النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
حَدَّا وَلاَ مَجْلُودَةٍ، وَلَاَذِى غِمْرِ لإِخْفَةٍ ، ولا مجرَّبِ شَهَدَةٍ ، وَلَ القَانِهِ أَهلَ
البيتٍ لهم، ولاَ ظَنِينَ فِى وَلاَءِ وَلَقَرَابةٍ )) قال الفَزَارِىُّ: القَانِعُ التَّابِعُ.
بأن الخيانة تكون فى حقوق الله كما تكون فى حقوق الناس من دون اختصاص
( ولا مجلود حداً ) أى حد القذف . قال ابن الملك: هو من جلد فى حد القذف
وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن المجلود فيه لا تقبل شهادته أبداً وإن تاب.
وقال القاضى: أفرد المجلود حداً وعطفه عليه لعظم جنايته، وهو يتناول الزانى
غير المحصن والقاذف والشارب ، قال المظهر : قال أبو حنيفة: إذا جلد قاذف
لا تقبل شهادته أبداً وإن تاب ، وأما قبل الجلد فتقبل شهادته . وقال غيره :
القذف من جملة الفسوق لا يتعلق بإقامة الحد بل إن ناب قبلت شهادته سواء جلد
أو لم يجلد. وإن لم يتب لم تقبل شهادته سواء جلد أو لم يحلد .
قلت : قول من قال إن المجلود تقبل شهادته بعد التوبة، هو القول الراجح
المنصور كما حققه الحافظ ابن القيم فى أعلام الموقعين ، والحافظ ابن حجر فى الفتح
( ولا ذى غمر) بكسر فسكون أى حقد وعداوة (لإحنة) بكسر الهمزة وسكون
الحاء المهملة وبالنون ، قال فى القاموس الإحنة بالكسر الحقد والغضب. وقال فى
النهاية: الإحنة العداوة ويحمىء حنة بهذا المعنى على قلة انتهى . ووقع فى بعض النسخ
الموجودة عندنا لأخيه بفتح الهمزة وكسر الخاء المعجمة . وكذا وقع عند الدار قطنى
وغيره ووقع فى حديث عبد الله بن عمرو عند أبى داود بلفظ : ولا ذى غمر على
أخيه (ولا مجرب شهادة) أى فى الكذب (ولا القانع أهل البيت) أى الذى يخدم
أهل البيت كالأجير وغيره (لهم ) أى لأهل البيت لأنه يجر نفعاً بشهادته إلى نفسه
لأن ما حصل من المال المشهود له يعود نفعه إلى الشاهد لأنه يأكل من نفقته،
ولذلك لا نقبل شهادة من جر نفعاً بشهادته إلى نفسه كالوالد يشهد لولده ، أو الولد
لوالده، أو الغريم يشهد بمال المفلس على أحد (ولاظين ) أى متهم (فى ولاء)
بفتح الواو وهو الذى ينتمى إلى غير مواليه (ولا قرابة) قال القارى فى المرقاة :
أى ولا ظنين فى قرابة وهو الذى ينقسب إلى غير ذويه وإنما رد شهادته لأنه ينفى
الوثوق به عن نفسه. كذا قال بعض علمائنا من الشراح. وقال المظهر: يعنى من
قال أنا عتيق فلان وهو كاذب فيه بحيث يتهمه الناس فی قوله ویکذبونه ، لا تقبل

٥٨٢
هذَا حَدِيثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَ مِنْ حديثِ يِزِيدَ بنِ زِبَادِ الدِّمَشْقِّ،
وَيَزِيدُ يُضَعَّفُ فِىِ الْحَدِيثِ . وَلاَ يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ
إِلاَّ مِنْ حَدِيثِهِ. وَفِى الْبَابِ عن عبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو ، ولاَ نَعْرِفُ مَعْنَى هَذَا
الْحَدِيثِ وَلاَ يَصِحُ عِنْدَنَا مِنْ قِبَلٍ إِسْنَادِهِ وَالعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلمِ فِى هَذَا
أَنَّ شَهَادَةَ القَرِيبِ جَامَّزَةٌ لِقَرَابَتِهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِى شَهَادَةِ الوَالِدِ
شهادته لأنه فاسق ، لأن قطع الولاء عن المعتق وأبنائه لمن ليس بمعتقه كبيرة
وراكبها فاسق، كذلك الظنين فى القرابة وهو الداعى القائل أنا ابن فلان أو أنا
أخو فلان من النسب والناس يكذبوفه فيه ، انتهى ما فى المرقاة .
قوله : ( هذا حديث غريب ) وأخرجه الدار قطنى والبيهقى وفيه ولاذى غمر
لأخيه ، وفى سنده یزید بن زياد الدمشقى وهو متروك كما عرفت . وقال أبو زرعة
فى العلل : هو حديث منكر ، وضعفه عبد الحق وابن حزم وابن الجوزى .
قوله: ( وفى الباب عن عبد الله بن عمرو) أخرجه أبو داود بلفظ: لاتجوز
شهادة غائن ولا خائنة ولازان ولازانية ولاذى غمر على أخيه ورد شهادة القانع
لأهل البيت وراه ابن ماجه أيضاً . وفى الباب أيضاً عن أبى هريرة بلفظ لا تجوز
شهادة ذى الظنة ولاذى الحنة . رواه الحاكم والبيهقى وفى الباب أيضاً من حديث
عبد الله بن عمر بن الخطاب نحو حديث عائشة أخرجه الدارقطنى والبيهقى، وفى
إسناده عبد الأعلى وهو ضعيف، شيخه يحيى بن سعيد الفارسى وهو أيضاً ضعيف،
قال البيهقى: لا يصح من هذاشىء عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفى الباب أيضاً عن
عمر: لا تقبل شهادة ظنين ولا خصم. أخرجه مالك فى الموطإ موقوفاً وهو منقطع .
قوله: (ولا نعرف معنى هذا الحديث) أى معنى قوله ولاظنين فى ولاء ولا
قرابة فإنه بظاهره يوهم أنه لا يجوز شهادة قريب لقريب له ولم يقل بإطلاقه أحد ،
ولكن إذا فسر هذا بما ذكرنا فلا إشكال والله تعالى أعلم ( والعمل عند أهل العلم
فى هذا أن شهادة القريب جائز لقرابته ) أى وظاهر قوله ولا ظنين فى ولاء ولا
قرابة يدل على خلافه ، ولذلك قال الترمذى: لانعرف معنى هذا الحديث (واختلف

٥٨٣
وِلْوَلَدِ وَالْوَلَدِ لِلْوَالِ فَلَمْ يُحِزْ أَ كُثَرُ أَهْلِ الْعِ شَهَدَةَ الْوَلَدِ لِلْوَالِ وَلاَ الوَالِدِ
بِوَدِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلِْ إِذَا كَنَ عَدْلاً فَشَهَدَةُ الوَالِ لِلْوَلَدِ جَائْزَةٌ
وَكَذَلِكَ شَهَدَةٌ الْوَلَدِ الوَالِدِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِىِ شَهَادَةِ الأخِ لِأَخِيهِ أَنَّهَ
جَائِّزَةٌ، وَكَذَلِكَ شَهَدَةُ كُلِّ قَرِيبٍ لِقَرَابَتِهِ. وَقَالَ الشََّفِىُّ: لاَ يَجُوزُ
شَهَدَةُ الرَّجُلِ عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ كَنَّ عَدْلاً إِذَا كَنَْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ .
وَذَهَبَ إِلَى حَدِيث عَبْدِ الرحمنِ الأَعريج، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
مُرْسَلاً: ((لاَ يَجُوزُ شَهَدَةُ إِحْنَةٍ )) يَعْنِى صَاحِبِ عَدَاوَةٍ. وَكَذَلِكَ مَعْنَى
هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ: ((لاَ تَجُزُ شَهَدَةُ صَاحِبٍ غِيْرٍ)). يَمْنِى
صَاحِبَ عَدَاوَةٍ .
أهل العلم فى شهادة الوالد المولد الخ) . قال الشوكانى فى النيل: اختلف فى شهادة
الولد لوالده والعكس ، فمنع من ذلك الحسن البصرى والشعبى وزيد بن على والمؤيد
بالله والإمام يحي والثورى ومالك والشافعية والحنفية وعللوا بالتهمة فكان كالقانع
وقال عمر بن الخطاب وشريح وعمر بن عبد العزيز والعترة وأبو ثور وابن المنذر
والشافعى فى قوله إنها تقبل لعموم قوله تعالى (ذوى عدل) انتهى. قلت: والظاهر
عندى هو قول المانعين والله تعالى أعلم. (وقال الشافعى لا يجرز شهادة الرجل
على الآخر وإن كان عدلا إذا كان بينهما عداوة الخ) قيل اعتمد الشافعى خبراً
صحيحاً وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا تقبل شهادة خصم على خصم. قال
الحافظ : ليس له إسناد صحيح لكن له طرق يتقوى بعضها ببعض فروى أبوداود
فى المراسيل من حديث طلحة بن عبد الله بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
، بعث منادياً أنها لاتجوز شهادة خصم ولا ظنين. ورواه أيضاً البيهقى من طريق
الأعرج مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تجوز شهادة ذى الظنة
والحنة . يعنى الذى بينك وبينه عداوة، رواه الحاكم من حديث العلاء عن أبيه
عن أبى هريرة ، يرفعه مثله ، وفى إسناده نظر .

٥٨٤
٢٤٠١ - حدثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، أخبرنا بِشْرُ بنُ المَفَضِّلِ، عن
الْرَيْرِىِّ عنْ عَبْدِ الرحمنِ بنِ أَبِى بَكْرَةَ عنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله
عليه وسلم قَالَ: ((أَلاَ أُخْرُكُمُ بِأَ كْبَرِ الكَبَارِ؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ،
قَالَ الْإِثْرَاكُ بِللهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَبْنِ وَشَهَدَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ)).
قَالَ فَمَا زَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُهاَ حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ.
هَذا حَدِيثٌ ◌َحِيحٌ .
قوله: (عن الجريرى) بضم الجيم هو سعيد بن إلياس أبو مسعود البصرى ،
ثقة من الخامسة ، اختلط قبل موته بثلاث سنين ( عن عبد الرحمن بن أبى بكرة )
ابن الحارس الثقفى ثقة من الثانية ( عن أبيه ) أى أبى بكرة واسمه نفيع بن
الحارس بن كلدة بفتحتين ابن عمرو الثقفى ، صحابى مشهور بكنيته ، وقيل اسمه
مسروح بهملات، أسلم بالطائف ثم نزل البصرة .
قوله: (قال الإشراك بالله) هو جعل أحد شريكا للآخر والمراد هنا اتخاذ
إله غير الله وأراد به الكفر ، واختار لفظ الإشراك لأنه كان غالباً فى العرب
(وعقوق الوالدين) أى قطع صلتهما مأخوذ من العق وهو الشق والقطع، والمراد
عقوق أحدهما ، قيل هو إيذاء لا يتحمل مثله من الولد عادة ، وقيل عقوقهما
مخالفة أمرهما فيما لم يكن معصية وفى معناهما الأجداد والجدات ثم اقترانه
بالإشراك لما بينها من المناسبة ، إذ فى كل قطع حقوق السبب فى الإيجاد والإمداد
إن كان ذلك لله حقيقة والوالدين صورة، ونظيره قوله تعالى: «واعبدوا الله ولا
تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا، وقوله عز وجل ((أن أشكر لى ولوالديك))
(وشهادة الزور ) أى الكذب وسمى زور الميلانه عن جهة الحق (وقول الزور)
شك من الراوى (حتى قلنا ليته سكت) أى شفقة وكراهية لما يزجه . وفيه ما كانوا
عليه من كثرة الأدب معه صلى اللّه عليه وسلم، والمحبة له والشفقة عليه، وتقدم
هذا الحديث فى باب عقوق الوالدين من أبواب البر والصلة .
قوله : ( هذا حديث صحيح ) وأخرجه البخارى والنسائى.

٥٨٥
٢٤٠٢ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِج، أخبرنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةً عن
سُفْيَانَ بنِ زِيَدٍ الأسَدِىِّ، عَنْ فَاتِكِ بنِ فَضَلَةَ، عنْ أَيْمَنَ بنِ خُرَيْمٍ أَنَّ
النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلم قَامَ خَطِباً فَقَالَ: ((أَيُّهَا الَّاسُ عُدِلَتْ شَهَدَةُ الزُّورِ
إِشراكاً باللهِ ثم قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم: (فَاجْتَذِبُوا الرِّجْسَ مِنَ
الْأْثَانِ وَاجْتَذِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)). هَذَا حديثٌ إِمَا نَعْرِفُهُ مِن حديثٍ
قوله: ( عن سفيان بن زياد الأسدى) ويقال ابن دينار العصفرى ، وبكنى.
أبا الورقاء الأحمرى أو الأسدى، كوفى ثقة من السادسة ( عن فانك بن فضالة ).
ابن شريك الأسدى الكوفى مجهول الحال من السادسة (عن أيمن بن خريم ) بالمعجمة.
ثم الراء مصغراً ابن الأخرم الأسدى هو أبو عطية الشامى الشاعر مختلف فى صحبته.
قال العجلى : تابعى ثقة وقال فى تهذيب التهذيب : روى عن النبى صلى الله عليه
وسلم فى شهادة الزور ، وعن أبيه وعمه، وعنه فاتك بن فضالة .
قوله: (عدلت شهادة الزور إشراكاً بالله) أى جعلت الشهادة الكاذبة مائلة.
للإشراك بالله فى الإثم لأن الشرك کذب على الله بما لا يجوز ، وشهاد ةالزور كذب
على العبد بما لا يجوز وكلاهما غير واقع فى الواقع . قال الطبى: والزور من الزور
والازورار وهو الانحراف وإنما ساوى قول الزور الشرك لأن الشرك من باب
الزور فإن المشرك زعم أن الوثن يحق العبادة ( ثم قرأ) أى استشهاداً واعتضاداً
(فاجتذبوا الرجس من الأوثان) من بيانية أى النجس الذى هو الأصنام (اجتذبوا
قول الزور ) أى قول الكذب الشامل لشهادة الزور. قال الطيبي: وفى التنزيل
عطف قول الزور على عبادة الأوثان وكرر الفعل استقلالا فيما هو مجتقب عنه فى
كونهما من وادى الرجس الذى يجب أن يحتقب عنه، وكأنه قال فاجتنبوا عبادة
الأوثان التى هى رؤوس الرجس ، واجتنبوا قول الزور كله، ولا تقربوا شيئاً
منه لتماديه فى القبح والسماجة. وما ظنك بشىء من قبيل عبادة الأوثان ، وسمى.
الأوثان رجساً على طريق التشبيه يعنى إنكم كما تتفرون بطباعكم عن الرجس وتجتذبونه.
فعليكم أن تنفروا من شبيه الرجس مثل تلك النقرة .

٥٨٦
سُفْيَانَ بنِ زِيَادٍ . وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِى رِوَايَةٍ هَذَا الْحَدِيثِ عنْ سُفْيَانَ بنِ زِيَادٍ
حَوَلاَ نَعْرِفُ لِأَيْمَنَ بنِ خُرَيْمِ سَآءًا من النَِّّ صلى الله عليه وسلم .
٢٤٠٣ - حدثنا وَاصِلُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أخبرنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ ، عن
الأَعَشِ عَنْ عَلِيِّ بنِ مُدْرِكٍ عَنْ هِلاَلِ بنِ يَفٍ عنْ عِرانَ بنِ حُصَيْنٍ
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِ ثمَّ
الَّذِينَ يُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يُونَهُمْ ثَلاَثًا، ثُمَّ يَحِ، قَوْمٌ
قوله: ( وقد اختلفوا فى رواية هذا الحديث عن سفيان بن زياه ). قال
الحافظ فى تهذيب التهذيب بعد نقل كلام الترمذى هذا مالفظه: وقد رواه جماعة
عن سفيان بن زياد عن أبيه عن حبيب بن النعمان عن خريم بن قاتك واستصوبه
ابن معين وقال إن مروان بن معاوية لم يقم إسناده انتهى. وحديث أيمن بن خريم
هذا فى سنده فانك بن فضالة وهو مجهول كما عرفت وأخرجه أيضاً أحمد وأخرجه
أبو داود وابن ماجه عن خريم بن فانك وهو صحابى . قال فى التقريب : خريم
بالتصغير بن فانك الأسدى أبو يحيى وهو خريم بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن
فاتك نسب لجد جده، صحابى شهد الحديبية، ولم يصح أنه شهد بدراً مات ، فى
الرقة فى خلافة معاوية .
قوله: ( عن على بن مدرك ) الخعى أبى مدرك الكوفى ثقة من الرابعة .
قوله: ( خير الناس قرنى) أى الذين أدركونى وآمنوا بى وهم أصحابى (ثم
(الذين يلونهم) أى يقربونهم فى الرتبة أو يتبعونهم فى الإيمان والإيقان وهم التابعون
(ثم الذين يلونهم ) وهم أتباع التابعين . والمعنى أن الصحابة والتابعين وتبعهم
هؤلاء القرون الثلاثة المرتبة فى الفضيلة . ففى النهاية : القرن أهل كل زمان وهو
مقدار التوسط فى أعمار أهل كل زمان، مأخوذ من الاقتران فكأنه المقدار الذى
يقترن فيه أهل ذلك الزمان فى أعمارهم وأحوالهم ، وقيل القرن أربعون سنة وقيل
ثمانون ، وقيل مائة، وقيل هو مطاق من الزمان، وهو مصدر قرن يقرن. قال
السيوطى: والأصح أنه لا ينضبط بمدة فقرنه صلى اللّه عليه وسلم هم الصحابة وكانت
.عدتهم من المبعث إلى آخر من مات من الصحابة مائة وعشرين سنة. وقرن التابعين

٥٨٧
مِنْ بَعْدِهِمْ يَتَسَمَّنُونَ وَيُحِبُّونَ السَّمَنَ يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَ لُوهَا)).
هَذَا حَدِيثٌ غريبٌ مِنْ حَديثِ الأخْمَشِ عِنْ عَلِّبنِ مُدْرِكٍ وَأَمْحَابُ الْأَعْمَشِ
إِنَّ رَوَوْا عنِ الأعْمَشِ، عَنِ هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ ، عن عمرانَ بنِ حُصَيْنٍ .
من مائة سنة إلى نحو سبعين ، وقرن أتباع التابعين من ثم إلى نحو العشرين ومائتين
وفى هذا الوقت ظهرت البدع ظهوراً فاشياً ، وأطلقت المعتزلة ألسنتها ، ورفعت
الفلاسفة رؤوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن وتغيرت الأحوال قغيراً
شديداً ولم يزل الأمر فى نقص إلى الآن، وظهر مصداق قوله صلى الله عليه وسلم:
ثم يفشو الكذب (ثم الذين يلونهم ثلاثاً) كذا فى بعض النسخ ، وليس هذا فى
بعضها . وفى رواية البخارى فى فضائل الصحابة: خير أمتى قرني ثم الذين يلونهم ، ثم
الذين يلونهم . قال عمران: فلا أدرى أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا. قال الحافظ
وقع مثل هذا الشك فى حديث ابن مسعود وأبى هريرة عند مسلم وفى حديث
بريدة عند أحمد ، وجاء فى أكثر الطرق بغير شك منها عن النعمان بن بشير عند
أحمد، وعن مالك عند المسلم عن عائشة: قال رجل يارسول الله أى الناس خير ؟
قال : القرن الذى أنا فيه ثم الثانى ثم الثالث . ووقع فى حديث جعدة بن هبيرة
عند ابن أبى شيبة والطبرانى إثبات القرن الرابع ولفظه: خير الناس قرني ثم
الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الآخرون أرداً. ورجاله ثقات
إلا أن جعدة مختلف فى صحبته انتهى ( يتسمنون ) أى يتكبرون بما ليس فيهم ،
ويدعون ماليس لهم من الشرف . وقيل أراد جمعهم الأموال وقيل يحبون التوسع
فى المآكل والمشارب وهى أسباب السمن. وقال التوربشتى : كنى به عن الغفلة
وقلة الاهتمام بأمر الدين ، فإن الغالب على ذوى السمانة أن لايهتموا بارتياض
النفوس بل معظم همتهم تناول الحظوظ والتفرغ للدعة والنوم . وفى شرح مسلم :
قالوا: المذموم من السمن ما يستكسب وأما ما هو خلقة فلا يدخل فى هذا أنتهى
(ويحبون السمن) بكسر السين وفتح الميم مصدر سمن بالكسر والضم سمانة بالفتح
وسمنا كعنب فهو سامن وسمين .
قوله: (هذا حديث غريب) أصله فى الصحيحين ( وأصحاب الأعمش ) يعنى
غير محمد بن فضيل (إنما رووا عن الأعمش عن هلال بن يساف ) يعنى بغير ذكر
على بن مدرك .

٥٨٨
٢٤٠٤ - حدثنا أَبُو عَمَّارِ الْحْسَيْنُ بن حُرَيثٍ ، أخبرنا وَكِيْعٌ عن
الأعْمَشِ، عنْ هِلاَلِ بنِ يَسَافٍ، عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ عن النَّبِيِّ صلى الله
عليه وسلم نَحْوَهُ. وَهَذَا أَصَحُ من حديثٍ مُمَدٍ بنِ فُضَيْلٍ وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ
عِنْدَبَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ
يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَ لُوهَا، إِنَّ يَعْنِى شَهَدَةَ
الزُّورِ ، يَقُولُ شَهَدَةُ أَحَدِهِمْ من غَيْرِ أَنْ يُسْتَشْهَدَ . وَبَيَانُ هَـذَا فِ حديثٍ
◌ُرَ بِنِ الْطَّبٍ عن الَِّيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِ،
ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَكُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْتُو الكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ
الرَّجُلُ وَلاَ يُسْتَشْهَدَ وَيَخْلِفَ الرجُلُ وَلاَ يُسْتَحْلَفََ)). وَمَعْنَى حديثِ النَّبِىِّ
صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: ((خَيْرُ الشُّهَدَاءِ الَّذِىِ يَأْتِى بِشَهَدَتِهِ قَبْلَ أَنْ
يُسْأَهَا هُوَ إِذَا اسْتُشْهِدَ الرجُلُ عَلَى الشَّىْءِ أَنْ يُؤَدِّىَ شَهَادَتَهُ وَلاَ يُمْتَنِعَ
مِنَ الشَّهَادَةِ. هَكَذَا وَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِ.
قوله: ( وهذا أصح من حديث محمد فضيل ) أى حديث وكيع عن الأعمش
عن هلال بن يساف بغير ذكر على بن مدرك أصح من حديث محمد بن فضيل
عن الأعمش عن على بن مدرك عن هلال بن يساف لأنه تفرد بذكره. وقد روى
غير واحد من أصحاب الأعمش مثل رواية وكيع .
قوله: (وبيان هذا فى حديث عمر بن الخطاب عن النبى صلى الله عليه وسلم الخ)
أخرجه الترمذى فى باب لزوم الجماعة من أبواب الفتن (هو إذا استشهد الرجل
على الشىء أن يؤدى شهادته ولا يمتنع من الشهادة هكذا رجه الحديث عند بعض
أهل العلم) ذكر النووى ثلاثة وجوه من التأويل فى هذا الحديث كما عرفتها. وذكر
التأويل الثالث بقوله: إنه محمول على الجاز والمبالغة فى أداء الشهادة بعد طلبها
لاقبله ، كما يقال : الجواد يعطى قبل السؤال أى يعطى سريعاً عقب السؤال من غير
توقف، انتهى، وإلى هذا التأويل أشار الترمذى بقوله: هو إذا استشهد الخ والله
تعالى أعلم .

٥٨٩
بسم الله الرحمن الرحيم
أبواب الزهد
عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
٢٤٠٥ - حدثنا صَالِحُ بنُ عَبْدِ اللهِ وَسُوَيَدُ بنُ نَصْرٍ ، قَالَ صَالِحٌ
حدثنا ، وَقَالَ سُوَيْدٌ أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ سَعِيدٍ بنٍ
أَبِ هِنْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَن ابنِ عَبَأْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :
((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ الَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ».
٢٤٠٦ - حدثنا محمدُ بنُ بَشَارِ، أخبرنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ ، حدثنا
( أبواب الزهد الخ)
هو ضد الرغبة قال القاموس : زهدفيه كمنع وسمع وكرم زهداً وزهادة ضد
الرغبة انتهى . والمراد هنا ترك الرغبة فى الدنيا على ما يقتضيه الكتاب والسنة قوله
(نعمتان) مبتدأ (مغبون فيهما كثيرون من الناس) صفة له أو خبره ( الصحة
والفراغ) أى صحة البدن وفراغ الخاطر بحصول الأمن ووصول كفاية الأمنية .
والمعنى لا يعرف قدر هاتين النعمتين كثير من الناس حيث لا يكسبون فيهما من
الأعمال كفاية ما يحتاجون إليه فى معادهم فيندمون على تضييع أعمارهم عند زوالها ،
ولا ينفعهم الندم قال تعالى (( ذلك يوم التغان)) وقال صلى الله عليه وسلم: ليس
يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها وفى حاشية السيوطى
رحمه الله قال العلماء: معناه أن الإنسان لا يتفرغ للطاعة إلا إذا كان كهرأ صرح
البدن فقد يكون مستغنياً ولا يكون صحيحا ، وقد يكون صحيحاً ولا يكون مستغنياً
فلا يكون متفرغاً للعلم والعمل لشغله بالكسب، فمن حصل له الأمران وكسل
عن الطاعة فهو المغبون أى الخاسر فى التجارة مأخوذ من الغبن فى البيع .
قوله: (حدثنا محمد بن بشار) هو بندار (أخبرنا يحيى بن سعيد) هو القطان
١

٥٩٠
عَبْدُ اللهِ بنُ سَعِيدِ بنِ أَبِى هِنْدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَن ابنٍ عَبَّسٍ عَنْ النَّيِّ صلى الله
عليه وسلم نَحْوَهُ . وَفِ الْبَابِ عن أَنَسِ بِنِ مَالِكٍ. هَذَا حَدِيثٌ حَمَنٌ صحيحٌ .
وَرَوَاءُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ سَعِيدٍ بِنِ أَنِ هِنْدٍ ، وَرَفَعُوهُ وَوَقَفَهُ
بَعْضُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ سَعِيدٍ بِنِ أَبِ هِنْدٍ .
٢٤٠٧ - حدثنا بِشْرُ بنُ هِلالِ الصَّوافُ، أخبرنا جَعْفَرُ بنُ سُلِمَاَنَ
عَنْ أَبِى طَارِقٍ عن الْحَسَنِ عن أنٍ هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله
عليه وسلم: ((مَنْ يَأْخُذُ عَتِى هَؤُلاءِ الكَلِمَتِ فَيَعْمَلُ بِنِ أو يُعَلَمُ مَنْ
يَعْمَلُ بِهِنَّ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ أَنَا يَ رَسُولَ اللهِ. فَأَخَذَ بِيَدِى فَعَدَّ
أخرجه الإسماعيلى من هذا الطريق ثم قال: قال بندار بما حدث به يحي بن سعيد
ولم يرفعه كذا قى الفتح
قوله : ( وفى الباب عن أنس بن مالك ) لينظر من أخرجه.
قوله : ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخارى وابن ماجه .
قوله: ( حدثنا بشربن هلال الصواف ) أبو محمد النميرى بضم النون ، ثقة من
العاشرة ( عن أبى طارق ) السعدى البصرى مجهول من السابعة كذا فى التقريب.
وقال فى تهذيب التهذيب فى ترجمته روى الحسن عن أبى هريرة حديث : من يأخذ
عنى هؤلاء الكلمات وعنه جعفر بن سليمان الضبعى انتهى . وقال فى الميزان: لايعرف
( عن الحسن ) هو البصرى .
قوله: ( من يأخذ عنى هؤلاء الكلمات ) أى الأحكام الآتية السامع المصورة
فى ذهنالمتكلم ومن الاستفهام (فیعمل بهن أو يعلم منيعمل بهن) أو فى بمعنى الواو
كما فى قوله تعالى ((عذراً أو نذراً، ذكره الطيبى. قال القارى وتبعه غيره: والظاهر
أن أو فى الآية للتنويع كما أشار إليه البيضاوى بقوله عذر المحققين أو نذر للمبطلين
ويمكن أن تكون أو فى الحديث بمعنى بل إشارة إلى الترقى من مرتبة الكمال إلى
منصة التكميل على أن كونها للتنويع له وجه وجيه ، وتنبيه نبيه على أن العاجز

٥٩١
◌َثَْا وَقَالَ: النَّقِ لَحَارِمَ نَكُتْ أَعْبَدَ النَّاسِ ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ.
تَكُنْ أَغْتَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنَا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ
لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِماً، وَلاَ تُكْثِرِ الصَّحِكَ فَإِنّْ كَثْرَةَ الضَّحِكِ ثُمِيتُ
القَلْبَ)) . هذَا حَدِيثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثٍ جَعْغَرِ بنِ مُكَيْنَ
وَالْحَسَنُ لَ يَسْمَعْ مِنْ أَبِى هُرَيْرَةَ شَيْتًا، هَكَذَا رُوِىَ عنْ أَثُوبَ ويُونُسَ
ابنِ عُبَيْدٍ وَعَلِىُّ بِنُ زَيْدٍ. قَال لَمَ يَسْمَعْ الْسَنُ مِنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: وَرَوَى
عن فعله قد يكون باعثاً لغيره على مثله كقوله فرب حامل فقه إلى من هو أفقه.
منه انتهى ( قلت أنا ) أى آخذ عنك وهذه مبايعة خاصة ، ونظيره ما عهد بعض
أصحابه بأنه لا يسأل مخلوقا. وكان إذا وقع سوطه من يده وهو را کب نزل
وأخذه من غير أن يستعين بأحد من أصحابه ( فأخذه بيدى) أى لعد الكلمات
الخمس أو لأنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ عند التعليم بيد من يعلمه (فعد
خمساً ) أى من الخصائل أو من الأصابع على ما هو المتعارف واحدة بعد واحدة
( وقال اتق المحارم ) أى احذر الوقوع فيما حرم الله عليك (تكن أعبد
الناس ) أى من أعبدهم لأنه يلزم من ترك المحارم فعل الفرائض. (وارض
بما قسم الله لك ) أى أعطاك ( تكن أغنى الناس ) فإن من قنع بما قسم له ولم.
يطمع فيما فى أيدى الناس استغنى عنهم ؛ ليس الغنى بكثرة العرض ولكن الغنى
غنى النفس. قال القارى فى المرقاة: سأل شخص السيد أبا الحسن الشاذلى رحمه الله.
عن الكيماء فقال: هى كلمتان، اطرح الخلق عن نظرك. واقطع طمعك عن.
الله أن يعطيك غير ما قسم لك (وأحسن إلى جارك) أى مجاورك بالقول والفعل
(تكن مؤمناً) أى كامل الإيمان ( وأحب للناس ما تحب لنفسك ) من الخير
( تكن مسلما) أى كامل الإسلام (ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت
القلب ) أى تصيره مغموراً فى الظلمات، بمنزلة الميت الذى لا ينفع نفسه بنافعة
ولا يدفع عنها مكروها، وذا من جوامع الكلم ( هذا حديث غريب) وأخرجه.
١

٥٩٢
أَبُو عُبَيْدَةَ النَّاحِئِّ عَنْ الْحَسَنِ هَذَا الْحَدِيثَ قَوْلَهُ، وَلَمَّ يَذْ كُرْ فِيهِ عَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ عن الَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم .
١ - بَابُ مَا جَاءٍ فِ المَادَرَةِ بِالْعَمَلِ
٢٤٠٨ - حدثنا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ يُحْرِزِ بنِ هَارُونَ عَنْ عَبْدِ الرَّحَمَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((بَادِرُوا
بِالأَعْمَلِ سَبْاً، هَلْ تُنْظَرُونَ إِلاَّ إِلَى فَفْرٍ مُنْسٍ، أَوْ غِى مُطْعٍ، أَوْ مَرَضٍ
أحمد . وقال المنذرى بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذى وغيره من رواية
الحسن عن أبى هريرة . وقال الترمذى: الحسن لم يسمع من أبى هريرة. ورواه
البزار والبهقى بنحوه فى كتاب الزهد عن مكحول من واثلة عنه وقد سمع مكحول
من وائلة قاله الترمذى وغيره لكن بقية إسناده فيه ضعف .
( باب ماجاء فى المبادرة بالعمل )
قوله: (عن محرز) بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء وبالزاى ( بن
هارون) بن عبد الله النيمنى، قال فى الخلاصة: محرز بن هارون كذا ضبطه عبد
الغنى وابن أبى حاتم وذكره البخارى بمهملتين انتهى وقال فى تهذيب التهذيب:
محرر بن هارون بن عبد الله بن محرر بن الهدير النيمى ذكره البخارى فى من اسمه
محرر براءین . وذكره ابن أبى حاتم وغيره فى من اسمه محرز بالزای . روی عن
الأعرج وغيره ، وعنه أبو مصعب وغيره. قال البخارى والنسائى: منكر
الحديث . وقال ابن حبان يروى عن الأعرج ماليس من حديثه لا تحل الرواية
عنه ولا الاحتجاج به انتهى مختصراً . وقال فى التقريب محر ربراءين وزن محمد على
الصحيح متروك من السابعة .
قوله: (قال بادروا بالأعمال سبعاً) أى سابقوا وقوع الفتن بالاشتغال بالأعمال
الصالحة واهتموا بها قبل حلولها ( هل تنظرون إلا إلى فقر منس) وفى المشكاة
ما ينتظر أحدكم إلا غنى مطفياً أو فقراً منسياً الخ قال القارى: خرج مخرج التوبيخ
على تقصير المكلفين فى أمر دينهم ، أى متى تعبدون ربكم فإنكم إن لم تعبدوه مع

٥٩٣
مُفْسِدٍ أَوْهَرَمِ مُفْنِدٍ أَزْ مَوْتٍ مُجْهِزٍ أَوْ الدَّجَّلِ فَشَرٌ غَائِبٌ يُنْتَظَرُ
أَوْ السَّاعَةِ؟ فالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُ )). هَذَا حَدِيثٌ غريبٌ حسنٌ لاَ نَعْرِفُهُ
مِنْ حديثِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ إِلَّ مِنْ حَديثِ يُحْرِزِ بنِ مَرُونَ.
وَرَوَى مَعْمَرٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَمَنْ سَمِعَ سَعِيداً الَمُقْبُرِىَّ عَنْ أَبِ هُرَيْرَةَ
عَنْ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نحوَ هذَا .
قلة الشواغل وقوة البدن فكيف تعبدون مع كثرة الشواغل وضعف القوى ؟ لعل
أحدكم ما ينتظر إلا غنى مطغياً انتهى. وقوله منس من باب الأفعال ، ويجوز أن
يكون من باب التفعيل ، ولكن الأول أولى لمشاكلة الأولى ، أى جاءل صاحبه
مدهوشاً ينسيه الطاعة من الجوع والعربى ، والتردد فى طلب القوت ( أو غنى
مطغ ) أى موقع فى الطغيان ( أو مرض مفسد ) أى للبدن لشدته أو للدين لأجل
الكسل الحاصل به ( أو هرم مفند ) أى موقع فى الكلام المحرف عن سنن الصحة
من الخرف والهذيان . وقال فى القاموس: الفند بالتحريك الخزف وإنكار العقل
الهرم أو مرض ، والخطأ فى القول والرأى . والكذب كالإفناد ، وفنده تفنيداً
كذبه وعجزه ، وخطأ رأيه كأفنده. ولا تقل مجوز مفندة لأنها لم تكن ذات رأى
أبدأ (أو موت مجهز ) بجيم وزاى من الإجهاز ، أى قاتل بغتة من غير أن يقدر
على توبة ووصية . ففى النهاية: المجهز هو السريع ، يقال أجهز على الجريح إذا أسرع
قتله ، أو الدجال أى خروجه فشر غائب ينتظر بصيغة المجهول ، أو الساعة أى
القيامة (فالساعة أدهى) أى أشد الدواهى وأقطعها وأصعبها (وأمر) أى أكثر
مرارة من جميع ما يكابده الإنسان فى الدنيا من الشدائد لمن غفل عن أمرها،
ولم يعد لها قبل حلولها. والقصد الحث على البدار بالعمل الصالح قبل حلول شىء
من ذلك ، وأخذ منه ندب تعجيل الحج .
قوله : ( هذا حديث غريب حسن) وأخرجه النسائي والحاكم وصححه قال المناوى
وأفروه انتهى. قلت فى سند الترمذى: محرز بن هارون وقد عرفت حاله.
(٣٨ - تحفة الأحوذي ٦ )

٥٩٤
٢ - بَابُ مَاجَاءٍ فِى ذِكْرِ المَوْتِ
٢٤٠٩ - حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، أخبرنا الفَضْلُ بنُ مُوسَى، عَنْ
"مُحَمَّدٍ بِنِ عَمْرِو، عنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
صلى الله عليه وسلم: ((أُكْثِرُوا ذِكْرَ هَذِمِ الَّذَّاتِ)) يَعْنِى الموت. هذَا
حَدِيثٌ غريبٌ حَسَنٌ، وَفِي الْبَابِ عنْ أَبِىِ سَعِيدٍ .
( باب ما جاء فى ذكر الموت )
قوله: (أكثروا ذكر هاذم اللذات) بالذال المعجمة : أى قاطعها . قال ميرك
صمح الطيبي بالدال المهملة حيث قال شبه الذات الفانية والشهوات العاجلة ثم زوالها
ببناء مر تفع يتهدم بصدمات هائلة، ثم أمر المنهمك فيها بذكر الهادم للا يستمر
على الركون إليها ، ويشتغل عما يجب عليه من الفرار إلى دار القرارانتهى كلامه.
لكن قال الإسنوى فى المهمات: الهاذم بالذال المعجمة هو القاطع كما قاله الجوهرى
وهو المراد هنا، وقد صرح السهيلى فى الروض الأنف بأن الرواية بالذال المعجمة ،
ذكر ذلك فى غزوة أحد فى الكلام على قتل وحشى لحمزة. وقال الشيخ الجزرى :
هادم يروى بالدال المهملة أى دافعها أو مخربها، وبالمعجمة أى قاطعها. واختاره
بعض من مشاتخنا وهو الذى لم يصحح الخطابى غيره وجعل الأول من غلط الرواة
كذا فى المرقاة ( يعنى الموت ) تفسير من الراوى.
قوله : ( هذا حديث غريب حسن) وأخرجه النسائى وابن ماجه وأخرجه .
أيضاً الطبرانى فى الأوسط بإسناد حسن وابن حبان فى صحيحه وزاد : فإنه ماذكره
أحد فى ضيق إلا وسعه ولا ذكره فى سعة إلا ضيقها عليه كذا فى الترغيب للنذرى .
قوله: (وفى الباب عن أبى سعيد) وأخرجه التر مذى فى أبواب صفة القيامة،
وفى الباب أيضاً عن ابن عمر مرفوعاً: أكثروا ذكر هاذم اللذات . يعنى الموت
فإنه ما كان فى كثير إلا قلله، ولا قليل إلا جزئه. رواه الطبرانى بإسناد حسن.
وفى الباب أيضاً عن أنس رواه البزار بإسناد حسن والبيهقى .

١٥
٣ - بَابُ
٢٤١٠ - حدثنا هَنَّادٌ، أخبرنا يَحْسَى بنُ مَعِينٍ، أخبرنا هِشَمُ بنُ
يُوسفَ ، أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ تَجِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ هَانِئاً مَوْلَى عُثْماَنَ قَالَ : كَانَ
عُثْاَنُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرِ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحِيْتَهُ، فَقِيلَ لَهُ تُذْ كَرُ الْجَنَّةُ
وَالنَّارُ فَلاَ تَبْكِى وَتَبْكِى مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه
وسلم قَالَ: إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَغَازِلِ الْآخِرَةِ فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ
( باب )
قوله: (أخبر نا يحيى بن معين) بن عون الغطفانى مولاهم أبو زكريا البغدادى، ثقة
حافظ مشهور إمام الجرح والتعديل من العاشرة (أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعانى
أبو عبد الرحمن القاضى ثقة من التاسعة ( أخبرنا عبد الله بن بجير) بفتح الموحدة
وكسر الحاء المهملة بن ريسان بفتح الراء وسكون التحتانية بعدها مهملة ، أبو وائل
القاص الصنعانى وثقه ابن معين واضطرب فيه كلام ابن حبان ( أنه سمع هانئاً مولى
عثمان) كنيته أبو سعيد البربرى الدمشقى ، ر وى عن ،ولاه وغيره وعنه أبو وائل
عبد الله بن بحير وغيره. قال النسائى ليس به بأس وذكره ابن حبان فى الثقات.
قوله: (بكى حتى يبل) بضم الموحدة أى بكاؤه يعنى دموعه (لحيته) أى يجعلها
مبلولة من الدموع (فلاتبكى) أى من خوف النار واشتياق الجنة (وتبكى من هذا)
أى من القبر بعنى من أجل خوفه؟ قيل إنما كان يبكى عثمان رضى الله عنه وإن
كان من جملة المشهود لهم بالجنة ، أما الاحتمال أنه لا يلزم من التبشير بالجنة عدم
عذاب القبر ، بل ولا عدم عذاب النار مطلقاً مع احتمال أن يكون التبشير مقيداً
بقيد معلوم أو مبهم ، ويمكن أن ينسى البشارة حينئذ اشدة الفظاعة ، ويمكن أن
يكون خوفاً من ضغطة القبر كما يدل حديث سعد رضى الله عنه على أنه لم يخلص
منه كل سعيد إلا الأنبياء ذكره القارى (أن القبرأول منزل من منازل الآخرة)
ومنها عرضة القيامة عند العرض ، ومنها الوقوف عند الميزان، ومنها المرور على
الصراط ، ومنها الجنة أو النار فى بعض الروايات ، وآخر منزل من منازل الدنيا

٥٩٦
أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ)) قَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللهِ
صلى الله عليه وسلم ((مَا رَأَيْتُ مَنْظَراً قَطُّ إِلاَّ وَالْقَبْرُ أَفْطَعُ مِنْهُ)). هَذَا
حديثٌ حسنٌ غريبٌ لاَ نَعْرِقُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بنِ يُوسُفَ.
٤ - بَابُ مَنْ أَحَبَّ لَقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ
٢٤١١ - حدثنا تَمُودُ بنُ غَيْلَانَ، أخبرنا أَبُودَاوُدَ، أخبرنا شُعْبَةُ،
عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَا يُحَدِّثُ عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، عَنْ الَّبِىِّ
صلى الله عليه وسلم قَالَ: (( مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ
ولذا يسمى البرزخ (فإن نجا) أى خلص المقبور (٠٠٠) أى من عذاب القبر
(فما بعده) أى من المنازل ( أيسر منه ) أى أسهل لأنه لو كان عليه ذنب الكفر
بعذاب القبر ( وإن لم ينج منه ) أى لم يتخلص من عذاب القبر ولم يكفر ذوبه
به وبقى عليه شىء ما يستحق العذاب به (فما بعده أشد منه) لأن النار أشد العذاب
والقبر حفرة من حفر النيران (قال) أى عثمان (مارأيت منظراً) بفتح الميم والظاء
أى موضعاً ينظر إليه وعبر عن الموضع بالمنظر مبالغة لأنه إذا نفى الشىء مع لازمه
ينتفى بالطريق البرهانى (قط) بفتح القاف وتشديد المضمومة : أى أبداً وهو
لا يستعمل إلا فى الماضى ( إلا القبر أفظع منه ) من قطع الأمر ككرم اشتدت
شناعته وجاوز المقدار فى ذلك ، يعنى أشد وأفظع وأنكر من ذلك المنظر . قيل
المستثنى جملة حالية من منظر وهو موصوف حذفت صفته ، أى مارأيت منظراً
فظيعاً على حالة من أحوال العظاعة ، إلا فى حالة كون القبر أفبح منه ،
الاستثناء مفرغ .
قوله : ( هذا حديث حسن غريب ) قال المنذري وزاد رزين فيه ما لم أره
فى شىء من نسخ الترمذى قال هانى . . وسمعت عثمان ينشد على قبر :
فإن تنج من ذى عظيمة وإلا فإنى لا أخا لك ناجيا
انتهى. والحديث أخرجه أيضاً ابن ماجه والحاكم وصححه واعترض قاله المناوى.
( باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه)
قوله: ( يحدث عن عبادة بن الصامت عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: من أحب
i

٥٩٧
لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ)). وَفِ الْبَابِ عِنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَائِشَةً وَأَبِهِ
مُوسَى وَأَسٍ، حَدِيثُ عُبَادَةَ حَدِيثٌ محِيحٌ.
٥ - بابُ مَا جَاءَ فِى إِنْذَارِ النَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قَوْمَهُ
٢٤١٢ - حدثنا أبو الأشْعَثِ أحَدُ بنُ المِقْدَامِ، أخبرنا مُحَمَّدُ
ابنُ عَبْدِ الرَّحَنِ الطَُّوِىُّ، أخبرنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَةً
قَالَتْ: لَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقَرِبِينَ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِ
لقاء الله الخ) تقدم هذا الحديث مع شرحه فى باب من أحب لقاء الله أحب الله
لقاءه من أبواب الجنائز.
( باب ما جاء فى إنذار النبى صلى الله عليه وسلم قومه)
قوله : ( حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام ) العجلى بصرى ، صدوق صاحب
حديث، طعن أبو داود فى مرونه من العاشرة، روى عنه البخارى والترمذى
والنسائى وابن ماجه وغيرهم .
وقال أبو داود: وكان يعلم المجان المجون فأنا لا أحدث عنه . قال ابن عدى:
وهذا لا يؤثر فيه لأنه من أهل الصدق كذا فى التقريب وتهذيب التهذيب . وقال
فى ميزان الاعتدال : كان بالبصرة مجان يلقون صرة الدراهم ويرقبونها ، فإذا جاء
من لحظها فرفعها صاحوا به وخجلوه ، فعلمهم أبو الأشعث أن يتخذوا صرة فيها
زجاج فإذا أخذوا صرة الدراهم فصاح صاحبها وضعوابدلها فى الحال صرة الزجاج
انتهى . قال فى القاموس: مجن مجوناً صلب وغلظ ، ومنه الماجن لمن لا يبالى قولا
وفعلا كأنه صلب الوجه وقد مجن مجوناً وبجانة ومجناً بالضم انتهى. وقال فى الصراح:
مجن مجون بيباكى مجن يمجن مجانة كذلك فهو ماجن وهم مجان بالضم والتشديد انتهى.
(أخبرنا محمد بن الرحمن الطفاوى) أبو المنذر البصرى صدوق بهم من الثامنة .

٥٩٨
صلى اللهُ عليه وسلم: ((يَاصَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدٍ الْطَّلِبِ، بَقَاطِئَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ،
يَا ◌َنِ عَبْدِ المُطَّلِ: إِنِى لاَ أَمْلِكُ لَكُمُ مِنَ اللّهِ شَيْئً؛ سَلُونِ مِنْ مَالِ
مَاشِئْتُمْ)). وفى الْبَابِ عنْ أَبِ حُرَيْرَةَ وَابنٍ عَبَّاسٍ وَأَبِىِ مُوسَى، حَدِيثُ.
قوله: ( يا صفية) بالرفع (بنت عبد المطلب) وبالنصب وكذا قوله يا فاطمة
بنت محمد، وصفية هذه هى عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا أملك لكم من
الله) أى من عذابه ( شيئاً) أى من الملك والقدرة والدفع والمنفعة، والمعنى أنى
لا أقدر أن أدفع عنكم من عذاب الله شيئاً إن أراد الله أن يعذبكم وهو مقتبس من
قوله سبحانه (( قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً)،
بل قال اللّه تعالى ((قل لا أملك لنفسى نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله)) (سلوفى
من مالى ما شئتم ) قال التوريشتى : أرى أنه ليس من المال المعروف فى شىء
وإنما عبر به عما يملكه من الأمر وينفذ قصرفه فيه ولم يثبت عندنا أنه كان ذا مال
لا سما بمكة . ويحتمل أن الكلمتين أعنى من وما وقع الفصل فيهما من بعض من
لم يحققه من الرواة فكتبهما منفصلتين انتهى. قال القارى : وفيه أنه يرده قوله
تعالى: ((ووجدك عائلافأ غنى)) أى بمال خديجة رضي الله عنها على ماقاله المفسرون.
وأيضاً لم يلزم من عدم وجود المال الحاضر للجواد أن لا يدخل فى يده شىء من المال
فى الاستقبال ، فيحمل الوعد المذكور على تلك الحال، ومهما أمكن الجمع لتصحيح
الدراية تعين عدم التخطئة فى الرواية انتهى . وقال الحافظ : واستدل بعض
المالكية بقوله: يافاطمة بنت محمد سلينى من مالى ما شئت لا أغنى عنك من الله ؛ أن
النيابة لاتدخل فى أعمال البر، إذ لوجاز ذلك لكان يتحمل عنها صلى الله عليه وسلم
بما يخلصها ، فإذا كان عمله لا يقع نيابة عن ابنته فغيره أولى بالمنع . وتعقب بأن
هذا كان قبل أن يعلمه الله تعالى بأنه يشفع فيمن أراد وتقبل شفاعته حتى يدخل
قوماً الجنة بغير حساب ويرفع درجات قوم آخرين ، ويخرج من النار من دخلها
بذنوبه ، أو كان المقام مقام التخويف والتحذير ، أو أنه أراد المبالغة فى الحض على
العمل ، ويكون فى قوله لا أغنى شيئاً إضمار إلا إن أذن الله لى بالشفاعة انتهى.
قوله: ( وفى الباب عن أبى هريرة وابن عباس وأبي موسى) أما حديث أبى

٥٩٩
◌َالِثَةً حَدِيثْ حَسَنٌ. وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَمِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيِدِ
عن النِّيِّ صلى الله عليه وسلم مثلَهُ.
هريرة فأخرجه الترمذى فى التفسير ، وأما حديث ابن عباس فأخرجه الشيخان ،
وأما حديث أبى موسى فأخرجه الترمذى فى التفسير .
اعلم أن هذه القصة إن كانت واقعة فى صدر الإسلام بمكة فلم يدركها ابن عباس
لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ولا أبو هريرة لأنه إنما أسلم بالمدينة ، وفى ندار
فاطمة يومئذ أيضاً ما يقتضى تأخر القصة لأنها كانت حينئذ صغيرة أو مراهقة ،
والذى يظهر أن ذلك وقع مرتين مرة فى صدر الإسلام ؛ ورواية ابن عباس وأبى
هريرة لها من مرسل الصحابة. ويؤيد ذلك ماوقع فى حديث ابن عباس من أن أبا
لهب كان حاضراً لذلك وهو مات فى أيام بدر ، ومرة بعد ذلك حيث يمكن أن
تدعى فيها فاطمة عليها السلام أو يحضر ذلك أبو هريرة أو ابن عباس ، كذا قال
الحافظ فى باب من انتسب إلى آبائه فى الإسلام والجاهلية . وقال فى باب قوله :
(وأنذر عشيرتك الأقربين) من كتاب التفسير تحت حديث ابن عباس ما لفظه :
وقع عند الطبرانى من حديث أبى أمامة قال لما نزلت ((وأنذر عشيرتك الأقربين))
جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى هاشم ونساءه وأهله فقال: يابنى هاشم
اشتروا أنفسكم من النار واسعوا فى فكاك رقابكم ، ياعائشة بنت أبى بكر ، ياحفصة
بنت عمر ، يا أم سلمة ، فذكر حديثاً طويلا. فهذا إن ثبت دل على تعدد القصة لأن
القصة الأولى وقعت بمكة بتصريحه فى حديث الباب يعنى حديث ابن عباس أنه صعد
الصفا ولم تكن عائشة وحفصة وأم سلمة عنده ومن أزواجه إلا بالمدينة ، فيجوز
أن تكون متأخرة عن الأولى فيمكن أن يحضرها أبو هريرة وابن عباس أيضاً ،
ويحمل قوله لما نزلت جمع أى بعد ذلك لأن الجمع وقع على الفور ، ولعله كان
نزل أولا , وأنذر عشيرتك الأقربين، لجمع قريشاً فعم ثم خص، ثم نزل ثانياً
ورهطك منهم المخلصين ، لخص بذلك بنى هاشم ونساءه والله أعلم .
قوله: (حديث عائشة حديث حسن) وأخرجه الترمذى فى التفسير وصححه .

٦٠٠
٦ - بَابُ مَاجَاءَ فِى فَضْلِ البُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ تعالى
٢٤١٣ - حدثنا حَنَادٌ، أخبرنا عَبْدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ
ابنِ عَبْدِ اللهِ الَّسْعُودِىِّ، عن مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عنْ عِيسَى بِنِ طَلْحَةً
عن أَبِ هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلم: ((لاَ بَاِجُ
النَّارَ رَجُلٌ بَلَّى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّى يَعُودَ الَبَنُ فى الضَّرْعِ، وَلاَ يَجْتَمِعُ
غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدَُّانُ جَهَنََّ )). وفى البَابِ عنْ أَبِىِ رَيْجَنَةَ وَابْنٍ
عَبَّاسٍ. هَذَا حَدِيثٌ صحيحٌ. وَيُحَدُ بنُ عَبْدِ الرَّحمنِ هُوَ مَوْلَى آلِ طَلْحَةً
مَدِيِىٌّ ثِقَةٌ، رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَنُ الثَّوْرِىُّ.
( باب ماجاء فى فضل البكاء من خشية الله تعالى)
قوله: ( عن عبد الرحمن بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الكوفى المسعودى
صدوق اختلط قبل موته ، وضابطه أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط من
السابعة كذا فى التقريب ... وقال فى تهذيب التهذيب : قال أبو النضر هاشم بن
القاسم إنى لأ عرف اليوم الذى اختلط فيه المسعودى ، کنا عنده وهو يعزى فى ابن
له إذ جاءه إنسان فقال غلامك أخذ من مالك عشرة آلاف وهرب ، ففزغ وقام
فدخل فى منزله ثم خرج إلينا وقد اختلط انتهى. ( عن محمد بن عبد الرحمن) بن
عبيد القرشى مولى آل طلحة ، كوفى ثقة من السادسة .
قوله: ( لا يلج) من الولوج أى لا يدخل (رجل بكى من خشية الله) فإن
الغالب من الخشية امتثال الطاعة واجتناب المعصية ( حتى يعود اللبن فى الضرع )
هذا من باب التعليق بالمحال كقوله تعالى ((حتى يلج الجمل فى سم الخياط)) (ولا يجتمع
غبار فى سبيل الله) أى فى الجهاد (ودخان جهنم ) فكأنهما ضدان لا يجتمعان،
وقد تقدم هذا الحديث فى باب فضل الغبار فى سبيل الله من أبواب فضائل الجهاد .
قوله : ( وفى الباب عن أبى ريحانة وابن عباس). أما حديث أبى ريحانة