النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
١ - بابُ ما جاءٍ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلمَ
أَن لَّ نَذْرَ فِى مَعْضِيَةٍ
١٥٦٢ - حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا أبو صفوانَ عن يونُسرَ بن يزيد عن ابن
شِهَبٍ عن أَبِى سَلَمَةُ عن عَائِشَةَ قالت : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :
(( لا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينِ)).
وفى البابِ عن ابن ◌ُمَرَ وجابرٍ وِعِمْرانَ بن حُصَيْنِ .
وهذا حديثٌ لا يَصِحُّ لأَنَّ الزُّهْرِىَّ لم يَسْمَعْ هذا الحديثَ من أبِى سَمَةً
وَسَمِعْتُ محمداً يقولُ : رُوِىَ عن غيرِ واحدٍ منهم موسى بنُ عُقْبَةَ وابنُ أبى
( باب ماجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لانذر فى معصية)
قوله (لانذر فى معصية قال الطيبى: أى لاوفاء فى نذر معصية إنما قدر الوفاء لأن
لا لنفى الجنس تقتضى نفى الماهية فإذا نفيت يذفى ما يتعلق بها وهو غير صحيح لقوله
بعده وكفارته كفارة اليمين ، فإذاً يتعين تقدير الوفاء ويؤيد قوله فى حديث عمران
أبن حصين: ومن كان نذر فى معصية فذلك للشيطان ولا وفاء فيه ويكفر ما يكفر
اليمين انتهى . ( وكفارته كفارة يمين ) استدل به من قال بوجوب الكفارة
فى نذر المعصية .
قوله ( وفى الباب عن ابن عمر وجابر وعمران بن حصين ) أما حديث ابن عمر
فلينظر من أخرجه ، وأما حديث جابر فأخرجه أحمد بلفظ : لا وفاء لنذر فى
معصية الله. وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه النسائى مرفوعاً بلفظ : النذر
نذران، فمن كان نذر فى طاعة فذلك لله فيه الوفاء ، ومن كان نذر فى معصية وذلك
للشيطان ولا وفاء فيه ويكفره ما يكفر اليمين . وهذا الحديث ضعيف صرح به
الحافظ فى التخليص .
قوله ( وهذا حديث لا يصح لأن الزهرى لم يسمع هذا الحديث من أبى سلمة )

١٢٢
عَتِيقِ عن الزُّهرىِّ عن سُليمانَ بنِ أَرْقَمَ عن يحيى بن أبى كَثِيرِ عن أَبِى سَلَمَةٌ
عن عائشةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال محمدٌ: والحديثُ هو هذا.
١٥٦٣ - حدثنا أبو إسماعيل محمدُ بن إسماعيل بن يوسفَ الترمذِىُّ
حدثنا أبوبُ بن سليمانَ بن بلالٍ حدثنى أبو بكرٍ بن أبى أُوَيْسٍ عن سْلَمَنَ
ابنِ بِلالٍ عن موسى بن عُقْبَةَ وعبدِ اللهِ بن أبى عَتيقِ عن الزهرىِّ عن سُليمانَ
ابن أرقمّ عن يحيى بن أبى كثيرٍ عن أبى سَلَمَةَ عن عائشةَ أَنَّ النبيَّ صلى الله
عليه وسلم قال: (( لا نَذْرَ فى معصيةِ اللهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينِ)).
هذا حديثٌ غريبٌ وهو أَصَحُ مِن حديثٍ أبى صَفْوَانَ عن يونسَ(١).
وقال قومٌ مِن أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم: لا نَذْرَ
فى معصية الله، وكفَّارَتُهُ كفَّارةُ يمينٍ. وهو قولُ أَحمدَ وإسحاقَ واحْتَجًّا
بحديثِ الزهرىِّ عن أبى سلمةً عن عائشةً.
قال الحافظ فى التلخيص رواه أحمد وأصحاب السنن وهو منقطع لم يسمعه الزهرى من
أبى سلمة (هذا حديث غريب) وأخرجه أبوداود والنسائي وابن ماجة قال النسائى :
سليمان بن أرقم متروك وقد خالفه غير واحد من أصحاب يحيى بن أبي كثير يعنى
فرووه عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن الزبير الحنظلى عن أبيه عن عمران انتهى .
قلت : ولهذا الحديث طرق أخرى ذكرها الحافظ فى التخليص مع الكلام
عليها ، وقال الووى فى الروضة: حديث لانذر فى معصية وكفارته كفارة اليمين
ضعيف باتفاق المحدثين . قال الحافظ : قد صححه الطحاوى وأبو على بن السكن فأين
الاتفاق انتهى .
قوله (وهو قول أحمد وإسحاق) قد اختلف فيمن وقع منه النذر فى المعصية هل
(١) وفى بعض النسخ بعد قوله عن يونس وقعت هذه العبارة وأبو صفوان هو مكى اسمه
عبد الله بن سعيد وقد روى عنه الحميدى وغير واحد من أجلة أهل الحديث.

١٢٣
وقال بعضُ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم: لا نَذْرَ
فِى مَعْصِيَةٍ ولا كفَّارَةَ فى ذلك. وهو قولُ مالكٍ والشافعىِّ.
١٥٦٤ - حدثنا قَتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ عن مالكٍ عن طَلْحَةَ بن عبد الَلِك
الأبْلىِّ عن القَاسِمِ بن محمدٍ عن عائشةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ
نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَن نَذَرٍ أَنْ يَعْصِ اللهَ فَلا يَعْصِهِ)) .
١٥٦٥ - حدثنا الحسنُ بن عليّ الْلالُ حدثنا عبدُ اللهِ بن نُمَيْرِ
عن عبيدِ اللهِ بنِ ◌ُمرَ عن طلحةَ بنِ عبدِ الملكِ الأَبْلِىِّ عن القاسِ بنِ محمدٍ
عن عائشةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوَه .
يجب فيه كفارة ، فقال الجمهور لا وعن أحمد والثورى وإسحاق وبعض الشافعية
والحنفية نعم ، وانفقوا على تحريم النذر فى المعصية ، واختلافهم إنما هو فى وجوب
الكفارة، واحتج من أوجبها بأحاديث الباب (وهو قول مالك والشافعى) وهو
قول الجمهور ، وأجابوا عن أحاديث ضعيفة .
قلت: والظاهر أنها بتعددها وتعدد طرقها تصلح الاحتجاج والله تعالى أعلم.
قوله ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ) الطاعة أعم من أن تكون فى واجب أو
مستحب ، يتصور النذر فى فعل الواجب بأن يؤقت كمن ينذر أن يصلى الصلاة
فى أول وقتها ، فيجب عليه ذلك بقدر طاقته وأما المستحب من جميع العبادات
المالية والبدنية فينقلب بالنذر واجباً، وتيقيد بما قيده به الاذر . والخبر صريح فى
الأمر بوفاء النذر إذا كان فى طاعة ، وفى النهى عن ترك الوفاء به إذا كان فى معصية
( ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه) قال فى شرح السنة فيه دليل على أن من نذر
معصية لا يجوز الوفاء به ولا يلزمه الكفارة ، إذ لو كانت فيه الكفارة لبينه صلى
الله عليه وسلم. قال القارى: لادلالة فى الحديث على نقى الكفارة ولا على إثباتها.
قلت : الأمر كما قال القارى .

١٢٤
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رَوَاهُ يحيى بنُ أبى كَثِيرٍ عن القاسم بن
محمدٍ . وهو قولُ بعضِ أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وغيرِ هم.
وبه يقولُ مالكٌ والشافعىُ. قالوا : لا يعصى الله وليس فيه كَفَّارَةُ يمينِ
إذا كانَ النَّذْرُ فِى مَعْصِيةٍ .
٢ - بابُ لانَذْرَ فيما لا يملكُ ابنُ آدَمَ
١٥٦٦ - حدثنا أحمدُ بن مَذِيع حدثنا إسحاقُ بنُ يوسُفَ الأرزقُ عن
هِشَامِ الدَّسْتَوائىِّ عن يحيى بن أبى كثيرٍ عن أبى قِلابَةَ عن ثابتِ بن الصَّحَّاكِ
عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((ليسَ علىّ العبدِ نَذْرٌ فيما لا يَمْلِكُ)).
وفى الباب عن عبدِ الله بن ◌َْرِو وعِرانَ بن حُصَيْنِ .
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قوله ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه البخارى وأحمد وأبو داود والنسائى
وابن ماجة .
قوله ( قالوا لايعصى الله ) هذا مجمع عليه ليس فيه اختلاف (وليس فيه
كفارة الخ) فيه اختلاف كما عرفت آنفاً.
(باب لا نذر فى مالا يملك ابن آدم)
قوله ( ليس على العبد نذر فيما لايملك ) أى لا يصح النذر ولا ينعقد فى شىء
لا يملكه حين النذر حتى لو ملكه بعده لم يلزمه الوفاء به ولا الكفارة عليه .
قوله ( وفى الباب عن عبد الله بن عمرو وعمران بن حصين ). أما حديث
عبد الله بن عمر فأخرجه أبو داود. وأما حديث عمران فأخرجه مسلم .
قوله ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه أبو داود .

١٢٥
٣ - بابٌ فى كفارة النّذر إذا لم يُسَمَّ
١٥٦٧ - حدثنا أحمدُ بن مَنِيعِ حدثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشِ قال حدثنى
محمّدٌ مَوْلى المغيرةِ بنِ شُعْبةَ قال حدثنى كَعْبُ بن عَلَقْمَةَ عن أبى الخيرِ عن عُقْبَةً
ابن عامر قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذا لَمْ
يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ)) .
( باب فى كفارة النذر إذا لم يسم )
قوله (قال حدثنى محمد مولى المغيرة بن شعبة) محمد هذا هو ابن یزید بن أبى زياد
الثقفى. قال الذهبي فى الميزان مجهول ، قال وصحح له الترمذى (قال حدثنى كعب بن
علقمة) بن كعب المصرى التنوخى أبو عبد الحميد صدوق من الخامسة (عن أبى
الخير ) اسمه مرئد بن عبد اللّه اليزنى المصرى ثقة فقيه من الثالثة.
قوله (كفارة النذر إذا لم يسم) أى لم يعينه الناذر بأن قال : إنى نذرت نذراً
أو علىّ نذر ولم يعين أنه صوم أو غيره (كفارة يمين) فيه دليل على أن كفارة اليمين
إنما تجب فما كان من النذور غير مسمى. قال النووي: اختلف العلماء فى المراد بهذا
الحديث يعنى حديث عقبة بن عامر الذى أخرجه مسلم بلفظ كفارة النذر كفارة
المين فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج فهو مخير بين الوفاء بالنذر أو الكفارة .
وحمله مالك وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق كقوله علىَّ نذر، وحمله جماعة
من فقهاء الحديث على جميع أنواع النذر ، وقالوا هو مخير فى جميع أنواع المنذورات
بين الوفاء بما التزم وبين كفارة اليمين انتهى . قال الشوكانى: والظاهر اختصاص
الحديث يعنى حديث مسلم المذكور بالنذر الذى لم يسم ، لأن حمل المطلق على المقيد
واجب ، وأما النذور المسماة إن كانت طاعة فإن كانت غير مقدورة ففيها كفارة
يمين ، وإن كانت مقدورة وجب الوفاء بها سواء كانت متعلقة بالبدن أو بالمال ،
وإن كانت معصية لم يجز الوفاء بها ولا ينعقد ولا يلزم فيها الكفارة ، وإن كانت
مباحة مقدورة فالظاهر الانعقاد ولزوم الكفارة لوقوع الأمر بها فى الأحاديث
فى قصة الناذرة بالمشى إلى بيت الله، وإن كانت غير مقدورة ففيها الكفارة لعموم:
ومن نذر نذراً لم يطقه . هذا خلاصة ما يستفاد من الأحاديث الصحيحة انتهى.

.١٢٦
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
٤ - بابٌ فيمَن حلَفَ على عين فَرأى غيرَ ها خيراً منها
١٥٦٨ - حدثنا محمدُ بن عبد الأعلى حدثنا المُعْتَمِرُ بن سُليمانَ عن يونسَ
حدثنا الحسنُ عن عبد الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم: (( ياعبد الرحمنِ لا تسأَلِ الإِمارَةَ فإنَّكَ إنْ أَتَتْكَ عِن مَسْأَّةٍ وُكِلْتَ
إليها ، وإنكَ إِنْ أَتَنْكَ مِنْ غَيْرٍ مَسْأَلَّةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَاَ. وإذا حَفْتَ على يمين
فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خيراً منها فَأَتِ الذى هو خيرٌ وَلْتُكَفِّرْ عنِ يَمِينِكَ)).
وفى البابِ عن عَدِىٌّ بن حاتمٍ وأبى الدَّرْدَاءِ وأنسٍ وعائشةَ وعبدِ اللهِ بن.
عَمْرِوِ وأبى هريرةَ وأُمِّ سَلَمَةَ وأبى موسَى.
قوله ( هذا حديث حسن صحيح غريب ) وأخرجه مسلم بدون زيادة إذا لم
يسم. وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائى وابن ماجة . وفى الباب عن ابن عباس
مرفوعاً بلفظ: من نذر نذراً ولم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لم يطقه
فكفارته كفارة يمين ، أخرجه أبو داود وابن ماجة . قال الحافظ فى بلوغ المرام:
إسناده صحيح إلا أن الحفاظ رجحوا وقفه .
(باب فيمن حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها )
قوله ( لا تسأل) بصيغة النهى (الإمارة) بكسر الهمزة أى الحكومة (فإنك
إن أنتك) أى حصلت لك الإمارة (عن مسألة ) أى بعد سؤالك إياها
( وكلت إليها ) بضم الواو وكسر الكاف مخففة: أى خليت إليها وتركت معها
من غير إعانة فيها ( أعنت عليها ) بصيغة المجهول من الإعانة ، أى أعانك الله
على تلك الإمارة ( فأت الذى هو خير ولتكفر عن يمينك ) ، وفى رواية فكفر
عن يمينك وأت الذى هو خير .
قوله ( وفى الباب عن عدى بن حاتم وأبى الدرداء وأنس وعائشة وعبد الله
ابن عمرو وأبى هريرة وأم سلمة وأبى موسى). أما حديث عدى بن حاتم فأخرجه

١٢٧
حديثُ عبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
٥ - بابٌ فى الكفاَرةِ قبلَ الِحِنْتِ
١٥٦٩ - حدثنا قُتَيْبَةُ عن مالك بن أنسِ عن سُهيلٍ بن أبى صالح
عن أبيهِ عن أبى هريرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ حَلَفَ
على يَمِينٍ فرأَى غيرَها خيراً منها فَلْيُكَفِّرْ عن يَمِينِهِ وَلَيَفْعَلْ)).
وفى البابِ عن أُمِّ سَلَّمَةَ .
حديثُ أبى هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ والعملُ على هذا عندَ أكثرَ أهلٍ /
مسلم، وأما حديث أبى الدرداء وأنس فلينظر من أخرجه . وأما حديث عائشة
فأخرجه الحاكم. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود . وأما حديث
أبى هريرة فأخرجه مسلم. وأما حديث أم سلمة فأخرجه الطبرانى. وأما حديث
أبى موسى فأخرجه الشيخان .
قوله (حديث عبد الرحمن بن سمرة حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان .
( باب فى الكفارة قبل الحنث )
قوله (فليكفر عن يمينه وليفعل) استدل به من جوز الكفارة قبل الحنث ،
وفيه أن الواو لمطلق الجمع. نعم وقع فى حديث أم سلمة الذى أشار إليه الترمذى
لفظ ثم ولفظه فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذى هو خير أخرجه الطبرانى ، وكذلك
وقع لفظ ثم فى حديث عبد الرحمن بن سمرة عند أبى داود ولفظه: فكفر عن يمينك
ثم انت الذى هو خير ، قال الحافظ فى بلوغ المرام: إسناد هذه الرواية صحيح . قال
الشوكانى: وأخرج نحوها أبو عوانة فى صحيحه ، وأخرح الحاكم عن عائشة نحوها
انتهى . فهذه الروايات تدل على جواز تقديم الكفارة على الحنث.
قوله ( وفى الباب عن أم سلمة ) أخرجه الطبرانى كما تقدم آنفاً .
قوله ( حديث أبى هريرة حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم .

١٢٨
العلمِ مِن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وغيرِ هم: أنَّ الكفَّارَةَ قبلَ الْخِفْثِ
تُجْزِىء. وهو قولُ مالكٍ والشافعىِّ وأحمدَ وإسحاقَ.
وقال بعضُ أهلِ العلم لا يُكَفِّرُ إِلَّ بَعَدَ الْخِنثِ . قال سفيانُ الثورىُّ:
إِنْ كَفَّرَ بعدَ الْخِنْثِ أَحَبُّ إِلَىَّ، وإِنْ كَفَّرَ قَبْلَ الْخِنْثِ أَجْزَأَهُ .
قوله (وهو قول مالك والشافعى وأحمد وإسحاق) قال ابن المنذر: رأى ربيعة
والأوزاعى ومالك والليث وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأى : أن الكفارة
تجزىء قبل الحنث ، إلا أن الشافعى استثنى الصيام فقال: لا يجزىء إلا بعد الحنث.
وقال أهل الرأى تجزىء : لا الكفارة قبل الحنث . وعن مالك روايتان ، ووافق
الحنفية أشهب من المالكية وداود الظاهرى وخالفه ابن حزم، واحتج الأولون
بالروايات التى وقع فيها تقديم الكفارة على الحنث، وبالروايات التى وقع فيها لفظ
ثم وقد ذكرناها فيما تقدم . واحتج الطحاوى لما ذهب إليه أهل الرأى بقوله
تعالى: ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) فإن المراد إذا حلفتم تختتم.
ورده مخالفوه فقالوا بل التقدير فأردتم الحنث . قال الحافظ : وأولى من ذلك
أن يقال النقدير أعم من ذلك ، فليس أحد التقديرين بأولى من الآخر انتهى.
واحتجوا أيضاً بأن ظاهر الآية أن الكفارة وجبت بنفس اليمين ، ورده من
أجازها بأنها لو كانت بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث اتفاقاً .
واحتجوا أيضاً بأن الكفارة بعد الحنث فرض ، وإخراجها قبله تطوع ، فلا
يقوم التطوع مقام المفروض .
وانفصل عنه من أجاز بأنه يشترط إرادة الحنث وإلا فلا تجزى. كما فى تقديم
الزكاة ، وذكر عياض وجماعة أن عدة من قال بجواز تقديم الكفارة أربعة عشر
صحابياً ، وتبعهم فقهاء الأمصار إلا أبا حنيفة ، وقد عرفت ما سلف أن المتوجه
العمل برواية الترتيب المدلول عليه بلفظ ثم . ولولا الإجماع على جواز تأخير
الكفارة عن الحنث لكان ظاهر الدليل أن تقديم الكفارة واجب . قال المازرى :

١٢٩
٦ - بابٌ فى الاستثْنَاءِ فِى الْيَمِيِنِ
١٥٧٠ - حدثنا محمودُ بن غَيْلاَنَ حدثنا عبدُ الصمدِ بن عبدِ الوارثِ
قال حدثنى أَبِى وَحَمّادُ بن سَلَمَةً عن أيوبَ عن نافعٍ عن ابنِ مُمَرَ أنَّ رسولَ
الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ حَلَفَ على يمينِ فقالَ إِنْ شَاءَ اللهُ،
فَلاَ حِنْثَ عليهِ)).
الكفارة ثلاث حالات : أحدها قبل الحلف فلا تجزى. اتفاقاً ، ثانيها بعد الحلف
والحنث فتجزىء اتفاقاً ، ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف. وأحاديث
الباب تدل على وجوب الكفارة مع إتيان الذى هو خير ، وفى حديث عمرو بن
شعيب ما يدل على أن ترك المين وإتيان الذى هو خير هو الكفارة . وقال أبوداود
إنه ماورد من ذلك إلا مالا يعبأ به . قال الحافظ : کأنه یشیر إلی حدیث یحی بن
عبيد اللّه عن أبى هريرة يرفعه: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت
الذى هو خير فهو «كفارته، ويحی ضعيف جداً . وقد وقع فى حديث عدى بن حاتم
عند مسلم ما يوهم ذلك فإنه أخرجه عنه بلفظ: من حلف على يمين فرأى غيرها
خيراً منها فليأت الذى هو خير وليترك يمينه ، هكذا أخرجه من وجهين ولم يذكر
الكفارة ، ولكن أخرجه من وجه آخر بلفظ : فرأى غيرها خيراً منها فليكفرها
وليأت الذى هو خير ، ومداره فى الطرق كلها على عبد العزيزبن رفيع عن تميم بن
طرفة عن عدى ، والذى زاد ذلك حافظ فهو المعتمد انتهى .
(باب فى الاستثناء فى اليمين )
قوله ( من حلف على يمين فقال إن شاء اللّه فلا حنث عليه ) فيه دليل على أن
التقييد بمشيئة الله مانع من انعقاد اليمين أو يحل انعقادها. وقد ذهب إلى ذلك
الجمهور وادعى عليه ابن العربى الإجماع قال: أجمع المسلمون على أن قوله إن شاءالله
يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا ، قال: ولو جاز منفصلا كما روى بعض
السلف لم يحنث أحد قط فى يمين ولم يحتج إلى كفارة، قال: واختلفوا فى الاتصال ،
فقال مالك والأوزاعى والشافعى والجمهور هو أن يكون قوله إن شاء الله متصلا
٩ - تحفة الأحوذي -- ٥

١٣٠
وفى البابِ عن أبى هريرةَ .
حديثُ ابنِ مُمَرَ حديثٌ حسنٌ، وقد رَوَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بنِ عُمرٍ وَغيرُهُ
عن نافع عن ابنِ عُمرَ موقوفًا. وهكذا رَوَى سالمٌ عن ابنِ عُمرَ موقوفاً .
ولا نعلمُ أَحَدَاً رَفَعَهُ غَيْرَ أَيوبَ السِّختِيَانِىِّ. وقال إسماعيلُ بن إبراهيمَ : كان
أيوبُ أحياناً يرفُهُ وأحياناً لا يرفَعُهُ .
والعملُ على هذا عند أ كَثْرَ أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه
وسلم وغيرِهم أنَّ الاستثناء إذا كانَ موصولاً باليمينِ فلا حِنْثَ عليهِ ، وهو
قولُ سفيانَ الثورىِّ والأوزاعىِّ ومالكِ بن أنسٍ وعبدِ اللهِ بنِ المباركِ
والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ.
باليمين من غير سكوت بينهما ولايضر سكنة النفس . وعن طاوس والحسن وجماعة
من التابعين أن له الاستشاء مالم يقم من مجلسه، وقال قتادة مالم يقم أو يتكلم . وقال
عطاء قدر حلبة ناقة . وقال سعيد بن جبير يصح بعد أربعة أشهر. وعن ابن
عباس: له الاستثناء أبداً ولا فرق بين الحلف بالله أو بالطلاق أو العتاق أن التقييد
بالمشيئة يمنع الانعقاد. وإلى ذلك ذهب الجمهور وبعضهم فصل ، واستثنى أحمد العتاق
قال لحديث: إذا قال أنت طالق إن شاء اللّه لم تطق، وإن قال لعبده أنت حر إن
شاء اللّه فإنه حر، وقد تفرد به حميد بن مالك وهو مجهول كما قال البيهقى كذا فى النيل.
قوله ( وفى الباب عن أبى هريرة ) أخرجه الترمذى فى هذا الباب ( حديث
بن عمر حديث حسن ) قال فى المنتقى رواه الخمسة إلا أبا داود انتهى. قال فى النيل:
حديث ابن عمر رجاله رجال الصحيح وله طرق كما ذكره صاحب الأطراف، وهو
أيضاً فى سنن أبى داود فى الأيمان والنذور لا كما قال المصنف يعنى صاحب المنتقى .
قوله (وهو قول سفيان الثورى والأوزاعى الخ) وهو القول الراجح
المعول عليه .

١٣١٠
١٥٧١ - حدثنا يحيى بنُ موسى حدثنا عبدُ الرزاقِ حدثنا مَعْمَرٌ عن
ابن طاوسَ عن أبيه عن أبى هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال :
(َمَنْ حَلَفََ فقال إنْ شاءَ اللهُ لَمْ يُحِنَثْ)) سأَلْتُ محمدَ بن إسماعيلَ عن هذا
الحديثِ فقال: هذا حديثٌ خَطَأَّ أَخْطَأَ فيهِ عبدُ الرزَّاقِ اختَصَرَهُ مِن حديثٍ
مَعْمَرٍ عن ابن طاوسٍ عن أبيهِ عن أبى هريرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم
قال: ((إِنَّ سُلَيْنَ بن داودَ عليه السلامُ قال لأَطُوفَنَّ الَّيْلَةَ على سَبْعِينَ امرأةً
تَلِدُ كُلُّ امرأَّةٍ غُلاَماً، فطافَ عليهنَّ فَ تَلِدِ امرأةٌ مِنْهُنَّ، إلاَّ امرأةَ نِصْفَ
غُلاَمِ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: لَوْ قالَ إن شاءَ اللهُ لِكَانَ كَا
قوله (لأطوفن) اللام جواب القسم وهو محذوف أى والله لأطوفن،
ويؤيده قوله فى آخره لم يحنث كما فى رواية: لأن الحنث لا يكون إلا عن قسم .
والقسم لابد له من مقسم به ( على سبعين امرأة ) قد وقع فى روايات هذا الحديث
اختلاف كثير فى العدد ذكرها الحافظ فى الفتح وقال بعد ذكرها مالفظه : فحصل
الروايات ستون وسبعون وتسعون وتسع وتسعون ومائة ، والجمع بينها أن الستين كن
حرائر ومازاد عليهن كن سرارى أو بالعكس ، وأما السبعون فللمبالغة، وأما تسعون
والمائة فكن دون المائة وفوق التسعين ، فمن قال تسعون ألقى الكسر ، ومن قال
مائة جبره. وأما قول بعض الشراح ليس فى ذكر القليل نفى الكثير وهو من مفهوم
العدد وليس بحجة عند الجمهور فليس بكاف فى هذا المقام ، وذلك أن مفهوم العدد
معتبر عند كثيرين . وقد حكى وهب بن منبه فى المبتدأ أنه كان لسليمان ألف امرأة
ثلاث مائة مهيرة وسبع مائة سرية ، ونحو ما أخرج الحاكم فى المستدرك من طريق
أبى معشر عن محمد بن كعب قال: إنه كان لسلمان ألف بيت من قوارير فيها ثلاث
مائة صريحة وسبع مائة سرية انتهى ( تلد كل امرأة غلاماً ) . وفى رواية للبخارى
تحمل كل امرأة فارساً يجاهد فى سبيل الله (فطاف عليهن) أى جامعهن (إلا امرأة
قصف غلام) وفى رواية للبخارى: إلا واحدة ساقطاً أحد شقيه ( لو قال إن شاء

١٢٢
قالَ )) هكذا رَوَى عبدُ الرزاقِ عن مَعْمَرِ عن ابن طاوس عن أبيهِ هذا الحديثَ
بِطُولِهِ ، وقال سَبِْينَ امرأةٌ .
وقد رُوِىَ هذا الحديثُ مِن غيرِ وجهٍ عن أبى هريرةَ عن النبيِّ صلى الله
عليه وسلم قال: ((قالَ سُليمانُ بنُ داودَ لأُطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ على مائةِ امرأةٍ )».
٧ - بابٌ فِى كَرَاهِيمَةِ الْحَافِ بغيرِ اللهِ
١٥٧٢ - حدثنا قتَيْبَةُ حدثنا سفيانُ عن الزُّهْرىِّ عن سالمٍ عن أَبِيهِ
سَمِعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلمُعُمَرَ وهو يقولُ: وأبى وأبى، فقال: (( ألا إنَّ
اللهَ يَنْهَ كُمُ أنْ تَخْلِفُوا بِآبَائِكُمُ)) فقالَ مُمَرُ: فَوَاللهِ مَا حَلَفْتُ به بعدَ
ذلكِ ذَاكِراً ولا آثِراً .
الله لكان كما قال) وفى رواية للبخارى: لو قال إن شاء اللّه لم يحنث، وفى هذه
الرواية: لأطوفن هذه الليلة بتسعين امرأة كل تلد غلاماً يقاتل فى سبيل الله ، فقال
له صاحبه . قال سفيان يعنى الملك: قل إن شاء اللّه فنسى الحديث ، قال فى الفتح:
قوله لو قال إن شاء الله لم يحنث، قيل هو خاص بسليمان عليه السلام، وأنه لو قال
فى هذه الواقعة إن شاء الله حصل مقصوده، وليس المراد أن كل من قالها وقع
ما أراد . ويؤيد ذلك أن موسى عليه السلام قالها عند ما وعد الخضر أنه يصبر عما
يراه منه ولا يسأله عنه، ومع ذلك فلم يصبر كما أشار إلى ذلك فى الحديث الصحيح:
لوددنا لو صبر حتى يقص اللّه عليه من أمرهما . وقد قالها الذبيح فوقع فى قوله
عليه السلام ( ستجدنى إن شاء الله من الصابرين) فصبر حتى فداه الله بالذج .
قوله ( لأطوفن الليلة على مائة امرأة) رواه أحمد وأبو عوانة كما فى الفتح.
( باب فى كراهية الحلف بغير الله )
قوله ( وهو يقول وأبى وأبى) الواو للقسم ، يعنى يقسم بأبيه ويقول: وأبى
وأبى (فقال ألا) بالتخفيف للتنبيه (إن الله ينها كم أن تحلفوا بآبائكم). قال العلماء :

١٣٣
وفى البابِ عنْ ثابتِ بن الضحَّاكِ وابن عباسٍ وأبى هُرَيْرَةَ وَقُتَيْلَةٌ
وعبد الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ .
السر فى النهى عن الحلف بغير الله، أن الحلف بشىء يقتضى تعظيمه، والعظمة
فى الحقيقة إنما هى لله وحده ، وظاهر الحديث ، تخصيص الحلف بالله خاصة،
لكن قد اتفق الفقهاء: على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية. واختلفوا
فى العقادها ببعض الصفات وكأن المراد بقوله بالله الذات لاخصوص لفظ الله،
وأما اليمين بغير ذلك فقد ثبت المنع فيها ، وهل المنع للتحريم ، قولان عند المالكية،
كذا قال ابن دقيق العيد ، والمشهور عندهم الكراهة ، والخلاف أيضاً عند الحنابلة ،
لكن المشهور عندهم التحريم ، وبه جزم الظاهرية وجمهور أصحابه على أنه للتنزيه ،
كذا فى الفتح ( ذاكراً ولا آثراً ) بالمد وكسر المثلثة، أى حاكياً عن الغير ،
أى ما حلفت بها ولا حكيت ذلك عن غيرى . ويدل عليه ما وقع فى رواية عقيل
عن ابن شهاب عند مسلم: ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
ينهى عنها ولا تكلمت بها. وقد استشكل هذا التفسير لتصدير الكلام بحلفت،
والحاكى عن غيره لا يسمى حالفاً. وأجيب باحتمال أن يكون العامل فيه محذوفاً
أى ولا ذكرتها آثراً عن غيرى ، أو يكون ضمن حلفت معنى تكلمت ، ويقويه
رواية عقيل .
قوله ( وفى الباب عن ثابت بن الضحاك وابن عباس وأبي هريرة وقتيلة
وعبدالرحمن بن سمرة) أما حديث ثابت بن الضحاك فأخرجه الشيخان ، وأماحديث
ابن عباس فلينظر من أخرجه ، وأما حديث أبى هريرة فأخرجه النسائى مرفوعاً:
لاتحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون. وأما حديث ققيلة وهى قتيلة
بالمثناة والتصغير بنت صيفى الأنصارية أو الجهنية صحابية من المهاجرات ، فأخرجه
أحمد والنسائى عنها أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنكم تنددون وإنكم
تشركون، تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبى
صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة، ويقول أحدهم
ما شاء الله ثم شئت .

١٣٤
3
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ . قال أبو عُبَيْدٍ: مَعْنَى قولهِ ولا آخِرِاً يقولُ :
لا آثرُهُ عن غيرِى ، يقولُ: لَمْ أَذَكُرْهُ عَن غيرِى .
١٥٧٣ - حدثنا هنَّادٌ حدثنا عَبْدَةُ عن عُبَيْدِ اللهِ بن عُمَرَ عن نَافِعِ
عن ابن ◌ُمَرَ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أدْرَكَ مُمَرَ وهو فى رَكْبٍ،
وهو يَخْلِفُ بِأَبِيهِ ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ اللهَ يَنْهَاَكمُ
أَنْ تَحْلِفُوا بِبَائِكُمُ، لِمَخْلِفْ خَالِفٌ باللهِ أو لِيَسْكُتْ)).
قوله ( وهذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه الشيخان .
قوله (قال أبو عبيد) هو إمام مشهور له تصانيف نافعة: منها غريب الحديث
قال الحافظ : اسمه القاسم بن سلام البغدادى الإمام المشهور ثقة فاضل مصنف
من العاشرة، ولم أر له فى الكتب حديثاً مستنداً بل من أقواله فى شرح الغريب
يقول ( لا آثره عن غيرى) أى لا أنقله عن غيرى، قال فى الصراح: الأثر نقل
كردن سخن ، ومنه حديث مأثور أى ينقله خلف عن سلف .
قوله ( أدرك عمر وهو فى ركب) وفى رواية البخارى وهو يسير فى ركب.
وفى مسند يعقوب بن شيبة من طريق ابن عباس عن عمر : بينما أنا راكب أسير
فى غزاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (وهو يحلف بأبيه) زاد فى رواية:
وكانت قريش تحلف بآبائها ( ليحلف حالف باللّه أو ليسكت ) فى هذا الحديث
من الفوائد الزجر عن الحلف بغير الله، وإنما خص فى حديث عمر بالآباء لوروده
على سببه المذكور ، أو خص لكونه كان غالباً عليه لقوله فى الرواية الأخرى :
وكانت قريش تحلف بآبائها ، ويدل على النعميم قوله: من كان حالفاً فلا
يحلف إلا بالله .
وأما ماورد فى القرآن من القسم بغير الله ففيه جوابان :
أحدهما : أن فيه حذفاً ، والتقدير ورب الشمس ونحوه :
الثانى: أن ذلك يختص باللّه، فإذا أراد تعظيم شىء من مخلوفاته أقسم به
وليس لغيره ذلك .

١٣٥
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
.
٨ - بابٌ
١٥٧٤ - حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا أبو خالدٍ الأحمرُ عن الحسنِ بن عبيدِ
اللّهِ عن سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ: أَنَّ ابنَ مُمَرَ سَمِعَ رجلاً يقولُ لا والكعبةِ ،
فقالَ ابنُ ◌ُمَرَ: لا يُحْلَفُ بِغَيْرِ اللهِ، فإنى سَمِعْتُ رنتولَ اللهِ صلى الله عليه
وسلم يقول: ((مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فقد كَفَرَ أو أَشْرَكَ)).
وأما ما وقع مما يخالف ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابى: أفلح
وأبيه أن صدق .
فأجيب عنه بأن ذلك كان قبل النهى أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها.
الحلف كما جرى على لسانهم عقرى حلقى وما أشبه ذلك ، أو فيه إضمار اسم الرب كأنه
قال : ورب أبيه ، وقيل هو خاص ويحتاج إلى دليل . وحكى السهيلى عن بعض
مشائخه أنه قال هو تصحيف وإنما كان والله قصرت اللامان ، واستنكر القرطبى
هذا وقال: إنه يجزم الثقة بالروايات الصحيحة، وأقوى الأجوبة الأولان ، قاله
الحافظ فى الفتح ، وقد بسط الكلام فيه . وأحاديث الباب تدل على أن الحلف
بغير اللّه لا ينعقد لأن النهى يدل على فساد المنهى عنه، وإليه ذهب الجمهور. وقال
بعض الحنابلة: إن الحلف بنبينا صلى الله عليه وسلم ينعقد وتجب الكفارة .
قوله ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه الشيخان .
(باب)
قوله ( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) كذا وقع فى بعض النسخ
بلفظ أو ، وكذا ذكره الحافظ فى الفتح نقلا عن جامع الترمذى بلفظ: أو وقع
فى بعضها وأشرك بالواو ، وكذا ذكره الحافظ فى التلخيص نقلا عن الترمذى
يالواو . وقال الحافظ فى الفتح والتعبير بقوله: فقد كفر أو أشرك للمبالغة فى الزجر
والتغليظ فى ذلك ، وقد تمسك به من قال بتحريم ذلك .

١٣٦
هذا حديثٌ حسن .
وتفسيرُ هذا الحديثِ عندَ بعضِ أهلِ العلمِ أَنَّ قولَه فقد كَفَرَ أو أشْرَكَ
على التَّغْلِيظِ. وَالْجَّةُ فى ذلك حديثُ ابنِ مُمَرَ «أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم
سَمِعَ عُمَ يقولُ وأبى وأبى، فقال أَلاَ إِنَّ الهَ يَنْهَكُمُ أَنْ تَخْلِفُوا بَائِكَم)» .
وحديثُ أبى هريرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَنْ قال فى حَلِفِهِ
وأَّاتَ وِالعُزَّى فَلْيَقُلْ لا إلهَ إلا اللهُ)).
وهذا مِثْلُ مارُوِىَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الرِّيَاءِ شِرْكٌ)).
قوله ( هذا حديث حسن )، قال الحافظ فى الفتح وصححه الحاكم ، وقال
فى التلخيص : قال البيهقى لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر ، قال الحافظ :
قد رواه شعبة عن منصور عنه قال : كنت عند ابن عمر ، ورواه الأعمش عن سعد
عن أبى عبد الرحمن السلمى عن ابن عمر انتهى ، (من قال فى حلفه باللات والعزى)
صنمان معروفان فى الجاهلية ( فليقل لا إله إلا الله) قال الحافظ: وإنما أمر
الحالف بذلك بقول لا إله إلا الله لكونه تعاطى صورة تعظيم الصنم، حيث حلف
به. قال جمهور العلماء: من حلف باللات والعزى أو غيرهما من الأصنام، أى قال
إن فعلت كذا فأنا يهودى، أو نصرانى، أو برىء من الإسلام، أو من النبي
صلى الله عليه وسلم لم تنعقد يمينه، وعليه أن يستغفر الله، ولا كفارة عليه،
ويستحب أن يقول : لا إله إلا الله. وعن الحنفية تجب الكفارة إلا فى مثل قوله
أنا مبتدع أو برىء من النبى صلى الله عليه وسلم. واحتج بإيجاب الكفارة على
المظاهر مع أن الظهار منكر من القول وزور كما قال الله تعالى: والحلف بهذه
الأشياء منكر، وتعقب بهذا الخبر لأنه لم يذكر فيه إلا الأمر بلا إله إلا الله،
ولم يذكر فيه كفارة ، والأصل عدمها حتى يقام الدليل ، وأما القياس على الظهار
فلا يصح لأنهم لم يوجبوا فيه كفارة الظهار، واستثنوا أشياء لم يوجبوا فيها
كفارة إصلاح مع أنه منكر من القول انتهى. وحديث أبى هريرة هذا أخرجه
الشيخان (الرياء شرك ) روى ابن ماجة من حديث معاذ بن جبل أن يسير الرياء

١٢٧
وقد فَسَّرَ بَعْضُ أهلِ العلمِ مهذه الآية: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبَّةِ
فَلْيَعْمَلْ عَمَا صَالِحاً) الآية، قال: لا يُرَائِّى.
٩ - بابٌ فِيمَن يَخْلِفُ بالعَشْىِ ولا يَسْتَطِعُ
١٥٧٥ - حدثنا عبدُ القُدُّوسِ بنُ محمدٍ العطَّارُ البصرىُّ حدثنا ◌َمْرُو
ابن عَصمٍ عن عمرانَ القطانِ عن حُمَيْدٍ عن أنس قال: نَذَرَتِ امْرَأَةٌ أَنْ
تَمْشِىَ إلى بَيْتِ اللهِ، فَسُئِلَ نبئُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن ذلكَ ، فقالَ :
(( إِنَّاللهَ لَغَنِىٌّ عن مَشْيِهَاَ، مُرُوهَا فَلْتَرْ كَبْ)).
وفى البابِ عن أبى هُرِيرَةَ وعُقْبَةَ بن عامرٍ وابن عباسٍ .
شرك ، الحديث. وقد فسر بعض أهل العلم هذه الآية (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل
عملا صالحاً ) الآية تمامها ( ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) قال لايرائى: يعنى أن
المراد من الشرك فى هذه الآية الرياء (وأطلق الشرك على الرياء تغليظاً ومبالغة
فى الرجر عنه .
( باب فى من يحلف بالمشى ولا يستطيع )
قوله ( عن عمران القطان ) هو عمران بن داود بفتح الواو بعدها راء،
أبو العوام البصرى ، صدوق بهم ورمى برأى الخوارج .
قوله ( مروها فلتركب ) فيه دليل على أن من نذر أن يمشى إلى بيت الله،
وفيه تعذيبه نفسه فعليه أن يترك المشى ويركب ، وأما قوله وفيه تعذيبه نفسه ،
فيدل عليه حديث أنس الآتى .
قوله ( وفى الباب عن أبى هريرة وعقبة بن عامر وابن عباس ) أما حديث
أبى هريرة فلينظر من أخرجه .
وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه الشيخان وغيرهما وأخرجه الترمذى
أيضاً فيما يأتى . وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد وأبو داود عنه قال: جاءت

١٣٨
حديثُ أنسِ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
١٥٧٦ - حدثنا أبو موسى محمدُ بن المثَتَّى حدثنا خالدُ بن الحارثِ حدثنا
حَيْدٌ عن ثابتٍ عن أنس قال: ((مَرَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بشيْخٍ
كبيرٍ يُهَدَى بِينَ ابْنَيْهِ، فقال: ما بالُ هذا؟ قالوا: نَذَرَ يا رسولَ اللهِ أنْ
يَمْشِى، فقالَ: إِنَّ اللهَ لَغَنِىٌّ عن تَعْذِيبِ هذا نَفْسَهُ، قال: فَأَمَرَهُ
أَنْ يَرْكَبَ)).
١٥٧٧ - حدثنا محمدُ بن المثَتَّى حدثنا ابنُ أبى عَدِىّ عن حَيْدٍ
عن أنسِ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً فَذَكرَ نحوَه.
هذا حديثٌ صحيحٌ والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ، وقالوا : إذا
نَذَرَتِ المرأَةُ أَنْ تَمْشِىَ فَلْركَبْ وَلْتُهْدِ شاةً .
امرأة إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول: إن أختى نذرت أن تحج ماشية
فقال: إن الله لا يصنع بشقاء أخيك شيئاً، لتخرج راكبة ولتكفر عن يمينها.
والحديث هذا سكت عنه أبو داود والمنذرى ورجاله رجال الصحيح .
قوله (وحديث أنس حديث حسن صحيح غريب) وأخرج الشيخان معناه .
قوله ( يهادى) بصيغة المجهول ( بين ابنيه) أى يمشى بين ابنيه معتمداً عليهما
من ضعفه ( فقال ما بال هذا) أى ما حال هذا الشيخ ( قالوا نذر يارسول الله
أن يمشى) وللنسائى فى رواية: نذر أن يمشى إلى بيت الله (إن الله لغنى عن تعذيب
هذا نفسه). هذا فاعل المصدر، ونفسه مفعوله ( فأمره أن يركب ) أى لعجزه
عن المشى .
قوله (هذا حديث صحيح ) أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة .
قوله ( والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وقالوا إذا نذرت المرأة أن تمشى
فلتر كب ولتهد شاة) قد وقع فى حديث عكرمة عن ابن عباس فى قصة أخت عقبة
...

١٣٩
١٠ - بابٌ فى كراميَةِ النُّذُورِ
١٥٧٨ - حدثنا قتَيْبَةُ حدثنا عبدُ العزيز بن محمدٍ عن العلاء بن
عبدِ الرحمنِ عن أبيهِ عن أبى هُرَيرةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسه:
(( لا تَنْذِرُوا، فإنَّ النَّْرَ لا يُغْنِى مِنَْ القَدَرِ شيئاً، وإِنََّ يُسْتَخْرَجُ
بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ».
ابن عامر عند أحمد فلتركب ولتهد بدنة، وفى لفظ عند أبى داود فأمرها النبى
صلى الله عليه وسلم أن تركب وتهدى هدياً، وقد بسط الكلام ههنا الشوكانى
فى النيل من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى النيل .
( باب فى كراهية النذور )
قوله ( لا تنذروا) بضم الذال وكسرها (فإن النذر لا يغنى) أى لا يدفع
أو لا ينفع ( من القدر ) بفتحتين أى من القضاء السماوى (شيئاً) فإن المقدر
لا يتغير ( وإنما يستخرج به) أى يسبب النذر (من البخيل ) لأن غير البخيل
يعطى باختياره بلا واسطة النذر . قال القاضى : عادة الناس تعليق النذور على
حصول المنافع ودفع المضار فنهى عنه فإن ذلك فعل البخلاء ، إذ السخى إذا أراد أن
يتقرب إلى الله تعالى استعجل فيه وأتى به فى الحال ، والبخيل لا تطاوعه نفسه
بإخراج شىء من يده إلا فى مقابلة عوض يستوفى أولا فيلتزمه فى مقابلة ماسيحصل
له ويعلقه على جلب نفع، أو دفع ضر، وذلك لا يغنى عن القدر شيئاً ، أى نذر
لا يسوق إليه خيراً لم يقدر له ولا يرد شراً قضى عليه ، ولكن النذر قد يوافق
القدر فيخرج من البخيل سالولايه لم يكن يريد أن يخرجه. وقال الخطابي : معنى
نهيه عن النذر إنما هو التأكد لأمره وتحذير التهاون به بعد إيجابه ، ولو كان معناه
الزجر عنه حتى يفعل لكان فى ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به ، إذ صار
معصية، وإنما وجه الحديث أنه أعلمهم أن ذلك أمر لا يجلب لهم فى العاجل نفعاً
ولا يصرف عنهم ضراً ، ولا يرد شيئاً قضاه الله تعالى، يقول فلا تنذروا

١٤٠
وفى البابِ عن ابنٍ ◌ُمَرَ.
حديثُ أبى هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ . والعملُ على هذا عندَ بعضٍ
أهلِ العلم من أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم كَرِهُوا النَّذْرَ. وقال
عبدُ اللهِ بن المبارَكِ : معنى الكراهَةِ فِى النَّذْرِ فى الطاعَةِ والمعصيةِ، فإنْ نَذَرَ
الرجلُ بالطاعَةِ فوَفَّى به فلَهُ فِيهِ أَجْرٌ وَيُكْرَهُ لهِ النَّذْرُ.
على أنكم تدركون بالنذر شيئاً لم يقدر الله لكم، أو تصرفون عن أنفسكم شيئاً جرى
القضاء به عليكم ، وإذا فعلتم ذلك فأخرجوا عنه بالوفاء ، فإن الذى نذرتموه
لازم لكم .
قال الطيبي: تحريره أنه علل النهى بقوله فإن النذر لايغنى من القدر ، ونبه به
على أن النذر المنهى عنه هو النذر المقيد ، الذى يعتقد أنه يغنى عن القدر بنفسه،
كما زعموا، وكم نرى فى عهدنا جماعة يعتقدون ذلك لما شاهدوا من غالب الأحوال
حصول المطالب بالنذر . وأما إذا نذر ، واعتقد أن الله تعالى هو الذى يسهل
الأمور وهو الضاروالنافع ، والنذور كالذرائع والوسائل فيكون الوفاء بالنذر طاعة
ولا يكون منهياً عنه ، كيف وقد مدح الله تعالى جل شأنه الخيرة من عباده بقوله
(يوفون بالنذر) و (إنى نذرت لك ما فى بطنى محرراً) وأما معنى ((وإنما يستخرج
به من البخيل ، فإن الله تعالى يحب البذل والإنفاق، فمن سمحت أريحته فذلك ،
وإلا فشرع النذور ليستخرج به من مال البخيل انتهى .
قوله ( وفى الباب عن ابن عمر ) أخرجه الجماعة إلا الترمذى ولفظه: نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النذر وقال: إنه لا يرد شيئاً، وإنما يستخرج
به من البخيل .
قوله ( حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح ) أخرجه الجماعة إلا أبا داود ،
قوله (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
كرهوا النذر ) قال الخطابي: هذا باب من العلم غريب، وهو أن ينهى عن فعل
شىء حتى إذا فعل كان واجباً ، وقد ذهب أكثر الشافعية ونقل عن نص الشافعى