النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
١١٨٦ - حدثنا عَنَّادٌ أخبرنا وَكِيعُ عنْ سُفْيَانَ، عنْ مُحَمَّدِ بنِ
عَبْدِ الرَّحْنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عنْ سَالٍ، عنْ أبِيهِ؛ أنّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ
فى الخيْضِ. فَسأَلَ مُمَرُ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم فقالَ: ((ُمُرْهُ فَلْيُرَاجِيْهَا.
ثمَّ لُطَلَّقْهَا طَاهِراً أوْ حَامِلاً )).
حدِيثُ يُونُسَ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ مُمَرَ، حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وَكَذلِكَ حَدِيثُ سَالٍ عنِ ابنِ عُمَرَ . وَقَدْ رُوِىَ هذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ
وجهٍ عنٍ ابنٍ ثُمَرَ ، عنِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم. والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ
أهلِ العِلْرِ مِنْ أَصْحَابِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم وَغَيْرِ، أنَّ طَلاَقَ السُّنَّةِ،
صاحب القصة ، ويريد به نفسه وإن أعاد الضمير بلفظ الغيبة ، وقد جاء فى رواية
لمسلم عن ابن عمر : مالى لا أعتد بها ؟ وإن كنت عجزت واستحمقت . وقوله
أرأيت أى أخبر نى. قال الحافظ بن حجر: قوله أرأيت إن عجز واستحمق أى
إن عجز عن فرض لم يقمه أو استحمق فلم يأت به يكون ذلك عذراً له؟ وقال الخطابى:
فى الكلام حذف أى أرأيت إن عجز واستحمق أيسقط عنه الطلاق حمقه أو يبطله
عجزه؟ وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه . قوله (مره فليراجعها ) اختلف فى
وجوب الرجعة فذهب إليه مالك وأحمد في رواية ، والمشهور عنه وهو قول
الجمهور أنها مستحبة . وذكر صاحب الهداية أنها واجبة لورود الأمر بها . قاله
العينى رحمه الله. قلت: واحتج من قال باستحباب الرجعة بأن ابتداء النكاح
لا يجب فاستدامته كذلك . والظاهر قول من قال بالوجوب لورود الأمر بها
( ثم ليطلقها طاهراً أو حاملا) استدل به من ذهب إلى أن طلاق الحامل سنى ،
وهو قول الجمهور . وعن أحمد رواية: أنه ليس بسنى ولا بدعى . واختلف فى
المراد بقوله -. طاهراً - هل المراد به انقطاع الدم أو التطهر بالغسل؟ على
قولين وهماروايتان عن أحمد. والراجح الثانى لما فى رواية عند النسائى فى هذه
القصة . قال : مر عبد الله فليراجعها فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها
حتی یطلقها ، وإن شاء أن يمسكها فليمسكها ، قاله الحافظ . قوله ( حدیث یو نس
(ابن جبير عن ابن عمر حديث حسن صحيح الخ) حديث ابن عمر هذا أخرجه

٣٤٢
أنْ يُطلِقُّهَا طَاِهِراً مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ طَلَّقَهَا ثَلاَثَاً وَهِىّ.
طَاهِرٌ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِسُّنَّةِ أَيْضًا. وهُوَ قَوْلُ الشَّافِىِّ وَأَحْمَدَ وَقَالَ بَعْضَهُمْ:
لاَ تَكُونُ ثَلاَثَاً لِلِسَُّّةِ، إلاَّ أَنْ يُطَلَّهَا وَاحِدَةٌ واحِدةٌ.
وهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وإسْحَاقَ. وقَالُوا (فِى طَلَاقِ الْحَامِلِ): يُطَلَّقُهَا
مَ شَاءِ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: يُطَلَّقُهَا عِنْدَ كَلِّ شَهْرٍ تَطْلِيقَةٌ. وهُوَ قَوْلُ
الشَّافِيِّ وَأَخَذَ وَإِسْحَاقَ.
الأئمة الستة وله طرق وألفاظ قوله (وقال بعضهم: إن طلقها ثلاثا وهى طاهر
فإنه يكون للسنة أيضاً وهو قول الشافعى وأحمد ) قال القارى فى المرقاة قال فى
شرح السنه استدل الشافعى على أن الجمع بين الطلقات الثلاث مباح ولا يكون
بدعة. لأن النبى صلى الله عليه وسلم سأل ركانة بن عبد يزيد حين طلق امر أته البتة
ما أردت بها؟ ولم ينهه أن يريد أكثر من واحدة. وهو قول الشافعى ، وفيه بحث
فإنه إنما يدل على وقوع الثلاث . وأما على كونه مباحاً أو حراماً فلا انتهى
ما فى المرقاة . قلت حديث ركانة هذا ضعيف مضطرب كما ستقف فهو لا يصلح
أن يحتج به على أن الجمع بين الطلقات الثلاث مباح. ولا على وقوع الثلاث. قال
العينى فى شرح البخارى : واختلفوا فى طلاق السنة فقال مالك : طلاق السنة أن
يطلق الرجل امرأته فى طهر لم يمسها فيه تطليقة واحدة ثم يتركها حتى تنقضى العدة.
برؤية أول الدم من الحيضة الثالثة وهو قول الليث والأوزاعى وقال أبو حنيفة:
هذا أحسن من الطلاق . وله قول آخر وهو ما إذا أراد أن يطلقها ثلاثاً طلقها
عند كل طهر طلقة واحدة من غير جماع . وهو قول الثورى وأشهب وزعم
المرغينانى أن الطلاق على ثلاثة أوجه عند أصحاب أبى حنيفة حسن وأحسن وبدعی.
فالأحسن أن يطلقها وهى مدخول بها تطليقة واحدة فى طهر لم يجامعها فيهويتركها
حتى تنفضى العدة . والحسن وهو طلاق السنة وهو أن يطلق المدخول بها ثلاثاً فى
ثلاثة أطهار . والمدعى أن يطلقها ثلاثاً بكلمة واحدة أو ثلاثا فى طهر واحد
فإذا فعل ذلك وقع الطلاق وكان عاصياً. انتهى كلام العينى.

٣٤٣
٢ - بابُ مَا جَاءَ فِى الرَّجُلُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَنَّةَ
١١٨٧ - حدثنا هَنَّادٌ أخبرنا قَبِيصَةُ عنْ جَرِيرِ بنِ حَازِمٍ ، عنِ
الزُّ بَيْرِ بنِ سَعْدٍ، عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ يَزِيدَ بنِ رُكَانَةَ، عنْ أَبِهِ، عنْ جَدِّهِ
قالَ: أَتْيتُ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِى طَلَّقْتُ
أمْرَأْفِى الْبَتَّةَ. فَقَالَ ((مَا أَرَدْتَ بِهَا))؟ قُلتُ: وَاحِدَةٌ. قَالَ ((واللهِ؟))
قُلْتُ وَاللهِ! قالَ ((فَهُوَ مَا أَرَذْتَ)). هذَا حديثٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاَّ مِنْ هذَا الَوَجْهِ.
باب ما جاء فى الرجل طلق امر أته البتة
قوله : ( عن الزبير بن سعد ) كذا فى النسخ الموجودة الزبير من سعد وفى
سنن أبى داود وسنن ابن ماجه الزبير بن سعيد . وكذلك فى الخلاصة والميزان
والتقريب فهو الصحيح. قال الذهبى فى الميزان فى ترجمته: روى عباس عن ابن
معين ثقة. وقال فى موضع آخر ليس بشىء . وقال النسائى ضعيف . وهو
معروف بحديث فى طلاق البتة . وقال فى التقريب لين الحديث (عن عبد الله
ابن يزيد بن ركانة) بضم الراء وهو عبد الله بن على بن يزيدبن ركانة وكذلك
وقع فى سنن أبى داود وسنن ان ماجه وقال الحافظ فى التقريب : قد ينسب إلى
جده وقال هو لين الحديث. وقال الذهبى فى الميزان فى ترجمته: قال العقيلى إسناده
مضطرب ولا يتابع على حديثه ، وساق حديث جرير بن حازم عن الزبير بن سعيد
المطلب عن عبدالله عن أبيه عن جده أنه طلق امر أته البتة الحديث والشافعى عن عمه
عن عبد الله بن على بن السائب عن نافع بن جير أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته
البتة. قال الذهبي: كأنه اراد بقوله عن جده الجد الأعلى وهو ركانة انتهى.
(عن أبيه) أى على بن يزيد بن ركانة . قال فى الخلاصة على بن يزيد بن ركانة
المطلب عن أبيه وجده. وعنه ابناء عبد الله ومحمد وثقه ابن حبان. وقال البخارى
لم يصح حديثه (عن جده) أى ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن
عبد مناف المطلب من مسلمة الفتح ثم نزل المدينة ومات فى أول خلافة معاوية .
قوله: (إنى طلقت أمر أتى البتة) بهمزة وصل أى قال أنت طالق البتة.
من البت بمعنی القطع واسم امرأته سهیمة کما وقع فى رواية لأ بى داود (قال فهوما
أردت) وفى رواية لأبى داود فردها إليه. قال الخطابي فيه بيان أن طلاق البتة

٣٤٤
وقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلِ العِلْهِ مِنْ أصْحَابِ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم وَغَيْرُِ
فى طَلَاقِ الْبَّةِ. فَرُوِىَ عَنْ مُرَ بنِ الَخْطَّبِ أنّهُ جَعَلَ الْبَنَّةَ واحِدَةٌ .
ورُدِىَ عنْ عَلِىْ أنَّهُ جَعَلَهَاَ ثَلاَثًاً .
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْرِ. فِيهِ نِّيَّةُ الرَّجُلِ إِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَوَاحِدَة ،
وإنْ نَوَى ثَلاَثَاً فَثَلاَثٌ، وإنْ نَوَى ثِنَتْنِ كَمْ تَكُنْ إلَّ وَاحِدَةٌ . وهُوَ
قَوْلُ الثَّوْرِىِّ وأهْلِ الكُوْفَةِ .
واحدة إذا لم يرد بها أكثر من واحدة ، وأنها رجعية غير بائن انتهى . قال القاضى
رحمه الله فى الحديث فوائد: منها - الدلالة على الزوج مصدق باليمين فيما يدعيه
ما لم يكذبه ظاهر اللفظ . ومنها - أن البتة مؤثرة فى عدد الطلاق إذ لو لم يكن
لما حلفه بأنه لم يرد إلا واحدة وأن من توجه عليه يمين خلف قبل أن يحلفه الحاكم
لم يعتبر حلفه. إذ لو اعتبر لاقتصر على حلفه الأول ولم يحلفه ثانياً. ومنها -
أن ما فيه احتساب للحاكم له أن يحكم فيه من غير مدع انتهى. قوله (هذا حديث
لا نعرفه إلا من هذا الوجه ) قال المنذرى: فى إسناده الزبير بن سعيد الهاشمى
وقد ضعفه غير واحد ، وذكر الترمذى أيضاً عن البخارى أنه مضطرب فيه ،
قارة قيل فيه ثلاثاً وتارة قيل فيه واحدة . وأصحه أنه طلقها البتة وأن الثلاث
ذكرت فيه على المعنى. وقال أبو داود حديث نافع بن معجير حديث صحيح . وفيما
قاله نظر فقد تقدم عن الإمام أحمد بن حنبل أن طرقه ضعيفة وضعفه أيضاً البخارى
وقد وقع الاضطراب فى إسناده ومتنه انتهى كلام المنذرى . قوله (فروى عن
عمر بن الخطاب أنه جعل البتة واحدة) قال العينى فى شرح البخارى: وقد اختلف
العلماء فى قول الرجل : أنت طالق البتة . فذكر ابن المنذر عن عمر رضى الله عنه
أنها واحدة ، وإن أراد ثلاثاً فهى ثلاث . وهذا قول أبى حنيفة والشافعى.
وقالت طائفة: البتة ثلاث . روى ذلك عن على وابن عمر وابن المسيب وعروة
والزهرى وابن أبى ليلى ومالك والأوزاعى وأبى عبيد انتهى كلام العينى . وقال
القارى فى المرقاة: طلاق البتة عند الشافعى واحدة رجعية وإن نوى بها اثنتين
أو ثلاثاً فهو ما نوى . وعند أبى حنيفة واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثاً فثلاث .
وعند مالك ثلاث انتهى كلام القارى. (وروى عن على أنه جعلها ثلاثا) وهو

٣٤٥
وقَالَ مَالِكُ بنُ أَنَسِ ( فِ الْبَّةِ): إنْ كانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا فَهِى
ثَلاَثُ تَطْلِقَاتٍ.
وقالَ الشَّافِىُّ: إِنْ نَوَى وَاحِدَةٌ فَوَاحِدَةٌ، يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ. وإنْ
تَّوَى ثِنْتَيْنِ فَئِفْتَانِ . وإنْ نَوَى ثَلاَثَاً فَثَلاَثُ .
٣ - بابُ مَا جَاءَ فى (أمْرُكِ بِيَدِكَ)
١١٨٨ - حدثنا عَلِىُ بنُ نَصْرِ بنِ عَلِىٌّ. أخبرنا مُلَمانُ بنُ حَرْبٍ.
أخبرنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قالَ: قُلْتُ لِأِيُوبَ: هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ أَحَداً قَالَ
فِى (أَمْرُكِ بِيَدِكِ) إنَّهَا ثَلاَثٌ إلّ الْحْسَنَ؟ فَقَالَ: لاَ إِلَّ الحَسَنَ. ثمَّ قَالَ:
اللهُمَّ غَفْراً إلاّ مَا حَدَّثَنِى قَتَادَةُ عنْ كَثِيرٍ مَوْلَى بِ سَحُرَةَ، عَنْ أَبِى سَلَةَ،
عِنْ أبي هُرِيْرَةَ، عنِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ ((ثَلاَثٌ)).
مروى عن ابن عمر وابن المسيب وعروة والزهرى وغيرهم كما عرفت آنفاً (وقال
بعض أهل العلم فيه نية الرجل إن نوى واحدة فواحدة ، وإن نوى ثلاثاً فثلاث،
وإن نوى اثنتين لم تكن إلا واحدة. وهو قول الثورى وأهل الكوفة) وهو
قول أبى حنيفة رحمه الله. قال فى شرح الوقاية من كتب الحنفية قد ذكر فى
أصول الفقه أن لفظ المصدر واحد لا يدل على العدد . فالثلاث واحد اعتبارى
من حيث أنه مجموع فتصح نيته. وأما الاثنان فى الحرة فعدد محض لا دلالة للفظ
المفرد عليه انتهى .
باب ما جاء فى أمرك بيدك
إعلم أنه إذا جعل الرجل أمر امرأته بيدها وقال أمرك بيدك . فإن اختارته
ولم تفارقه بل قرت عنده فليس ذلك بطلاق بالاتفاق ، وأما إذا فارقته واختارت
نفسها فهو طلاق . وستقف على مافيه من اختلاف أهل العلم . قوله (اللهم غفرا)
بفتح الغين المعجمة هو منصوب على المصدر أى اغفر غفراً. قال بعض العلماء:
طلب المغفرة من الله تعالى لأنه جعل سماع هذا القول مخصوصاً بالحسن ، يعنى
أنه سمع من قتادة أيضا مثله انتهى . وقال بعضهم: يحتمل أنه كان سماعه من الحسن

٣٤٦
قالَ أيُوبُ: فَلَقِيتُ كَثِيراً مَوْلَى بِ مَحُرَةُ فَسَأَلْتُهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ .
فَرَجَعْتُ إِلَى قَتَادَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ : نَسِىَ. هَذَا حدِيثُ غرِيبٌ
لاَ نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حديثٍ سُلَمَاَنَ بنِ حَرْبٍ عنْ حَمَّدِ بِنِ زَيْدٍ. وَسَأَلتُ
مُحَمًَّا عنْ هذَا الْدِيثِ فَقَالَ: أخبرنا مُلَيَاَنُ بنُ حَرْبٍ عنْ ◌َّادِ بنِ
زَيْدٍ بِهَذَا. وإنّماهُوَ عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ مَوْفُوفً.
وَلَمْ يُعْرَفْ حَدِيثُ أَبِى هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وكَانَ عَلِىُ بنُ نَصْرٍ حَافِظَاً ،
صَاحِبَ حدِيثٍ.
على الجزم واليقين ، فإذا قاله جزماً بل حصراً . ولم يكن سماعه من قنادة بهذه
الرتبة فذكره بعد طلب المغفرة من الله تعالى بسبب أن يكون فيه شىء من السهو
والغفلة انتهى. كذا فى حاشية النسخة الأحمدية. قلت: والظاهر عندى أنه كان
ينبغى لأيوب أن يقول فى جواب حماد بن زيد لا إلا الحسن وفيه حديث مرفوع
لكنه غفل عن ذكر الحديث المرفوع ، ثم تذكر على الفور فاستغفر واقال اللهم
غفرا إلا ما حدثنى ... قتادة عن كثير الخ. والله تعالى أعلم. (عن كثير مولى
بنى سمرة) قال فى تهذيب التهذيب كثير بن أبى كتير البصرى مولى عبد الرحمن
ابن سمرة قال العجلى : تابعى ثقة وذكره ابن حبان فى الثقات. قوله ( عن النبى
صلى الله عليه وسلم قال ثلاث) أى إذا قال الرجل لامرأته أمرك بيدك فاختارت
نفسها فهى ثلاث (فسألته) أى فسألت كثيراً عن هذا الحديث أى سألته إنك
حدثت قتادة بهذا الحديث (فلم يعرفه) وفى رواية أبى داود قال أيوب فقدم
علينا كثير . فسألته فقال : ما حدثت بهذا قط (فأخبرته) أى فأخبرت قتادة
بما قال كثير ) فقال (أى فتادة (نسى) أى كثير. وفى رواية أبى داود فقال:
بلى ولكنه نسى . اعلم أن إنكار الشيخ أنه حدث بذلك إن كان على طريقة
الجزم كما وقع فى رواية أبى داود فلا شك أنه علة قادحة ، وإن لم يكن على طريقة
الجزم بل عدم معرفة ذلك الحديث بدون تصريح بالإنكار كما فى رواية الترمذى
فليس ذلك مما يعد قادحاً فى الحديث كما تقرر فى أصول الحديث . قوله ( ولم
يعرف حديث أبى هريرة مرفوعاً) والحديث أخرجه أبو داود وسكت عنه ،
وذكر المنذرى كلام الترمذى وأقره وأخرجه أيضاً النسائى وقال هذا حديث

٣٤٧
وقَدْ أَخْتَلَفَ أهْلِ العِلْرِ فِى (أَمْرُكِ بِيدِكِ) فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلمِ
مِنْ أَصْحَابِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم، مِنْهُمْ مُمرُ بِنُ اَخْطَّابٍ وَعَبْدُ اللهِ
بنُ مسْعُودٍ : هَِ وَاحِدَةٌ، وُهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ مِنَ
التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهْ .
وقَالَ مُثَنُ بنُ عَفّانَ وَزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ: الْقَضَاءِ مَا قَضَتْ .
وقالَ ابنُ عُمرَ: إِذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا وَطَلّقَتْ نَفْسَهَا ثَلاَثًاً،
وأَنْكَرَ الزَّوْجُ وقَالَ: كَمْ أَجْعَلْ أَمْرَهَا بِيَدَهَا إلاّ وَاحِدَةٍ، اسْتُحْلِفَ
الزَّوْجُ وكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ .
مشكر . ( وكان على بن نصر حافظاً صاحب حديث) لعل الترمذى أراد بقوله
هذا أن على بن نصر روى هذا الحديث مرفوعاً وكان ثقة حافظاً وروايته
مرفوعاً زيادة وزيادة الثقة الحافظ مقبولة والله تعالى أعلم قوله (فقال بعض أهل
العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمربن الخطاب وعبد الله بن مسعود:
هى واحدة وهو قول غير واحد من أهل العلم من التابعين ومن بعدهم) . عنى إذا
قال رجل لامر أنه أمرك بيدك ففارقته فهى طلقة واحدة . ولم يصرح الترمذى
بأن هذه الوحدة بائنة أو رجعية . وعند زيد بن ثابت رضى الله عنه: هى واحدة
رجعية . روى محمد فى موطاه عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت أنه كان
جالساً عنده فأناه بعض بنى أبى عتيق وعيناه تدمعان. فقال له: ما شأنك؟ فقال
ملكت امرأتى أمرها بيدها ففارقتنى فقال : ما حملك على ذلك ؟ قال : القدر
قال له زيد بن ثابت : ارتجعها إن شئت فإنما هى واحدة، وأنت أملك بها . وقال
الإمام محمد بعد هذه الرواية هذا عندنا على ما نوى الزوج فإن نوى واحدة
فواحدة بائنة وهو خاطب من الخطاب . وإن نوى ثلاثاً فثلاث . وهو قول
أبى حنيفة والعامة من فقهاتنا انتهى كلامه . قوله (وقال عثمان بن عفان وزيد
ابن ثابت القضاء ما قضت ) أى الحكم ما نوت من رجعية أو بائنة واحدة
أو ثلاثاً لأن الأمر مفوض إليها . وهو قول على بن أبى طالب رضى الله عنه
كما صرح به الإمام محمد فى موطاه .. وقد عرفت قول زيد بن ثابت لبعض بنى
أبى عتيق: ارتجعها إن شئت فإنما هى واحدة الخ. فلعل عن زيد بن ثابت روايتين

٣٤٨
وذَهَبَ سُفْيَانُ وَأهْلُ الكُوفَةِ إِلَى قَوْلِ عُمرَ وَعَبْدِ اللهِ . وأمَّا مَالِكُ
ابنُ أَنَسٍ فَقَالَ: الْقَضَاءِ مَا قَضَتْ. وُهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وأمَّا إِسْحَاقُ فَذَهَبَ
إِلَى قَوْلٍ آبنِ عُمرَ.
والله تعالى أعلم . وقال ابن عمر: إذا جعل أمرها بيدها وطلقت نفسها ثلاثاً
وأنكر الزوج ( وقال لم أجعل أمرها بيدها إلا فى واحدة استحلف الزوج وكان
القول قوله مع يمينه) روى الإمام محمد فى موطإه عن ابن عمر أنه كان يقول
إذا ملك الرجل امرأنه أمرها فالقضاء ما قضت إلا أن ينكر عليها فيقول لم أرد
إلا تطليقة واحدة فيحلف على ذلك ويكون أملك بها فى عدتها (وذهب سفيان
وأهل الكوفة إلى قول عمر وعبد الله) وتقدم قول أبى حنيفة وأصحابه (وأما مالك
ابن أنس فقال القضاء ماقضت) وروى مالك فى الموطإ عن عبد الرحمن بن القاسم
عن أبيه أن رجلا من ثقيف ملك امرأته أمرها فقالت: أنت الطلاق ؟ فسكت،
ثم قالت : أنت الطلاق ؟ فقال: بفيك الحجر ثم قالت أنت الطلاق ، فقال بفيك
الحجر فاختصما إلى مروان بن الحكم فاستحلفه ما ملكها إلا واحدة وردها إليه.
قال مالك: قال عبد الرحمن فكان القاسم يعجبه هذا القضاء ويراه أحسن ما سمع
فى ذلك وأحبه إلى انتهى ما فى الموط.إ. قال الشيخ سلام الله فى المحلى فى شرح
الموطإِ: قوله وهذا أحسن أى كون القضاء ما قضت ، إلا أن ينكرها الزوج،
أحسن ما سمعت فى التى يجعل أمرها بيدها أو يملك أمرها وهى المملكة . فلو
قالت طلقت نفسى ثلاثاً ، وقال : ما أردت ذلك بل أردت تمليكى لك نفسك
طلقة أو طلقتين مثلا فالقول له بخلاف ما لو قال: ما أردت بالتمليك لك شيئاً
أبداً فلا يقبل قوله ، بل يقع ما أوقعت هذا فى المملكة. وأما الخيرة فإذا اختارت
نفسها يقع عنده ثلاث، وإن أنكرها الزوج. هذا تفصيل مذهب مالك كما
ذكره ابن أبى زيد وعند أبى حنيفة يقع فى أمرك بيدك على ما نوى الزوج فإن
واحدة فواحدة بائنة . وإن ثلاثاً فثلاث .. وفى اختيارى يقع واحدة بائنة .
وإن نوى الزوج ثلاثاً. وعند الشافعى يقع رجعية فى المملكة والخيرة كليهما .
وهو قول عبد الله بن مسعود انتهى ما فى المحلى (وهو قول أحمد) ولم يذكر
الترمذى قول الشافعى وقد عرفت قوله آنقاً ، وهو أنه يقع عنده رجعية فى
المملكة والخيرة كلتيهما .

٣٤٩
٤ - بابُ مَا جَاءٍ فِ اِخِيَارِ
١١٨٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارِ أخبرنا ◌َعَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مَهْدِىٌّ.
أُخبرنا سُفْيَانُ عنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ أِ خَالِدٍ، عنْ الشَّعْبِىِّ، عنْ مَسْرُوقٍ، عنْ
عَائِشَةَ قَالتْ: خَيَّرْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاخْتَرْ نَاهُ. أَفَكَنَ طَلاَقَا؟.
١١٨٩ - حَدَّثَنَا بُنْدَارُ أخبرنا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مَهْدِىٌّ. أخبرنا
سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشَرِ، عنْ أَبِ الضُّحَى، عنْ مَسْرُوُقٍ، عنْ عَائِشَةَ،
بِمِثِلهِ. هَذَا حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. واخْتَفَ أهْلُ العِلْمِ فِ اِخْيَارِ .
باب ما جاء فى الخيار
المراد به التخيير وهو جعل الطلاق إلى المرأة فإن لم تمتثل فلا شىء عليها
قاله العينى . قوله ( خيرنا) وفى رواية مسلم خير نساءه ( أفكان طلاقا) استفهام
إنكار أى لم يكن طلاقا لأنهن اخترن النبى صلى الله عليه وسلم. قوله (هذا
حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة. قوله ( واختلف أهل العلم فى الخيار الخ)
قال الحافظ فى الفتح: وبقول عائشة رضى الله عنها يقول جمهور الصحابة والتابعين
وفقهاء الأمصار ، وهو أن من خير زوجته فاختارته لا يقع عليه بذلك طلاق .
لكن اختلفوا فيما إذا اختارت نفسها هل يقع طلقة واحدة رجعية أو بائنا
أو يقع ثلاثا . وحكى الترمذى عن على إن اختارت نفسها فواحدة بائنة وإن
اختارت زوجها فواحدة رجعية وعن زيد بن ثابت إن اختارت نفسها فثلاث ،
وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة . وعن عمرو ابن مسعود : إن اختارت
نفسها فواحدة بائنة وعنهما رجعية ، وإن اختارت زوجها فلا شىء . ويؤيد
قول الجمهور من حيث المعنى أن التخيير ترديد بين شيئين ، فلو كان اختيارها
لزوجها طلاقا لاتحدا فدل على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق واختيارها
لزوجها بمعنى البقاء فى العصمة. وقد أخرج ابن أبى شيبة من طريق زاذان : قال
كنا جلوساً عند على فسئل عز الخيار فقال: سألنى عنه عمر. فقات: إن اختارت
نفسها فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية . قال ليس كما قلت.
إن اختارت زوجها فلا شىء قال فلم أجد بدا من متابعته، فلما وليت رجعت إلى

٣٥٠
فَرُوِىَ عنْ ◌ُمرَ وَعَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ أنّهُمَا قَالاَ: إِنِ آَخْتَرَتْ نَفْسَهَا،
فَوَاحِدَة باِئِنَةٌ. وَرُوِىَ عَنْهُمَا أَّهُمَا قَلاَ أيْضًا: وَاحِدَةٌ يَمِكُ الرَّجْعَةَ،
وإِنِ اخْتَرَتْ زَوْجَهَا فَلاَ شَىْءَ. وَرُوِىَ عنْ عَلِىَّ أنَّهُ قَالَ: إنِ اخْتَارَتْ
نَفْسَهَا فُوَاحِدَةٌ بَائِنَةُ. وإنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ يَملكُ الرَّجْعَةَ.
ما كنت أعرف . قال على وأرسل عمر إلى زيد بن ثابت فقال فذكر مثل ما حكاه
عنه الترمذى . وأخرج ابن أبى شيبة من طرق عن على نظير ما حكاه عنه زاذان
من اختياره. وأخذ مالك بقول زيد بن ثابت واحتج بعض أتباعه لكونها إذا
اختارت نفسها يقع ثلاثا بأن معنى الخيار بت أحد الأمرين، إما الأخذ وإما الترك
فلو قلنا إذا اختارت نفسها تكون طلقة رجعية لم يعمل بمقتضى اللفظ إنها تكون
بعد فى أسر الزوج، وتكون كمن خير بين شيئين فاختار غيرهما . وأخذ أبو حنيفة
بقول عمر وابن مسعود فيما إذا اختارت نفسها . فواحدة بائنة ولا يرد عليه
إلا إيراد السابق. وقال الشافعى : التخيير كناية فإذا خير الزوج امرأته وأراد
بذلك تخييرها بين أن تطلق منه وبين أن تستمر فى عصمته فاختارت نفسها
وأرادت بذلك الطلاق طلقت. فلو قالت لم أرد باختيار نفسى الطلاق صدقت.
ويؤخذ من هذا أنه لو وقع التصريح فى التخيير بالتطليق أن الطلاق يقع جزما .
فيه على ذلك شيخنا حافظ الوقت أبو الفضل العراقى فى شرح الترمذى ، وفيه
صاحب الهداية من الحنفية على اشتراط ذكر النفس فى التخيير . فلو قال مثلا :
اختارى . فقالت : اخترت لم يكن تخييراً بين الطلاق وعدمه . وهو ظاهر لكن
محله الإطلاق . فلو قصد ذلك بهذا اللفظ ساغ. وقال صاحب الهداية أيضاً : إن
قال اختارى ينوى به الطلاق فلها أن تطلق نفسها ويقع بائنا . فلو لم ينو فهو
باطل . وكذا لو قال: اختارى فقالت اخترت . فلو نوى فقالت اخترت نفسى
وقعت طلقة رجعية . وقال الخطابى: يؤخذ من قول عائشة . فاخترناه فلم يكن
ذلك طلاقا ، أنها لو اختارت نفسها لكان ذلك طلاقاً. ووافقه القرطى فى المفهم
فقال فى الحديث: إن المرأة إذا اختارت نفسها. أن نفس ذلك الاختيار يكون
طلاقا من غير احتياج إلى نهاق بلفظ يدل على الطلاق . قال وهو مقتبس من
مفهوم قول عائشة المذكور . قال الحافظ لكن ظاهر الآية أن ذلك بمجرده

٣٥١
وقَالَ زَيْدُ بنُ ثَارِتٍ: إنٍ آخْتَرَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ . وإنِ آخْتَارَتْ
نَفْسَهاٍ فَثَلاثُ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ والفِقِهِ مِنْ أَمْحَابِ النبيِّ صلى اللهُ عليه
وسلم ومَنْ بَعْدَهُمْ فِ هذَا الَبَابِ إِلَى قَوْلٍ مَمَرَ وَعَبْدِ اللهِ. وهُوَ قَوْلُ النَّوْرِىُ
وأهْلِ الكُوفةِ. وَأَمَّا أَحَدُ بنُ حَنْبَلٍ، فَذَهَبَ إِلَى قَوْلِ عَلِىِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ.
٥ - بابُ مَا جَاءَ فِى الْمُطَلَّةِ ثَلاَئاً لاَ سُكنَى لَا وَلاَ نَفَقَةً
١١٩١- حدثنا هَنَّدٌ أخبرنا جَرِيرٌ عنْ مُغِيرَةٌ، عنِ الشّعبىِّ، قالَ:
قالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: طَلَقَتِي زَوْجِى ثَلاَثَاً عَلَى عَهْدِ النبيِّ صلى اللهُ
عليه وسلم. فَقَالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: لاَ سُكْنَى لَكِ وَلاَ نَنْقَةً)).
قَالَ مُغِيرَةُ: فَذَ كَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: قالَ مُمَرُ: لاَ نَدَعُ كِتَابَ
اللهِ وَسُنَةَ نَبِيًّا صلى اللهُ عليه وسلم لِقَوْلِ آمْرَأَةٍ، لَاَ نَدْرِى أَحَفِظَتْ أَمْ
نَسِيَتْ. وكَانَ عُمَرُ يَجْعَلُ لَمَا السُّكْنَى وَالنَّفْقَةَ.
حدثنا أَحَدُ بنُ مَنِيعٍ. أخبر نا هُشَمٌ. أنْبَأَنَا حُصَيْنَ وَإِسْمَاعِيلُ وُجَالِدٌ.
قالَ هُشَمٌ: وأخبرنا دَاوُدُ أيْضاً عن الشَّعْبِىِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةً
لا يكون طلاقاً بل لا بد من إنشاء الزوج الطلاق لأن فيها فتعالين أمتعكن
وأسر حكن أى بعد الاختيار ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم انتهى
ما فى فتح البارى .
باب ما جاء فى المطلقة ثلاثا لا سكنى لها ولا نفقة
قوله: ( طلقنى زوجى ثلاثا ) وفى رواية فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها
( لا سكنى لك ولا نفقة) استدل به أحمد وإسحاق وغيرهما على أن المطلقة ثلاثا
لاسكنى لها ولا نفقة ( فذكرته) أى حديث فاطمة بنت قيس (لإبراهيم)
هو النخعى (فقال) أى إبراهيم (لا ندع) بفتح الدال أى لا نترك (كتاب الله
وسنة نبينا) سيأتى بيان ما هو المراد من كتاب الله وسنة نبينا ( بقول امرأة
لا ندرى أحفظت أم نسيت فكان عمر يجعل لها السكنى والنفقة ) استدل به من
٠

٣٥٢٠
ابْنَةٍ قَيْرٍ فَأَلْتُهَا عنْ قَضَاءِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمٍ فِيهَا ،
فقالَتْ: طَلْقَهَا زَوْجُهَا الَتَّةَ. فَخَاصَمَتْهُ فِى السُّكْنَى وَالنّفْقَةِ، فَلَمْ يَجْعَلْ
كَمَا النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم سُكْنَى ولاَ نَعْقَةٍ:
وفِى حَدِيثِ دَاوُدَ قَالتْ: وَأَمَرَ فِى أَنْ أعْتَدَّ فِى بَيْتِ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ.
هَذَا حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. وُهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أهْلِ العِلِْ، مِنْهُمْ الَحْسَنُ
الْبَصْرِىُ وَعَطاء بنُ أَبِ رَبَاحٍ والشَّعْىُ. وبهِ يَقُولُ أحَدُ وإسْحَاقُ .
وقَالُوا: لَيَْ لِلْمُطلََّةِ سُكْنَى وَلاَ تَعْقَةُ، إِذَا لَمْ يَلِكْ زَوْجُهَا الرَّجْمَةَ. وقالَ
بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم، مِنْهُمْ مُمَرُ وَعَبْدُ اللهِ:
إِنَّ الْمُطَلََّةَ ثَلَاثًاً، لَمَا السُّكْنَ وَالنَّفْقَةُ. وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ وَأهْلِ
الكُوْفَةِ . وقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: كَمَا السَّكْنَى وَلاَ نَفَقَةً لَهَا. وهُوَ قَوْلُ
مَالِكِ ابْنٍ أَنَسِ وَالَيْثِ بنِ سَعْدٍ والشَّافِىِّ. وقالَ الشَّفِىُّ: إنَمَا جَعَلْنَا لَمَا
قال إن للمطلقة ثلاثا النفقة والسكنى، قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرج
حديث فاطمة بنت قيس الجماعة بألفاظ مختصراً ومطولا قوله (وهو قول بعض
أهل العلم منهم الحسن البصرى وعطاء بن أبي رباح والشعبى وبه يقول أحمد وإسحاق
وقالوا : ليس المطلقة سكنى ولا نفقة إذا لم يملك زوجها الرجعة) وهو قول عمرو
بن دينار وطاوس وعكرمة وإبراهيم فى رواية ، وأهل الظاهر كذا فى عمدة
القارى . (وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمر
وعبد الله: إن المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة وهو قول سفيان الثورى وأهل
الكوفة) وهو قول حماد وشريح والنخعى وابن أبى ليلى وابن شبرمة والحسن بن
صالح وأبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد بن الحسن ( وقال بعض أهل العلم: لها السكنى
ولا نفقة لها وهو قول مالك بن أنس والليث بن سعد والشافعى) وهو قول
عبد الرحمن بن مهدى وأبى عبيدة . وقال بعض أهل العلم: إن لها النفقة دون
السكنى حكاه الشوكانى فى النيل . واحتج الأولون بحديث فاطمة بنت قيس المذكور
فى الباب وهو نص صحيح صريح فى هذه المسألة. قال العينى فى شرح البخارى :
قصة فاطمة بنت قيس رويت من وجوه ضماح متواترة انتهى. واحتج من قال

٣٥٣
السُّكْنَى بِكِتَابِ اللهِقَالَ اللهُ تَعَالَى: الآَتُخْرِ جُوهُنَّ مِنْ بُيُونِنَّ وَلاَ تَخْرُْنَ
إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّغَةٍ). قالُوا: هُوَ الْبِذَاءِ، أَنْ تَبْذُوَ عَلَى أهْلِمَا،
إن لها النفقة والسكنى بقول عمر رضى الله عنه لا نترك كتاب الله وسنة نبينا
بقول امرأة لا ندرى حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة . قال الله تعالى :
( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) وأخرجه
النسائى ولفظه قال : قال عمر لها إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من
رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا لم نترك كتاب اللّه لقول امرأة. قالوا فظهر
أن حديث فاطمة بنت قيس مخالف لكتاب الله وسنة نبيه. وأجيب بأن اقول
بأنه مخالف لكتاب الله ليس بصحيح فإن الذى فهمه السلف من قوله تعالى
( لا تخرجوهن من بيوتهن) فهو ما فهمته فاطمة من كونه فى الرجعية اقوله فى
آخر الآية ( لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) لأن الأمر الذى يرجى إحداثه هو
الرجعة لا سواء . وهو الذى حكاه الطبرى عن قتادة والحسن والدى والضحاك
ولم يمك عن أحد غيرهم خلافه . قال الشوكانى: ولو سلم العموم فى الآية ا- كان
حديث فاطمة بنت قيس مخصصاً له وبذلك يظهر أن العمل به ليس بترك للكتاب
العزيز كما قال عمر رضى الله عنه. فإن قلت إن قوله وسنة نبينا يدل على أنه
قد حفظ فى ذلك شيئاً من السنة ، يخالف قول فاطمة لما تقرر أن قول الصحابى
من السنة كذا له حكم الرفع. قلت صرح الأئمة بأنه لم يثبت شىء من السنة يخالف
قول فاطمة. وما وقع فى بعض الروايات عن عمر أنه قال سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: لها السكنى النفقة. فقد قال الإمام أحمد لا يصح
ذلك عن عمر . وقال الدار قطنى السنة بيد فاطمة قطعاً. وأيضاً تلك الرواية عن
عمر من طريق إبراهيم النخعى ومولده بعد موت عمر بسنتين . فإن قلت : قال ،
صاحب العرف الشذى إن النخعى لا يرسل إلا صحيحاً كما فى أوائل التهيد اتهى.
قلت قال الحافظ فى تهذيب التهذيب: وجماعة من الأئمة صحوا مراسيله. وخص
البيهقى ذلك بما أرسله عن ابن مسعود انتهى . ( وقال الشافعى إنما جعلنا لها)
أى للمطلقة ثلاثا ( السكنى بكتاب الله قال الله تعالى: لا تخرجوهن من بيوتمن
ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) قوله تعالى بتمامه هكذا ( يأيها النبى إذا
(٢٣ - تحفة الأحوذي- ٤)
٠٠٠

٣٥٤
واعْتَلَّ بِأَنَّ فَطِمَةَ ابَةَ قَيٍْ لَمْ يَجْعَلْ لَمَا الَّبِىِّ صلى اللهُ عليه وسلٍ
السُّكْنَى ، لِمَا كَانَتْ تَبْذُو عَلَى أَهْلِهَا .
قالَ الشَّافِعِىُّ: ولاَ نَفَقَةَ لَهَا، لحدِيثِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
فِى قِصَّةِ حدِيثٍ فَاطِمَةً بِنتِ فَيْسٍ .
طلقتم النساء فطلقوهن المدتهن، وأحصوا العدة، وانقوا الله ربكم لاتخرجوهن
من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. وتلك حدود الله. ومن
يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه. لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً. فإذا
بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) الخ والظاهر أن قوله
تعالى هذا للمطلقات الرجعية ، فاستدلال الشافعى به على أن للمطلقة ثلاثا السكنى
محل نظر فتفكر (قالوا هو .. البذاء أن تبذو على أهلها) قال فى القاموس
البذى كرضى الرجل الفاحش وهى بالياء وقد بذو بذاء وبذاءة وبذوت عليهم
وأبذيتهم من البذاء وهو الكلام القبيح انتهى . وقال فى تفسير الخازن قال
ابن عباس: الفاحشة المبينه بذاءتها على أهل زوجها . فيحل إخراجها لسوء
خلقها. وقيل أراد بالفاحشة أن تزنى فتخرج لإقامة الحد عليها ثم ترد لل منزلها .
ويروى ذلك عن ابن مسعود انتهى. (واعتل بأن فاطمة ابنة قيس لم يجعل لها
النبي صلى الله عليه وسلم السكنى لما كانت تيذو على أهلها) وفى رواية للبخارى
وغيره : أن عائشة عابت ذلك أشد العيب وقالت إن فاطمة كانت فى مكان
وحش نفيف على ناحيتها ، فلذلك أرخص لها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه الرواية تدل على أن سبب الإذن فى انتقال فاطمة أنها كانت فى مكان وحش
وقد وقع فى رواية لأبى داود : إنما كان ذلك من سوء الخلق ( قال الشافعى :
ولانفقة لها لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قصة حديث فاطمة بنت قيس)
فذهب الشافعى أن المطلقة ثلاثا لها السكنى بكتاب الله تعالى ولا نفقة لها
يحديث فاطمة بنت قيس . والكلام فى هذه المسألة طويل فعليك بالمطولات .

٣٥٥
٦ - بابُ مَا جَاءَ لاَ طَلَاقَ قَبْلَ النَّكاحِ
١١٩١ - حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعِ. أخبر ناُ هُشَيْمُ أخبر نا عَامِرُ الأحْوَلُ
عنْ عَمْرٍو بنٍ شُعَيْبٍ، عنْ أبِيهِ، عنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم((لا نَذْرَ لِابنِ آدمَ فِياَلاَ يَمْلِكُ، ولاَ عِتْقَلَهُ فِياَ لاَ يَمْلِكُ، ولاَ طَلاَقَ
لَهُ فِيَاَ لاَ يِمْلِكُ)) . وفِ البَابِ عنْ عَلِىِّ ومُعَاذِ بنِ جَمَلٍ وِجَابرٍ وابنِ عَبَّاسٍ
وَعَائِشَةَ. حدِيثُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهُوَ
باب ما جاء لا طلاق قبل النكاح
قوله: ( لا نذر لابن آدم فيما لا يملك) أى لا صحة له فلو قال: لله على أن أعتق
هذا العبد. ولم يكن ملكه وقت النذر لم يصح النذر. فلو ملسكه بعد هذا لم يعتق
عليه. كذا نقل القارى عن بعض العلماء الحنفية ( ولا عتق له ) أى لابن آدم
( ولا طلاق له فيما لا يملك) وزاد أبو داود. ولا بيع إلا فيما لك . قوله: (وفى
الباب عن على) أخرجه ابن ماجه مرفوعا عن جويبر عن الضحاك عن النزال
ابن سبرة عنه مرفوعاً بلفظ : لا طلاق قبل النكاح وجويبر ضعيف . كذا فى
نصب الراية. وقال الحافظ فى فتح البارى: أخرج البيهقى وأبو داود من طريق
سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش أنه سمع خاله عبد الله بن أبى أحمد بن جحش
يقول ، قال على بن أبى طالب : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لا طلاق إلا من بعد نكاح ولا يتم بعد احتلام . الحديث لفظ البيهقى . ورواية
أبى داود مختصرة وأخرجه سعيد بن منصور من وجه آخر عن على مطولا.
.وأخرجه ابن ماجه مختصراً وفى سنده ضعف. (ومعاذ) بن جبل أخرجه
الحاكم عن طاوس عن معاذ مرفوعاً وهو منقطع . وله طريق أخرى عند
الدار قطنى عن سعيد بن المسيب عن معاذ مرفوعاً وهى منقطعة أيضاً، وفيها
يزيد بن عياض وهو متروك. وزاد الدار قطنى فى هذه الطريق، ولو سميت المرأة
بعينها. كذا فى التلخيص ونصب الراية. (وجابر) أخرجه الحاكم قال الحافظ
فى التلخيص : وله طرق عنه بينتها فى تعليق التعليق. وقد قال الدار قطنى: الصحيح
مرسل ليس فيه جابر ( وابن عباس) أخرجه الحاكم وهو ضعيف . وله طريق
أخرى عند الدارقطنى وهى أيضاً ضعيفة (وعائشة) أخرجه الدار قطنى وهو

٣٥٦
أحْسَنُ شْءٍ رُوِىَ فِى هَذَا البَابٍ. وهُوَ قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابٍ
النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ. رُوِيَ ذْلِكَ عنْ عَلِىِّ بنِ أبِى طَالِبٍ وابنٍ
عَبَّدٍ وجَابرٍ بِنِ عَبْدِ اللهِ وَسَعِيدِ بنِ الْمُسَيِّبِ والحسَنِ وَسَعِيدٍ بِنِ جُبَيْرِ
وعَلِىِّ بنِ الْحْسَيْنِ وَشَرَيْحٍ وجَابرِ بنِ زَيْدٍ وَغَيْرٍ وَاحِدٍ مِنْ فُّهَاءِ النَّا بِعِينَ.
ضعيف . وفى الباب أيضاً عن ابن عمر عند الحاكم والدار قطنى وهو ضعيف وعن
المسور بن مخرمة عند ان ماجه. قوله ( حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن
صحيح وهو أحسن شىء روى فى هذا الباب) وأخرجه أبو داود وابن ماجه ،
وسكت عنه أبو داود . وقال المنذرى : وقد روى عن عمرو .. شعيب عن
أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم. وقال الترمذى: حديث
حسن وهو أحسن شىء روى فى هذا الباب. وقال أيضاً سألت محمد بن إسماعيل
فقلت أى شىء أصح فى الطلاق قبل النكاح ؟ فقال حديث عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده . وقال الخطابى: وأسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره وأجراه
على عمومه إذ لا حجة مع من فرق بين حال وحال . والحديث حسن إنتهى كلام
المنذرى. قوله (وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
وغيرهم) قال الحافظ فى الفتح هذه المسألة من الخلافيات المشهورة والعداء فيها
مذاهب . الوقوع مطلقاً وعدم الوقوع مطلقاً والتفصيل بين ما إذا عين أو خصص
ومنهم من توقف . فقال بعدم الوقوع الجمهور ، وهو قول الشافعى وابن مهدى
وأحمد وإسحاق وداود وأتباعهم وجمهور أصحاب الحديث ، وقال بالوقوع مطلقاً
أبو حنيفة وأصحابه ، وقال بالتفصيل ربيعة والثورى والليث والأوزاعى
وابن أبى ليلى وابن مسعود وأتباعه ومالك فى المشهور عنه، وعنه عدم الوقوع
مطلقاً ولو عين . وعن ابن القاسم مثله وعنه أنه توقف وكذا عن الثورى
وأبى عبيد وقال جمهور المالكية بالتفصيل فإن سمى امرأة أو طائفة أو قبيلة
أو مكاناً أو زماناً يمكن أن يعيش إليه لزمه الطلاق والعتق إنتهى كلام الحافظ.
قلت واحتج من قال بعدم الوقوع مطلقاً بأحاديث الباب ؛ قال قال البيهقى بعد أن
أخرج كثيراً من الأخبار ثم من الآثار الواردة فى عدم الوقوع: هذه الآثار
تدل على أن معظم الصحابة والتابعين فهموا من الأخبار أن الطلاق أو العتاق

٣٥٧
وبِهِ يَقُولُ الشَّافِىُ. وَرُوِىَ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ فِى (المَنْصُوبَةِ):
إِنْهَا تَطْلُقُ. وَقَدْ رُوِى عِنْ إِبْرَاهِيمَ النََّعِىِّ وَالشّعْىِّ وَغَيْرِهِاَ مِنْ أهْلِ
العِلمِ: أنَّهُمْ قَالُوا: إذا وَقَّتَ نُزِّلَ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ النَّوْرِىِّ وَمَالِكِ بنِ
أَنَسِ: أنَّهُ إِذَا سَمَّى امْرَأَةٌ بَعْنِهَا أَوْ وَقْتَ وَقْنَاً أَوْ قالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ مِنْ
كُورَةٍ كَذَا، فإنّهُ إِنْ تَزَوَّجَ فإِنْهَا تَطْلُقُ .
الذى علق قبل النكاح والملك ، لا يعمل بعد وقوعهما، وأن تأويل المخالف فى
حمله عدم الوقوع على ما إذا وقع قبل الملك والوقوع فيما إذا وقع بعده ليس
بشىء ، لأن كل أحد يعلم بعدم الوقوع قبل وجود عقد النكاح أو الملك ، فلا
يبقى فى الأخبار فائدة. بخلاف ما إذا حملناه على ظاهره فإن فيه فائدة وهو الإعلام
بعدم الوقوع ، ولو بعد وجود العقد فهذا يرجح ما ذهبنا إليه من حمل الأخبار
على ظاهرها إنتهى كلام البيهقى . أو أجاب الحنفية عن أحاديث الباب بأنها محمولة
على التنجيز . وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى أنه قال فى رجل قال
(( كل أمرأة أتزوجها فهى طالق، وكل أمة أشتريها فهى حرة،: هو كما قال.
فقال له معمر: أو ليس جاء: لا طلاق قبل نكاح ، ولا عتق إلا بعد ملك .
قال إنما ذلك أن يقول الرجل امرأة فلان طالق وعبد فلان حر . وفيه ما قال
الحافظ من أن ما تأوله الزهرى ترده الآثار الصحيحة عن سعيد بن المسيب
وغيره من مشائخ الزهرى فى أنهم أرادوا عدم وقوع الطلاق عمن قال : إن
تزوجت فهى طالق سواء عمم أو خصص أنه لا يقع انتهى . وفيه أيضاً ما قال
البيهقى من أن معظم الصحابة والتابعين فهموا من الأخبار أن الطلاق أو العتاق
الذى علق قبل النكاح والملك لا يعمل بعد وقوعهما. وفيه أيضاً: لو حمل
أحاديث الباب على التنجيز لم يبق فيها فائدة كما قال البيهقى . ولحنفية تمسكات أخر
ضعيفة ، ذكرها الحافظ فى الفتح. واحتج من قال بالتفصيل بأنه إذا عم سد
على نفسه باب النكاح الذى ندب الله إليه. قوله (وروى عن ابن مسعود أنه قال
فى المنصوبة: إنها تطلق) وفى بعض النسخ المنسوبة بالسين المهملة ((وهو الظاهر،
أى المرأة المنسوبة إلى قبيلة أو بلدة والمراد من المنصوبة المعينة (وروى عن
إبراهيم النخعى والشعبى وغيرهما من أهل العلم أنهم قالوا: إذا وقت نزل) أى

٣٥٨
وَأَمَّا ابنُ المُبَارَكِ فَشَدَّدَ فِى هَذَا الْبَابِ وقالَ: إِنْ فَعَلَ، لاَ أَقُولٌ
هِىَ حَرَامٌ. وذُكِرَ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ الْمُبَارَكِ؛ أنَّهُ سُئِلَ عنْ رَجْلِ حَلَفَ
بِالطَّلاَقِ أنْ لاَ يَزَوَّجُ ثُمَّ بَدَا لَهُ أنْ يَزَوَّجَ . هَلْ لَهُ رُخْصَةُ أَنْ يَأْخُذَ
بِقَوْلِ الْفُقُهَاءِ الَّذِينَ رَخّصُوا فِىْ هذَا؟ فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: إِنْ كَانَ يَرَى
هَذَا الْقَوْلَ حَّ مِنْ قَبْلِ أنْ يُبْتَلَى بِهَذِهِ الْسَبْلَةِ، فَلهُ أنْ يَأْخُذَ بِقَوْلهمْ.
فَأَمَا مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهِذَا، فَلَمَّا ابْتُلِىَ أحبّ أنْ يَأْخُذَ بِقَوْلهِمْ ، فَلَا
أَرَى لَهُ ذَلِكَ. وقالَ أَحْمَدُ: إنْ تَزَوَّجَ، لاَ آمُرُهُ أنْ يُغَارِقَ آَمْرَأَتَهُ .
إذا عين وقنا بأن يقول إن نكحت اليوم أو غداً مثلا نزل يعنى يقع الطلاق .
روى وكيع فى مصنفه عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى قال: إن قال كل
امرأة أنزوجها فهى طالق. فليس بشىء وإذا وقت لزمه. وكذلك أخرجه
عبد الرزاق عن الثورى عن زكريا بن أبى زائدة وإسماعيل بن أبى خالد عن
الشعبى قال إذا عمم فليس بشىء . وأخرج ابن أبى شيبة عن وكيع عن سفيان عن
منصور عن إبراهيم النخعى قال: إذا وقت وقع وبإسناده : إذا قال كل فليس
بشىء . ومن طريق حماد بن أبى سليمان مثل قول إبراهيم وأخرجه من طريق
الأسود بن يزيد عن ابن مسعود ؛ كذا فى فتح البارى قال الحافظ : فابن مسعود
أقدم من أفتى بالوقوع وتجمه من أخذ بمذهبه كالنخى ثم حماد انتهى. (وهو
قول سفيان الثورى ومالك بن أنس) فى المشهور عنه كما عرفت ( أنه إذا سمى
امرأة بعينها) مثلا قال إن تزوجت فلانة فهى طاق (أو وقت وقتاً ) أى عين
وقتاً من التوقيت بأن قال مثلا : إن تزوجت اليوم أو غداً فهى طالق ( أو
قال إن تزوجت من كورة كذا) وقال فى القاموس . الكورة بالضم المدينة
والصفع ج كور وقال فيه الصقع بالضم الناحية. ( وأما ابن المبارك فشدد فى هذا
الباب) أى فى هذه المسألة ( وقال إن فعل لا أقول هى حرام) أى إذا قال :
إن تزوجت فلانة فهى طالق ثم تزوجها لا أقول وقع الطلاق وصارت حراماً
عليه (وذكر عن عبد الله بن المبارك أنه سأل عن رجل الخ) مذا بيان تشدده.
( وقال أحمد إن تزوج لا آمره أن يفارق امرأته) قال الحافظ والشهرة الاختلاف
كره أحمد مطلقاً وقال: إن تزوج لا آمره أن يفارق. وكذا قال إسحاق فى المعينة انتهى ..

٣٥٩
وقالَ إِسْحَاقُ: أَنَا أُجِيرُ فِ اْلَنْصُوبَةِ، لَحَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا
لاَ أَقُولُ تَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأْتُهُ وَوَسَّعَ إِسْحَاقُ فِ غَيْرِ الْمَنْصُوبَةِ .
٧ - بابُ مَا جَاءَ أَنَّ طَلاَقَ الْأُمَةِ تَطْلِقَتَانِ
١١٩٢ - حدثنا مُحَمَُّ بنُ يَحْسَ النَّيْسَابُورِىِ. أخبرنا أبُو عَاصِمٍ
عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، قَالَ أخبر نا مُظَاهِرُ بنُ أَسْتَ. قَالَ: حَدَّ ثَِّي الْقَاسِمُ عنْ
عائِشَةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: ((طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِقْتَانِ،
وَعِدَّمُهَا حَيْضَتَانِ)) .
باب ما جاء أن طلاق الأمة تطلبقتان
قوله : ( حدثنا محمد بن يحيى النيسابورى) هو الإمام الذهلى ثقة حافظ جليل
(أخبرنا أبو عاصم ) النبيل الضحاك بن مخلد ثقة ثبت (عن ابن جريج) إسمه عبدالملك
ابن عبد العزيز الأموى مولاهم المكى ثقة فقيه فاضل (أخبر نا مظاهر بن أسلم)
بضم الميم وفتح الظاء المعجمة وبعد الألف هاء مكسورة وراء مهملة قال فى
التقريب ضعيف قوله ( طلاق الأمة) مصدر مضاف إلى مفعوله أى تطليقها
تطليقتان ( وعدتها حيضتان) قال القارى فى المرقاة دل ظاهر الحديث على أن
الصرة فى العدة بالمرأة ، وأن لا عبرة بحرية الزوجة وكونه عبدأ كما هو مذهبنا .
ودل على أن العدة بالحيض دون الإظهار . وقال المظهر بهذا الحديث قال
أبو حنيفة الطلاق يتعلق بالمرأة . فإن كانت أمة يكون طلاقها إثنين سواء كان
زوجها حراً أو عبداً . وقال الشافعى ومالك وأحمد : الطلاق يتعلق بالرجل
فطلاق العبد إثنان ، وطلاق الحر ثلاث ، ولا نظر للزوجة . وعدة الأمة على
نصف عدة الحرة فما له نصف ، فعدة الحرة ثلاث حيض وعدة الأمة حيضتان
لأنه لا نصف الحيض . وإن كانت تعتد بالأشهر فعدة الأمة شهر ونصف وعدة
اخرة ثلاثة أشهر انتهى ما فى المرقاة . وقال الخطابى فى المعالم: اختلف العداء فى
هذا فقالت طائفة : الطلاق بالرجال والعدة بالنساء ، روى ذلك عن ابن عمر
وزيد بن ثابت وابن عباس وإليه ذهب عطاء بن أبي رباح . وهو قول مالك
والشافعى وأحمد وإسحاق ثم ذكر الخطابى مذهب أبى حنيفة رحمه الله ثم قال :

٣٦٠
ثالَ مُحَمَّدُ بنُ يَحْسَى: وأخبرنا أبُو عَاصِمٍ . أخبرنا مُظاهِرٌ بِهِذَا.
قالَ : وفِى الْبَابِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ .
حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَاَ نَعْرِفُهُ مَنْ فُوعَا إِلَّ مِنْ حَدِيثٍ
مُظَاهِرٍ بِنِ أسْلَمَ . وَمُظَاهِرٌ لا يُعْرَفُ لَهُ فِىِ العِلمِ غَيْرُ هَذَا الحَدِيثِ .
وَالَعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ العِلْرِ مِنْ أَصْحَابِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم
وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ وَالشَّافِىِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ.
والحديث يعنى حديث الباب حجة لأهل العراق ، ولمكن أهل الحديث ضعفوه
ومنهم من تأوله على أن يكون الزوج عبداً. انتهى كلام الخطابى. قلت واحتج
أيضاً لأبى حنيفة رحمه الله بما رواه ابن ماجه والدار قطنى والبيهقى من حديث
ابن عمر مرفوعاً: طلاق الأمة إثنتان وعدتها حيضتان. وفى إسناده عمرو بن شبيب
وعطية العوفى وهما ضعيفان . وقال الدار قطنى والبيهقى: الصحيح أنه موقوف.
واستدل من قال إن الطلاق بالرجال بحديث ابن مسعود: الطلاق بالرجال والعدة
بالنساء . رواه الدارقطنى والبيهقى وروياء أيضاً عن ابن عباس نحوه وروى
أحمد من حديث على نحوه وأجيب بأن كل واحد من هذه الروايات موقوفة ،
واستدلوا أيضاً بما رواه مالك فى الموطإ عن سلمان بن يسار أن نفيما مكاناً
كان لأم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم أو عبداً كان تحته امرأة حرة
فطلقها اثنتين ، ثم أراد أن يراجعها فأمره أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتى
عثمان بن عفان فيسأله عن ذلك ، فلقيه عند الدرج آخذاً بيد زيد بن ثابت فسألهما
فابتدراه جميعاً فقال: حرمت عليك حرمت عليك . وهذا أيضاً موقوف. وبما
روا. مالك أيضاً عن نافع أن عبدالله بن عمر كان يقول إذا طلق العبدامرأة تطليقتين
فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره حرة كانت أو أمة . وعدة الحرة ثلاث
حيض ، وعدة الأمه حيضتان. وهذا أيضاً موقوف . قوله ( قال محمد بن يحي
وأخبرنا أبو عاصم أخبرنا مظاهر بهذا) أى بهذا الحديث المذكور يعنى قال محمد بن
يحي الذهلى وحدثنا أبو عاصم هذا الحديث عن مظاهر بغير واسطة ابن جريج
كما حدثنا عن مظاهر بواسطة ان جريج وفى سنن ابن ماجه قال أبو عاصم فذكرته
لا لمظاهر . فقلت حدثنى كما حدثت ابن جريج فأخبر نى عن القاسم عن عائشة الخ.
قوله ( وفى الباب عن عبد الله بن عمر)، أخرجه ابن ماجه وغيره وقد تقدم.