي: إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع عبدالله بن أبى ٥٠٢ فقال. أَنَا بَيْنَ الْخِيرَتَيْنِ: اسْتَغْرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، فَصَلَى عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: (وَلاَ تُصَلِّ ◌َلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)، فَتَرَكَ الصَّلاَةَ عَلَيْهِمْ)). هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ٥٠٩٧ - حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا اللَّيْثُ، عن عِرانَ بنِ أَبِى أَنَسٍ، عن عبدِ الرَّحَمَنِ بنِ أَبِى سَعِيدٍ عن أَبِى سَعِيدٍ الْخِدْرِىِّ أَنَّهُ قال: ((تَمَرَى رَجُلَانِ فِى الَسْجِدِ الَّذِىِ أُسَِّ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أُوَّلِ يَوْمٍ، فقالَ رَجُلٌ : مافعل ، لكال شفقته على من تعلق بطرف من الدين. ولتطبيب قلب ولده عبد الله الرجل الصالح، ولتألف قومه من الخزرج لرياسته فيهم ، فلو لم يجب سؤال ابنه وترك الصلاة عليه قبل ورود النهى الصريح، لكان سبة على ابنه وعاراً على قومه ، واستعمل أحسن الأمرين فى السياسة إلى أن نهى فانتهى. وقد أخرج الطبرى من طريق سعيد عن قتادة فى هذه القصة قال: فأنزل الله تعالى: (( ولا تصل علی أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ، قال فذ کر لنا أن فى اللّه صلى الله عليه وسلم قال: وما يغنى عنه قميصى من الله، وإنى لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه ( أنا بين خيرتين ) تثنية خيرة كعنبة ، أى أنا مخير بين الاستغفار وتركه ( فأنزل الله ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ) لدفن أو زيارة ، أى لا تقف عليه ولا تتول دفنه من قولهم: قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وناب عنه فيه، وتمام الآية: (( إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون )، وهذا تعليل لسبب المنع من الصلاة عليه والقيام على قبره. قوله: ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه الشيخان والنسائى وابن ماجه. قوله: ( عن عمران بن أبى أنس ) القرشى العامرى المدنى ، نزل الإسكندرية ثقة من الخامسة ( عن أبى سعيد الخدرى أنه قال: تمارى رجلان فى المسجد الذى ٥٠٣ هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءِ، وقال الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، فقال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: هُوَ مَسْجِدِى هَذَا)). هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِيّ هذا عن أبى سَعِيدٍ من غيرِ هذا الوَجْهِ ، رَوَاهُ أُنَيْسُ بنُ أَبِى يَحْتَى عن أَبِهِ عن أبى سَعِدٍ . ٥٠٩٨ - حدثنا أبو كُرَيْبٍ، أخبرنا أبو مُعَاوِيَةَ بنُ هِشَامٍ، أخبرنا يُنُُّ بِنُ الْحَارِثِ، عن إِبراهِيمَ بنِ أَبِى مَيْثُونَةَ، عن أبى صالحٍ، عن أبى مُرَيْرَةَ عن النّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: تَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ فى أَهْلِ قُباء : ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْتَطَهِّرِينَ). قال: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءَ فَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ)). هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ . أسس على التقوى إلخ نقدم هذا الحديث مع شرحه فى باب المسجد الذى أسس على التقوى من أبواب الصلاة . قوله: ( أخبرنا يونس بن الحارث ) الثقفى الطائفى ، نزيل الكوفة ، ضعيف من السادسة (عن إبراهيم بن أن ميمونة) الحجازى ذكره بن حبان فى الثقات . وقال ابن القطان الفاسى مجهول الحال . قوله: (نزلت هذه الآية) والمسار إليها فيما بعد، وهو قوله تعالى: (فيه رجال ، الآية ( فى أهل قباء ) أى فى ساكنيه ، وقباء بضم القاف وخفة الموحدة والممدودة مصروفة ، وفيه لغة بالقصر وعدم الصرف ، موضع بميلين أو ثلاثمة من المدينة . قال ابن الأثير : هو بمد وصرف على الصحيح ( يحبون أن يتطهروا) أى يحبون الطهارة بالماء فى غسل الأدبار ( قال) أى أبو هريرة (كانوا) أى أهل قباء . قوله : ( هذا حديث غريب) وأخرجه أبو داود وابن ماجه . ٥٠٤ وفى البابِ عن أَبِى أَثُوبَ وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ وَ مُمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ قال الحافظ فى التلخيص : سنده ضعيف . قوله: (وفى الباب عن أبى أيوب وأنس بن مالك ومحمد بن عبد الله بن سلام) أما حديث أبى أيوب وأنس بن مالك: فأخرجه ابن ماجه والحاكم من طريق أبى سفيان طلحة بن نافع ، قال أخبرنى أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وإسناده ضعيف قاله الحافظ . وأما حديث محمد بن عبد الله بن سلام ، فأخرجه أحمد عنه قال : لقد قدم رسول الله صلى عليه وسلم، يعنى قباء فقال: إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فى الطهور خيراً أفلا تخبرونى يعنى قوله: ((فيه رجال يحبون أن يتطهروا ، فقالوا يارسول الله: إنا نجده مكتوباً علينا فى التوراة الاستنجاء بالماء. وأخرجه أيضاً ابن أبى شيبة وابن قائع، وفى سنده شهر بن حوشب. وحكى أبو نعيم فى معرفة الصحابة : الخلاف فيه على شهر بن حوشب . ﴿تنبيه) روى البزار فى مسنده قال: حدثنا عبد الله بن شبيب حدثنا أحمد ابن محمد بن عبد العزيز : وجدت فى كتاب أبى عن الزهرى عن عبيد الله بن عبدالله عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية فى أهل قباء: ((رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين)، فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء. قال البزار : لا نعلم أحداً رواه عن الزهرى إلا محمد بن عبد العزيز، ولا عنه إلا ابنه انتهى. ومحمدبن عبد العزيز ضعفه أبو حاتم فقال: ليس له ولّا لأخويه، عمران وعبد الله حديث مستقيم. وعبد الله بن شبيب ضعيف أيضاً . وقد روى الحاكم من حديث مجاهد عن ابن عباس أصل هذا الحديث وليس فيه إلا ذكر الاستنجاء بالماء حسب. ولهذا قال النووى فى شرح المهذب. المعروف فى طرق الحديث أنهم كانوا يستنجون بالماء وليس فيها أنهم كانوا يجمعون بين الماء والأحجار، وتبعه بن الرفعة فقال : لا يوجد هذا فى كتب الحديث، وكذا قال المحب الطبرى نحوه ، ورواية البزار واردة عليهم وإن كانت ضعيفة ، كذا فى التلخيص . ٥٠٥ ٥٠٩٩ - حدثنا تَمُودُ بنُ غَيْلَانَ، أخبرنا وَكِيعٌ، أخبرنا سُفْيَانٌ عن أبى إِسْحَاقَ، عن أبى الْلِيلِ، عن عَلِىِّ قال: ((سَمِعْتُ رَجُلاً يَسْتَغْفِرُ ◌ِأبَوَ يْهِ وَهَا مُشْرٍ كَانِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَتَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْكَ وَهَا مُشْرِ كَانٍ؟ فقال: أَوَلَيْنَ اسْتَغْفَرَ إِبراهِيمُ لِأبِيَةٍ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَذَ كَرْتُ ذَلِكَ لِفِىِّ صلى اللهُ عليه وسلم، فَنَزَلَتْ: ( مَا كَانَ لِلِِّيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ)) . هذا حديثٌ حسنٌ. وفى البابِ عن سَعِيدٍ بنِ المُسَيِّبٍ عن أَبِهِ . قوله: (عن أبى إسحاق) هو السبيعى (عن أبى الخليل) اسمه عبد الله بن الخليل أو ابن أبى الخليل الحضرمى أبو الخليل الكوفى ، مقبول من الثانية . وفرق البخارى وابن حبان بين الراوى عن على فقال فيه ابن أبى الخليل ، والراوى عن زيد بن أرقم فقال : فيه ابن الخليل . قوله: (وهما مشركان) جملة حالية (أو ليس استغفر إبراهيم لأبيه) أى أتقول هذا وليس استغفر إلخ ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين أى لا يصح ولا يجوز لهم أن يستغفروا للمشركين، وتمام الآية مع تفسيرها هكذا ولو كانوا : أى المشركون ، أولى القربى: أى ذوى قرابة ، من بعد ماتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم : أى النار، بأن ماتوا على الكفر . وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه: بقوله سأستغفر لك ربى؛ رجاء أن يسلم فلما تبين له أنه عدو الله بموته على الكفر ، تبرأ منه: وترك الاستغفار له، إن إبراهيم لأواء: كثير التضرع والدعاء. حليم: صبور على الأذى . قوله: ( هذا حديث حسن ) وأخرجه أحمد والنسائى . قوله: ( وفى الباب عن سعيد بن المسيب عن أبيه ) أخرجه أحمد والشيخان عنه: أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ، فقال رسول الله صلى ٥٠٦ ٥١٠٠ - حدثنا عَبْدُ بنُ مُمَيْدٍ، أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِىِّ عن عَبْدِ الرَّحَنِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ عن أَبِيِهِ قال: ((لَمْ أَتَخَلَّفْ عن النّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فى غَزْوَةٍ غَزَاهَا حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكِ إِلَّ بَدْراً، وَلَمْ يُعَاتِبْ النّبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم أَحَداً تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرِ ، إِنََّ خَرَجَ يُرِيدُ الْعِيرَ، فَخَرَ جَتْ قُرَيْشٌ مُغِيثِينَ لِبِرِهِمْ، فالْتَقَوْا عَنْ غَيْرِ الله عليه وسلم لأبى طالب، أى عم: قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبى أمية ياأبا طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب، فقال النبى صلى الله عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فتزات ((ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ماتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ». قال صاحب فتح البيان : وقد روى فى سبب نزول الآية استغفار الني صلى الله عليه وسلم لآبی طالب من طرق كثيرة وأصله فى الصحیحین ، ومافيهما مقدم على ما لم يكن فيهما على فرض أنه صحيح ، فكيف وهو ضعيف غالبه ، ولاينافى هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم فى الصحيح أنه قال يوم أحد حين كسر المشركون رباعيته وشجوا وجهه: اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون، لأنه يمكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغه تحريم الاستغفار لهم ، وعلى فرض أنه قد كان بلغه كما يفيده سبب النزول ، فإنه قبل أحد بمدة طويلة. فصدور هذا الاستغفار منه إنما كان على سبيل الحكاية عن تقدمه من الأنبياء كما فى صحيح مسلم عن عبدالله قال : كأنى أنظر إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم يحكى نبياً من الأنبياء ضربه قومه ويمسح الدم عن وجهه ويقول: ((رب إغفر لقومى فإنهم لا يعلمون)) انتهى. قوله: ( عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ) الأنصارى كنيته أبو الخطاب المدنى، ثقة من كبار التابعين ، ويقال ولد فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم . قوله: ( حتى كانت غزوة تبوك ) مكان معروف هو نصف طريق المدينة إلى دمشق ، ويقال بين المدينة وبينها أربع عشرة مرحلة ، والمشهور فيها عدم الصرف للتأنيث والعلمية ، ومن صرفها أراد الموضع ، وكانت هذه الغزوة فى شهر ٥٠٧ مَوْعِدٍ كَمَا قَلَ اللهُ تَعَلَى، وَلَعَمْرِى إِنَّ أَشْرَفَ مَشَاهِدِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فى النَّاسِ لَبَدْرْ ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ كُنْتُ شَهِدْتُهَاَ مَكَنَ بَيْمَتِى لَيْلَةَ الْعَقْبَةِ حَيْثُ تَوَاتَقْنَاَ على الْإِسْلاَمِ، ثُمَّ لَمْ أَتَخَلَّفْ بَعْدُ عَنْ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكٍ وَهِىَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا، وَأَذَنَ الَّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم النَّاسَ بِالرَّحِيلِ، فَذَ كَر الحديثَ بِطُولِيٍ. قال: فَانْطَلَقْتُ إِلَى الَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فى الْمَسْجِدِ وَحَوْلَهُ وجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف ( مغيثين لعيرم ) أى معينين لغيرهم من الإغاثة بمعنى الإعانة. وفى بعض النسخ مغوئين. قال فى النهاية: جاء به على الأصل ولم يعله ، كاستحوذ واستنوق ، ولو روى مغوثين بالتشديد من غوث بمعنى أغاث لكان وجهاً ، والعير بكسر العين : الإبل بأحمالها، وقيل هى قافلة الحمير ، فكثرت حتى سميت بها كل قافلة ( كما قال الله تعالى) يعنى قوله تعالى: ((إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم فى الميعاد ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا)). (وما أحب أنى كنت شهدتها مكان بيعتى ليلة العقبة ) أى بدل بيعتى ليلة العقبة لأن هذه البيعة كانت أول الإسلام ومنشأه، وليلة العقبة ليلة بايع صلى الله عليه وسلم فيها الأنصار على الإسلام والنصر، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على القبائل فى كل موسم ليؤمنوا به ويؤووه، فلق رهطاً من الخزرج فأجابوه نجاء فى العام المقبل اثنا عشر إلى الموسم فبا يعوه عند العقبة، وهى بيعة العقبة الأولى، تفرج فى العام الآخر سبعون إلى الحج فاجتمعوا عند العقبة وأخرجوا من كل فرقة نقيباً فبايعوه وهى البيعة الثانية ( حيث توائقنا على الإسلام ) بمثلثة وقاف .أى أخذ بعضنا على بعض الميثاق لما تبايعنا على الإسلام والجهاد . والميثاق العهد وأصله: قيد أو حبل يشد به الأسير أو الدابة ( بعد ) بضم الدال، أى بعد غزوة بدر ( غزاها ) الضمير المرفوع النبى صلى الله عليه وسلم (وآذن ) من الإيذان: أى أعلم ، فذكر الحديث بطوله. ٥٠٨ الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ يَسْتَنِرُ كَسْتِنَرَةِ الْقَمَرِ، وَكَانَ إِذَا سُرَّ بِالْأَمْرِ اسْتَرَ ، فَجِئْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فقال: أَبْشِرْ ياَ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ مِخَيْرٍ يَوْمٍ أَنَى عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ. فَقُلْتُ: يَنَىَّ اللهِ، أَمِنْ عِنْدِ اللهِ أَمْ مِنْ عِنْدِكَ؟ فقال: بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ، ثم تَلاَ هَؤُلاَءِ الْآيَاتِ: (لَقَدْ تَبَ اللهُ على النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدٍ روى البخارى هذا الحديث بطوله فى باب غزوة تبوك ( أبشر يا كعب بن مالك بخيريوم أتى عليك منذ ولدتك أمك ) استشكل هذا الإطلاق بيوم إسلامه، فإنه مر عليه بعد أن ولدته أمه وهو خير أيامه ، فقيل هو مستثنى تقديراً وإن لم ينطق به لعدم خفائه، والأحسن فى الجواب أن يوم توبته مكمل ليوم إسلامه ، فيوم إسلامه بداية سعادته ويوم توبته مكمل لها فهو خير جميع أيامه ، وإن كان يوم إسلامه خيرها ، فيوم توبته المضاف إلى إسلامه خير من يوم إسلامه المجرد عنها ( لقد تاب الله): أى أدام توبته (على النبى) فيما وقع منه صلى اللّه عليه وسلم من الإذن فى التخلف أو فيما وقع منه من الاستغفار للمشركين ، وليس من لازم التوبة أن يسبق الذنب من وقعت منه أو له، لأن كل العباد محتاج إلى التوبة والاستغفار ، وقد تكون التوبة منه على النى من باب أنه ترك ماهو الأولى والأليق كما فى قوله: ((عفا الله عنك لم أذنت لهم))، ويجوز أن يكون ذكر النبى صلى الله عليه وسلم لأجل التعريض الذنبين بأن يتجنبوا الذنوب ويتوبوا عما قد لابسوه منها. قال أهل المعانى هو مفتاح كلام للتبرك وفيه تشريف لهم فى ضم قوبتهم إلى توبة النبى صلى الله عليه وسلم كما ضم اسم الرسول إلى اسم الله فى قوله: ((فإن لله خمسه والمرسول)) فهو تشريف له ( و) كذلك تاب الله سبحانه على (المهاجرين والأنصار ) فيما قد اقترفوه من الذنوب ومن هذا القبيل ماصح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: إن الله اطلع على أهل بدر فقال أعملوا ما شئثم فقد غفرت لكم. والإنسان لا يخلو من زلات وتبعات فى مدة عمره ، إما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأفضل ، ثم وصف سبحانه المهاجرين والأنصار بأنهم ( الذين ٥٠٩ مَا كَدَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمّ ◌َابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَهوفٌ رَحِيمٌ). اتبعوه) أى النبى صلى الله عليه وسلم فلم يتخلفوا عنه ( فى ساعة العسرة ) هى غزوة تبوك ، فإنهم كانوا فيها فى عسرة شديدة وتسمى غزوة العسرة ، والجيش الذى سار يسمى جيش العسرة ، لأنه كان عليهم عسرة فى الزاد والظهر والماء. وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه والبيهقى وغيرهم عن ابن عباس : أنه قال لعمر بن الخطاب: حدثنا من شأن ساعة العسرة ، فقال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك فى قيظ شديد، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فر ئه فيشر به ويجعل ما بقى على كيده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله قد عودك فى الدعاء خيراً فادع لنا، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأهطلت ثم سكبت، فلأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم تجدها جاوزت العسكر ( من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ) فى كاد ضمير الشأن بيان لتناهى الشدة وبلوغها النهاية ومعنى يزيغ يتلف بالجهد والمشقة والشدة ، وقيل معناه : يميل عن الحق ويترك المناصرة والممانعة ، وقيل معناه يهم بالتخلف عن الغزو لما هم فيه من الشدة العظيمة . وفى قراءة ابن مسعود من بعد ما زاغت : وهم المتخلفون على هذه القراءة ، وفى تكرير التوبة عليهم بقوله ( ثم تاب عليهم ) تأكيد ظاهر واعتناء بشأنها ، هذا إن كان الضمير راجعاً إلى من تقدم ذكر التوبة عنهم ، وإن كان الضمير إلى الفريق الثانى ، فلا تكرار ، وذكر التوبة أولا قبل ذكر الذنب تفضلا منه وتطبيباً لقلوبهم ، ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى تعظيما لشأنهم، وليعلموا أنه تعالى قد قبل قوبتهم وعفا عنهم ، ثم أتبعه بقوله (إنه بهم رؤوف رحيم) تأكيداً لذلك، أى رفيق بعباده ، لأنه لم يحملهم ما لا يطيقون من العبادات ، وبين الرؤف والرحيم فرق لطيف ، وإن تقاربا فى المعنى . قال الخطابي: قد تكون الرحمة مع الكرامة ولا تكاد الرأفة تكون معها ، وقيل : الرأفة عبارة عن السعى فى إزالة الضرر ، والرحمة عبارة عن السعى فى إيصال النفع. هذه الآية هى الأولى من الآيات التى تلاها رسول الله صلى الله ٥١٠ قال: وَفِينَا أُنْزِلَتْ أَيْضًا: ( اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ). قال قُلْتُ: يَا نَبِىَّ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِى أَنْ لاَ أُحَدِّثَ إلاَّ صِدْقًا، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَلِى كُلِّ صَدَقَةٌ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ. فقال النّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم: عليه وسلم، والآية الثانية مع تفسيرها هكذا ، وعلى الثلاثة الذين خلفوا : أى أخروا ولم تقبل توبتهم فى الحال كما قبلت توبة أولئك المتخلفين المتقدم ذكرهم ، وهؤلاء الثلاثة هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع - أو ابن ربيعة العامرى، وهلال بن أمية الواقفى ، وكلهم من الأنصار، لم يقبل النبي صلى الله عليه وآ له وسلم توبتهم حتى نزل القرآن بأن الله قد تاب عليهم، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت : كناية عن شدة التحير وعدم الاطمئنان ، يعنى أنهم أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية وهى وقت أن ضاقت عليهم الأرض برحبها لإعراض الناس عنهم، وعدم مكالمتهم من كل أحد : لأن النبى صلى الله عليه وسلم نهى الناس أن يكالموهم ، وضاقت عليهم أنفسهم : أى أنها ضاقت صدورهم بما نالهم من الوحشة وبما حصل لهم من الجفوة وشدة الغم والحزن ، وظنوا: أى علموا وأيقنوا ، أن لاملجأ من الله: أى من عذابه أو من سخطه، إلا إليه: أى بالتوبة والاستغفار، ثم تاب: أى رجع عليهم بالقبول والرحمة ، وأنزل فى القرآن التوبة عليهم : ليستقيموا ، أو وفقهم للتوبة فيما يستقبل من الزمان إن فرطت منهم خطيئة ، ليتوبوا : عنها ويرجعوا فيها إلى اللّه ويندموا على ما وقع منهم، ويحصلوا التوبة وينشئوها حصل التغاير وصح التعليل، إن الله هو التواب: أى الكثير القبول لتوبة التائبين ، الرحيم : أى الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده. (قال) أى كعب بن مالك (وفينا) أى فى الثلاثة الذين خلفوا (أنزات أيضاً ): اتقوا الله وكونوا مع الصادقين: يعنى مع من صدق النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه فى الغزوات ، ولا تكونوا مع المتخلفين من المنافقين الذين قعدوا فى البيوت وتركوا الغزو ( إن من توبتى) أى من شكر توبتى ( أن لا أحدث إلا صدقاً ) زاد البخارى: ما بقيت ( وأن أنخلع من مالى كله ): أى أخرج من جميع مالى ( صدقة) هو مصدر فى موضع الحال أى متصدقاً، أو ضمن الخلع معنى ٠١١ أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. فَقُلْتُ: فإِى أُمْسِكُ سَهِْىَ الَّذِى بِخَيْبَرَ. قال: فماَ أَنْعَ اللهُ عَلَىَّ نِعْمَةٌ بَعْدَ الْإِسْلاَمِ أَعْظَمَ فِى نَفْسِى مِنْ صِدْقِ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم حِينَ صَدَقْتُهُ أَنَا وَصَاحِبَىَ وَلاَ نَكُونُ كَذَبْنَ فَهَلَكْنَ كَمَ هَلَكُوا، وإنى لَأَرْجُو أَنْ لا يَكُونَ اللهُ أَبْلَى أَحَداً. فى الصِّدْقِ مِثْلَ الَّذِىِ أَبْلَانِى مَا تَعَمَّدْتُ لِكَذِبَةٍ بَعْدُ، وإنى لَأَرْجُو أَنْ يَخْفَظَنِى اللهُ فِيَا بَقِىَ )). وقد رُوِىَ عن الزُّهْرِىِّ هذا الحديثُ بِخِلاَفِ هذا الإسنادِ ، فَقَدْ قِلَ عن عبدِ الرَّحمَنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ كُمْبِ بنِ مَالِكٍ عن أَبِود عن كَعْبٍ ، وقد قِيلَ غيرُ هذا . وَرَوَى يُونُسُ بنُ يَزِيدَ هذا الحديثَ عن الزُّهْرِىِّ عن عبدِ الرَّحَنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَهُ حَدَّثَهُ عن كَمْبِ بنِ مَالِكٍ. ٥١٠١ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ بَشَّارِ، أخبرنا عبدُ الرَّحَنِ بنُ مَهْدِيٍّ، أخبرنا إِبراهِيمُ بنُ سَمْذٍ عن الزُّمْرِىِّ عن عُبَيْدِ بنِ السَّبَّاقِ، أُنَّ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ قال: (( بَعَثَ إِلَىَّ أبو بَكْرِ الصِّدِّيقُ - مَقْتَلَ أَهْلِ الْمَامَةِ - فَإِذَا أقصدق وهو مصدر أيضا (أبلى أحداً) أى أنعم على أحد. وحديث كعب بن مالك هذا أخرجه البخارى فى عشرة مواضع مطولا ومختصراً فى الوصايا وفى الجهاد وفى صفة النبى صلى الله عليه وسلم وفى وفود الأنصار، وفى موضعين من المغازى ، وفى موضعين من التفسير ، وفى الاستئذان ، وفى الأحكام . وأخرجه مسلم فى التوبة ، وأخرجه أبو داود والنسائى فى الطلاق . قوله: (بعث إلى أبو بكر الصديق) أى أرسل إلى رجلا . قال الحافظ: لم أقف على اسم الرسول إليه بذلك (مقتل أهل اليمامة) نصب على الظرفية ، أى عقب قتل أهل المامة، واليمامة بفتح التحتية وخفة الميم : اسم مدينة باليمن (١)، وكان مقتلهم (١) هى بلاد جنوب نجد . ٥١٢٠ "عُمَرُ بنُ الْطَّابِ عِنْدَهُ، فقال: إِنَّ ◌ُعُمَرَ قَدْ أَتَنى فقال: إنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْيَامَةِ، وإِنِى لَأَخْشَى أَنْ يَسْتَجِرَّ الْقَتْلُ بالْقُرَّاءِ فِى الْمَوَاطِنِ كُلَِّ فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِرٌ، وإنى أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قال أبو بَكْرٍ لِعُمرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْاَ لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم؟ فقال ◌ُمَرُ: هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ بُرَاجِعُنِى فِى ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللّهُ صَدْرِى لِلَّذِىِ شَرَحَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِيهِ الَّذِى رَأَى. سنة إحدى عشرة من الهجرة، والمراد بأهل المامة هنا من قتل بها من الصحابة فى الوقعة مع مسيلمة الكذاب، وكان من شأنها أن مسيدة أدعى النبوة وقوى أمره بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بارتداد كثير من العرب، فجهز إليه أبو بكر الصديق خالد بن الوليد فى جمع كثير من الصحابة خاربوه أشد محاربة ، إلى أن خذله الله وقتله ، وقتل فى غضون ذلك من الصحابة جماعة كثيرة ، قيل سبعمائة ، وقيل أكثر (فإذا عمر) كلمة إذا للمفاجأة ( عنده ) أى عند أبى بكر رضى الله عنه ( قد استحر) بسين مهملة ساكنة ومثناة مفتوحة بعدها حاء مهملة مفتوحة، ثم راء ثقيلة: أى اشتد وكثر وهو استفعل من الحر، لأن المكروه غالباً يضاف إلى الحر، كما أن المحبوب يضاف إلى البرد، يقولون: أسخن اللّه عينه، وأقرعينه ( وإنى لأخشى) بصيغة المتكلم المؤكدة بلام التأكيد ، أى لأخاف (أن يستحر ) بفتح الهمزة ( فى المواطن كلها ) أى الأماكن التى يقع فيها القتال مع الكفار (فيذهب قرآن كثير ) بالنصب عطف على يستحر . قال الحافظ : هذا يدل على أن كثيراً من قتل فى وقعة المامة كان قد حفظ القرآن ، لكن يمكن أن يكون المراد أن مجموعهم جمعه لا أن كل فرد فرد جمعه (كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم). قال الخطابى وغيره: يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم إنما ام يجمع القرآن فى المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته صلى الله عليه وسلم ، ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء لوعده ٥١٣ قال زَيْدٌ : قال أبو بَكْر: إِنَّكَ شَابٌّ عاقِلٌ لانَشَّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم الْوَحْىَ فَتَّبَعْ الْقُرْآنَ .. قال: فَوَاللهِ لَوْ الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة المحمدية ، زادها الله شرفاً، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق رضى الله عنه بمشورة عمر . ويؤيده ما أخرجه ابن أبى داود فى المصاحف بإسناد حسن عن عبد خير قال : سمعت علياً يقول أعظم الناس فى المصاحف أجراً، أبو بكر رحمه الله، على أبى بكر هو أول من جمع كتاب الله. وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبى سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تكتبوا عنى شيئاً غير القرآن)) الحديث. .فلا ينافى ذلك ، لأن الكلام فى كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة . وقد كان القرآن كله كتب فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم لكن غير مجموع فى موضع واحد ولا مرتب السور. وأما ما أخرجه ابن أبى داود وفى المصاحف من طريق ابن سيرين ، قال قال على: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم آليت أن آخذ على ردائى إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن لجمعه، فإسناده ضعيف لانقطاعه. وعلى تقدير أن يكون محفوظاً فراده بجمعه حفظه فى صدره . قال والذى وقع فى بعض طرقه حتى جمعته بين اللوحين وهم من راويه . قال الحافظ: ورواية عبد خير عن على، يعنى التى تقدمت آنفاً ، أصبح فهو المعتمد. ووقع عند ابن أبى داود أيضاً بيان السبب فى إشارة عمر بن الخطاب بذلك . فأخرج من طريق الحسن: أن عمر سأل عن آية من كتاب الله ، فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال إنا لله، وأمر بجمع القرآن، فكان أول من جمعه فى المصحف ، وهذا منقطع ، فإن كان محفوظاً حمل على أن المراد بقوله: فكان أول من جمعه ، أى أشار بجمعه فى خلافة أبى بكر ، فنسب الجمع إليه لذلك ( قال أبو بكر إنك شاب عافل لا نتهمك قد كنت تكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحى) ذكر له أربع صفات مقتضية خصوصيته بذلك: كونه شاباً ، فيكون أنشط لما يطلب منه. وكونه عاقلا، فيكون أوعى له. وكونه لا يتهم ، فتركن النفس إليه. وكونه كان يكتب الوحى، فيكون أكثر ممارسة ﴾، وهذه الصفات التى اجتمعت له قد توجد فى غيره لكن مفرقة (فوالله لو (٣٣ - تحفة الأحوذي - ٨) ٥١٤ كَلَّقُونِى نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَىَّ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم؟ قال أبو بَكْرٍ : هُوَ وَاللّهِ خَيْرٌ . فَلَمْ يَزَّلْ يُرَاجِدُنِى فِى ذَلِكَ أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِى لِلَّذِى شَرَعَ لَهُ صَدْرَها: صَدْرَ أَ بِى بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجَعُهُ مِنَ الرَّقَاعِ وَالْمُسُبِ وَاللَّخَفِ - يَعْنِى الْحِجَرَةَ وَالرِّفَقَ وَصُدُورَ ١ كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علىّ من ذلك ) أى ما أمر نى به من جمع القرآن ، كما فى رواية البخارى . قال الحافظ : كأنه جمع أولا باعتبار أبى بكر ومن وافقه ، وأفرد باعتبار أنه الآمر وحده بذلك، وإنما قال زيد بن ثابت ذلك لما خشيه من التقصير فى إحصاء ما أمر بجمعه، لكن الله تعالى يسرله ذلك (فتتبعت القرآن أجمعه) حال من الفاعل أو المفعول، أى من الأشياء التى عندى وعند غيرى ( من الرقاع ) جمع رقعة ، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد. وفى رواية: وقطع الأديم (والعسب ) بضم المهملتين ثم موحدة جمع عسيب وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص ويكتبون فى الطرف العريض ، وقيل المسيب طرف الجريدة العريض ، وقيل العسيب طرف الجريدة العريض الذى لم ينبت عليه الخوص ، والذى ينبت عليه الخوص هو السعف (واللخاف) بكسر اللام ثم حاء معجمة خفيفة وآخره فاء : وهى الحجارة البيض الرقاق واحدتها لخفة بفتح اللام وسكون المعجمة وعند ابن أبى داود فى المصاحف من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال : قام عمر فقال : من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن فليأت، به وكانوا يكتبون ذلك فى الصحف والألواح والعسب ، قال وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان. وهذا يدل على أن زيداً كان لا يكتفى بمجرد وجدانه مكتوباً حتى يشهد به من تلقاء سماعاً ، مع كون زيد كان يحفظه ، وكان يفعل ذلك مبالغة فى الاحتياط . وعند ابن أبى داود أيضاً من طريق هشام بن عروة عن أبيه : أن أبابكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد ، فمن جاءكا بشاهدين ٥١٥ الرِّجالِ - فَوَ جَدْتُ آخِرَ سُورَةٍ بَرَاءَةَ مَعَ خُزَيْمَةً بِنِ ثَابِتٍ : (لَقَدْ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مِنْ أَثْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَظِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِلُؤْمِنِينَ على شىء من كتاب الله فاكتباه ، ورجاله ثقات مع انقطاعه، وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب، والمراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التى نزل بها القرآن ، وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدى النبى صلى الله عليه وسلم لا من مجرد الحفظ (وصدور الرجال): أى الحفاظ منهم ، أى حيث لا أجد ذلك مكتوباً أو الواو بمعنى مع ، أى ١ كتبه من المكتوب الموافق المحفوظ فى الصدور (فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة ابن ثابت ) وفى رواية البخارى فى فضائل القرآن: من طريق إبراهيم بن سعد ، عن الزهرى ، عن عبيد بن السباق ، عن زيد بن ثابت: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى . قال الحافظ : وقع فى رواية عبد الرحمن بن مهدى عن إبراهيم بن سعد مع خزيمة بن ثابت ، أخرجه أحمد والترمذى . ووقع فى رواية شعيب عن الزهرى كما تقدم فى سورة التوبة مع خزيمة الأنصارى . وقد أخرجه الطبرانى فى مسند الشاميين من طريق أبى المان عن شعيب فقال فيه : خزيمة بن ثابت الأنصارى . و کذا أخرجه ابن أبى داود من طريق يونس بن یزید ، عن ابن شهاب، وقول من قال عن إبراهيم بن سعد مع أبى خزيمة أصح. وقد تقدم البحث فيه فى تفسير سورة التوبة ، وأن الذى وجد معه آخر سورة النوبة غير الذى وجد معه الآية التى فى الأحزاب. فالأول اختلف الرواة فيه على الزهرى : فمن قائل مع خزيمة ، ومن قائل مع أبى خزيمة، ومن شاك فيه يقول خزيمة أو أبى خزيمة. والأرجح أن الذى وجد معه آخر سورة التوبة أبو خزيمة بالكنية ، والذى وجد معه الآية من الأحزاب خزيمة وأبو خزيمة ، قيل هو ابن أوس بن يزيد بن أصرم ، مشهور بكنيته دون اسمه ، وقيل هو الحرث بن خزيمة وأما خزيمة فهو ابن ثابت ذو الشهادتين ، كما تقدم صريحاً فى سورة الأحزاب انتهى ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم) : أى من جفسكم فى كونه عربياً قرشياً مشلكم تعرفون نسبه وحسبه، ٥١٦ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْمِىَ اللهُ لاَ إِلَ إِلَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ))). هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ٥١٠٢ - حدثنا مُمَُّ بنُ بَشَّارِ، أخبرنا عَبْدُ الرَّحَنِ بنُ مَهْدِىِّ، أخبرنا إِبراهِيمُ بنُسْعْدٍ عن الزُّهْرِىِّ عن أَنَسٍ، أَنَّ حُذَيْفَةَ قَدِمَ عَلَى عُثمانَ ابْنِ عَمَّانَ، وَكَانَ يُغَزِى أَهْلَ الشَّامِ فِى فَتْحِ أَرْمِنِيَّةَ وَأَذَرَ بِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِراقِ، فَرَأَى حُذَيْفَةُ اخْتِلاَفَهُمْ فِى الْقُرْآنِ، فقال لِمُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ: وأنه من ولد إسماعيل لا من العجم ولا من الجن ولا من الملك . والخطاب العرب عند جمهور المفسرين . وقال الزجاج: هى خطاب لجميع العالم ( عزيز عليه ما عنتم ) : ما مصدرية ، والعنت: التعب والمشقة . والمعنى شديد وشاق عليه عنتكم ومشقتكم ولقامكم المكروه (حريص عليكم): أى على إيمانكم وهدايتكم (بالمؤمنين رؤوف رحيم): أى شديد الرحمة (فإن تولوا: أى أعرضوا عن الإيمان بك (فقل حسي الله): أى يكفينى وينصرنى ( لا إله إلا هو): أى المتفرد بالألوهية، وهذه الجملة الحالية كالدليل لماقبلها ( عليه توكلت ) : أى به و ثقت لا بغيره ( وهو رب العرش العظيم ) وصفه بالعظم لأنه أعظم المخلوقات ، قرأ الجمهور بالجر على أنه صفة العرش، وقرىء بالرفع صفة لرب، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير . قال أبو بكر الأصم : وهذه القراءة أعجب إلى، لأن جعل العظيم صفة للرب أولى من جعله صفة للعرش ، قال ابن عباس : إنما سمى العرش عرشاً لارتفاعه. قوله: ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه أحمد والبخارى والنسائى. قوله : (أن حذيفة) هو ابن اليمان ( وكان يغازى أهل الشام فى فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ) أى كان عثمان يجهز أهل الشام وأهل العراق لغزو أرمينية وأذربيجان وفتحهما. قال الحافظ: إن أرمينية فتحت فى خلافة عثمان ، وكان أميراً لعسكر من أهل العراق سلمان بن ربيعة الباهلى، وكان عثمان أمر أهل الشام وأهل العراق ٥١٧ أن يجتمعوا على ذلك، وكان أمير أهل الشام على ذلك العسكر حبيب بن مسلمة الفهرى ، وكان حذيفة من جملة من غزا معهم ، وكان هو على أهل المدائن وهى من جملة أعمال العراق انتهى . وإرمينية بكسر الهمزة وسكون الراء وكسر الميم بعدوها تحتانية ساكنة ثم نون مكسورة ثم تحتانية مفتوحة خفيفة ، وقد تثقل. وقال ابن السمعانى: بفتح الهمزة ، وقال أبو عبيد: هى بلد معروف يضم كوراً كثيرة. وقال الرشاطى : افتتحت سنة أربع وعشرين فى خلافة عثمان رضى الله عنه على يد سلمان بن ربيعة. وأذربيحان بفتح الهمزة والذال المعجمة وسكون الراء، وقيل بسكون الذال وفتح الراء وبكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم جم خفيفة وآخره نون . وحكى ابن مكى : كسر أوله ، وضبطها صاحب المطالع ، ونقله عن ابن الأعرابى، بسكون الذال وفتح الراء : بلد كبير من نواحى جبال العراق وهى الآن تبريز وقصباتها ، وهى تلى أرمينية من جهة غربيها وانفق غزوهما فى سنة واحدة ، واجتمع فى غزوة كل منهما أهل الشام وأهل العراق ، والمذكور فى ضبط أذربيجان هو المشهور ، وقد تمد الهمزة ، وقد تحذف وقد تفتح الموحدة، وقيل فى ضبطها غير ذلك ( فرأى حذيفة اختلافهم فى القرآن) وفى رواية البخارى: فأفزع حذيفة اختلافهم فى القراءة . وذكر الحافظ ههنا روايات توضح ما كان فيهم من الاختلاف فى القراءة، ففى رواية يتنازعون فى القرآن حتى سمع حذيفة من اختلافهم ماذعره . وفى رواية: فتذاكروا القرآن فاختلفوا فيه حتى كان يكون بينهم فتنة . وفى رواية: أن حذيفة قدم من غزوة فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان ، فقال يا أمير المؤمنين : أدرك الناس ، قال : وما ذاك ؟ قال : غزوت فرج أرمينية فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب فيأتون بما لم يسمع أهل العراق ، وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضاً . وفى رواية: أنه سمع رجلا يقول: قراءة عبد الله بن مسعود، وسمع آخر يقول : قراءة أبى موسى الأشعرى ، فغضب، ثم قام لحمد الله وأثنى عليه ثم قال: هكذا كان من قبلكم اختلفوا، والله لأركبن إلى أمير المؤمنين . وفى رواية أن اثنين اختلفا فى آية من سورة البقرة قرأ هذا: وأتموا الحج والعمرة لله، وقرأ ٥١٨ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِى الْكِتَبِ كَمَا اخْتَلَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ إِلَى حَقْصَةَ أَنْ أَرْسِىِ إِلَيْنَ بِالصُّحُفِ نَفْسَخُهَا فِى الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَاَ إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ حَفْصَةُ إِلَى عُثْمانَ بْ عَفَّانَ بِالصَّحُفِ، فَأَرْسَلَ عُثْمانُ إِلَى زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ وَسَعِيدٍ بِنِ الْعَاصِ وَعَبْدِ الرَّحَنِ بنِ الْحَارِثِ بنِ هِشَامٍ وَعَبْدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ، أَن انْسَخُوا الصُّحُفَ فى المَصَاحِفِِ، وقال لِلِرَّحْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاَثَةِ: مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ هذا : وأنموا الحج والعمرة للبيت ، فغضب حذيفة واحمرت عيناه . وفى رواية: قال حذيفة : يقول أهل الكوفة قراءة ابن مسعود، ويقول أهل البصرة: قراءة أبى موسى، والله لئن قدمت على أمير المؤمنين لأمرته أن يجعلها قراءة واحدة ( أدرك هذه الأمة) أمر من الإدراك، بمعنى التدارك (فأرسل ) أى عثمان ( إلى حفصة أن أرسلى النبأ بالصحف) وكانت الصحف بعد ما جمع القران أبو بكر عنده حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر (نسخها فى المصاحف ثم تردها إليك) أى تنقلها، والمصاحف جمع المصحف : بضم الميم . قال الحافظ : الفرق بين الصحف والمصحف أن الصحف الأوراق المجردة التى جمع فيها القرآن فى عهد أبى بكر كانت سوراً مفرقة كل سورة مرتبة بآياتها على حدة، ولكن لم يرقب بعضها إثر بعض ، فلما نسخت ورتب بعضها إثر بعض، صارت مصحفاً انتهى . (فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن الزبير: أن انسخوا الصحف ) أى انقلوا مافيها . وفى رواية البخارى: فأمر، مكان فأرسل. وقد جاء عن عثمان أنه إنما فعل ذلك بعد أن استشار الصحابة ، فأخرج ابن أبى داود بإسناد صحيح من طريق سويد ابن غفلة . قال على : لا تقولوا فى عثمان إلا خيراً، فوالله ما فعل الذى فعل فى المصاحف ٥١٩ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بنُ ثَبِتٍ فَكْتُبُوهُ بِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَ نَزَلَ بِسَانِهِمْ حَتَّى نَسَخُوا الصُّحُفَ فِى الْمَصَاحِفِ، بَعَثَ عُثْنُ إلى كلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِنْ تِلْكَ الَصَاحِفِ أَّتِ نَسَخُوا . إلا عن ملأ منا ، قال ما تقولون فى هذه القراءة ، فقد بلغنى أن بعضهم يقول إن قراءتى خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفراً . قلنا : فما ترى ؟ قال : نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد ، فلا تكون فرقة ولا اختلاف . قلنا: فنعم مارأيت (وقال ) أى عثمان ( الرهط القرشيين الثلاثة ) يعنى سعيداً وعبد الرحمن وعبد الله، لأن سعيداً أموى، وعبد الرحمن مخزومى، وعبد الله أسدى، وكلها من بطون قريش ( فإنما نزل بلسانهم ) أى بلسان قريش . قال القاضى بن أبو بكر بن الباقلانى: معنى قول عثمان نزل القرآن بلسان قريش أى معظمه ؛ وأنه لم تقم دلالة قاطعة على أن جميعه بلسان قريش ، فإن ظاهر قوله تعالى: ((إنا جعلناه قرآناً عربياً، أنه نزل بجميع ألسنة العرب؛ ومن زعم أنه أراد مضر درن ربيعة، أو هما دون اليمن، أو قريشاً دون غيرهم ، فعليه البيان ، لأن اسم العرب يتناول الجميع تناولا واحداً.، ولو ساغت هذه الدعوى اساغ للآخران . ويقول: نزل بلسان بنى هاشم مثلا ، لأنهم أقرب إلى النبى صلى الله عليه وسلم نسباً من سائر قريش ( إلى كل أفق ) بضمتين : أى طرف من أطراف الآفاق ( بمصحف من تلك المصاحف التى نسخوا) زاد البخارى : وأمر بما سواه من القرآن فى كل صحيفة أو مصحف أن يحرق . قال ابن بطال: فى هذا الحديث جواز تحريق الكتب التى فيها اسم الله بالنار وأن ذلك إكرام لها وصون عن وطئها بالأقدام . وقد أخرج عبد الرزاق من طريق طاوس : أنه كان يحرق الرسائل التى فيها البسملة إذا اجتمعت، وكذا فعل عروة، وكرهه إبراهيم. وقال ابن عطية: الرواية بالحاء المهملة أصح، وهذا الحكم هو الذى وقع فى ذلك الوقت . وأما الآن : فالغسل أولى لما دعت الحاجة إلى إزالته ، هكذا فى الفتح. وقال العينى : قال أصحابنا الحنفية: إن المصحف إذا ٥٢٠ قال الزُّهْرِىُّ: وحدثنى غارِجَةُ بنُ زَيْدٍ أَنَّ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ قال: فَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ الأَحْزابِ كُنْتُ أَسْمَعُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقْرَؤُهَا ( مِنَ الْمُؤْمِنَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ)، فَالْتَمَسْتُهَاَ فَوَجَدْتُهَ مَعَ خُزَيْمَةَ بنِ ثَبِتٍ أَوْ أَبِى خُزَيْمَةَ فَأَلْحَقْتُهَاَ فِى سُورَتِهَا . قال الزُّهْرِىُّ: فَاخْتَلَفُوا يَوْمَئِذٍ فِى الْتَّابُوتِ وَالتَّبُوهِ، فقال الْقُرَ دِيُّونَ: الثَّابُوتُ، وقال زَيْدٌ: التَّابُوهُ، فَرُفِعَ اخْتِلاَفُهُمْ إِلى عُثْمَانَ ، فقال: اكْتُبُوهُ النَّبُوتَ، فَإِنَّهُ نَزَلَ بِسَانٍ قُرَيْشٍ. بلى بحيث لا ينتفع به ، يدفن فى مكان طاهر بعيد عن وطىء الناس . قلت: لو تأملت عرفت أن الاحتياط هو فى الإحراق دون الدفن ، ولهذا اختار عثمان رضى الله عنه ذلك دون هذا والله تعالى أعلم . قوله : (قال الزهرى وحدثنى خارجة بن زيد الخ) هذا موصول إلى الزهرى بالإسناد المذكور . قوله: ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) من الثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم (فمنهم من قضى نحبه ) مات أو قتل فى سبيل الله ( ومنهم من ينتظر ) ذلك (فوجدتها مع خزيمة بن ثابت، أو أبى خزيمة ) كذا فى هذا الكتاب بالشك . وفى رواية البخارى : لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصارى بغير شك (ذألحقتها فى سورتها ) فيه إشكال لأن ظاهره أنه اكتفى بخزيمة وحده، والقرآن إنما يثبت بالتواتر ، والذى يظهر فى الجواب أن الذى أشار إليه أن فقده فقد وجودها مكتوبة ، لافقد وجودها محفوظة ، بل كانت محفوظة عنده وعند غيره . ويدل على هذا قوله فى حديث جمع القرآن: فأخذت أنتبعه من الرقاع والعسب. قوله: (قال الزهرى فاختلفوا يومئذ فى التابوت والتابوه) أى هل هو بالتاء أو بالهاء ( فقال القرشيون الدابوت ) أى بالتاء ( وقال زيد التابوه ) أى بالماء ئے