النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من حديثٍ عَلِيٍّ.
وفى البابِ عن أبى هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ .
٥٠٤٩ - حدثنا مُمَّدُ بنُ مَعْمَرِ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْبَصْرِىُّ، أخبرنا رَوْحُ
ابنُ عُبَادَةَ، أخبر ناشُعْبَةُ، أخبرنى مُوسَى بنُ أَنَسِ قال: ((سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ
مَالِكٍ يقولُ: قَالَ رَجُلٌ: يارسولَ اللهِ مَنْ أَبِى؟ قال: أَبُوكَ فُلاَنٌ ، قال:
قدمت الأولى التى هى لام الكلمة جعلت قبل الشين ، فصار وزنها لفعاء ( إن
تبدلكم) أى تظهر لكم (تسؤكم) لما فيها من المشقة، وإن تسألوا عنها حين ينزل
القرآن : أى فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم تبدلكم. المعنى إذا سألتم عن أشياء فى
زمنه ينزل القرآن بإبداتها ومتى أبدأها ساءتكم فلا تسألوا عنها .
قوله: ( هذا حديث حسن غريب ) وأخرجه أحمد وابن ماجه ، وقد تقدم
هذا الحديث بإسناده ومتنه فى باب: كم فرض الحج، وبينت هناك أن هذا
الحديث منقطع .
قوله: ( وفى الباب عن أبى هريرة وابن عباس ) تقدم تخريج حديثيهما فى
الباب المذكور .
قوله: ( حدثنا محمد بن معمر) بن ربعى القيسى (أبو عبد الله البصرى)
البحرانى بالموحدة والمهملة ، صدوق من كبار الحادية عشرة ( أخبرنى موسى بن
أفس ) بن مالك الأنصارى قاضى البصرة ، ثقة من الرابعة.
قوله: (قال رجل ) هو عبد الله بن حذافة القرشى السهمى، وفى رواية
البخارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج، فقام عبد الله بن حذافة فقال:
من أبى ( من أبى) جملة من المبتدأ والخبر مقول القول .
فإن قلت : لم سأله عن ذلك ؟
قلت : لأنه كان يفسب إلى غير أبيه إذا لاحى أحداً فنسبه عليه الصلاة
والسلام إلى أبيه .
فإن قلت: من أين عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ابنه ؟

٤٢٢
فَنَزَلَتْ: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمُ
تَسُؤْكُ)). هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
٥٠٥٠ - حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيِعٍ، أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، أخبرنا
إِسْمَاعِيلُ بنُ أبى خالِدٍ عن قَيْسِ بنِ أبى حازِمٍ عن أبى بَكْرِ الصِّدِّيقِ أنّهُ
قال: ((يا أَيُّهَا الَّاسُ إِنَّكَمُ تَقْرَ هُ ونَ هَذِهِ الْآيَةَ: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
عَلَيْكُمُ أَنْفُسَكُمُ لا يَضُرُّكُ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) وإنى ◌َمِعْتُ رسولَ الهِ
قلت: إما بالوحى وهو الظاهر أو بحكم الفراسة ، قاله العينى ( لا تسألوا عن
أشياء الخ) قال الحافظ: قد تعلق بهذا النهى من كره السؤال عما لم يقع وقد
أسنده الدارمى فى مقدمة كتابه عن جماعة من الصحابة والتابعين . وقال ابن العربى:
اعتقد قوم من الغافلين منع أسئلة النوازل حتى تقع تعلقاً بهذه الآية وليس كذلك
لأنها مصرحة بأن المنهى عنه ما تقع المسألة فى جوابه ، ومسائل النوازل ليست
كذلك وهو كما قال إلا أنه أساء فى قوله الغافلين على عادته كما نبه عليه القرطى .
وقد روى مسلم عن سعد بن أبى وقاص رفعه: أعظم المسلمين بالمسلمين جرماً من
سأل عن شيء لم يحرم حرم من أجل مسألته، وهذا يبين المراد من الآية وليس
ما أشار إليه ابن العربى فى شىء انتهى .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أحمد والبخارى
ومسلم والنسائى .
قوله : ( أنه قال يا أيها الناس ) وفى رواية أحمد: قام أبو بكر الصديق رضى
الله عنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس (إنكم تقرؤون هذه الآية) زاد
أبو داود فى روايته وقضعونها على غير مواضعها، يعنى تجرونها على عمر١,٠
وتمتنعون عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مطلقاً وليس كذلك (يا أيها
الذين آمنوا عليكم أنفسكم) انتصب أنفسكم بعليكم وهو من أسماء الأفعال، أى
الزموا إصلاح أنفسكم واحفظوها عن المعاصى ، والكاف والميم فى عليكم فى موضع
جر لأن اسم الفعل هو الجار والمجرور لا على وحدها ( لايضركم من ضل إذا

٤٢٣
صلى اللهُ عليه وسلم يقولُ: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا ظَالِمًا فَمْ يَأْخُذُوا عَلَى بَدَيْهِ
أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَهُمُ اللهُ بِعِقَبٍ مِنْهُ)).
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رَوَاهُ غيرُ وَاحِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ
أبى خالِدٍ نَحْوَ هذا الحديثِ مرفوعاً. وَرَوَى بَعْضُهُمْ عن إسماعِلَ عن قَيٍْ
عن أبى بَكْرٍ قَوْلَهُ وَلَمْ يَرْقَمُوهُ .
٥٠٥١ - حدثنا سَعِيدُ بنُ يَعْقُوبَ الطَّالَقَانِئُ، حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ
الَارَكِ ، أخبرنا عُثْبَةُ بنُ أَبِى حَكِيمٍ، أخبرنا عَمْرُو بنُ بارِيَةَ الَّخِْئُ
اهتديتم ) أى فإذا ألزمتم إصلاح أنفسكم وحفظتموها، لم يضركم إذا عجزتم عن
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ضلال من ضل بارتكاب المناهى إذا اهتديتم
اجتنابها. وليس فى هذه الآية دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر
إذا كان فعل ذلك ممكناً ( فلم يأخذوا على يديه ) أى لم يمنعوه عن ظلبه مع
القدرة على منعه أن يعمهم الله بعقاب منه ، أى بنوع من العذاب.
قوله : ( هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائى
وابن ماجه. وقد تقدم هذا الحديث فى باب نزول العذاب إذ لم يغير المنكر
من أبواب الفتن .
قوله: ( وقد رواه غير واحد عن إسماعيل بن أبى خالد نحو هذا الحديث
مرفوعاً الخ) قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره بعد ذكر هذا الحديث : قد روى
هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة وابن حبان فى صحيحه وغيرهم من طرق كثيرة
عن جماعة كثيرة عن إسماعيل بن أبى خالد به متصلا مرفوعاً، ومنهم من رواه
عنه به موقوفاً على الصديق ، وقد رجح رفعه الدار قطنى وغيره .
قوله: (أخبرنا عقبة بن أبى حكيم) الهمدانى بسكون الميم أبو العباس الأردنى
بضم الهمزة والدال بينهما راء ساكنة وتشديد النون ، صندوق بخطى كثيراً من
السادسة ( أخبرنا عمرو بن جارية) بالجيم اللخمى شامى مقبول. وقال فى تهذيب

٤٢٤
عَنْ أبى أمَيَّةَ الشَّعْبَانِىِّ قال: أَتَيْتُ أَبَ تَعْلَبَةَ الْشَنِىَّ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ
تَصْنَعُ فِى هَذِهِ الْآيَةِ؟ قال: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ تَعَلَى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا عَلَيْكُمُ أَنْفُسَكُمُ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) قال: ((أَمَا وَاشِ
لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهاَ خَبِيراً، سَأَلْتُ عَنْهاَ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال:
بَلْ انْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَهَوْا عَنِ الْمَنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًا مُطَاعَاً،
التهذيب فى ترجمته : يقال إنه عم عتبة بن أبى حكيم ، ذكره ابن حبان فى الثقات له
عندهم حديث واحد من رواية أبى أمية عن أبى ثعلبة: إذا رأيت شجاعاً مطاعاً
الحديث (عن أبى أمية الشعبانى) الدمشق اسمه محمد بضم التحتانية وسكون المهملة
وكسر الميم، وقيل بفتح أوله والميم، وقيل اسمه عبد الله، مقبول من الثانية.
قوله: (فقلت له كيف تصنع فى هذه الآية) وفى رواية أبى داود: كيف
تقول فى هذه الآية ، يعنى ما معنى هذه الآية وما تقول فيها، فإن ظاهرما يدل على
أنه لا حاجة إلى الأمر والنهى بل على كل مسلم [صلاح نفسه (أما ) بالتخفيف
حرف التنبيه ( لقد سألت) بفتح الناء بصيغة الخطاب (خبيراً) أى عارفاً وعالماً
يمعنى هذه الآية ( سألت ) بضم التاء بصيغة المتكلم (بل اقتمروا) أى امتثلوا
(بالمعروف) أى ومنه الأمر به (وتناهوا) أى انتهوا واجتنبوا (عن المنكر)
ومنه الامتناع عن نهيه أو الاقتمار بمعنى التآمر ، كالاختصام بمعنى التخاصم ،
ويؤيده التفاهى. والمعنى ليأمر بعضكم بعضاً بالمعروف، وتنه طائفة منكم طائفة
عن المنكر .
وقال الطيبى رحمه الله: قوله بل التمروا إضراب عن مقدر، أى سألت عنها
رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت أما نترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر
بناء على ظاهر الآية ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لاتتركوا بل انتمروا
بالمعروف الخ (حتى إذا رأيت) أى أيها المخاطب خطاباً عاماً. والمعنى إذا علمت
الغالب على الناس ( شحاً مطاعاً ) أى بخلا مطاعاً بأن أطاعته نفسك وطاوعه
غيرك قاله القارى .

٤٢٥
وَهَوَّى مَتَّبَعاً، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِنْجَبَ كُلِّ ذِى رَأْىٍ بِرَ أَبِدٍ، فَلَيْكَ
بِخَصَّةٍ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامً الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ
الْقَبْضِ عَلَى الْرِ، لِمَاءِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرٍ تَمْسِينَ رَجْلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ
عَلِكُمُ )). قال عَبْدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ: وَزَادَنى غيرُ عُتْبَةَ قِيلَ : يارسولَ اللهِ
أَجْرُ خْسِينَ رَجُلاَ مِنَّا أَوْ مِنَهُمْ؟ قال: لاَ، بَلْ أَجْرُ خْسِينَ رَجُلاً مِنْكُمْ)).
وفى النهاية: هو أشد البخل ، وقيل الدخل مع الحرص ، وقيل البخل فى أفراد
الأمور وآحادها ، والشح عام ، وقيل البخل بالمال والشح بالمال وبالمعروف
( وهوى متبعاً) بصيغة المفعول ، أى وهوى للنفس متبوعاً. وحاصله أن كلا
يتبع هواء (وديناً) بالقصر وهى عبارة عن المال والجاه فى الدار الدنية (مؤثرة)
أى مختارة على أمور الدين ( وإعجاب كل ذى رأى برأيه ) أى من غير نظر
إلى الكتاب والسنة، والإعجاب بكسر الهمزة: هو وجدان الشىء حسناً ورؤيته
مستحسناً بحيث يصير صاحبه به معجباً وعن قبول كلام الغير مجنباً وإن كان قبيحاً
فى نفس الأمر (فعليك نفسك) منصوب وقيل مرفوع ، أى فالواجب أو فيجب
عليك حفظها من المعاصى . لكن يؤيد الأول وهو أن يكون الإغراء بمعنى الزم
خاصة نفسك قوله ( ودع العوام ): أى اترك أمر عامة الناس الخارجين عن
طريق الخواص (فإن من وراءكم أياماً) أى قدامكم من الأزمان الآتية (الصبر
فيهن مثل القبض على الجمر) يعنى يلحقه المشقة بالصبر فى تلك الأيام كشقة الصابر
على قبض الجمر بيده ( يعلمون مثل عملكم).
وفى رواية أبى داود : يعملون مثل عمله ، أى فى غير زمانه ( قال لا بل أجر
خمسين رجلا منكم) قال فى اللمعات : يدل على فضل هؤلاء فى الأجر على الصحابة
من هذه الحيثية، وقد جاء أمثال هذا أحاديث أخر ، وتوجيه كما ذكروا أن
الفضل الجزئى لا ينافى الفضل الكلى .
وقد تكلم ابن عبد البر فى هذه المسألة وقال: يمكن أن يجىء بعد الصحابة
من هو فى درجة بعض منهم أو أفضل ومختار العلماء خلافه انتهى .

٤٢٦
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ .
٥٠٥٢ - حدثنا الْحَسَنُ بنُ أَحَدَ بنِ أبى شُعَيْبٍ الْحَرَّانى، أخبرنا
مُمَُّ بنُ سَلَةَ الْرَّانِىُّ، أخبرنا حُمَّدُ بنُ إِسْحَقَ عن أبى النَّضْرِ عن بَذَانَ
مَوْلَى أُمِّ هَانىء عن ابنِ عَبَّاسٍ عِن تَمِيمِالدَّارِيِّ فِى هَذِهِ الآيَةِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ليس هذا على إطلاقه بل هو مبنى
على قاعد تين :
أحديهما : أن الأعمال تشرف بثمراتها، والثانية أن الغريب فى آخر الإسلام
كالغريب فى أوله وبالعكس ، لقوله عليه السلام: بدأ الإسلام غريباً وسيعود
غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء من أمتى ، يريد المتفردين عن أهل زمانهم.
إذا تقرر ذلك فنقول : الإنفاق فى أول الإسلام أفضل لقوله عليه السلام
لخالد بن الوليد رضى الله عنه: لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم
ولا نصيفه، أى مد الحنطة. والسبب فبه أن تلك النفقة أثمرت فى فتح الإسلام
وإعلاء كلمة الله ما لا يثمر غيرها، وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه
إلى فضل المتقدمين لقلة عدد المتقدمين وقلة أنصارهم ، فكان جهادهم أفضل ،
ولأن بذل النفس مع النصرة ورجاء الحياة ليس لبذلها مع عدمها ، ولذلك قال
عليه السلام يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر لا يستطيع دوام ذلك لمزيد
المشقة فكذلك المتأخر فى حفظ دينه ، وأما المتقدمون فليسوا كذلك لكثرة
المعين وعدم المنكر. فعلى هذا يترك الحديث انتهى ، كذا فى مرقاة الصعود .
قوله: ( هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود وابن ماجه وابن
جرير وابن أبى حاتم والحاكم والبيهقى فى شعب الإيمان .
قوله: ( عن أبى النضر ) اسمه محمد بن السائب بن بشر الكلى الكوفى النسابة
المفسر ، متهم بالكذب ورى بالرفض من السادسة (عن باذان) قال فى التقريب:
باذلم بالذال المعجمة . ويقال آخره نون ، أبو صالح، مولى أم هانىء، ضعيف
مدلس من الثالثة ( عن تميم الدارى ) صحابى مشهور .

٤٢٧
آمَنُوا شَهَدَةُ بَيْفِكُمُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَ كُمُ المَوْتُ) قال: بَرِىءَ النَّاسُ مِنْهاَ
غَيْرِى وَغَيْرَ عَدِيٍّ بنِ بَدَّاءِ، وَكَانَا نَصْرَائِّيْنِ يَخْتَلِفَنِ إِلَى الشَّامِ قَبْلَ
الْإِسْلاَمِ، فَأَنَا الشَّامَ لِجَارَتهِمَا، وَقَدِيمَ عَلَيْماً مَوْلَى لِبَنِ سَهْمٍ يُقَالُ لَهُ
بُدَيْلُ بِنُ أَبِ مَرْيَ بِتِجَارَةٍ وَمَعَهُ جَلٌ مِنْ فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ آلِكَ وَهُوَ عُظْمُ
◌ِاَرَتِهِ فَرِضَ، فَأَوْصَى إِلَيْهِمَاَ وَأَمَرَّ هُما أَنْ يُبَلََّ مَا تَرَكَ أَهْلَهُ.
قال تَمِيمٌ: فَلَا مَاتَ أَخَذْنَا ذَلِكَ الْامَ فَبِعْنَهُ بِأَلْفِ دِرْهٍَ، ثُمَّ
افْتَسَمْنَاهُ أَنَا وَعَدِىُّ بِنُ بَدَّاء، فَلَّ أَتَيْنَا إِلَى أَهْلِ دَفَعْنَا إِلَيْهِمْ مَا كَانَ مَعَنَاً
وَفَقَدُوا الْجَامَ، فَسَأَلُونَ عَنْهُ، فَقُلْماَ: مَاتَرَكَ غَيْرَ هَذَا وَمَا دَفَعَ إِلَيْنَا غَيْرَهُ.
قال تَمِيمٌ: فَمَّا أَسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
قوله: ( قال برىء الناس منها ) أى من هذه الآية ( غيرى وغير عدى بن
بداء) بفتح الموحدة وتشديد المهملة مع المد ووقع عند الواقدى: أن عدى بن
بداء كان أغا تميم الدارى ، فإن ثبت فلعله أخوه لأمه أو من الرضاعة لكن فى
تفسير مقاتل بن حيان أن رجلين نصرافيين من أهل دارين أحدهما تميم والآخر
يمانى قاله الحافظ ( يختلفان إلى الشام) أى يترددان إليه للتجارة ( يقال له بديل
ابن أبى مريم ) بضم الموحدة وفتح الدال المهملة مصغراً. ووقع فى رواية
ابن جريج أنه كان مسلماً، وكذا أخرجه بسنده فى تفسيره (ومعه جام) بالجي
وتخفيف الميم : أى إناء ( يريد به الملك ) أى ليبيعه منه ( وهو عظم تجارته )
بضم العين المهملة وسكون الظاء المعجمة ، أى معظم أموال تجارته أو بكسر العين
المهملة وفتح الظاء المعجمة. وعظم الشىء كبره (فرض) أى بديل السهمى (فأوصى
إليهما ) أى إلى تميم وعدى .
وفى رواية أن السهمى المذكور مرض ، فكتب وصيته بيده ثم دسها فى
متاعه ثم أوصى إليهما ( أن يبلغا) من الإبلاغ، أى يوصلا ( ما ترك) مفعول
أول ليبلغا (أهله ) مفعول ثمان ( فلما مات ) أى بديل ( وفقدوا الجام) أى

٤٢٨
الَدِينَةَ تَأْثَّمْتُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ، فَأَخْبَرْتُهُمْ الْبَرَ، وَأَدَّيْت إِلَيْهِمْ
◌َظَْثَّ دِرْمِ، وَأَخْتَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِى مِثْلُهَا، فَأَتَوْا بِهِ رسولَ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم ، فَسَأَلَهُمْ الْبَيِّنَةَ، فَلَمْ يَجِدُوا، فَأَمَرَّهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ.
بِمَا يَعْظُمُ بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: (يا أَيُّهَ الَّذِينَ آمَنُوا
شَهَدَةُ بَيْنِكُمُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَ كُمُ الَّوْتُ - إلى قوله - أَوْ يَخَفُوا أَنْ تُرَدَّ
أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ).
فقد أهل بديل الجام المذكور ولم يجدوه فى متاعه (تأثمت من ذلك) أى تحرجت
منه. قال فى النهاية: يقال تأثم فلان إذا فعل فعلا خرج به من الإثم ، كما يقال تحرج
إذا فعل ما يخرج به من الحرج ( عند صاحبى) أى عدى بن بداء ( فأتوا ) أى
أهل بديل (به) أى يعدى بن بداء (فسألهم البينة) أى طلب النبي صلى الله عليه وسلم
من أهل بديل البينة على ما أدعوه (فلم يجدوا) أى البينة ( أن يستحلفوه) أى
عدياً (خلف ) أى عدى .
قوله : (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم الخ) الآية بتمامها مع تفسيرها هكذا (يا أيها
الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان)) ارتفع اثنان
لأنه خبر المبتدأ بتقدير المضاف أى شهادة بينكم حينئذ شهادةاثنين أو فاعل شهادة
بينكم على أن خبرها محذوف أى فيما نزل عليكم أن يشهد بينكم اثنان. وأضاف
الشهادة إلى البين توسعاً لأنها جارية بينهم ، وإذا حضر : ظرف للشهادة ، وجين
الوصية : بدل منه، ذوا عدل منكم: يعنى من أهل دينكم وملتكم يا معشر المؤمنين.
وقيل معناه من أقاربكم وهما صفتان لاثنان.
واختلفوا فى هذين الاثنين ، فقيل هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية
الموصى، وقيل هما الوصيان لأن الآية نزلت فيهما ولأنه قال تعالى: فيقسمان بالله.
والشاهد لا يلزمه يمين وجعل الوصى اثنين تأ كيداً ، فعلى هذا تكون الشهادة بمعنى
الحضور كقولك شهدت وصية فلان بمعنى حضرت ، أو آخران: كائنان من غير كم
يعنى من غير أهل دينكم وملتكم وهم الكفار، وقيل من غير عشيرتكم وقبيلتكم

٤٢٩
وهم مسلمون ، والأول هو الأنسب بسياق الآية، وبه قال أبو موسى الأشعرى
وابن عباس وغيرهما ، فيكون فى الآية دليل على جواز شهادة أهل الذمة على
المسلمين فى السفر فى خصوص الوصايا كما يفيده النظم القرآنى . ويشهد له السبب
للنزول ، فإذا لم يكن مع الموصى من يشهد على وصيته فليشهد رجلان من أهل
الكفر فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ماكذبا ولا بدلا
وأن ما شهد به حق فيحكم حينئذ بشهادتهما فإن عثر : بعد ذلك: على أهما، كذبا
أو غانا حلف رجلان من أولياء الموصى وغرم الشاهدان الكافران ما ظهر عليهما
من خيانة أو نحوها، هذا معنى الآية عند من تقدم ذكره . وبه قال سعيد بن
المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبو مجلز والنخعى وشريح وعبيدة
السلمانى وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدى والثورى وأبو عبيدة وأحمد إن
حنبل ، وذهب إلى الثانى أعنى تفسير ضمير منكم بالقرابة أو العشيرة .
وتفسير غيركم بالأجانب الزهرى والحسن وعكرمة، وذهب مالك والشافعى
وأبو حنيفة وغيرهم من الفقهاء إلى أن الآية منسوخة، واحتجوا بقوله «من ترضون
من الشهداء)، وقوله ( وأشهدوا ذوى عدل منكم) والكفار ليسوا بمرضيين
ولا عدول ، وخالفهم الجمهور فقالوا الآية محكمة وهو الحق لعدم وجود دليل
صحيح على النسخ .
وأما قوله تعالى: ((من ترضون من الشهداء)) وقوله: ((وأشهدوا ذوى عدل
منكم)، وفهما عامان فى الأشخاص والأزمان والأحوال، وهذه الآية خاصة بحالة
الضرب فى الأرض والوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين، ولا تعارض بين خاص
وعام (إن أنتم ضرتم) أى سافرتم، والظاهر أن هذا الشرط قيد فى قوله آخران
من غيركم فقط. والمعنى ينبغى أن يشهد اثنان منكم ،إن تعذر كما فى السفر فمن غيركم
وقيل هو قيد فى أصل شهادة وذلك أنسب على تقدير تفسير الآية باتخاذ الوصيين
فى الأرض (فأصابتكم مصيبة الموت ) يعنى فنزل بكم أسباب الموت فأوصيتم
إليهما ودفعتم ما لكم إليهما ، ثم ذهبا إلى ورثتكم بوصيتكم وبما تركتم فارتابوا فى
أمرهما وادعوا عليهما خيانة، فالحكم فيه أنكم تحبونهما: أى ترقفونهما وهو
استئناف كلام أو صفة لقوله أو آخران من غيركم أى وآخران من غيركم محبوسان

٤٣٠
والشرط بجوابه المحذوف المدلول عليه وآخران من غيركم اعتراض بين الصفة
والموصوف من بعد الصلاة أى من بعد صلاة العصر، وبه قال عامة المفسرين .
ووجه ذلك أن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعدها فالتقييد بالمعروف
المشهور أغنى عن التقييد باللفظ مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك
الوقت وذلك لقربه من غروب الشمس، فيقسمان: أى الشاهدان على الوصية أو
الوصيان بالله إن ارتبتم أى إن شككتم فى شأنهما واتهمتموهما خلفوهما ، وبهذا
يحتج من يقول الآية نازلة فى إشهاد الكفار لأن تحليف الشاهد المسلم غير مشروع.
ومن قال الآية نازلة فى حق المسلم قال إنها منسوخة، وقوله إن ارتتم: اعتراض
بين يقسمان وجوابه وهو لانشترى به أى بالقسم ثمنأ : أى لانعتاض عنه بعوض
قليل من الدنيا الفانية الزائلة، ولو كان ذا قربى: أى ولو كان المشهود له أو المقسم
له ذا قرابة منا، ولا تكتم شهادة الله: إنما أضاف الشهادة إلى الله سبحانه لأنه أمر
بإقامتها ونهى عن كتمانها (إنا إذاً لمن الآثمين ) يعنى إن كتمنا الشهادة أو خنا
فيها، فإن عثر: يقال عثر على كذا اطلع عليه ويقال عثرت منه على خيانة أى أطلعت
وأعثرت غيرى عليه ومنه قوله تعالى: ((وكذلك أعثرنا عليهم)) وأصل العثور:
الوقوع والسقوط على الشىء، وقيل الهجوم على شىء لم يهجم عليه غيره وكل من
اطلع على أمر كان قد خفى عليه قيل له قد عثر عليه . والمعنى أنه إذا اطلع وظهر
بعد التحليف على أنهما أى الشاهدين أو الوصيين على الخلاف فى أن الاثنين
وصيان أو شاهدان على الوصية استحقا إثماً : أى فعلا ما يوجبه من خيانة أو
كذب فى الشهادة بأن وجد عندهما مثلا ما اتهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من
الميت أو أوصى لهما به، فآخران أى فشاهدان آخران أو خالفان آخران من
أولياء الميت، يقومان مقامهما: أى مقام الذين عثر على أنهما استحقا إثماً : فيشهدان
أو يحلفان على ما هو الحق ، من الذين استحق عليهم: على البناء للفاعل قراءة على
وابن عباس وأبى رضى الله عنهم ، أى من أهل الميت الذين استحق عليهم الأوليان
من بينهم أى الأقربان إلى الميت الوارثان له الأحقان بالشهادة ومفعول استحق
محذوف، أى استحقا عليهم أن يجردوهما للقيام بالشهادة لأنها حقهما ويظهروا بها
كذب الكاذبين ، وهما فى الحقيقة الآخران القائمان مقام الأولين على وضع المظهر
مقام المضمر، وفرىء على البناء للمفعول وهو الأظهر أى من الذين استحق عليهم

٤٣١
فَقَمَ عَمْرُو بنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ فَحَلَفَا، فَنُزْعَتْ الْحَمْسُمِائَةِ دِرْمَ
مِنْ عَدِىٌّ بنِ بَدَّاء .
هذا حديثٌ غريبٌ وليس إسنادُهُ بِصَحِيحٍ. وأبو النَّضْرِ الذى رَوَى
عَنْهُ عُمَّدُ بنُ إِسْحَقَ هذا الحديثَ هُوَ عِنْدِى مُمَّدُ بنُ السَّائِبِ الْكَلْبِىُّ
يُكْتَى أَبَا النَّصْرِ، وقد تَرَّكَهُ أَهْلُ الْعِ بِالحديثِ، وَهُوَ صَاحِبُ التَّفْسِرِ،
سَمِعْتُ مُمَّدَ بنَ إسماعِيلَ يقولُ: حُمَّدُ بنُ سَائِبِ الْكَلْبِىُّ بُكْنَى أَبَ النَّغْرِ
ولا نَعْرِفُ لِسَالِمٍ أَبِى النَّضْرِ المَدِينِيِّ رِوَايَةً عن أبى صالحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانىء.
الإنم أى جنى عليهم وهم أهل الميت وعشيرته. فالأوليان مرفوع على أنه خبر
لمبتدأ محذوف كأنه قيل ومنهما فقيل الأوليان أو هو بدل من الضمير فى يقومان
أو من آخران، فيقسمان بالله: أى فيحلفان على خيانة الشاهدين ويقولان، لشهادتنا
أحق من شهادتهما : يعنى أيماننا أحق وأصدق من أيمانهما، وما اعتدينا : أى
ما تجاوزنا الحق فى أيماننا ، وقولنا إن شهادتنا أحق من شهادة هذين الوصيين
الخائنين، إنا إذا لمن الظالمين: أى إن حلفنا كاذبين ، ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على
وجها : يعنى ذلك الذى حكمنا به من رد المين على أولياء الميت بعد أيمانهم أقرب
أن يأتوا بالشهادة على وجهها ، يعنى أن يأتى الوصيان وسائر الناس بالشهادة على
وجهها الذى تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد
أيمانهم : أى وأقرب أن يخافوا أن ترد الأيمان على أولياء الميت فيحلفوا على
خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا أو يغرموا فربما لا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا
الحكم، واتقوا الله: بترك الخيانة والكذب، واسمعوا: ما تؤمرون به سماع قبول ،
والله لا يهدى القوم الفاسقين: الخارجين عن طاعته إلى سبيل الخير (فقام عمرو بن
العاص ورجل آخر ) سمى مقاتل بن سليمان فى تفسيره الآخر المطلب بن أبى
وداعة ، وهو سهمى أيضاً .
قوله: ( هذا حديث غريب) وأخرجه ابن أبى حاتم وابن جرير
( ولا نعرف لسالم أبى النضر المدينى رواية عن أبى صالح مولى أم هانىء) مقصود

٤٣٢
وقد رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ شَىْء من هذا ◌َلَى الاخْتِصَارِ من غيرِ هذا الْوَجْهِ .
٥٠٥٣ - حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيع، أخبرنا يَحْتَّى بنُ آدَمَ ، عن ابنِ
أَبِىِ زَائِدَةَ، عن ◌ُمَّدِ بنِ أَبِى الْقَاسِمِ، عن عبدِ الملِكِ بنِ سَعِيدِ بنِ جَبَيْرٍ عن
أَبِيهِ عن ابنِ عَبَّاسٍ قال: ((خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى مَهِْمَعَ تَسِيمِ الدَّارِئِّ
وَعَدِيٌّ بنِ بَدَّاءِ، فَتَ السَّهِْىُّ بِأَرْضِ لَيْسَ بِهَاَ مُصِْمٌ ، فَلَمَّا قَدِمَاً
بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جاماً مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصَ بِالذَّهَبِ، فَأَحْلَفَهُمَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم، ثُمَّ وَجَدُوا الْجَامَ بِمَكَّةَ، فَقِيلَ: اشْتَرَيْفَهُ مِنْ تَسِيمٍ وَعَدِىّ،
فَقَكَمَ رَجُلاَنٍ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهِْىِّ فَحَلَفَاَ بِاللهِ لَشَهَدَتُنَّ أَحَقُّ مِنْ شَهَدَتِماً،
وَإِنَّ الْهَامَ لِصَاحِبِهِمْ. قال: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَدَةُ
الترمذى أن أبا النضر الذى وقع فى إسناد هذا الحديث هو محمد بن السائب الكلى،
فإن روايته عن باذان أبى صالح معروفة، وليس أبو النضر هذا سالماً أبا النضر
المدينى لأنه لا يعرف له رواية عن باذان أبى صالح مولى أم هانى.
قوله: ( عن ابن أبى زائدة) هو يحيى بن زكريا ( عن محمد بن أبى القاسم)
الطويل الكوفى ، ثقة من السادسة .
قوله: ( خرج رجل من بنى سهم) هو بديل بن أبي مريم ، المذكور فى
الحديث المتقدم (مع تميم الدارى) يعنى قبل أن يسلم هو كما تقدم ، وعلى هذا فهو
من مرسل الصحابى ، لأن ابن عباس لم يحضر هذه القصة وفى الرواية المتقدمة أنه
رواها عن تمم نفسه. ويحتمل أن تكون القصة وقعت قبل الإسلام ثم تأخرت
المحاكمة حتى أسلموا كلهم ، فإن فى القصة ما يشعر بأن الجميع تحاكموا إلى النبى
صلى الله عليه وسلم، فلعلها كانت بمكة سنة الفتح (مخوصاً) بضم الميم وفتح الخاص
المعجمة والواو المشددة وفى آخره صاد مهلة . قال ابن الجوزى : صيغت فيه
صفائح مثل الخوص من الذهب معناه منقوشاً فيه خطوط دقاق طوال كالخوص
وهو ورق النخل (من أولياء السهمى) أى من أولياء السهمى المذكور الذى مات.
=
.

٤٣٣
بَيْنِكمُ)). هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وَهُوَ حديثُ ابنُ أَبِى زائِدَةَ.
٥٠٥٤ - حدثنا الْسَنُ بنُ قَزَعَةَ الْبَصْرِىُّ، أخبرنا سُفْيَانُ بنُ
حَبِيبٍ ، حدثنا سَعِيدٌ عن فَتَادَةَ، عن خِلاَسِ بنِ عَرْوعن ◌َمَارِ بنِ بَاسٍِ
قال: قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((أُنْزِلَتْ الْتَائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزاً
وَلَحْمَا، وَأُمِرُ وا أَنْ لا يَخُونُوا ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَخَانُوا وَادَّخَرُ وا وَرَفَعُوا
لِغَدٍ ، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ )).
قوله : (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود فى القضايا ، وأخرجه
البخارى فى صحيحه فقال: وقال لى على بن عبد الله: يعنى ابن المدينى فذكره، قال
الحافظ : أخرجه المصنف يعنى البخارى فى التاريخ فقال حدثنا على بن المديني وهذا
مما يقوى ما قررته غير مرة من أنه يعبر بقوله وقال لى فى الأحاديث التى سمعها ،
لكن حيث يكون فى إسنادها عنده نظر أو حيث تكون موقوفة وأما من زعم
أنه يعبر بها فيما أخذه فى المذاكرة أو بالمناولة فليس عليه دليل.
قوله: ( حدثنا الحسن بن قزعة ) بفتح قاف وسكون زاى وفتحها وإمين
مهملة : ابن عبيد الهاشمى أبو على البصرى صدوق من العاشرة ( أخبرنا سفيان بن
حبيب البصرى البزاز أبو محمد ، وقيل غير ذلك ثقة من التاسعة ( حدثنا سعيد)
هو ابن أبى عروبة ( عن خلاس بن عمرو ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام
ثقة ، وقد صح أنه سمع من عمار .
قوله: ( أنزلت المائدة) قال الراغب : المائدة الطبق الذى عليه الطعام ويقال
لكل منهما مائدة ، أى على الحقيقة المشتركة أو على أحدهما مجازاً باعتبار المجاورة
أو بذكر المحل وإرادة الحال ( خبزاً ولحماً ) تمييز (وأمروا) بصيغة المجهول
( ولا يدخروا) بتشديد الدال المهملة المبدلة من الذال المعجمة من باب الافتعال
من الذخيرة وهو النخبية (لغد) أى ليوم عقب يوم نزول المائدة أو لوقت مستقبل
بعده ( فسخوا ) أى فغير الله صورهم الإنسانية بعد تغيير سيرتهم الإنسية (قردة
وخنازير) منصوبان على أنهما مفعول ثان على ما يستفاد من القاموس حيث قال
( ٢٨ - تحفة الأحوذي ٨)

٤٣٤
هذا حديثٌ غريبٌ. وَرَوَاهُ أَبُو عاصِمٍ وغيرُ وَاحِدٍ عن سَعِيدٍ بنٍ أبى
عَرُوبَةَ، عن قَدَةً عن خِلاَسٍ، عن عَمَّارٍ موقوفاً ، ولا نَعْرِفُهُ مرفوعاً
إِلَّ من حديثِ الْحَسَنِ بنِ فَزَعَةَ .
٥٠٥٥ - حدثنا ◌ُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ، أخبرنا سُفْيَانُ بنُ حَبِيبٍ، عن
سَعِيدٍ بنٍ أَبِى عَرُوبَةَ نَحْوَهُ ولم يَرْقَعْهُ. وهذا أَصَحُ من حديثِ الْحَسَنِ بنِ
فَزَعَةَ ، ولا نَعْلَ للحديثِ المرفوعِ أَضْلاً .
مسخه كمنعه حول صورته إلى أخرى أقبح ومسخه الله قرداً فهو مسخ ومسيخ .
وقال الطبى حالان مقدرتان كقوله تعالى ( وتنحتون من الجبال بيوتاً) قيل الظاهر
أن شبابهم مسخوا قردة وشيوخهم خنازير .
قوله : ( هذا حديث غريب) وأخرجه ابن أبى حاتم وابن جرير (رواه
أبو عاصم ) اسمه الضحاك بن مخلد النبيل .
( تنبيه) ذكر الترمذى حديث عمار المذكور فى تفسير قوله تعالى ( قال الله
إنى منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإنى أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين).
قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره بعد ذكر عدة آثار عن ابن عباس وغيره
رضى الله عنهم مالفظه: وكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على بنى إسرائيل
أيام عيسى ابن مريم إجابة من الله لدعوته ، وكما دل على ذلك ظاهر هذا السياق
من القرآن العظيم . قال الله إنى منزلها عليكم الآية .
وقال قائلون : إنها لمتنزل فروى ليث بن أبى سليم عن مجاهد فى قوله(أنزل
علينا مائدة من السماء ) قال هو مثل ضربه الله ولم ينزل شىء رواه ابن أبى حاتم
وابن جرير . وقال حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن
منصور بن زاذان عن الحسن أنه قال فى المائدة إنها لم تنزل ، وهذه أسانيد صيحة
إلى مجاهد والحسن . وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى وليس
هو فى كتابهم ، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما يتوفر الدواعى على نقله وكان
يكون موجوداً فى كتابهم متواتراً، ولا أقل من الآحاد ، ولكن الجمهور على أنها

٤٣٥
٥٠٥٦ - حدثنا ابنُ أَبِ عُمَرَ، أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرِ و بنِ دِينَارٍ
عن طَاؤُسٍ عن أَبِى هُرَ يْرَةَ قال: ((يُلَّى عِيسَى حُجَّتَهُ فَلَقَّاهُ اللهُ فِى قَوْلِهِ:
( وَإِذْ قَالَ اللهُ يَعِيسَى بْنَ مَرْتَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلِنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأُمِّىَ إِلَّهَيْنِ
مِنْ دُونِ اللهِ)، قال أبو هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم، فَلَقَّاهُ اللهُ:
نزلت، وهو الذى اختاره ابن جرير قال لأن الله تعالى أخبر نزولها فى قوله تعالى (إنى
منزلها عليكم فمن بكفر بعد منكم فإنى أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ) قال
ووعد الله ووعيده حق وصدق، وهذا القول والله أعلم هو الصواب كما دلت عليه
الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم : انتهى كلامه باختصار يسير .
قوله: ( يلقى عيسى حجته) أى يعلم ويفيه عليها ( وإذ قال الله ياعيسى بن
مريم) اختلف المفسرون فى وقت هذا القول، فقال السدى ، قال الله يا عيسى
هذا القول حين رفعه إلى السماء بدليل أن حرف إذ يكون للماضى . وقال سائر
المفسرين: إنما يقول اللهله هذا القول يوم القيامة بدليل قوله ( يوم يجمع اللّه الرسل)
وذلك يوم القيامة وبدليل قوله ( هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ) وذلك يوم
القيامة . وأجيب عن حرف إذ، بأنها قد تجىء بمعنى إذا كقوله (لو ترى إذ فزعوا
يعنى إذا فزعوا وقال الراجز :
ثم جزاك الله عنى إذ جزى جنات عدن فى السموات العلى
( أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله) استفهام ومعناه
الإنكار والتوبيخ لمن ادعى ذلك على عيسى عليه السلام من النصارى، لأن عيسى
عليه السلام لم يقل هذه المقالة ، فإن قلت : إذا كان عيسى عليه السلام لم يقلها
فما وجه هذا السؤال له مع علمه بأنه لم يقله ؟
قلت: وجه هذا السؤال تثبيت الحجة على قومه وإكذاب لهم فى إدعائهم ذلك
عليه وأنه أمرهم به فهو كما يقول القائل الآخر ، أفعلت كذا وهو يعلم أنه لم يفعله
وإنما أراد تعظيم ذلك الفعل فنفى عن نفسه هذه المقالة وقال: ما قلت لهم إلا ما أمرتى
به، أن أعبدوا الله ربي وربكم فاعترف بالعبودية وأنه ليس بإله كما زعمت وادعت
فيه النصارى .

٤٣٦
(سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِ أَنْ أَقُولَ مَالَيْسَ لِ مِقِ))) الآيةُ كُلُها
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
: ٥٠٥٧ -- حدثنا قُتَيْبَةُ، أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ، عن حُبِّّ، عن
أَبِى عَبْدِ الرَّحْنِ الْخُلِّ عن عَبْدِ اللهِ بنِ ◌َرِ وقال: ((آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ
سُورَةُ الْمَائِدَةِ وَالْفَتْحِ».
( قال أبو هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم ) أى قال رواية عنه صلى الله عليه
وسلم ( فلقاء الله) أى علمه الله ( سبحانك ) أى تنزيهاً لك عما لا يليق بك من
الشريك وغيره ( ما يكون لى) أى ما ينبغى لى ( أن أقول ماليس لى بحق ) أى أن
أقول قولا لا يحق لى أن أقوله ( الآية كلها ) بالنصب أى أنمها كلها وبقية الآية مع
تفسيرها هكذا «إن كنت قلته فقد علمته، أى إن صح أن قلته فيما مضى فقد علمته.
والمعنى أنى لا احتاج إلى الإعتذار لأنك تعلم أنى لم أقله ولو قلته علمته، لأنك تعلم
ما فى نفسى ولا أعلم مافى نفسك. أى تعلم ما أخفيه فى نفسى ولا أعلم ما تخفيه
من معلوماتك إنك أنت علام الغيوب ، تقرير للجملتين معاً لأن ما انطوت عليه
النفوس من جملة الغيوب ولأن ما يعلم علام الغيوب لا ينتهى إليه علم أحد .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه ابن أبى حاتم .
قوله: (عن حي) بضم الحاء المهملة وياء ين من تحت الأولى مفتوحة هو ابن
عبد الله بن شريح المعافرى المصرى، صدوق بهم من السادسة.
قوله: (آخر سورة أنزات سورة المائدة والفتح) قال السيوطى فى الإنقان
يعنى إذا جاء نصر الله ويدل على ذلك قول ابن عباس الآنى آخر سورة أنزات
إذا جاء نصر الله والفتح .
فإن قلت ما وجه النوفيق بين حديث عبد الله بن عمرو هذا وبين ما رواه
الشيخان عن البراء بن عازب قال : آخر آية نزلت يستفتونك قل اللّه يفتيكم فى
الكلالة ، وآخر سورة نزلت براءة.
قلت : قال البيهقى يجمع بين هذه الاختلافات بأن كل واحد أجاب بما عنده.

٤٣٧
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وَقَدْ رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ قال:
(( آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ)).
وَمِنْ سُورةِ الأنعامِ
بسم الله الرحمن الرحيم
٥٠٥٨ - حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ، أخبرنا مُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامِ، عن سُفْيَانَ
عن أبى إِسْحَاقَ، عن نَجِيّةَ بنِ كَعْبٍ، عن عَلِىِّ ((أَنَّ أَبَاَ جَهْلِ قال لِلِّيِّ
صلى اللهُ عليه وسلم: إِنَّا لانُكَذِّبُكَ وَلَكِنْ تُكَذِّبُ بِمَ جِئْتَ بِهِ، فَأَنْزَلَ
اللهُ تَعَلَى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّ بُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِنَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ))).
" وقال القاضي أبو بكر فى الانتصار: هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي
صلى الله عليه وسلم وكل قاله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن.
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الحاكم (وقد روى عن ابن
عباس أنه قال إلخ) وصله مسلم.
ومن سورة الأنعام
هى مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة هى: (وما قدروا الله حق قدره) إلى
آخر ثلاث آيات ( قل تعالوا أقل ما حرم عليكم ربكم) إلى آخر ثلاث آيات وهى
مائة وخمس أو ست وستون آية .
قوله : ( عن ناجية بن كعب ) الأسدى ثقة من الثالثة.
قوله: ( إنا لا تكذبك بل فكذب بما جئت به) أى لا تكذبك لأنك صادق
ولكن حسدك فيسيه نححد بآيات الله: اذا فى المجمع، فأنزل الله تعالى (فإنهم
لا يكذبونك) وقبله ( قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون ) قال فى تفسير الجلالين
قد للتحقيق ، فعلم أنه : أى الشأن ليحزنك الذى يقولون لك من التكذيب فإنهم
لا يكذبونك فى السر لعلمهم أنك صادق ، وفى قراءة بالتخفيف ، أى لا ينسبونك

٤٣٨
٥٠٥٩ - حدثنا إِسْحَقُ بنُ مَنْصُورِ، أخبرنا عبدُالرَّحمَنِ بنُ مَهْدِىِ
عن سُفْيَانَ عن أَبِى إِسْحَاقَ عن نَجِيَةَ، أَنَّ أَبَ جَهْلِ قال لِلنَّيِّ صلى اللهُ عليه
وسلم، وَذَ كَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْ كُرْفِهِ عن عَلِىِّ، وهذا أَصَحُ .
٥٠٦٠ - حدثنا ابنُ أَبِى عُمَرَ، أخبرنا سُفيَانُ عن عَمْرِ و بنِ دِينَارٍ
سَمِعَ جَابِرَ بِنَ عبدِ اللهِ يقولُ: ((لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ
كَى أَنْ يَبْثَ عَلَيْكُمُ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمُ أَوْ مِنْ تَحْتٍ أَرْجُلِكُ)، فقالَ
النَّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: (أَوْ يَلْبَِكمُ
شِيَا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمُ بَأْسَ بَعْضٍ) قال النَّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم : هَاتَآنِ
أَمْوَنُ، أَوْ هَاتَنِ أَيْسَرُ)). هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
إلى الكذب ولكن الظالمين وضعه موضع الضمير بآيات الله أى القرآن ، بححدون
يكذبون .
قوله: (وهذا أصح) أى الإسناد الثانى بترك ذكر على أصح من الإسناد
الأول . وحديث على هذا أخرجه الحاكم أيضاً. وقال صحيح على شرط الشيخين
ولم يخرجاه .
قوله: ( عذاباً من فوقكم) أى من السماء كالحجارة والصيحة ( أو من تحت
أرجلكم) كالخسف والرجفة. (أعوذ بوجهك) وفى رواية: أعوذ بوجهك
الكريم. فلما نزات ( يلبسكم شيما) أى يخلطكم فرقاً مختلفة الأهواء (ويذيق
بعضكم بأس بعض ) أى بالقتال (ماتان) أى خصلة الالتباس وخصلة إذاقة
بعضهم بأس بعض (أهون) من بعث العذاب من الفوق أو من التحت ( أو
هاتان أيسر ) شك من الراوى .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخارى والنسائى وابن حبان
واپن چریر وابن مردويه.

٤٣٩
٥٠٦١ - حدثنا الْسَنُ بنُ عَرَفَةَ، عن إسماعِيلَ بنِ عَيَّاشٍ، عن أبى
بَكْرٍ بِنٍ أَبِى مَرْيَمَ الْفَدَّنىِّ عن رَاشِدِ بنِ سَعْدٍ عن سَعْدِ بنِ أَبِ وَقَّاصٍ
عن النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فى هَذِهِ الْآيَةَ: (((قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ
عَلَيْكُمُ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكَمُ)، فقالَ النَُّّ صلى اللهُ
عليه وسلم: أَمَ إِنّا كَئِنَةٌ وَلَمْ يَأْتٍ تَأْوِيلُهاَ بَعْدُ )).
قوله: (عن راشد بن سعد) المقرىء بفتح الميم وسكون القاف وفتح الراء
بعدها حمزة ثم ياء النسب الحمصى ، ثقة كثير الإرسال من الثالثة.
قوله: ( أما ) بالتخفيف حرف التنبيه (إنها ) أى الخصلة المذكورة من
بعث العذاب من الفوق أو التحت (كائنة) واقعة فيما بعد (ولم يأت تأويلها) أى
عاقبة مافيها من الوعيد ( بعد ) بالبناء على الضم يعنى إلى الآن .
فإن قيل هذا الحديث صريح فى أن الرجم والخسف كائنان فى هذه الأمة ،
وحديث جابر المذكور يستفاد منه أنهما لا يقعان لأن النبي صلى الله عليه وسلم
استعاذ منهما. وقد روى ابن مردويه عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم
قال: دعوت الله أن يرفع عن أمتى أربعاً، فرفع عنهم ثنتين وأبى أن يرفع عنهم
اثنتين؛ دعوت الله أن يرفع عنهم الرجم من السماء والخسف من الأرض وأن لا
يلبسهم شيعاً ولا يذيق بعضهم بأس بعض فرفع الله عنهم الخسف والرجم، وأبى
أن يرفع عنهم الأخريين، فما وجه التوفيق .
يقال: إن الإعاذة المذكورة فى حديث جابر وغيره مقيدة بزمان مخصوص
وهو وجود الصحابة والقرون الفاضلة ، وأما بعد ذلك فيجوز وقوع ذلك فيهم
ويحتمل فى طريق الجمع أن يكون المراد أن ذلك لا يقع لجميعهم وإن وقع الأفراد
منهم غير مقيدة بزمان كما فى خصلة العدو الكافر والسنة العامة ، فإنه ثبت فى صحيح
مسلممن حديث ثوبان رفعه فی حدیث : إن الله زوى لى مشارق الأرض ومغاربها
وسيبلغ ملك أمتى مازوى لى منها الحديث وفيه: وإنى سألت ربى أن لا يهلك أمتى
بسنة عامة وأن لايسلط عليهم عدواً من غير أنفسهم وأن لا يلبسهم شيعاً ويذيق
بعضهم بأس بعض فقال يامحمد: إنى إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد ، وإنى أعطيتك

٤٤٠
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ .
٥٠٦٢ - حدثنا عَلِيُّ بنُ خَشْرَمٍ، أخبرنا عِيسَى بنُ يُونُسَ ، عن
الأعمَشِ، عن إِبراهِيمَ، عن عَلْقَمَةَ، عن عبدِ اللهِ قال: ((لَمَّا نَزَلَتْ: (الَّذِينَ
آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلِْ) شَقَّ ذَلِكَ عَلَى لُهْلِمِينَ فَقالُوا: يارسولَ اللهِ
وَأَبُّنَا لا يَغْلُ نَفْسَهُ؟ قال: لَيْسَ ذَلِكَ، إِنََّ هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا
لامتك أن لا أهلكهم بسنة عامة ، وأن لا أسلط عليهم عدواً من غيرهم يستبيح
بيضتهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً. وأخرج الطبرى من حديث شداد نحوه
بإسناد صحيح ، فلما كان تسليط العدو الكافر قد يقع على بعض المؤمنين لكنه لا يقع
عموماً فكذلك الخسف والقذف ، هذا تلخيص مافى الفتح .
قوله: ( هذا حديث حسن غريب ) وأخرجه أحمد .
قوله: عن إبراهيم) هو النخعى (عن علقمة) هو ابن قيس (عن عبد الله)
هو ابن مسعود.
قوله: (لما نزلت) بالتأنيث الكون ما بعده من فاعله آية، والتقدير لما أنزات
آية ( الذين آمنوا ولم يلبسوا) بكسر الموحدة، أى لم يخلطوا ، تقول أبست الأمر
بالتخفيف ألبسه بالفتح فى الماضى والكسر فى المستقبل ، أى عالطته . وتقول
لبست الثوب ألبسه بالكسر فى الماضى والفتح فى المستقبل والمصدر من الأول
لبس بفتح اللام، ومن الثانى لبس بالضم ( أيمانهم بظلم ) أى لم يخلطوه بالشرك.
قال محمد بن إسماعيل التيمى فى شرحه : خلط الإيمان بالشرك لا يتصور ، فالمراد
أنهم لم تحصل لهم الصفتان: كفر متأخر عن إيمان متقدم أى لم يرتدوا أو يحتمل
أن يراد أنهم لم يجمعوا بينهما ظاهراً أو باطناً ، أى لم ينافقوا، وهذا أوجه كذا
فى الفتح ( شق ذلك على المسلمين) أى الصحابة رضى الله عنهم، ظناً منهم أن المراد
بالظلم مطلق المعاصى كما يتبادر إلى الفهم لا سيما من التنكير الذى يفيد العموم
(وأينا) كلام إضافى مبتدأ وقوله ( لا يظلم نفسه) خبره ( قال) أى رسول الله
صلى الله عليه وسلم (ليس ذلك) أى ليس معناه كما فهمتم (إنما هو) أى الظلم