النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
وأُّ حَرَامٍ بِقْتُ مِلْحَانَ مِىَ أُخْتُ أُمّ سُلَيٍْ، وهى خَةُ أَنَسٍ
ابنِ مَالِكٍ.
١٦ - بابُ مَا جَاءٍ مَنْ يُقَتِلُ رِيَاءٍ والدُّنْياً
١٦٩٧ - حدثنا هَنَدٌ حدثنا أبو مُعَاوِيَةً عن الأَعْمَشِ عن شَقِيقٍ عن
أَبِى مُوسَى قال: ((سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللّهُ عليه وسلم عن الرَّجُلِ يُقَتِلُ
شَجَاعَةً وَيُقَتِلُ ◌َّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءٍ فَأَىُّ ذَلِكَ فى سبيلِ اللهِ ؟ قال: مَنْ قَالَ
لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِىَ العُلْيَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللهِ» .
الإشكال من أصله لبقاء الملامسة فى تفلية الرأس وكذا النوم فى الحجر ، ثم قال :
وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصية، ولا يردها كونها لاتثبت إلا بدليل ، لأن
الدليل على ذلك واضح والله أعلم أنتهى.
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائى
وابن ماجة .
( باب ما جاء من يقاتل رياء والدنيا )
قوله ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شراعة) أى
ليذكر بين الناس ويوصف بالشجاعة (ويقاتل حمية ) أى من يقاتل لأجله من
أهل أو عشيرة أو صاحب ( ويقاتل رياء ) أى ليرى الناس منزلته فى سبيل الله.
وفى رواية البخارى فى الجهاد ليرى مكانه ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو
فى سبيل الله) قال الحافظ: المراد بكلمة الله ودعوة الله إلى الإسلام، ويحتمل
أن يكون المراد أنه لا يكون فى سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله
فقط بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سبباً من الأسباب المذكورة أخل بذلك ،.
ويحتمل أن لايخل إذا حصل ضمناً لا أصلا ومقصوداً ، وبذلك صرح الطبرى
,٠
١

٢٨٢
٠
وفى البابِ عن ◌ُمَرَ .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
فقال: إذا كان أصل الباعث هو الأول لايضره ما عرض له بعد ذلك ، وبذلك
قال الجمهور ، لكن روى أبو داود والنسائى من حديث أبو أمامة بإسناد جيد
قال: جاء رجل فقال يا رسول الله أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله؟
قال لاشىء له، فأعادها ثلاثاً كل ذلك يقول لاشىء له ، ثم قال رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم : إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغى به وجهه. ويمكن
أن يحمل هذا على من قصد الأمرين معاً على حد واحد فلا يخالف المرجح أولا ،
فتصير المراتب خمساً : أن يقصد الشيئين معاً، أو يقصد أحدهما صرفاً ، أو يقصد
أحدهما ويحصل الآخر ضمناً ، فالمحذور أن يقصد غير الإعلاء ، فقد يحصل الإعلاء
ضمناً وقد لايحصل ، ويدخل تحته مرتبتان ، وهذا ما دل عليه حديث أبى موسى
ودونه أن يقصدهما معاً فهو محذور أيضاً على ما دل عليه حديث أبى أمامة .
والمطلوب أن يقصد الإعلاء صرفاً وقد يحصل غير الإعلاء وقد لايحصل ، ففيه
من تبتان أيضاً . قال ابن أبى جمرة : ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول
قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه انتهى. قال الحافظ: ويدل على أن
دخول غير الإعلاء ضمناً لا يقدح فى الإعلاء إذا كان الإعلاء هو الباعث الأصلى
ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن حوالة قال: بعثنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم على أقدامنا لنغنم فرجعنا ولم نغنم شيئاً فقال: اللهم لاتكلهم
إلى الحديث، قال: وفى الحديث بيان أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة، وأن
الفضل الذى ورد فى المجاهد يختص بمن ذكر ، وفيه ذم الحرص على الدنيا ، وعلى
القتال لحظ النفس فى غير الطاعة انتهى .
قوله ( وفى الباب عن عمر ) أخرجه الترمذى بعد هذا .
قوله ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائى
وابن ماجة .
لام

٢٨٣
١٦٩٨ - حدثنا محمدُ بنُ المَنَّى حدثنا عبدُ الوَهَّابِ التَّقَفِىُّ عن يَحْسَ
ابنِ سعيدٍ عن محمدِ بنِ إِبراهِيمَ عن عَلْقَمَةَ بنِ وَقَصِ الَّبِيِّ عن مُمَرَ بِنِ
الْطَّبِ قال: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ((إِنْمَاَ الأعْمَالُ بالنِّيَّةِ، وَإِنَّ
لِمْرِىءٍ مَ نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى الهِ وإلى رَسُولِهِ فَيِجْرَتُ
قوله ( إنما الأعمال ) قال جماهير العلماء من أهل العربية والأصول وغيرهم :
لفظة ((إنما ، موضوعة للحصر تثبت المذكور وتنفى ما سواه ، فتقدير هذا الحديث
أن الأعمال تحسب بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية قاله النووى . والأعمال أعم
من أن تكون أقوالا أو أفعالا، فرضاً أو نفلا، قليلة أو كثيرة ، صادرة من
المكلفين المؤمنين ( بالنية ) بالإفراد ، ووقع فى رواية البخارى فى أول صححه
((بالنيات، بالجمع. قال الحافظ كذا أورد منا، وهو من مقابلة الجمع بالجمع أى كل
عمل بنيته . وقال الحربى: كأنه أشار بذلك إلى أن النية تتنوع كما تتنوع الأعمال ،
كمن قصد بعمله وجه الله، أو تحصيل موعوده أو الانقاء لو عيده ، ووقع فى معظم
الروايات بإفراد النية ، ووجه أن محل النية القلب وهو متحد فناسب إفرادها ،
بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالظواهر وهى متعددة فناسب جمعها ، ولأن النية
ترجع إلى الإخلاص وهو واحد للواحد الذى لاشريك له انتهى .
قال النووى : والنية القصد وهو عزيمة القلب ، وتعقبه الكرمانى بأن عزيمة
القلب قدر زائد على أصل القصد. وقال البيضاوى: النية عبارة عن انبعاث القلب
نحو ما يراه موافقاً لغرض من جلب نفع أو دفع ضرر حالا أو مآلا ، والشرع
خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضا اللّه وامتثال حكمه، والنية
فى الحديث محمولة على المعنى اللغوى ليصح تطبيقه على ما بعده ، وتقسيمه أحوال
المهاجر فإنه تفصيل لما أجمل ، ولا بد من محذوف يتعلق به الجار والمجرور ، فقيل
تعتبر ، وقيل: تكمل ، وقيل: تصح ، وقيل: تحصل ، وقيل تستقر ، وقيل :
الكون المطلق . قال البلقيني: هو الأحسن. قال الطيبي : كلام الشارع محمول على
بيان الشرع لأن المخاطبين بذلك هم أهل اللسان فكأنهم خوطبوا بما ليس لهم به علم
إلا من قبل الشارع فيتعين الحمل على ما يفيد الحكم الشرعى انتهى ( وإنما لأمرى.

٢٨٤
إلى اللهِ وإلى رَسُولِهِ، ومَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهاَ أَوْ أمْرَأَةٍ
يَزَوَّجُهَ فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إليهِ)» .
ما نوى) قال الحافظ فى الفتح : قال القرطبى: فيه تحقيق الاشتراط النية والإخلاص
فى الأعمال جنح إلى أنها مؤكدة. وقال غيره : بل تفيد غير ما أفادته الأولى لأن
الأولى نبهت على أن العمل يتبع النية بصاحبها فيترتب الحكم على ذلك ، والثانية
أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه . وقال ابن دقيق العيد : الجملة الثانية
تقتضى أن من نوى شيئاً يحصل له يعنى إذا عمله بشرائطه أو حال دون عمله ما يعذر
شرعاً بعدم عمله ، وكل ما لم ينوه لم يحصل له ، ومراده بقوله ما لم ينوه أى
لاخصوصاً ولا عموماً أما إذا لم ينو شيئاً مخصوصاً لكن كانت هناك نية عامة
تشمله، فهذا مما اختلف فيه أنظار العلماء، ويتخرج عليه من المسائل ما لا يحصى .
وقد يحصل غير المحتوى لمدرك آخر كمن دخل المسجد فصلى الفرض أو الراتبة قبل
أن يقعد فإنه يحصل له تحية المسجد نواها أو لم ينوها ، لأن القصد بالتحية شغل
البقعة وقد حصل ، وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة فإنه لا يحصل
له غسل الجمعة على الراجح لأن غسل الجمعة ينظر فيه إلى التعبد لا إلى محض التنظيف
فلا بد فيه من القصد إليه بخلاف تحية المسجد والله أعلم.
وقال النووى : أفادت الجملة الثانية اشتراط تعيين المنوى . كمن عليه صلاة
فائته لا يكفيه أن ينوى الفائتة فقط حتى يعينها ظهراً مثلا أو عصراً ولا يخفى أن
محله ما إذا لم تنحصر الفائتة (فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله
وإلى رسوله) الهجرة الترك، والهجرة إلى الشىء الانتقال إليه عن غيره ، وفى
الشرع ترك مانهى الله عنه، وقد وقعت فى الإسلام على وجهين: الأول : الانتقال
من دار الخوف إلى دار الأمن كما فى مهجرتى الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى
المدينة . الثانى : الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان ، وذلك بعد أن استقر
النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين، وكانت
لهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص
وبقى عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقياً .

٢٨٥
فإن قيل : الأصل تغاير الشرط والجزاء وقد وقعا فى هذا الحديث متحدين .
فالجواب أن التغاير يقع تارة باللفظ وهو الأكثر وتارة بالمعنى ويفهم ذلك من
السياق ، ومن أمثلته قوله تعالى ((ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متابأ)
وهو مؤول على إرادة المعهود المستقر فى النفس ، كقولهم : أنت أنت أى الصديق
الخالص ، وقولهم : هم هم أى الذين لا يقدر قدرهم، وقول الشاعر: أنا أبو النجم
وشعرى وشعرى، أو هو مؤول على إقامة السبب مقام المسبب لاشتهار السبب.
وقال ابن مالك: قد يقصد بالخبر الفرد بيان الشهرة وعدم التغير فيتحد بالمبتدأ
لفظاً كقول الشاعر :
خليلى خليلى دون ريب وربما ألان امرؤ قولا فظن خليلا
وقد يفعل مثل هذا بجواب الشرط كقولك : من قصدنى فقد قصدنى أى فقد
قصد من عرف بإنجاح قاصده ، وقال غيره : إذا اتحد لفظ المبتدأ والخبر والشرط
والجزاء علم منهما المبالغة إما فى التعظيم وإما فى التحقير ( إلى دنيا ) بضم الدال
وبكسر وهى فعلى من الدنو وهو القرب لدنوها إلى الزوال أو لقربها من الآخرة
مناً ، ولاتنون لأن ألفها مقصورة للتأنيث أو هى تأنيث أدنى، وهى كافية فى منع
الصرف وتنوينها فى لغة شاذة ، ولإجرائها مجرى الأسماء وخلعها عن الوصفية
فكرت كرجعى ولو بقيت على وصفيتها لعرفت كالحسنى . واختلفوا فى حقيقتها،
فقيل هى اسم مجموع هذا العالم المتناهى ، وقيل هى ما على الأرض من الجو والهواء
أو هى كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الآخرة . قال النووى:
وهذا هو الأظهر ، ويطلق على كل جزء منها مجازاً وأريد ههنا شىء من الحظوظ
النفسانية ( يصيبها) أى يحصلها لكن لسرعة مبادرة النفس إليها بالجبلة الأصلية،
شبه حصولها بإصابة السهم للغرض ، والأظهر أنه حال أى يقصد إصابتها (أو امرأة
يتزوجها) خصت بالذكر تنبيهاً على سبب الحديث، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ
كما رواه الطبرانى بسند رجاله ثقات عن ابن مسعود : كان فينا رجل خطب امرأة
يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها ، قال : فكنا
نسميه مهاجر أم قيس . وفيه إشارة إلى أنه مع كونه قصد فى ضمن الهجرة سنة
عظيمة أبطل ثواب هج نه فكيف يكون غيره ؟ أو دلالة على أعظم فتن الدنيا

٢٨٦
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
وقد رَوَى مالكُ بنُ أَنَسٍ وسُفْيَانُ الثَّوْرِئُ وَغَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأَعْمَّةِّ هذا
عن يَخْتَى بن سَعِيدٍ ولا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثٍ يَخْيَ بنِ سَعِيدٍ.
لقوله تعالى ((زين للناس حب الشهوات من النساء)) ولقوله عليه السلام: « ما تركت
بعدى فتنة أضر على الرجال من النساء ، لكن المرأة إذا كانت صالحة تكون خير
متاعها ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((الدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة))
( فهجرته إلى ما هاجر إليه ) أى منصرفة إلى الغرض الذى هاجر إليه فلا ثواب
له لقوله تعالى «من کان يريد حرثالآخرة نزد له فی حر ثه ، و من کان یرید حرث
الدنيا نؤته منها وما له فى الآخرة من نصيب)، أو المعنى فهجرته مردودة أو قبيحة .
قوله ( هذا حديث حسن صحيح ) أخرجه الجماعة . قال الحافظ : إن هذا
الحديث متفق على صحته أخرجه الأئمة المشهورون إلا الموطأ، ووهم من زعم أنه
فى الموطأ مغتر بتخريج الشيخين له والنسائى من طريق مالك انتهى .
قلت : قال السيوطى فى شرح الموطأ فى رواية محمد بن الحسن عن مالك
أحاديث يسيرة زائدة على سائر الموطآت منها حديث : إنما الأعمال بالنية الحديث،
وبذلك يتبين قول من عزا روايته إلى الموطأ، ووهم من خطأه فى ذلك انتهى.
(تنبيه) قد تواتر النقل عن الأئمة فى تعظيم قدر هذا الحديث. قال أبو عبد الله:
ليس فى أخبار النبى صلى الله عليه وسلم شىء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا
الحديث ، واتفق عبد الرحمن بن مهدى والشافعى فما نقله البويطى عنه وأحمد
ابن حنبل وعلى بن المدينى وأبو داود والترمذى والدارقطنى وحمزة الكنانى على أنه
ثلث الإسلام، ومنهم من قال ربعه ، واختلفوا فى تعبين الباقى. وقال ابن مهدى
أيضاً : يدخل فى ثلاثين باباً من العلم. وقال الشافعى : يدخل فى سبعين باباً ،
ويحتمل أن يريد بهذا العدد المبالغة. وقال عبد الرحمن بن مهدى أيضاً: ينبغى
أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب ووجه البيهقى كونه ثلث العلم بأن كسب العبد
يقع بقلبه ولسانه وجوارحه ، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها لأنها قد تكون
عبادة مستقلة وغيرها يحتاج إليها، ومن ثم ورد نية المؤمن خير من عمله ، فإذا

٢٨٧
١٧ - بابٌ فى الغُدُوِّ والرَّوَاحِ فى سبيلِ اللهِ
١٦٩٩ - حدثنا علىّ بنُ حُجْرٍ حدثنا إسماعيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن مُعَيْدٍ
عن أَنَسِ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((لَغَدْوَة فِى سَبِيلِ اللهِ
أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَاَ وما فيها، ولَقَبُ قَوْسِ أَحَدِمُ أو مَوْضِعُ بَدِهِ
نظرت إليها كانت خير الأمرين، وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث
العلم أنه أحد القواعد الثلاث التى ترد إليها جميع الأحكام عنده وهى هذا، ومن
عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ، والحلال بين والحرام بين .
﴿تنبيه آخر): إعلم أن هذا الحديث المبارك يستأهل أن يفرد لشرحه جزء
مبسوط بجميع فوائده، وما يستنبط منه من الأحكام وغير ذلك ، وقد أطنب فى
شرحه شراح البخارى كالحافظ ابن حجر والعينى وغيرهما إطناباً حسناً مفيداً ،
وإنى قد اقتصرت الكلام فى شرحه على ما لابد منه ، فعليك أن تراجع
شروح البخارى .
( باب فى الغدو والرواح فى سبيل الله )
أی الجهاد .
قوله ( لغدوة فى سبيل الله أو روحة) قال الحافظ: الغدوة بالفتح: المرة
الواحدة من الغدو وهو الخروج فى أى وقت كان من أول النهار إلى انتصافه ،
والروحة المرة الواحدة من الرواح وهو الخروج فى أى وقت كان من زوال
الشمس إلى غروبها (خير من الدنيا وما فيها) قال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين
أحدهما أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس تحقيقاً له فى النفس لكون
الدنيا محسوسة فى النفس مستعظمة فى الطباع ، فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن
المعلوم أن جميع ما فى الدنيا لايساوى ذرة مما فى الجنة، والثانى أن المراد أن هذا
القدر من الثواب خير من الثواب الذى يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها لأنفقها
فى طاعة الله تعالى. قال الحافظ: ويؤيد الثانى ما رواه ابن المبارك فى كتاب الجهاد
من مرسل الحسن قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً فيهم عبد الله

٢٨٨
فى الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَاَ وما فيها، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْنَّةِ أَظْلَمَتْ
إلى الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْتَمَا وَمَّتْ مَا بَيْتَهُمَ رِيِحاً ولِنَصِيْفُهاَ على رأسِهاَ
خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فيها )) .
هذا حديثٌ صحيحٌ .
ابن رواحة فتأخر ليشهد الصلاة مع النبى صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى اللّه
عليه وسلم : والذى نفسى بيده لو أنفقت ما فى الأرض ما أدركت فضل غدوتهم.
والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد وأن من حصل له من
الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أمر عظيم من جميع ما فى الدنيا ، فكيف بمن
حصل منها أعلى الدرجات ، والنكتة فى ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل
إلى سبب من أسباب الدنيا. فنبه هذا المتأخر أن هذا الغدر اليسير من الجنة أفضل
من جميع ما فى الدنيا (ولقاب قوس أحدكم ) أى قدره ، والقاب بالقاف وآخره
موحدة معناه القدر ، وقيل القاب مابين مقبض القوس وسيته ، وقيل مابين الوتر
والقوس ، وقيل المراد بالقوس هنا الذراع الذى يقاس به ، وكأن المعنى بيان فضل
قدر الذراع من الجنة (أو موضع يده) شك من الراوی أی مقدار يده ( خیر من
الدنيا وما فيها) أى من إنفاقها فيها لو ملكها، أو نفسها لو ملكها لأنه زائل
لا محالة ( أطلعت إلى الأرض) أى أشرفت عليها ونظرت إليها (لأضاءت
ما بينهما ) أى مابين المشرق والمغرب ، أو مابين السماء والأرض ، وما بين الجنة
والأرض وهو الأظهر لتحقق ذكرهما فى العبارة صريحاً قاله القارى (ولملات
ما بينهما ريحاً ) أى طيبة (ولنصيفها) بفتح النون وكسر الصاد المهملة بعدها تحتانية
ساكنة ثم فاء هو الخمار بكسر المعجمة وتخفيف الميم (على رأسها) قيد به تحقيراً له
بالنسبة إلى خمار البدن جميعه ( خير من الدنيا وما فيها) أى فكيف الجنة نفسها
وما بها من نعيمها .
قوله ( هذا حديث صحيح ) وأخرجه أحمد والشيخان وابن ماجه .

٢٨٩
١٧٠٠ - حدثنا قُقَيْبَةُ حدثنا العَطَّافُ بنُ خَالِدٍ المَخْزُومِيُّ عن
أبى حاَزِمٍ عن سَهلِ بنِ سَعْدِ السَّاعِدِىِّ قَالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم: ((غَدْوَةٌ فِى سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَاَ وما فيها ، ومَوْضِعُ سَوْطٍ
فى الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فيها » .
وفى البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ وابنِ عَبَّاسٍ وَأَبِى أَيُوبَ وأَنَسٍ .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
١٧٠١ - حدثنا أبو سَعيدٍ الأشَجُ حدثنا أبو خَالِدِ الأْخَرُ عن ابنِ
قوله ( حدثنا العطاف بن خالد المخزومى ) قال فى التقريب : عطاف بتشديد
الطاء بن خالد بن عبد الله بن العاص المخزومى أبو صفوان المدنى صدوق يهم من
السابعة مات قبل مالك انتهى ( عن أبى حازم ) هو ابن دينار .
قوله ( غدوة ) وعند البخارى الروحة والغدوة ، وعند ابن ماجة غدوة أو
روحة ( وموضع سوط فى الجنة) خص الصوت لأن من شأن الراكب إذا أراد
النزول فى منزل أن يلقى سوطه قبل أن ينزل معداً بذلك المكان لئلا يسبقه
إليه أحد .
قوله ( وفى الباب عن أبى هريرة وابن عباس وأبى أيوب وأنس) أما حديث
أبى هريرة فأخرجه الترمذى فى هذا الباب ، وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضاً
الترمذى فى هذا الباب، وأما حديث أبى أيوب فأخرجه أحمد ومسلم والنسائى ،
وأما حديث أنس فقد رواه الترمذى وهو أول أحاديث الباب فلعله أشار إلى
ما أخرجه أحمد والشيخان وابن ماجة عنه بلفظ: غدوة فى سبيل الله أو روحة فيه
خير من الدنيا وما فيها .
قوله ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه الشيخان وغيرهما .
( ١٩ - تحفة الأحوذي - ٥ )

٢٩٠
◌َجْلاَنَ عن أَبِى حَزِمٍ عَن أَبِى هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. والْجَّاجُ
عن الحكمَ عَنْ مُقْسِمٍ عن ابنِ عباسٍ عن النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال :
((غَدْوَةٌ فِى سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فِيها » .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ . وأبو حَزِمِ الذى رَوَى عن أبى هُرَيْرَةَ هو
الكُوفِىُّ اسُمُهُ سَلْمَانُ هو مَوْلَى عَزَّةَ الْأَشْجَعِيَّةِ .
١٧٠٢ - حدثنا عُبَيْدُ بنُ أَسْبَاطِ بنِ محمدٍ حدثنا أَبى عن هِشَامٍ
ابنِ سَعْدٍ عن سَعِيدِ بنِ أَبِ هِلاَلٍ عن ابنِ أبى ذُبَبٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال :
قوله ( والحجاج عن الحكم) يحتمل أن يكون عطفاً على ابن عملان فيكون
لأبى خالد الأحمر شيخان أحدهما ابن جلان وهو روى عن أبى حازم عن أبى هريرة
والثانى الحجاج وهو روى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ، ويحتمل أن يكون
عطفاً على أبى خالد الأحمر فيكون لأبى سعيد الأشج شيخان أحدهما أبو خالد
والثانى الحجاج، فليتأمل . والحجاج هذا هو ابن دينار الواسطى، قال فى التقريب:
لا بأس به وله ذكر فى مقدمة مسلم من السابعة انتهى. والحكم هو ابن عتيبة الكندى
الكوفى ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس من الخامسة.
قوله ( هذا حديث حسن غريب ) أما حديث أبى هريرة فأخرجه الشيخان
وابن ماجة ، وأما حديث ابن عباس فقال العينى فى العمدة بعد ذكر هذا الحديث
من طريق مقسم عن ابن عباس ونقل تحسينه: انفرد بإخراجه الترمذى.
قوله: ( عن سعيد بن أبى هلال) قال فى التقريب: سعيد بن أبى هلال الليثى
مولاهم أبو العلاء المصرى قيل مدنى الأصل وقال ابن يونس: بل نشأ بها ، صدوق
لم أر لابن حزم فى تضعيفه سلفاً. إلا أن الساجى حكى عن أحمد أنه اختلط من السادسة
انتهى. وقد وقع فى النسخة الأحمدية المطبوعة فى الهند عن سعد بن أبى هلال وهو
غلط فاحش فإنه ليس فى الرجال من اسمه سعد بن أبى هلال (عن ابن أبى ذباب)

٢٩١
مَّ رَجُلٌ مِنْ أَمْحَابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بِشِعْبٍ فِيهِ عُيَيْنَةٌ مِنْ مَاءِ عَذْبَةٌ
فأعْجَبَتَهُ لِطِهَاَ، فقال: لَو اعْتَزَلْتُ الناسَ فَأَقَمْتُ فى هذا الشِّعْبِ وَلَنْ أَفْعَلَ
حتى أَسْتَأْذِنَ رَسُؤَلَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، فَذَ كَرَ ذلكَ لِرَسُولِ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم فقال: لا تَفَعَلْ فَإِنَّ مَقَمَ أَحَدِكُمُ فى سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ
مِنْ صَلاتِهِ فِى بَيْتِهِ سَبْعِينَ عاماً، أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُلَكُمُ ،
هو عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن سعد بن أبى ذباب ، بضم المعجمة
وموحدتين ثقة من الثالثة .
قوله (مر رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بشعب) قال فى القاموس:
الشعب بالكسر الطريق فى الجبل ومسيل الماء فى بطن أرض ، أو ما انفرج بين
الجبلين انتهى. والظاهر أن المراد هنا هو المعنى الأخير ( فيه عبينة) تصغير عين
بمعنى المنبع ( من ماء ) قال الطبى: صفة عيينة جىء بها مادحة لأن التفكير فيها
يدل على نوع ماء صاف تروق بها الأعين وتبهج به الأنفس ( عذبة ) بالرفع صفة
عيينة وبالجر على الجوار أى طبة أو طيب ماؤها . قال الطبى: وعذبة صفة أخرى
ميزة لأن الطعم الألذ سائغ فى المرىء، ومن ثم أعجب الرجل وتمنى الاعتزال عن
الناس ( فأعجبته) أى العيينة وما يتعلق بها من المكان (فقال ) أى الرجل ( لو
اعتزلت الناس ) لو للتمنى ويجوز أن تكون لو امتناعية، وقوله (فأقمت فى هذا
الشعب ) عطف على اعتزلت ، وجواب لو محذوف أى لكان خيراً لى ( فذكر
ذلك ) أى ماخطر بقلبه ( فقال لا نفعل ) نهى عن ذلك لأن الرجل محانى وقد
وجب عليه الغزو ، فكان اعتزاله للتطوع معصية لاستلزامه ترك الواجب ، ذكره
ابن الملك تبعاً للطيى (فإن مقام أحدكم) قال القارى بفتح الميم أى قيامه . وفى
نسخة يعنى من المشكاة بضمها وهى الإقامة بمعنى ثبات أحدكم ( فى سبيل الله ) أى
بالاستمرار فى القتال مع الكفار خصوصاً فى خدمة سيد الأبرار ( أفضل من
صلاته فى بيته) يدل على أن طلبه كان مفضولا لا محرماً (سبعين عاماً) قال القارى:
المراد به الكثرة لا التحديد فلا ينافى ماورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

٢٩٢
ويُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ؟ اغْزُوا فِى سَبِيلِ اللهِ؛ مَنْ قَاتَلَ فِى سَبِيلِ اللهِ فُوَاقَ نَقَةٍ
وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ » .
هذا حديثٌ حَسَنٌ .
١٨ - بابُ ما جَاءَ أَىّ الناسِ خَيْرٌ
١٧٠٣ - حدثنا قَتَيْبَةُ حدثنا ابنُ طِيعَةَ عن بُكَّيْرِ بنِ الأَشَجِّ عن
عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن ابنِ عباسٍ أَنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((أَلاَ أُخْرَكُ
يِخَيْرِ النَّسِ؟ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعَانِ فَرَسِهِ فِى سَبِيلِ اللهِ، أَلاَ أُخْرُ كُ بالَِّى
مقام الرجل فى الصف فى سبيل الله أفضل عند الله من عبادة الرجل ستين سنة،
رواه الحاكم عن عمران بن حصين ، وقال على شرط البخارى . ورواه ابن عدى
وابن عساكر عن أبى هريرة رضى الله عنه ولفظه: قيام أحدكم انتهى. (ألا)
بالتخفيف للتنبيه ( تحبون أن يغفر الله لكم) أى مغفرة تامة (يدخلكم الجنة)
أى إدخالا أولياً ( اغزوا فى سبيل الله ) أى دوموا على الغزو فى دينه تعالى
( من قاتل فى سبيل الله فواق ناقة ) قال فى القاموس: الفواق كغراب هو ما بين
الحلبتين من الوقت ويفتح، أو مابين فتح يدك وقبضها على الضرع انتهى. وقال
فى المجمع : هو مابين الحلبتين لأنها تحلب ثم تترك سريعة ترضع الفصيل لتدر
ثم تحلب انتهى .
قوله ( هذا حديث حسن) وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ،
ورواه أحمد من حديث أبى أمامة أطول منه إلا أنه قال: ولمقام أحدكم فى الصف
خير من صلاته ستين سنة ، كذا فى الترغيب .
(باب ما جاء أى الناس خير )
قوله ( رجل مسك بعنان فرسه ) وفى رواية : آخذ برأس فرسه (بالذى

٢٩٣
يَتْلُوهُ؟ رَجُل ◌ٌ مُعَزِلٌ فى غُنَيْمَةٍ يُؤَدِّى حَقَّ اللهِ فيها، أَلاَ أُخْبِرُكُ بِشَرِّ
النَّاسِ؟ رَجُلٌ يُسْأَلُ باللهِ ولا يُعْطِى بِهِ)).
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ . ويُرْوَى هذا الحديثُ مِنْ
غَيرِ وَجْهِ عن ابنِ عباسٍ عن النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلمٍ.
يتلوه) وفى رواية بالذى يليه (رجل معتزل فى غنيمة له) تصغير غنم وهو مؤنث
سماعى ولذلك صغرت بالتاء والمراد قطعة غنم ، قال النووى: فى الحديث دليل
لمن قال بتفضيل العزلة على الخلطة وفى ذلك خلاف مشهور ، فمذهب الشافعى
وأكثر العلماء : أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن ، ومذهب
طوائف من الزهاد أن الاعتزال,أفضل ، واستدلوا بالحديث : وأجاب الجمهور
بأنه محمول على زمان الفتن والحروب ، أو فيمن لا يسلم الناس منه ولا يصبر على
أذاهم. وقد كانت الأنبياء صلوات الله عليهم وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء
والزهاد مختلطين ويحصلون منافع الاختلاط بشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة
المريض وحاق الذكر وغير ذلك انتهى . ( رجل يسأل بالله ولا يعطى به ) هذا
يحتمل الوجهين أحدهما أن قوله (( يسأل)) بلفظ المجهول وقوله ((يعطى)) على بناء
المعلوم ، أى شر الناس من يسأل منه صاحب حاجة بأن يقول أعطنى الله وهو يقدر
ولا يعطى شيئاً بل يرده خائباً ، والثانى أن يكون قوله يسأل على بناء المعلوم وقوله
لا يعطى على بناء المفعول ، أى يقول اعطنى بحق الله ولا يعطى. قال فى المجمع:
هذا مشكل إلا أن يتهم السائل بعدم استحقاقه. وقال الطيبي: الباء كالباء فى كتبت
بالقلم أى يسأل بواسطة ذكر الله أو للقسم والاستعطاف أى بقول السائل: اعطونى
شيئاً بحق الله. وهذا مشكل إلا أن يكون السائل متهماً بحق الله ويظن أنه غير
مستحق انتهى .
قوله ( هذا حديث حسن غريب ) وأخرجه النسائى وابن حبان فى صحيحه ،
ورواه مالك عن عطاء بن يسار مرسلا كذا فى الترغيب .

٢٩/٤٠
١٩ - بابُ ما جَاءٍ فِيمَنْ سَأَلَ الشَّهَدَةَ
١٧٠٤ - حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعِ حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَدَةَ حدثنا ابنُ
جُرَّيْجٍ عن سُلَمانَ بنِ مُوسى عن مالِكِ بنِ يَخَِرَ السَّكْسَكِيِّ عن مُعَذِ
ابنِ جَبَلٍ عن النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: (( من سَأَلَ اللهَ القَتْلَ فى سَبِ
صَادِقًاً مِنْ قَلْبِهِ أَعْطَهُ اللهُ أَجْرَ الشَّهِيدِ)).
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
١٧٠٥ - حدثنا محمدُ بنُ سَهْلِ بنِ عَسْكَرٍ حدثنا القَامِمُ بنُ كَثِيرٍ
حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ شُرَيْحٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بنَ أَبِى أَمَمَةَ بنِ سَهلِ بنِ
حُنَيْفٍ يُحَدِّثُ عن أَبيِهِ عن جَدِّهِ عنِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: (( مَنْ
( باب ما جاء فيمن سأل الشهادة )
قوله ( عن سليمان بن موسى ) الأموى مولاهم الدمشقى الأشدق صدوق فقيه
فى حديثه بعض اين وخولط قبل موته بقليل من الخامسة ( عن مالك بن يخامر )
بفتح التحتانية والمعجمة وكسر الميم ( السكسكى ) الحمصى صاحب معاذ، مخضرم
ويقال له صحبة ، كذا فى التقريب .
قوله ( من سأل الله القتل فى سبيله ) أى الشهادة ( صادقاً من قلبه) قيد به
لأنه معيار الأعمال ومفتاح بركاتها (أعطاه الله أجر الشهيد) أى وإن لم يقتل
فى سبيله .
قوله ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه النسائى والحاكم كذا فى الفتح .
قوله (حدثنا القاسم بن كثير) بن النعمان الإسكندرى أبو العباس القاضى صدوق
من العاشرة (حدثنا عبد الرحمن بن شريع) بن عبد الله المعافرى أبو شريح الإسكندرانى
ثقة فاضل لم يصب ابن سعد فى تضعيفه من السابعة ( أنه سمع سهل بن أبى أمامة

٢٩٥
سَأَلَ اللهَ الشَّهَدَةَ مِنْ قَلْبِهِ صَادِقً بَلََّهُ اللهُ مَنَزِلَ الشُّهَدَاءِ وإِنْ مَآتَ
على فِرَاشِهِ)» .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ حديثٍ سَهْلٍ بِنِ حُنَيْفٍ لا نعرِفُهُ إلاّ
مِنْ حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ شُرَيْحٍ، وقد رَوَاهُ عبدُ اللهِ بنُ صَالحٍ
عن عبد الرحمنِ بنِ شُرَيْحٍ. وعبدُ الرحمنِ بنُ شُرَيْحٍ بُكْنَى أَبَ شُرَيْحٍ
وهو اسْكَنْدَرَانِىٌّ .
وفى البابِ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ .
ابن سهل بن حنيف) الأنصارى المدنى نزيل مصر ثقة من الخامسة مات بالإسكندرية
(يحدث عن أبيه) أى أبى أمامة بن سهل بن حنيف واسمه أسعد وقيل سعد معروف
بكنيته معدود فى الصحابة له رؤية ولم يسمع من النبى صلى الله عليه وسلم (عن جده)
أى سهل بن حنيف بن واهب الأنصارى الأوسى صحابٍ من أهل بدر ، واستخلفه
على على البصرة ومات فى خلافته .
قوله ( من سأل الله الشهادة) أى الموت شهيداً ( بلغه ) بتشديد اللام أى
أوصله ( اللّه منازل الشهداء) مجازاة له على صدق طلبه (وإن مات على فراشه )
بكسر أوله ، أى ولو مات غير شهيد فهو فى حكم الشهداء وله ثوابهم . قال المناوى :
لأن كلا منهما نوى خيراً وفعل مقدوره فاستويا فى أصل الأجر انتهى .
قوله ( هذا حديث حسن غريب ) وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائى
وابن ماجة والحاكم .
قوله (وقد رواه عبد الله بن صالح) بن محمد بن مسلم الجهنى أبو صالح المصرى
كاتب الليث صدوق كثير الغلط ثبت فى كتابه وكانت فيه غفلة من العاشرة. قاله
فى التقريب. وقال فى تهذيب التهذيب فى ترجمته: روى عن أبى شريح عبد الرحمن
ابن شريح وغيره. وروى له أبو داود والترمذى وابن ماجة بواسطة الحسن بن
على الخلال .
قوله ( وفی الباب عن معاذ بن جبل) قد أخرج الترمذى حديثه فى هذا الباب
-
.

٣٩٦
٢٠ - بابُ ما جاء فى الْجَاهِدِ
والُكَانَبِ والنّاكِحِ وعَوْنِ اللهِ إِيٌّ
١٧٠٦ - حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا الَّيْثُ عن ابنِ تَجْلاَنَ عن سَعِيدٍ الَقْبُرِىِّ
عن أبى هريرةَ قَالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((ثلاثةٌ حَقّ على
اللهِ عَوْتُهُمْ: المُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللهِ، وَالُكَانَبُ الَّذِىِ يُرِيدُ الْأَدَاءِ»
والنَّ كِحُ الَّذِىِ يُرِيدُ الَفَفَ)).
هذا حديثٌ حسنٌ .
فلعله أشار إلى ما روى أبو داود عنه مرفوعاً : من قاتل فى سبيل الله فواق ناقة
فقد وجبت له الجنة ، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقاً ثم مات أو قتل فإن له
أجر شهيد الحديث .
( باب ما جاء فى المجاهد والمكاتب والناكح وعون الله إياهم )
قوله ( ثلاثة حق على اللّه عونهم) أى ثابت عنده إعانتهم ، أو واجب عليه
بمقتضى وعده معاونتهم (المجاهد فى سبيل الله) أى بما يتيسر له الجهاد من الأسباب
والآلات (والمكاتب الذى يريد الأداء) أى بدل الكتابة ( والناكح الذى يريد
العفاف ) أى العفة من الزنا. قال الطيبي: إنما آثر هذه الصيغة إيذاناً بأن هذه
الأمور من الأمور الشاقة التى تفدح الإنسان وتقصم ظهره ، لولا أن الله تعالى
يعينه عليها لا يقوم بها ، وأصعبها العفاف لأنه قمع الشهوة الجبلية المركوزة فيه ،
وهى مقتضى البهيمية النازلة فى أسفل السافلين ، فإذا استعف وتداركه عون الله تعالى
ترقى إلى منزلة الملائكة وأعلى عليين .
قوله ( هذا حديث حسن ) وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان
فى صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم .
:

٢٩٧
١٧٠٧ - حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعِ حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ حدثنا ابنُ
جُرَيْجِ عِن سُليمَنَ بنِ موسى عن مالِكِ بنِ يَخَامِرَ عن مُعَذِ بِنِ جَبَلٍ عن النبيِّ
صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: « مَنْ قَاتَلَ فِى سَبِيلِ اللهِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلٍ فُوَاقَ نَاقَةٍ
وَجَبَتْ لَهُ الْنَّةُ، ومَنْ جُرِحَ جُرْحَا فِى سَبِيلِ اللهِ أو نُكِبَ نَكْبَةً فإنها
تَجِى ءُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَأَغْزَرَ مَا كَانَتْ لَوْتُهَاَ الزَّعْفَرَانُ وَرِيحُهَا كَالِسْكِ)).
هذا حديثٌ صحيحٌ .
قوله ( ومن جرح) بصيغة المجهول ( جرحاً) بضم الجيم وبالفتح هو المصدر
أى جراحة كائنة ( فى سبيل الله) بسلاح من عدو (أو نكب ) بصيغة المجهول
أو أصيب ( نكبة ) بالفتح أى حادثة فيها جراحة من غير العدو، فأو للتنويع،
قيل الجرح والنكبة كلاهما واحد ، وقيل الجرح ما يكون من فعل الكفار والنكبة
الجراحة التى أصابته من وقوعه من دابته أو وقوع سلاح عليه . قال القارى هذا
هو الصحيح . وفى النهاية نكبت أصبعه أى نالتها الحجارة ، والنكبة ما يصيب
الإنسان من الحوادث (فإنها ) أى النكبة التى فيها الجراحة ( تجىء يوم القيامة)
قال الطبى : قد سبق شيئان الجرح والنكبة وهى ما أصابه فى سبيل الله من الحجارة
فأعاد الضمير إلى النكبة ، دلالة على أن حكم النكبة إذا كان بهذه المثابة فما ظنك
بالجرح بالسنان والسيف، ونظيره قوله تعالى: ( والذين يكنزون الذهب والفضة
ولا ينفقونها)، انتهى. قال القارى: أو يقال إفراد الضمير باعتبار أن مؤداهما
واحد وهى المصيبة الحادثة فى سبيل الله فهى تظهر وتتصور (كأغزر ما كانت )
أى كأكثر أوقات أكوانها فى الدنيا . قال الطيى : الكاف زائدة وما مصدرية
والوقت مقدر يعنى حينئذ تكون غزارة دمه أبلغ من سائر أوقاته انتهى ( لونها
الزعفران وريحها كالمسك ) كل منهما تشبيه بليغ .
قوله ( هذا حديث صحيح ) وأخرجه أبو داود والنسائى وابن ماجة وابن حبان.
فى صحيحه والحاكم، وقال صحيح على شرطهما كذا فى الترغيب.

٢٩٨
٢١ - بابُ مَا جاءَ فِى فَضْلٍ مَنْ يُكْلَمُ فى سَبِيلِ اللهِ
١٧٠٨ - حدثنا قَتَيْبَةُ حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ عِن سُهَيْلِ بنِ أبى
صَلِحٍ عِن أَبِى هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((لاَيُكَلَمُ
أَحَدٌ فِى سَبِيلِ اللهِ - وَاللهُ أَعْلُ بِعَنْ يُكْلَمُ فِى سَبِيلِهِ - إِلَّ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ
الَّوْنُ لَوَّنُ الدَّمِ، والرِّيحُ ريحُ المِسْكِ)).
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ . وقد رُوِىَ مِنْْ غَيْرٍ وَجْهٍ عن أبى هُرَيْرَةَ
عن النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم .
( باب ما جاء فى فضل من يكلم فى سبيل الله)
قوله (لا يكلم) بضم أوله وسكون الكاف وفتح اللام أى يجرح (أحد فى سبيل
الله) قال السيوطى: أى سواء مات صاحبه منه أم لاكما يؤخذ من رواية الترمذى
(والله أعلم بمن يكلم فى سبيله) جملة معترضة بين المستثنى والمستثنى منه. قال
النووى : هذا تنبيه على الإخلاص فى الغزو، وأن الثواب المذكور فيه إنما هو
. لمن أخلص فيه وقاتل لتكون كلمة الله هى العليا. قالوا: وهذا الفضل وإن كان
ظاهره أنه فى قتال الكفار ، فيدخل فيه من خرج فى سبيل الله فى قتال البغاة
وقطاع الطريق وفى إقامة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ونحو ذلك ( إلا جاء
يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك ) وفى رواية مسلم : إلا جاء يوم
القيامة وجرحه يثعب ، اللون لون الدم والريح ريح مسك . قال النووى : قوله
صلى الله عليه وسلم: ((وجرحه يثعب))، هو بفتح الياء والعين وإسكان المثلثة بينهما
ومعناه يجرى متفجراً أى كثيراً، قال: والحكمة فى مجيئه يوم القيامة كذلك أن
يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه فى طاعة الله تعالى انتهى.
قوله ( هذا حديث صحيح ) وأخرجه الشيخان والنسائى .

٢٩٩
٢٢ - بابُ أيِّ الْأَعْمَال أَفْضَلُ
١٧٠٩ - حدثنا أبو كُرَيْبٍ حدثنا عَبْدَةُ عن محمدِ بنِ عَمْرِ و حدثنا
أبو سَلَمَةَ عن أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عنهُ قال: «سُئِلَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم: أَىُّ الْأَعْمَلِ أَفْضَلُ؟ أَوْ أَىُّ الْأَعْمَالِ خَيْرٌ؟ قالَ : إِيمانٌ بِاللهِ ورَسُولِهِ ،
قيلَ: ثُمَّ أَيُّ شَىْءٍ؟ قَالَ: الْجِهَادُ سَِمُ العَمَلِ، قيلَ: ثُمَّ أَىُّ شَىْءٍ يَرَسُولَ
اللهِ؟ قالَ : ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ)).
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِىَ مِنْ غَيْرٍ وَجْهٍ عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ
عن النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم.
( باب أي الأعمال أفضل )
( حدثنا عبدة) هو ابن سليمان الكلابى أبو محمد الكوفى ( عن محمد بن عمرو)
أبن علقمة بن وقاص الليثى المدنى .
قوله ( إيمان ) التنكير للتفخيم ( قيل : ثم أى شىء ؟ قال: الجهاد سنام العمل)
وفى رواية البخارى : قيل ثم ماذا ؟ قال : الجهاد فى سبيل الله، وهو ظاهر.
وأما رواية الترمذى هذه ، فالظاهر أن الجواب فيها محذوف وأقيم دليله مقامه ،
والتقدير : قيل ثم أى شىء ؟ قال الجهاد فى سبيل اللّه فإنه سنام العمل. هذا
ما عندى والله أعلم. وسنام كل شىء أعلاه ( ثم حج مبرور) قال فى النهاية: الحج
المبرور هو الذى لا يخالطه شىء من المآثم ، وقيل هو: المقبول المقابل بالبر وهو
الثواب ، يقال بر حجه وبر حجه وبر اللّه حجه وأبره براً بالكسر وأبراراً انتهى.
قوله ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان والنسائى .

٣٠٠
٢٣ - بابٌ
١٧١٠ - حدثنا قُقَيْبَةُ حدثنا جَعْفَرُ بنُ سُلْاْنَ الضَّبَعِىُّ عن أبى
عِمْرَ انَ الْجُوْفِيُّ عن أبى بَكْرِ بنِ أَبِ مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى
بِحَضْرَةِ العَدُوِّ يقولُ: قَالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((إِنَّ أَبْوَابَ
الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلالِ السُُّفِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ رَتُّ الْهَيْئَةِ: أَنْتَ
سَمِعْتَ هذا من رَسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَذْ كُرُهُ ؟ قالَ : نَعَمْ ،
قَالَ فَرَجَعَ إلى أنْحَبِهِ قَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْمُ السَّلَمَ، وَكَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ
فَضَرَبَ بِهِ حتى قُتِلَ)).
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حديثٍ جَعْرِ بنِ سُنَيْاَنَ
( باب )
قوله ( بحضرة العدو ) قال النووى: هو بفتح الحاء وضمها وكسرها ثلاث
لغات ، ويقال أيضاً بحضر بفتح الحاء والضاد بحذف الهاه انتهى ( إن أبواب الجنة
تحت ظلال السيوف) قال النووى فى شرح مسلم: قال العلماء معناه أن الجهاد
وحضور معركة القتال طريق إلى الجنة وسبب لدخولها . وقال المناوى : هو كناية
عن الدنو من العدو فى الحرب بحيث تعلوه السيوف بحيث يصير ظلها عليه يعنى
الجهاد طريق إلى الوصول إلى أبوابها بسرعة ، والقصد الحث على الجهاد (رث الهيئة)
قال فى النهاية: متاع رث أى خلق بال ( فرجع ) أى الرجل (إلى أصحابه ) أى من
أهل رحله ( قال أقرأ عليكم السلام ) أى سلام مودع (وكسر جفن سيفه ) هو
بفتح الجيم وإسكان الفاء وبالنون : وهو غمده ( فضرب به حتى قتل ) وفى رواية
مسلم: ثم كسر جفن سيفه فألقاه ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل .
قوله ( هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد ومسلم .