النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
إبْرَاهِيمَ أخبر نا هِلاَلُ بنُ عبدِ اللهِ مَوْلَى رَبِيعَةَ بنِ عَمْرٍو بنٍ مُسْلِمِ البَاهِلِيْ
أخبرنا أبو إسحاقَ الحَمْدَانِىُ عنْ الحَارِثِ عنْ عَلِىِّ قَالَ : قالَ رسولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَنْ مَلَّكَ زَاداً وَرَاحِلَةً تُبَلِّنْهُ إِلى بَيْتِ اللهِ وَلَمْ يَجِجَّ
فلاَ عَليْهِ أَنْ يُوتَ بَهُودِّيَا أَوْ نَصْرَانِّيًا وَذَلِكَ اللهُ يَقُولُ فِى كِنَا بِهِ: ولِثْهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً».
١
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذا الوَجْهِ وَفى
إِسْنَادِهِ مِقَالُ وِهِلالُ بنُ عبدِ اللهِ مَجْهُولُ والْخَارِثُ يُضََّّفُ فى الحديثِ ..
من العاشرة (أخبر ناهلال بن عبد اللّه) قال الحافظ فى التقريب هلال بن عبد الله الباهلى
مولاهم أبو هاشم البصرى متروك من السابعة .
قوله: ( من ملك زاداً وراحلة) أى ولو بالإجارة (تبلغه) بتشديد اللام
وتخفيفها أى توصله (فلا عليه ) أى فلا بأس ولا مبالاة ولا تفاوت عليه ( أن
بموت) أى فى أن يموت أو بين أن يموت ( يهودياً أو نصرانياً) فى الكفر إن
اعتقد عدم الوجوب وفى العصيان إن اعتقد الوجوب، وقيل هذا من باب التغليظ
الشديد والمبالغة فى الوعيد، والأظهر أن وجه التخصيص بهما كونهما من أهل
الكتاب غير عاملين به فشبه بهما من ترك الحج حيث لم يعمل بكتاب الله تعالى
ونبذه وراء ظهره كأنه لا يعلمه. قال الطيبي: والمعنى أن وفانه بهذه الحالة ووفاته على
اليهودية والنصرانية سواء. والمقصود التغليظ فى الوعيد كمافى قوله تعالى ((ومن كفر))
انتهى (وذلك) أى ما ذكر من شرط الزاد والراحلة والوعيد على ترك هذه العبادة
(ولله على الناس) أى واجب عليهم (حج البيت) بفتح الحاء وكسرها ويبدل
من الناس ( من استطاع إليه سبيلا) أى طريقاً وفسره صلى الله عليه وسلم بالزاد
والراحلة . رواه الحاكم وغيره كذا فى الجلالين ويأتى الكلام فى ذلك فى الباب الآتى
قوله : ( وفى إسناده مقال وهلال بن عبد الله مجهول والحارث يضعف فى
الحديث) أما هلال بن عبد اللّه فقال الذهبى فى الميزان فى ترجمته: قال البخارى منكر
الحديث وقال الترمذى مجهول وقال العقيلى لا يتابع على حديثه ثم ذكر الذهبى هذا الحديث
من طريقه ثم قال ويروى عن على قوله وقد جاء بإسناد آخر أصلح من هذا انتهى
كلام الذهبي. وأما الحارث فهو الحارث بن عبد الله الهمدانى الأعور كذ به الشعبى وغيره.

٥٤٢
٤ - بابُ مَا جَاءَ فى إيجابِ الحَجِّ بِالزَّادِ والرَّاحِلَةِ
٨١٠ - حدثنا يُوسُفُ بنُ عِيسى أخبرنا وكيعٌ أخبرنا إبراهيمُ بنُ
يَزِيدَ عن محمدِ بنِ عَّادِ بنِ جَعْفَرٍ عن ابنِ ثُمَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى النبيّصلى اللهُ
عليه وسلم فقالَ: (( يارسولَ اللهِ ما يُوجِبُ الحَجَّ؟ قال الزَّادُ والرَّاحِلَةُ ».
قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ والعملُ عليهِ عِنْدَ أهلِ العلمِ: أنَّ
الرَّجُلَ إِذَا مَلَكَ زَادًا ورَاحِلَةً وَجَبَ عليهِ الحَجُ . وإبراهيمُ بنُ يَزَيدَ هُوَ
الَحَوْزِئُ المَكِىُّ قد تَكلَّ فيهِ بَعْضُ أهلِ العلمِ مِنْ قَبَلِ حِفْظِهِ.
إعلم أن لحديث الباب طرقاً منها هذه التى ذكرها الترمذى ومنها الطريق التى
أخرجها سعيد بن منصور فى السنن، وأحمد وأبو يعلى والبيهقى عن شريك عن ليث
ابن أبى سليم عن ابن سابط عن أبى أمامة بلفظ : من لم يحبسه مرض أو حاجة
ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً . وليث
ضعيف وشريك سيء الحفظ وقد خالف سفيان الثورى فأرسله. رواه أحمد
فى كتاب الإيمان له عن وكيع عن سفيان عن ليث عن ابن سابط . ومنها الطريق
التى أخرجها ابن عدى عن عبد الرحمن القطاعى عن أبى المهزم وهما منروكان عن
أبى هريرة، قال الحافظ فى التلخيص بعد ذكر هذه الطرق مع ألفاظها: وله طريق
صحيحة إلا أنها موقوفة رواها سعيد بن منصور والبيهقى عن عمر بن الخطاب قال :
لقد هممت أن أبعث رجالا إلى أهل الأمصار فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج
فيضربوا عليه الجزية، ما هم بمسلمين، ماهم بمسلين، لفظ سعيد ولفظ البيهقى أن
عمر قال : ليمت بهودياً أو نصرانياً - يقولها ثلاث مرات - رجل مات ولم
يحج وعنده لذلك سعة وخليت سبيله، قلت وإذا انضم هذا الموقوف إلى مرسل
ابن سابط ، علم أن لهذا الحديث أصلا، ومحمله على من استحل الترك . وتبين بذلك
خطأ من ادعى أنه موضوع انتهى كلام الحافظ .
باب ما جاء فى إيجاب الحج بالزاد والراحلة
قوله: (ما يوجب الحج) أى ما شرط وجوب الحج ( قال الزاد والراحلة )
يعنى الحج واجب على من وجدهما ذهاباً وإياباً .
قوله : ( هذا حديث حسن ) الظاهر أن الترمذى حسنه لشواهده ، وإلا ففى

٥٤٣
٥ - بابٌ ماجَاءَ كَمْ فُرِضَ الحِجُ
٨١١ - حدثنا أبو سَعيدٍ الأَشَجُ أخبرنا مَنْصُورُ بنُ وَرْدَانَ كُوفِىُ
عن علىَّ بنِ عَبْدِ الأَعْلَى عن أبيهِ عن أبى البَغْتَرِىِّ عن علىِّ بنِ أبِى طَالِبٍ
قالَ لَمَّا نَرَلَتْ: (وِثِهِ على النَّاسِ حِجُ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)
قالوا: ((يا رسولَ اللهِ أَفِى كلِّ امٍ؟ فَسَكَتَ فَقالوا: يا رسولَ اللهِ أَفِى كلِّ
سند هذا الحديث إبراهيم بن يزيد الخوزى وهو متروك الحديث كما صرح به الحافظ
فى التقريب. وقال فى التلخيص: روى الدار قطنى والحاكم والبيهقى من طريق سعيد
ابن أبى عروبة عن قتادة عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى
(ولله على الناس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا) قال قيل: يا رسول الله
ما السبيل؟ قال الزاد والراحلة . قال البيهقى: الصواب عن قتادة عن الحسن
مرسلا ، يعنى الذى أخرجه الدار قطنى وسنده صحيح إلى الحسن ولا أرى الموصول
إلا وهماً . وقد رواه الحاكم من حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس أيضاً إلا أن
الراوى عن حماد هو أبو قتادة عبد الله بن واقد الحرانى، وقد قال أبو حاتم هو
منكر الحديث ورواه الشافعى والترمذى وابن ماجة والدار قطنى من حديث
ابن عمر وفال الترمذى حسن ، وهو من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزى وقدقال
فيه أحمد والنسائى . وك الحديث. ورواه ابن ماجة والدار قطنى من حديث
ابن عباس وسنده ضعيف أيضاً ورواه ابن المنذر من قول ابن عباس ، ورواه
الدار قطنى من حديث جابر ومن حديث على بن أبى طالب ، ومن حديث ابن
مسعود ، ومن حديث عائشة ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ،
وطرقها كلها ضعيفة ، فقد قال عبد الحق: إن طرقه كلها ضعيفة وقال أبو بكر
ابن المنذر: لا يثبت الحديث فى ذلك مسنداً. والصحيح من الروايات روايه
الحسن المرسلة انتهى.
باب ما جاءكم فرض الحج
قوله : (عن أبى البخترى) بفتح الموحدة وسكون الخاء المعجمه وفتح المثناة
الفرقيه وكسر الراء وشدة ياء تحتانية ، وهو سعيد بن فيروز بن أبى عمران
الطائى مولاه ثم الكوفى ثقة ثبت كثير الإرسال من الثالثه .

٥٤٤
عَامِ؟ قالَ لَا. وَلَوْ قُلْتُ نَمْ لَوَجَبَتْ فَأَنْزَلَ اللهُ ((يَا أَ بَهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لا تَنْأَلُوا عَنْ أَنْيَاءِ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُوءِ كُمْ)) وفى البابِ عنِ ابنِ
عبَّاسٍ و أبى هريرةً.
قال أبو عيسى: حديثُ عَلىَّ حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ
وإِسْمُ أبى البَخْتَرِىِّ سعيدُ بنُ أَبِى عِرَانَ وهُوَ سَعيدُ بنُ فَيْرُوزَ.
قوله: (قال لا ) فيه دليل على أن الحج لا يجب إلا مرة واحدة وهو مجمع
عليه كما قال النووى والحافظ وغيرهما وكذلك العمرة عند من قال بوجوبها ،
لا تجب إلا مرة إلا أن ينذر بالحج أو العمرة وجب الوفاء بالنذر بشرطه ( ولو
قلت نعم لوجبت ) استدل به على أن النبى صلى الله عليه وسلم مفوض فى شرع
الأحكام وفى ذلك خلاف مبسوط فى الأصول .
قوله : ( وفى الباب عن ابن عباس) قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج فقام الأقرع بن حابس فقال : أفى كل عام
يا رسول الله؟ فقال لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن
تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع. رواه أحمد وأبو داود والنسائى وابن
ماجة والبيهقى والحاكم وقال صحيح على شرطهما (وأبى هريرة) أخرجه أحمد
ومسلم والنسائى، وفى الباب أيضاً عن أنس أخرجه ابن ماجة قال الحافظ فى
التلخيص : رجاله ثقات .
قوله : ( حديث على حديث حسن غريب ) قال الحافظ فى التلخيص : سنده
منقطع انتهى . قلت قال الخزرجى فى الخلاصة : سعيد بن فيروز أبو البخترى
الکوفی تابعی جلیل عن عمر وعلى مرسلا انتهى . وقال ابن أبى حاتم فی کتاب
المراسيل : قال على بن المدينى: أبو البخترى لم يلق علياً قال أبو زرعة : أبو
البخترى لم يسمع من على شيئاً انتهى .

٥٤٥
٦ - باب ما جَاءَ كُمْ حَجَّ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم
٨١٢ - حدثنا عَبدُ اللهِ بنُ أَبِى زِيادٍ أخبرنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ
عن سُفْيَانَ عن جَعْفَرِ بنِ محمدٍ عن أبيهِ عن جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ ((أَنَّ النبيَّ
صَلّى اللهُ عليه وسلم حَجَّ ثَلاثَ حِجَجٍ: حَجَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ بَهَاجِرَ وحَبَّةً بَعْدَ
مَا هَاجَرَ مَعَهَا عُمْرَةُ فَسَاقَ ثلاثاً وسِتْنَ بَدَنَةً وجاءَ علىٌّ مِنَ الْيَمَنِ
بِبَقِيَّتِها فيها ◌َمَلٌ لِأَبِى جَهْلٍ فى أنْفِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ فَنَحَرَها فَأَمَرَ
رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم مِنْ كلِّ بَدَنَةٍ بِضْعَةٍ فَطُبِغَتْ فَشَرِبَ
مِنْ مَرَقِهَا)).
قال أبوعيسى : هذا حديثٌ غريبٌ منْ حديثٍ سُفْيَانَ لا نَعْرِفُهُ
إلّا مِنْ حَديثٍ زَيْدِ يِنِ حَبَّابٍ وَرَأيْتُ عْدَ اللهِ بنَ عبد الرحمنِ رَوَى
باب ما جاء كم حج النبى صلى الله عليه وسلم
قوله : (فساق ثلاثاً وستين بدنة ) بفتحتين وهى الإبل والبقر عند الحنفية،
والإبل فقط عند الشافعى، وسميت بها لكبر بدنها ، والجمع بدن بضم فسكون .
(وجاء على من اليمن ببقيتها) أى ببقية البدن التى ذبحها النبى صلى الله عليه وسلم
أو بيقية المائة ، وإرجاع الضمير إلى المائة مع عدم ذكرها لشهرتها قال النووى:
ما أهدى به على رضى الله عنه اشتراه لا أنه من السعاية على الصدقة ( فى أنفه برة)
بضم الياء وتخفيف الراء الحلقة تكون ى أنف البعير. ( من فضة) وفى رواية
البيهقى من ذهب. قاله السيوطى ببضعة بفتح الموحدة وقد تكسر القطعة من اللحم
(فشرب من مرقها) بفتح الميم والراء السكتة فى شربه صلى الله عليه وسلم من
مرقها دون الأكل من اللحم لما فى المرق من الجمع لما خرج من البضعات كلها .
قوله: (ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن إلخ) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن
الفضل بن بهرام السمر قندى أبو محمد الدارمى الحافظ صاحب المسند ثقة فاضل
متقن من الحادية عشر . كذا فى التقريب وقال الخزرجى فى الخلاصة فى ترجمته .
أحد الأعلام وصاحب المسند والتفسير والجامع عن يزيد بن هارون ويعلى بن
(٣٥ - تحفة الأحوذي -- ٣)

٥٤٦
هذا الحديثَ فى كُتُبِهِ عن عبْدِ اللهِ بنِ أبى زِيادٍ ، وسأَلْتُ محمداً عن هذا
فَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ حَديثِ النَّوْرِىُّ عن جَعْفَرٍ عن أبيهِ عن جابرٍ عن النبيِّ
صلى اللهُ عليه وسلم، ورَأَيْتُهُ لا يُدُ هذا الحديثَ مَحْفُوظًا وقال، إِنَّمَا يُرْوَى
عنِ الثَّوْرِىِّ عن أبى إسْحَاقَ عن بُجَاهِدٍ مُرْسَلٌ .
٨١٣ - حدثنا إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا حَبَّنُ بَنُ هِلِاَل أخبرنا.
حَّامٌ أخبر نا قَتَادَةُ قال: قُلْتُ لأَ نَسِ بنِ مالِكٍ: ((كَمْ حَجَّ النبى صلى الله عليه
وسلم؟ قالَ حَجَّةً وَاحِدَةً. واعْتَمَرَ أَرْبَعَ مُمَرٍ: ◌ُمْرَةً فِى ذِى القَعْدَةِ ومُمْرَةَ
الخُدَيْبِيَّةِ وُعَمْرَةً معَ حَجَتْهِ وُمْرَةَ الْجِعْرَاءَةِ إِذْ قَسَمَ غَنِيمَةً حَُيْنٍ)) .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وحَبَّنُ بنُ هِلاَلٍ أبو حَبيب
البَصْرِىُّ هو جَليلٌ ثِقَةٌ وثَّقَهُ يَحْسِ بنُ سعيدِ القَطّنُ.
عبيد، وجعفر بن عون وأبى على الحنفى وخلق وعنه م وت والبخارى فى غير
الصحيح. قال أحمد إمام أهل زمانه . وقال ابن حبان . كان من حفظ وجمع وتفقه
وصنف وحدث وأظهر السنة فى بلده ودعا إليها وذب عن حربمها وقمع مخالفيها.
قال أحمد بن سنان : مات سنة خمس وخمسين ومائتين انتهى .
قوله : ( حبان بن هلال ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة ثقة ثبت
من التاسعة .
قوله: ( حجة واحدة ) بالنصب أى حج حجة واحدة ، وهى حجة الوداع.
(عمرة فى ذى القعدة ) بالنصب على البدلية وبالرفع على الخبرية أى إحداها عمرة
فى ذى القعدة ، (وعمرة الحديبية ) بضم الحاء المهملة وفتح الدال المهملة وسكون
التحتية وكسر الموحدة وشدة التحتية الثانية وخفتها ، موضع بينه وبين مكة تسعة
أميال (وعمرة الجعرانة ) بكسر الجيم وسكون العين ، وقيل بكسر العين وتشديد
الراء موضع بينه وبين مكة تسعة أميال وقيل سنة أميال. (إذ قسم غنيمة حنين)
بضم الحاء المهملة مصغراً موضع وكان قسمة غنيمته بعد فتح مكة سنة ثمان.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخارى ومسلم .

١
٥٤٧
٧ - بابُ مَا جَاءَ كَمْ اعْتَمَرَ النبى صلى اللهُ عليه وسلم
٨١٤ - حدثنا قُتَيْبَةُ أَخبر نادَاوُدُ بنُ عَبدِ الرحْنِ العَطَّارُ عنْ
عَمْرِوِ بنِ دِينَارٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبّاسٍ: ((أنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم اعْتَرَ أرْبَعَ مَُرٍ: عُمْرَةَ الْدَيْبِيَّةِ وَعُمْرةَ الثَّانِيَةِ مِنْ قَابِلٍ
وَعُمْرَةَ القَضَاءِ فِى ذِى القَمْدَةِ عُمْرَةَ الثّالِثَةِ منَ الِمْرَانَةِ، والرَّابِعَةَ
التى مَعَ حَجَّتِهِ » .
وفى البابِ عن أنَسٍ وعَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍ و وابنٍ ◌ُمَرَ .
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عَّاسٍ حديثٌ غريبٌ وَرَوَى ابنُ عُيَيْنَة
باب ما جاء كم اعتمر النبى صلى الله عليه وسلم
قوله : (اعتمر أربع عمر ) بضم العين وفتح الميم جمع عمرة. (عمرة الحديبية)
بتخفيف الياء وتشديدها ، قيل هى اسم بير وقيل شجرة وقيسل قرية على تسعة
أميال من مكة أكثرها فى الحرم ، ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمراً
إلى هذا الموضع ، فاجتمعت قريش وصدوه من دخول مكة فصالحهم على أن
يأتى من العام المقبل، فرجع ولم يعتمر ، ولكن عدوها من العمر لترتب أحكامها
من إرسال الهدى ، والخروج عن الإحرام فنحر وحلق وكانت فى ذى القعدة .
(وعمرة الثانية ) أى عمرة السنة الثانية. (من قابل) أى من عام قابل (عمرة
القصاص ) أى عمرة العوض، وفى بعض النسخ عمرة القضاء ، وفى صحيح
البخارى من حديث أنس عمرة الحديبية فى ذى القعدة حيث صده المشركون ،
وعمرة من العام المقبل فى ذى القعدة حيث صالحهم (والرابعة التى مع حجته )
أى حجة الوداع .
قوله: ( وفى الباب عن أنس وعبد الله بن عمرو وابن عمر) أما حديث أنس.
فأخرجه الترمذى فى الباب المتقدم ، وأخرجه البخارى ومسلم وغيرهم . وأما حديث
عبد الله بن عمرو فلينظر من أخرجه. وأما حديث ابن عمر فأخرجه البخارى.
قوله: ( حديث ابن عباس حديث غريب ) أخرجه أبو داود وابن ماجة
وسكت عنه أبو داود والمنذرى ورجاله كلهم ثقات .

٥٤٨
هذا الحديثَ عنْ عَمْرِ وِ بِنِ دِينَارٍ عن عَكْرِمَةَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم
اعْتَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ .
٨١٥ - حدثنا بِذَلِكَ سعيدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ المَخْزُومِيُّ أخبر ناسُفْيَانُ
ابنُ عُيَيْنَةَ عن عَمْرٍو بنِ دِينَارٍ عن عِكْرِمَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عليهِ
وسلم فَذَ كَرَ نَحْوَهُ .
٨ - بابُ ما جاء فى أىِّ مَوْضِعٍ أَحْرمَ النبى صلى الله عليه وسلم
٨١٦ - حدثنا ابنُ أَبِى عُمَ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُبَيْنَةَ عنْ جَعْغَرِ بنِ
مُحَدٍ عنْ أبيهِ عنْ جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: ((لَمّا أَرادَ النبيّ صلى اللهُ
عليه وسلم الحَجَّ أذْنَ فى النّاسِ فَاجْتَمَعُوا فَمّا أتَى البَيْدَاء أَحْرَمَ )).
وفى البابِ عنِ ابْنٍ عُمَرَ وَأَسٍ وَالمِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ .
باب ما جاء فى أى موضع أحرم النبى صلى الله عليه وسلم
قوله: (أذن فى الناس) لقوله تعالى (وأذن فى الناس بالحج) الآية : أی نادی
بينهم بأنى أريد الحج . قاله ابن الملك والأظهر أنه أمر منادياً بأنه صلى الله عليه
وسلم يريد الحج. كما فى حديث جابر الطويل قاله القارى. (فاجتمعوا) أى خلق
كثير فى المدينة (فلما أتى البيداء) وهى المفازه التى لاشىء فيها، وهى هنا إسم
موضع مخصوص عند ذى الحليفة (أحرم ) أى كرر إحرامه أو أظهره وهو
أظهر لما ثبت أنه أحرم ابتدأ فى مسجد ذى الحليفة بعد ركعتى الإحرام كذا فى
المرقاة . قلت بل هو المتعين ويدل عليه حديث أبى داود وستقف عليه عن قريب.
قوله : (وفى الباب عن ابن عمر) أخرجه الشيخان عنه أنه يقول: ما أهل
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد يعنى مسجد ذى الحليفة ، هذا
لفظ البخارى (وأنس) أخرجه الجماعة ولفظ البخارى صلى النبى صلى الله عليه وسلم
بالمدينة أربعا وبذى الحليفة ركعتين ، ثم بات حتى أصبح بذى الحليفة فلا ركب
راحلته واستوت به أهل . وفى رواية لأبى داود صلى الظهر ثم ركب راحلته فلا
علاعلى جبل البيداء أهل (والمسور بن مخرمة) أخرجه البخارى وأبو داود
فى قصة الحديبية وفيه: فلما كان بذى الخليفة قلد الهدى وأشعره وأحرم منها .

٥٤٩
قال أبو عيسى: حديثُ جَابِرٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٨١٧ - حدثنا قَتَيْمَةُ بنُ سَعيدٍ أخبرنا حاتِمُ بنُ إسماعيلَ عنْ
مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالٍ بِنِ عَبْدِ اللهِ بِنِ عُمرَ عنِ ابنِ عُمرَ قَالَ:
((البَيْدَاء التى تَكْذِبُونَ فِيَهَا على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، واللهِ مَا أهَلّ
رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم إِلَّ مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ، مِنْ عِندِ الشَّجَرةِ)).
قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفى الباب أيضاً عن سعدبن أبى وقاص أخرجه أبو داود عنه . كان نى الله صلى الله
عليه وسلم إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقلت به راحلته ، وإذا أخذ طريق
أحد أهل إذا أشرف على جبل البيداء .
قوله : (حديث جابر حديث حسن صحيح) وأخرجه البخارى .
قوله: (البيداء التى تكذبون فيها الخ) وفى رواية الشيخين : بيداؤكم هذه
تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها. وفى رواية لمسلم: كان ابن عمر
إذا قيل له الإحرام من البيداء قال البيداء، التى تكذبون فيها على رسول الله صلى
الله عليه وسلم. قال النووي: قال العلماء هذه البيداء هى الشرف الذى قدام ذى
الخليفة إلى جهة مكة ، وهى بقرب ذى الخليفة ، وسميت بيداء لأنه ليس فيها بناء
ولا أثر وكل مفازة تسمى بيداء. وأما ههنا فالمراد بالبيداء ماذكر ناه. وقوله
تكذبون فيها أى تقولون إنه صلى الله عليه وسلم أحرم منها ولم يحرم منها وإنما
أحرم قبلها من مسجد ذى الحليفة ، ومن عند الشجرة التى كانت هناك وكانت عند
المسجد ، وسماهم ابن عمر كاذبين لأنهم أخبروا بالشىء على خلاف ماهو ، والكذب
عند أهل السنة هو الإخبار عن الشىء بخلاف ماهو سواء تعمده أم غلط فيه وسها.
وقال المعتزلة يشترط فيه العمدية، وعندنا أن العمدية شرط لكونه أمما لا لكونه
يسمى كذباً، فقول ابن عمر جاء على قاعدتنا انتهى. قوله (والله ما أهل) أى
ما رفع صوته بالتلبية .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان .
إعلم أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا فى موضع إهلاله صلى الله عليه وسلم،
وسبب اختلافهم مارواه أبو داود فى سنته عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله
ابن عباس: يا أبا العباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

٩ - بابُ مَا جَاءَ مَتى أخْرَمَ النبى صلى اللهُ عليهِ وسلم
٨١٨- حدثنا قَتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ أخبرنا عبدُ السَّلاَمِ بِنُ حَرْبٍ عِنْ
خُصَيْفٍ عن سَعيدٍ بِنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ: ((أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليهِ
وسلم أهَلَّ فى دُبُرِ الصَّلاَةِ)).
فى إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب. فقال: إنى لأعلم الناس
بذلك، إنها إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة، فمن هناك
اختلفوا، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجاً، فلما صلى فى مسجده بذى
الحليفة ركعتيه أوجب فى مجلسه ، فأهل بالحج حين فرغ من ركتيه ، فسمع
ذلك منه أقوام خفظته عنه ، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل وأدرك ذلك منه
أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا فسمعوه حين استقلت به ناقته
يهل، فقالوا إنما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استقلت به ناقته. ثم
مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا علا على شرف البيداء أهل وأدرك ذلك
منه أقوام فقالوا : إنما أهل حين علا على شرف البيداء وأيم الله لقد أوجب فى
مصلاه وأهل حين استقلت به ناقته ، وأهل حين علا على شرف البيداء انتهى .
قال المنذرى فى إسناده خصيف بن عبد الرحمن الحرانى وهو ضعيف . وقال
الطحاوى بعد ذكر هذه الرواية بتمامها : فبين ابن عباس الوجه الذى جاء فيه
اختلافهم، وأن إهلال النبى صلى الله عليه وسلم الذى ابتدأ الحج ودخل فيه كان
فى مصلاه . فهذا نأخذ وهو قول أبى حنيفه وأبى يوسف ومحمد ومالك والشافعى
وأحمد وأصحابهم. وقال الأوزاعى وعطاء وقتادة : المستحب الإحرام من البيداء
قال البكرى البيداء هذه فوق على ذى الخليفة لمن صعد من الوادى ، وفى أول
البيداء بتر ماء ، كذا فى عمدة القارى .
باب ما جاء متى أحرم النبى صلى الله عليه وسلم
أى فى أى وقت أحرم .
قوله: (عن خصيف) بالخاء المعجمة والصاد المهملة مصغراً ابن عبدالرحمن الجزرى
ابوعون صدوقسىء الحفظ خلط بآخره، ورمى بالأرجاء من الخامسة كذا فى التقريب
قوله: ( أهل فى دير الصلاة) بضم الدال المهملة والموحدة أى عقيبها .

٥٥١
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفِهُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ عَبْدِ السَّلاَمِ
ابنِ حَرْبٍ وُهُوَ الَّذِىِ يَسْتَحِّيَهُ أَهْلُ العِلْمِ أنْ يُحْرِمَ الرّجُلُ فى دُبُرِ الصّلاَةِ.
١٠ - بابُ مَا جَاءَ فِى إِفْرَادِ الحَجِّ
٨١٩- حدثنا أبو مُصْعَبٍ قِراءَةً عن مالِكِ بنِ أَنَسٍ عن عبدِ الرحمنِ
قوله : (هذا حديث غريب الخ) قال الزيلعى فى نصب الراية : أخرجه
الترمذى والنسائى قال فى الإمام : وعبد السلام بن حرب أخرج لّه الشيخان فى
صحيحهما . وخصيف بن عبد الرحمن ضعفه بعضهم انتهى. وقال الحافظ فى الدراية:
فيه خصيف وهو لين الحديث .
قوله : (وهو الذى يستحبه أهل العلم أن يحرم الرجل فى دبر الصلاة) قال
النووى قال مالك والشافعى والجمهور: إن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته.
وقال، أبو حنيفة : يحرم عقيب الصلاة وهو جالس قبل ركوب دابته وقبل
قيامه . وهو قول ضعيف الشافعى وفيه حديث من رواية ابن عباس لكنه
ضعيف انتهى . قلت : يشير إلى حديث الباب قال الحافظ فى الدراية: قوله ولو لى
بعدما استوت به راحلته جاز ولكن الأول أفضل لما روينا كذا قال ، والأحاديث
فى أنه لبى بعد ما استوت به راحلته ، أكثر وأشهر من الحديث الذى احتج به.
ففى الصحيحين عن ابن عمر : أنه صلى الله عليه وسلم أهل حين استوت به راحلته .
وفى لفظه لمسلم : كان صلى الله عليه وسلم إذا وضع رجله فى الغرز وانبعث به
راحلته قائمة أهل وفى لفظ: لم أره يهل حتى تنبعث به راحلته . والبخارى عن
أنس: فلما ركب راحلته واستوت به أهل . وله عن جابر: إن إهلال رسول الله
صلى الله عليه وسلم من ذى الحليفة حين استوت به راحلته. ولمسلم عن ابن عباس:
ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل قال الحافظ : وقد ورد ما يجمع
بين هذه الأحاديث من حديث ابن عباس عند أبى داود والحاكم ثم ذكر الحديث
وقد تقدم. قال: لو ثبت لرجح ابتداء الإهلال عقيب الصلاة إلا أنه من رواية
خصيف وفيه ضعف انتهى . وقال فى فتح البارى: وقد اتفق فقهاء الأمصار على
جواز جميع ذلك وإنما الخلاف فى الأفضل انتهى .
باب ماجاء فى إفراد الحج
إعلم أن الحج على ثلاثة أقسام : الإفراد والتمتع والقران أما الإفراد فهو

٥٥٢
ابنِ القَاسِمِ عن أبيهِ عنْ عَائِشَةَ ((أَنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَفْرَدَ
الحجَّ )). وفى البابِ عن جَابِرٍ وابنٍ مُمَرَ رضى اللهُ عنهُ.
قال أبو عيسى: حديثُ عائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعمَلُ عَلَى هذَا
عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ، ورُوِى عِنِ ابنِ مُمَرَ أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم
أفْرَدّ الحَجَّ وأفرَدَ أَبُوبَكْرٍ وعُمَرُ وَعْمَانُ .
الإهلال بالحج وحده فى أشهره عند الجميع وفى غير أشهره أيضاً عند من يجيزه ،
والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء، وأما التمتع فالمعروف أنه الاعتمار
فى أشهر الحج ثم التحلل من تلك العمرة والإهلال بالحج فى تلك السنة ، ويطلق
التمتع فى عرف السلف على القران أيضاً . قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن
التمتع المراد بقوله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) أنه الاعتمار فى أشهر الحج
قبل الحج قال: ومن التمتع أيضاً القرآن لأنه تمتع بسقوط سفر الفسك الآخر من
بلده، ومن التمتع فسح الحج أيضاً إلى العمرة انتهى. وأما القران فصورته الإهلال
بالحج والعمرة معاً، وهذا لا خلاف فى جوازه ، أو الإهلال بالعمرة ثم يدخل
عليها الحج أو عكسه ، هذا مختلف فيه . قاله الحافظ فى الفتح .
قوله: (أفرد الحج) أى أحرم بالحج وحده .
قوله : (وفى الباب عن جابر) أخرجه مسلم (وابن عمر) أخرجه أحمد ومسلم.
وفى الباب أيضاً عن ابن عباس أخرجه مسلم وعن عائشة أخرجه الشيخان .
قوله: ( وحديث عائشة حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم وأبو داود
والنسائى وابن ماجة .
قوله : (وروى عن ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم أفرد الحج الخ)
لهذا الحديث دليل لمن قال إن الإفراد أفضل من القران والتمتع .
إعلم أنه قد اختلف فى حجه صلى اللّه عليه وسلم هل كان قراناً أو تمتعاً
أو إفراداً؟ وقد اختلفت الأحاديث فى ذلك ، فروى عن عدة من الصحابة أنه
حج إفراداً كما عرفت وروى عن جماعة منهم أنه حج قراناً وروى عن طائفة منهم
أنه حج تمتعاً كما ستعرف، وقد اختلفت الأنظار واضطربت الأقوال لاختلاف
الأحاديث ، فمن أهل العلم من جمع بين الروايات كالخطابى فقال: إن كلا أضاف

٥٥٣
٨٢٠ - حدثنا بذَلكَ قُتَيْبَةُ أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ نافِعِ الصَّائِغُ
عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ عنْ نَافعٍ عِنِ ابْنِ عُمَرَ بِذَا .
قال أبو عيسى: وقال الثَّوْرِئُ: إِنْ أَفْرَدْتَ الَجَّ فَحَسَنُ وإِنْ قَرَنْتَ
فَحَسَنُ وَإِنْ تَمَتَّعْتَ فَحَسَنٌ. وقال الشَّافِىُّ مِثْلَهُ، وقالَ أَحَبُ إِلَيْغَا
الإِفِرَادُ ثُمَّ التَّمَتْعُ ثُمَّ الْقِرَانُ.
إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر به اتساعاً ثم رجح أنه صلى الله عليه وسلم أفرد
الحج . وكذا قال عياض وزاد فقال : وأما إحرامه فقد تضافرت الروايات
الصحيحة بأنه كان مفرداً ، وأما رواية من روى التمتع فعضاه أنه أمر به لأنه
صرح بقوله : ولولا أن معى الهدى لأحللت فصح أنه لم يتحلل ، وأما رواية من
روى القرآن فهو إخبار عن آخر أحواله، لأنه أدخل العمرة على الحج لما جاء
إلى الوادى . وقيل قل عمرة فى حجة . قال الحافظ هذا الجمع هو المعتمد وقد سبق
إليه قديماً ابن المنذر وبينه ابن حزم فى حجة الوداع بياناً شافياً ، ومهده المحب
الطبرى تمهيداً بالغاً يطول ذكره . ومحصله أن كل من روى عنه الإفراد حمل على
ما أهل به فى أول الحال ، وكل من روى عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه ،
وكل من روى عنه القران، أراد ما استقر عليه الأمر، وجمع شيخ الإسلام ابن
تيمية جمعاً حسناً فقال ما اصله : إن التمتع عند الصحابة يتناول القران فتحمل
عليه رواية من روى أنه صلى الله عليه وسلم حج تمتماً ، وكل من روى الإفراد
قد روى أنه صلى الله عليه وسلم حج تمتعاً وقراناً ، فيتعين الحمل على القران وأنه
أفرد أعمال الحج ثم فرغ منها، وأتى بالعمرة . ومن أهل العلم من صار إلى
التعارض فرجح نوعاً ، وأجاب عن الأحاديث القاضية بما يخالفه ، وهى جرابات.
طويلة أكثرها متعسفة . وأورد كل منهم لما اختاره مرجحات ، أقواها وأولاها
مرجحات القران، لا يقاومها شىء من مرجحات غيره . وقد ذكر صاحب الهدى
مرجحات كثيرة ، ولكنها مرجحات باعتبار أفضلية القران على التح والإفراد،
لا باعتبار أنه صلى الله عليه وسلم حج قراناً. وهو بحث آخر كذافى النيل .
قوله: (وقال الثورى: إن أفردت الحج حسن، وإن ترنت حسن، وإن تمتعت
حسن) الظاهر من كلام الثورى هذا، أن الأنواع الثلاثة عنده سواء، لا فضيلة

٥٥٤
١١ - بابُ ماجاء فى الجَمْعِ بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ
٨٢١ - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا حمَّاهُ بنُ زَيْدٍ عن حُمَيْدٍ عن أنَسٍ قال
◌َمِعْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((لَيَّيْكَ بِعْرَةٍ وحَجَّةٍ)).
وفى البابٍ عَنِ عُمَّرَ وعِمْرَانَ بِنِ حُصَيْنِ.
لبعضها على بعض قال الحافظ فى الفتح: حكى عياض عن بعض العلماء أن الصور
الثلاثة فى الفضل سواء ، وهو مقتضى تصرف ابن خزيمة فى صحيحه انتهى.
قوله. (وقال الشافعى مثله وقال: أحب إلينا الإفراد ثم التمتع ثم القران)
وعند الحنفية القران أفضل من التمتع . والإفراد والتمتع أفضل من الإفراد ، قال
الحافظ فى الفتح : ذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن التمتع
أفضل لكونه صلى الله عليه وسلم تمناه ، فقال: لولا أنى سقت الهدى لأحللت ،
ولا يتمنى إلا الأفضل وهو قول أحمد بن حنبل فى المشهور عنه وأجيب بأنه إنما
تمناه تطبيباً لقلوب أصحابه لحزتهم على فوات موافقته، وإلا فالأفضل ما اختاره الله
له واستمر عليه . وقال ابن قدامة : يترجح التمتع بأن الذى يفرد إن اعتمر بعدها
فهى عمرة مختلف فى أجزائها عن حجة الإسلام ، بخلاف عمرة التمتع ، فهى
مجزئة بلا خلاف ، فيترجح التمتع على الإفراد ويليه القران. وقال من رجح
القرآن هو أشق من التمتع وعمرته مجزئة بلا خلاف، فيكون أفضل منهما. وعن
أبى يوسف : القرآن والتمتع فى الفضل سواء وهما أفضل من الإفراد وعن أحمد :
من ساق الهدى فالقران أفضل له ليوافق فعل النبى صلى الله عليه وسلم ومن لم
يسق الهدى فالمتع أفضل له ليوافق ما تمناه وأمر به أصحابه كذا فى فتح البارى.
باب ما جاء فى الجمع بين الحج والعمرة أى القران
قوله: ( يقول لبيك بعمرة وحجة) وفى رواية الشيخين يلى بالحج والعمرة
جميعاً يقول: لبيك عمرة وحجاً . وهو من أدلة القائلين بأن حجه صلى الله عليه
وسلم كان قراناً . وقد رواه عن أنس جماعة من التابعين منهم الحسن البصرى
وأبو قلابة وحميد بن هلال وحميد بن عبد الرحمن الطويل وقتادة ويحيى بن سعيد
الأنصارى ، وثابت البنانى وعبد العزيز بن صهيب وغيرهم .
قوله : ( وفى الباب عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله

٥٥٥
قال أبو عيسى : حديثُ أَنَسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد ذَهبَ بَعْضُ
أهلِ العلمِ إلى هذَا، واخْتَارَهُ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ .
١٢ - بابُ مَاجاءَ فى التَّمَتْعِ
٨٢٢ - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ عَنْ مالِكِ بِنِ أنَسِ عنِ ابنِ
شِهَابٍ عن محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الْحَارِثِ بنِ نَوْفَلٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَدَ
ابنَ أَبِى وَقَّاصٍ وَالضَّحَّاكَ بنَ قَيْسٍ وَهُما يَذْ كُرَانِ الََّتْعَ بالعُمْرَةِ إلى
الحَجِّ فقال الضَّحَّاكُ بنُ قَيْسٍ : لا يَصْنَعُ ذَلكَ إِلَّ مَنْ جَمِلَ أمْرَ اللهِ تعالى
فقالَ سَعْدُ: بْسَ ما قُلْتَ يا ابنَ أَخِى. فقال الضَّحَّكُ: فإنَّ عُمَرَ بِنَ الَطّابِ
قَدْ نَهى عنْ ذلكَ. فقالَ سَعْدٌ قَدْ: ((َصَفَعَهَا رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
وصنَعْنَاهَا مَعَهُ » . هذا حديثٌ صحيحٌ.
عليه وسلم وهو بوادى العقيق يقول: أتانى الليلة آت من ربى فقال صلى فى هذا
الوادى المبارك وقل عمرة فى حجة . أخرجه أحمد والبخارى وأبو داود وابن
ماجة . وفى رواية للبخارى: وقل عمرة وحجة (وعمران بن حصين) أخرجه
مسلم وفى الباب أيضاً عن ابن عمر عند الشيخين . وعن عائشة عندهما أيضاً وعن
جماعة من الصحابة رضى الله عنهم.
باب ما جاء فى التمتع
قوله : (إنه سمع سعد بن أبى وقاص ) أحد العشرة المبشرة بالجنة مناقبه
كثيرة رضى الله عنه. (والضحاك بن قيس) بن خالد بن وهب الفهرى أبو أنيس
الأمير المشهور صحابى صغير قتل فى وقعة مرج راهط سنة أربع وستين . كذا فى
التقريب . وقال الخروجى فى الخلاصة : شهد فتح دمشق وتغلب عليها بعد موت
يزيد ودعا إلى البيعة وعسكر بظاهرها ، فالتقاه مروان بمرج راهط سنة أربع
وستين فقتل ، قيل ولد قبل وفاة النبى صلى الله عليه وسلم بست سنين.
قوله: (لا يصنع ذلك) أى التمتع (إلا من جهل أمر الله تعالى) أى لأنه
تعالى قال: (وأتموا الحج والعمرة لله) فأمره بالإتمام يقتضى استمرار الإحرام
إلى فراغ الحج ومنع التحلل ، والتمتع يحلل (فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك)

٥٥٦
٨٢٣ - حدثنا عبدُ بن حُمَيَدٍ أَخْبَرَ فِى يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ بنَ سَمْدٍ
أخبرنا أبى عنْ صَالحِ بنِ كَيْسَانَ عن ابنِ شِهَابٍ أنَّ سَالِمَ بنَ عبدِ اللهِ
حَدَّثَهُ أنهُ سَمِعَ رَجُلاً مِنْ أهْلِ الشَّامِ وهُوَ يَسْأَلُ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ عنْ
التّمَتَّعِ بِالْعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فقالَ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ: هىَ خَلَاَلٌ. فقالَ الشَّامِىُّ
إِنَّ أَبَاكَ قَدْ نَهَى عَنْهَا. فقالَ عبدُاللهِ بنُ مُمَرَ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ أَبِى نَهَى
عَنْهَا وَصَنَعَهَاَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: أَمْرُ أَبِىْ يُنَّبَعُ أمْ أمْرُ
رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم؟ فقالَ الرَّجُلُ: بَلْ أمْرُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم. فقالَ لَقَدْ صَنَعَهَا رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، هذا حديثٌ
حسنٌ صحيحٌ .
٨٢٤- حدثنا أبو مُوسَى مُحَمَُّ بنُ الْمَثَنَّى أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ إِذْرِيسَ
عِنْ لَيْثٍ عنْ طَاوُسٍ عنْ ابْنِ عِبَّاسٍ قَالَ: ((تَتَعَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم وأبو بَكْرٍ وُعُمَرُ وعُثْمَانُ، وأوَّلُ مَنْ نَهَى عنهُ مُعَاوِيةُ
قال الباجى . إنما نهى عنه لأنه رأى الإفراد أفضل منها ولم ينه عنه تحريماً
قال عياض: إنه نهى عن الفسخ ولهذا كان يضرب الناس عليها كما فى مسلم . بنا.
على معتقده إن الفسخ خاص بتلك السنة . قال النووى: والمختار أن عمر وعثمان
وغيرهما إنما نهوا عن المتعة المعروفة التى هى الإعتمار فى أشهر الحج ثم الحج فى
عامه . وهو على التنزيه الترغيب فى الافراد . ثم انعقد الاجماع على جواز التمتع
من غير كراهة ، وبقى الخلاف فى الافضل كذا فى المحلى شرح الموطأ (قد صفعها
رسول الله صلى الله عليه وسلم) أى المتعة اللغوية وهى الجمع بين الحج والعمرة،
وحكم القران والمتعة واحد. قاله القارى (وصنعناها معه) قال أى المتعه اللغوية
أو الشرعية ، إذ تقدم أن بعض الصحابة تمتعوا فى حجة الوداع ، والحاصل أن
القرآن وقع منه صلى الله عليه وسلم والتمتع من بعض أصحابه.
قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه مالك فى الموطأ (أمر أبى) بتقدير
همزة الاستفهام وفى بعض النسخ أأمر أبى بذكر الهمزة ( يتبع) بصيغة المجهول.
قوله: ( تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان الخ)

٥٥٧
وفى الَابِ عِنَ عَلىَّ وَ عُثْمَانَ وجَابٍ وَسَعْدٍ وَأَمْمَاءِ ابنةٍ أبى بَكْرٍ وابْنِ عُمَرَ.
قال أبو عيسى : حديثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حديثٌ حسنٌ وَاخْتَارَ قَوْمٌ مِنْ
أهْلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ التَّتْحَ بِالْعُمْرةِ.
والتَّعُ أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ بُعُمْرَةٍ فِى أَشْهُرِ الحَيِّثُمَّ يُقِيمُ حَّى يَحِجَّ فَهُوَ مُتَمَنْعُ
وَعَليهِ دَمُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثلاثةِ أَيَّامٍ فِى الَحِيمِّ
يعارضه ما فى صحيح مسلم ، قال عبد الله بن شقيق : كان عثمان ينهى عن المتعة
وكان على بأمر بها وقد تقدم نهی عمر رضى الله عنه فيمكن أن يجاب : إن تههما
محمول على التنزيه . ونهى معاوية رضى الله تعالى عنه على التحريم فأوليته باعتبار
التحريم ، قال النووي رحمه الله: وكان عمر وعثمان ينهيان عنها نهى تنزيه لا تحريم
انتهى . ويمكن الجمع بين فعلهما ونهيهما بأن الفعل كان متأخراً لما علما جواز ذلك
ويحتمل أن یکون لبيان الجواز . کذا فى شرح أبی الطيب
قوله : (وفى الباب عن على وعثمان) أخرج مسلم وأحمد عن عبد الله بن
شقيق: أن علياً كان يأمر بالمتعة وعثمان ينهى عنها فقال عثمان كلمة فقال على :
لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عثمان: أجل ولكنا
كنا خائفين (وجابر) أخرجه مسلم (وسعد) بن أبى وقاص أخرجه أحمد ومسلم
عن غنيم بن قيس المازنى قال: سألت سعد بن أبى وقاص عن المتعة فى الحج
فقال : فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعروش :يعنى بيوت مكة يعنى معاويةانتهى.
(وأسماء ابنة أبى بكر وابن عمر ) أخرجه الشيخان وفى الباب أيضاً عن عائشة
أخرجه الشيخان .
قوله: ( حديث ابن عباس حديث حسن ) وأخرجه أحمد أيضاً .
قوله : (فمن لم يجد ) أى الهدى ، ويتحقق ذلك بأن يعدم الهدى ، أو يعدم
ثمنه حينئذ، أو يجد ثمنه لكن يحتاج إليه لأهم من ذلك ، أو يجده لكن يمتنع
صاحبه من بيعه ، أو يمتنع من بيعه إلا بغلائه ، فينقل إلى الصوم كما هو نص
القرآن (فصيام ثلاثة أيام فى الحج) أى بعد الإحرام به . وقال النووى : هذا
هو الأفضل فإن صامها قبل الإهلال بالحج أجزأه على الصحيح ، وأما قبل التحلل
من العمرة فلا على الصحيح ، قاله مالك وجوزه الثورى وأصحاب الرأى وعلى

٥٥٨
وسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إلى أهْلِهِ. ويُسْتَحَبُ للمُتَمَنِعِ إِذَا صَامَ ثلاثةَ أَيَّامٍ فى الحَمِّ
أنْ يَصُومَ فى العَشْرِ وَيَكُونُ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ . فَإِنْ لَمْ يَصُمْ فِى الْعَشْرِ
مَامَ أَّمَ الَّشْرِيقِ فِى قَوْلِ بَعْضِ أهلِ العِلمِ مِنْ أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم
مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ وعَائِشَةَ وِبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِىُ وأحمدُ وإسحاقُ .
وقالَ بَعْضُهُمْ لا يَصُومُ أَيَّامَ الَّشْرِيقِ وهُوَ قَوْلُ أهلِ الكُوْفَةِ.
قال أبو عيسى: وأهلُ الحَدِيثٍ يَخْتَارُونَ التّمَتُّعَ بِالْعَمْرَةِ فى الحجِّ.
وهُوَ قولُ الشَّافِىِّ وأحمدَ وإسحاقَ .
الأول : فمن استحب صيام عرفة بعرفة قال: يحرم يوم السابع ليصوم السابع
والثامن والتاسع وإلا فيحرم يوم السادس ليفطر بعرفة ( وسبعة إذا رجع إلى
أهله) أشار إلى أن المراد بقوله تعالى (إذا رجعتم) الرجوع إلى الأمصار وبذلك
فسر ابن عباس رضى الله عنه کما فى صحيح البخارى . ووقع فى حديث ابن عمر
المرفوع : فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله .
أخرجه البخارى فى باب : من ساق البدن معه ، وهذا هو قول الجمهور . وعن
الشافعى معناه الرجوع إلى مكة وعبر عنه مرة بالفراغ من أعمال الحج . ومعنى
الرجوع التوجه من مكة ، فيصومها فى الطريق إن شاء ، وبه قال إسحاق بن
راهويه . قاله الحافظ (منهم ابن عمر وعائشة ، وبه يقول مالك والشافعى وأحمد
وإسحاق ) قال الحافظ فى الفتح: روى عن ابن عمر وعائشة موقوفاً: إن أخرها
يوم عرفة فإن لم يفعل صام أيام منى أى الثلاثة التى بعد يوم النحر ، وهى أيام
التشريق . وبه قال الزهرى والأوزاعى ومالك والشافعى فى القديم ، ثم رجع عنه
وأخذ بعموم النهى عن صيام أيام التشريق انتهى . ( وقال بعضهم لا يصوم أيام
التشريق وهو قول أهل الكوفة) وهو قول الحنفية وحجتهم حديث نبيشة الهذلى
عند مسلم مرفوعاً: أيام التشريق أيام أكل وشرب . وله من حديث كعب بن
مالك : أيام منى أيام أكل وشرب . ومنها حديث عمرو بن العاص أنه قال لإبنه
عبد الله فى أيام التشريق: إنها الأيام التى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
صومهن وأمر بفطرهن. أخرجه أبوداود وابن المنذر وصحه ابن خزيمة والحاكم

٥٥٩
وحجة من قال: إنه يجوز للمتمتع أن يصوم أيام التشريق. ما رواه البخارى عن
عروة عن عائشة وعن سالم عن ابن عمر قالا : لم يرخص فى أيام التشريق أن
يصمن إلا لمن يجد الهدى ، قال الحافظ فى الفتح : كذا رواه الحفاظ من أصحاب
شعبة بضم أوله على البناء لغير معين ، ووقع فى رواية يحيى بن سلام عن شعبة
عند الدار قطنى واللفظ له ، والطحاوى : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم
للتمتع إذا لم يجد الهدى، أن يصوم أيام التشريق. وقال: إن يحي بن سلام
ليس بالقوى ، ولم يذكر طريق عائشة وأخرجه من وجه آخر ضعيف عن
الزهرى عن عروة عن عائشة. وإذا لم تصح هذه الطرق المصرحة بالرفع ، بقى
الأمر على الإحتمال . وقد اختلف علماء الحديث فى قول الصحابى : أمرنا بكذا
ونهينا عن كذا ، هل له حكم الرفع؟ على أقوال ثالثها : إن أضافه إلى عهد النبى
صلى الله عليه وسلم فله حكم الرفع وإلا فلا . واختلف الترجيح فيما إذا لم يضفه
ويلتحق به. رخص لنا فى كذا وعزم علينا أن لا نفعل كذا . كل فى الحكم سواء
فن يقول : إن له حكم الرفع . فغاية ما وقع فى رواية يحيى بن سلام أنه روى
بالمعنى، لكن قال الطحاوى: إن قول ابن عمر وعائشة ((لم يرخص)) أخذاه من
عموم قوله تعالى ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج) لأن قوله فى الحج يعم
ما قبل يوم النحر وما بعده ، فيدخل أيام التشريق . فعلى هذا فليس بمرفوع بل
هو بطريق الاستنباط منهما عما فهما من عموم الآية. وقد ثبت نهيه صلى الله
عليه وسلم عن صوم أيام التشريق ، وهو عام فى حتى المتمتع وغيره ، وعلى هذا
فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإذن ، وعموم الحديث المشعر بالنهى . وفى
تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد نظر لو كان الحديث مرفوعاً، فكيف وفى
كونه مرفوعاً نظر . فعلى هذا يترجح القول بالجواز ، وإلى هذا جنح البخارى
کذا فى فتح البارى .

٥٩٠
١٣ - بابُ ما جاء فى التَّلْبِيَةِ
٨٢٥ - حدثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ أخبرنا إسماعيلُ بنُ إِبرَاهِيمَ عنْ
أيُوبَ عنْ نَافِعٍ عنْ أبنٍ مُسَرَ قَالَ: كَانَ تَلْبِيَةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:
(( لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَيْكَ، لَبَيْكَ لاَ شِرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ والنُّعْمَةُ
لَكّ والملكَ، لاَ تَبِرِيكَ لَكَ ».
باب ما جاء فى التلبية
قوله: ( لبيك) هى مصدر لى أى قال: لبيك ولا يكون عامله إلا مضمراً،
أى ألببت يا رب بخدمتك إلباباً بعد إلباب من ألب بالمكان أقام به ، أى أقت
على طاعتك إقامة بعد إقامة . وقيل أجبت دعوتك إجابة بعد إجابة ، والمراد
بالتثنية التكشير كقوله تعالى (فارجع البصر كرتين ) أى كرة بعد كرة وحذف
الزوائد للتخفيف ، وحذف النون للإضافة ، قاله القارى . وقال الحافظ فى الفتح
وعن الفراء هو منصوب على المصدر وأصله (( لباً لك، فثنى على التأكيد، أما
ألباباً بعد ألباب ، وهذه التثنية ليست حقيقية ، بل هى التكثير أو المبالغة ،
ومعناه إجابة بعد إجابة أو إجابة لازمة ، وقيل معنى لبيك : اتجاهى وقصدى
إليك، مأخوذ من قولهم: دارى تلب دارك، أى تواجهها . وقيل معناه : أنا
مقيم على طاعتك من قولهم : لب الرجل بالمكان إذا أقام . وقيل : قرباً منك ،
من الإلباب وهو القرب. والأول أظهر وأشهر لأن المحرم مستجيب لدعاء الله
إياه فى حج بيته ، ولهذا من دعا فقال: لبيك فقد استجاب . وقال ابن عبد البر:
قال جماعة من أهل العلم معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن فى الناس بالحج
انتهى . وهذا أخرجه عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن أبى حاتم بأسانيدهم
فى تفاسيرهم عن ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغير واحد والأسانيد
إليهم قوية ، وأقوى ما فيه عن ابن عباس ، ما أخرجه أحمد بن منيع فى مسنده
وابن أبى حاتم من طريق قابوس بن أبى ظبيان عن أبيه عنه قال : لما فرغ إبراهيم
عليه السلام من بناء البيت قيل له أذن فى الناس بالحج ، قال : رب وما يبلغ
صوتى، قال: أذن وعلى البلاغ ، قال فنادى إبراهيم يا أيها الناس كتب عليكم
الحج إلى البيت العتيق. فسمعه من بين السماء والأرض. أفلا ترون أن الناس