النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
قال أبو عيسى : حديثُ عَائِشَةَ لانَعْرِفُهُ إِلا مِنْ هذا الوجْهِ مِنْ حديثٍ
اَجَّاجِ. وَسَمِعْتُ مُحمداً يقولُ يُضَّفُ هذا الحديثَ. وقال يَحْسِى بِنْ أَبِى كَثِيرٍ
لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُرْوَةَ. قالَ محمدٌ: وَالَجَّجُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ يَخْبِ بنِ أبى كَثِيرٍ.
قوله : (حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه) وأخرجه ابن ماجة
والبيهقى (وقال يحيى بن كثير لم يسمع من عروة الخ) فالحديث منقطع فى موضعين
أحدهما ما بين الحجاج ويحيى والآخر ما بين يحيى وعروة .
اعلم أنه قد ورد فى فضيلة ليلة النصف من شعبان عدة أحاديث مجموعها يدل
على أن لها أصلا ، فمنها حديث الباب وهو منقطع ، ومنها حديث عائشة قالت : قام
رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فصلى فأطال السجود حتى ظننت أنه قد
قبض ، فلما رأيت ذلك قمت حتى حركت إبهامه فتحرك فرجع ، فلما رفع رأسه
من السجود وفرغ من صلاته قال: يا عائشة أو يا حميراء أظننت أن الفي صلى الله
عليه وسلم قد خاس بك ؟ قلت: لا والله يا رسول اللّه ولكنى ظننت أنك قبضت
طول سجودك، فقال أتدرى أى ليلة هذه ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: هذه
ليلة النصف من شعبان إن اللهعز وجل يطلع على عباده فى ليلة النصف من شعبان
فيغفر المستغفرين ويرحم المسترحمين ويؤخر أهل الحقد كما هم ، رواه البيهقى . وقال
هذا مرسل جيدويحتمل أن يكون العلاء أخذه من مكحول . قال الأزهرى : يقال
للرجل إذا غدر بصاحبه فلم يؤته حقه قد خاس به ، كذا فى الترغيب والترهيب
للحافظ المنذرى .
ومنها حديث معاذ بن جبل رضى الله عنه عن النى صلى الله عليه وسلم قال:
يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك
أو مشاحن ، قال المنذرى فى الترغيب بعد ذكره : رواه الطبرانى فى الأوسط
وابن حبان فى صحيحه والبيهقى ، ورواه ابن ماجة بلفظه من حديث أبى موسى
الأشعرى والبزار والبيهقى من حديث أبى بكر الصديق رضى الله عنه بنحوه بإسناد
لا بأس به. انتهى كلام المنذرى . قلت : فى سند حديث أبي موسى الأشعرى عند
ابن ماجة ابن لهيعة وهو ضعيف .
ومنها حديث عبدالله بن عمرو رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : يطلع الله عز وجل إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا اثنين

٤٤٢
مشاحن وقاتل نفس ، قال المنذرى : رواه أحمد بإسناد لين انتهى .
ومنها حديث مكحول عن كثير بن مرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فى ليلة
النصف من شعبان : يغفر الله عز وجل لأهل الأرض إلا مشرك أو مشاحن ،
قال المنذرى : رواه البيهقى وقال هذا مرسل جيد قال: ورواه الطبرانى والبيهقى
أيضاً عن مكحول عن أبى ثعلبة رضى الله عنه: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
يطلع الله إلى عباده ليلة النصف من شعبان فيغفر اللؤمنين ويمهل الكافرين
ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه ، قال البيهقى : وهو أيضاً بين مكحول
وأبى ثعلبة مرسل جيد انتهى .
ومنها حديث على رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله ينزل فيها
لغروب الشمس إلى السماء الدنيا فيقول ألا من مستغفر فأغفر له ألا مسترزق
فأرزقه ألا مبتلى فأعافيه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر ، رواه ابن ماجة
وفى سنده أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبى سبرة القرشى العامرى المدنى ، قيل
اسمه عبد الله وقيل محمد وقدينسب إلى جده رموه بالوضع كذا فى التقريب. وقال
الذهبى فى الميزان : ضعفه البخارى وغيره . وروى عبد الله وصالح ابنا أحمد عن
أبيهما قال : كان يضع الحديث ، وقال النسائى : متروك انتهى .
فهذه الأحاديث بمجموعهاحجة على من زعم أنه لم يثبت فى فضيلة ليلة النصف
من شعبان شىء والله تعالى أعلم .
تنبيه : أعلم أن المراد من ليلة مباركة فى قوله تعالى: (إنا أنزلناه فى ليلة
مباركة إنا كنا منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم ) عند الجمهور هى ليلة القدر ،
وقيل هى ليلة النصف من شعبان ، وقول الجمهور وهو الحق ، قال الحافظ ابن
كثير : من قال إنها ليلة النصف من شعبان فقد أبعد ، فإن نص القرآن أنها فى
رمضان انتهى. وفى المرقاة شرح المشكاة قال جماعة من السلف: إن المراد فى الآية
هى ليلة النصف من شعبان إلا أن ظاهر القرآن بل صريحه يرده لإفادته فى آية أنه
نزل فى رمضان وفى أخرى أنه نزل فى ليلة القدر ولا تخالف بينهما، لأن ليلة القدر
من جملة رمضان ، وإذا ثبت أن هذا النزول ليلة القدر ثبت أن الليلة التى يفرق
فيها كل أمر حكيم فى الآية هى ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان ، ولا نزاع

٤٤٣
فى أن ليلة نصف شعبان يقع فيها فرق كما صرح به الحديث ، وإنما النزاع فى أنها
المرادة من الآية والصواب أنها ليست مرادة منها ، وحينئذ يستفاد من الحديث
والآية وقوع ذلك الفرق فى كل من الليلتين إعلاماً لمزيد شرفهما ، ويحتمل أن
يكون الفرق فى أحدهما إجمالا وفى الأخرى تفصيلا أو تخص إحداهما بالأمور
الدنيوية والأخرى بالأمور الأخروية وغير ذلك من الاحتمالات العقلية انتهى.
تنبيه آخر : قال القارى فى المرقاة : إعلم أن المذكور فى اللآلى أن مائةركعة
فى نصف شعبان بالإخلاص عشر مرات فى كل ركعة مع طول فضله الديلى وغيره
موضوع ، وفى بعض الرسائل قال على بن ابراهيم : ومما أحدث فى ليلة النصف
من شعبان الصلاة الألفية مائة ركعة بالإخلاص عشراً عشراً بالجماعة ، واهتموا
بها أكثر من الجمع والأعياد ، لم يأت بها خبر ولا أثر إلا ضعيف أو موضوع
ولا تغتر بذكر صاحب القوت والإحياء وغيرهما ، وكان للعوام بهذه الصلاة
افتتان عظيم حتى التزم بسببها كثرة الوقيد وترتب عليه من الفسوق وانتهاك المحارم
ما يغنى عن وصفه حتى خشى الأولياء من الخسف وهربوا فيها إلى البرارى . وأول
حدوث لهذه الصلاة ببيت المقدس سنة ثمان وأربعين وأربعمائة ، قال : وقد جعلها
جهلة أئمة المساجد مع صلاة الرغائب ونحوهما شبكة لجمع العوام وطلباً لرياسة
التقدم وتحصيل الحطام ، ثم إنه أقام اللّه أئمة الهدى فى سعى إبطالها فتلاشى أمرها
وتكامل إبطالها فى البلاد المصرية والشامية فى أوائل سنى المائة الثامنة . قيل أول
حدوث الوقيد من البرامكة وكانوا عبدة النار ، فلما أسلموا أدخلوا فى الإسلام
ما يموهون أنه من سنن الدين ومقصودهم عبادة النيران حيث ركعوا وسعدوا مع
المسلمين إلى تلك النيران ولم يأت فى الشرع استحباب زيادة الوقيد على الحاجة فى
موضع، وما يفعله عوام الحجاج من الوقيد بجبل عرفات وبالمشعر الحرام وبمنى
فهو من هذا القبيل. وقد أنكر الطرسوسي الاجتماع ليلة الختم فى التراويح ونصب
المنار وبين أنه بدعة منكرة . قال القارى رحمه الله: ما أفطنه وقد ابتلى به أهل
الحرمين الشريفين حتى فى ليالى الختم يحصل اجتماع من الرجال والنساء والصغار
والعبيد ما لا يحصل فى الجمعة والكسوف والعيد ويستقبلون النار ويستديرون
بيت الله الملك الجبار ويقفون على هيئة عبدة الغيران فى نفس المطاف حتى يضيق
على الطائفين المكان ويشوشون عليهم وعلى غيرهم من الذاكرين والمصلين

٤٤٤
٣٩ - بابُ ما جَاءَ فِى صَوْمِ المُحرَّمِ
٧٣٧ - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا أبو عَوَانَةَ عن أبى ◌ِشْرٍ عن حَيْدٍ بِنِ
عبدِ الرحمنِ الخِمْبَرِىِّ عن أبى هُرَيْرَةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
((أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ صِيَامٍ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرِ اللهِ الْحَرَّمُ)).
قال أبو عيسى : حديثُ أبى هريرةَ حديثٌ حسنٌ .
٧٣٨ - حدثنا على بنُ حُجْرٍ قال أخبرنا علىُ بنُ مُسْهِرٍ عن عبد الرحمنِ
ابنِ إسحاقَ عن النّعْمَانِ بنِ سَعْدٍ عن علىِّ قال: (( سألَهُ رَجُلٌ فَقالَ أَىُّ شَهْرٍ
وقراء القرآن فى ذلك الزمان ، فنسأل الله العفو والعافية والغفران والرضوان.
انتهى كلام القارى مختصرا .
تنبيه آخر : لم أجد فى صوم يوم ليلة النصف من شعبان حديثاً مر فوعاً صحيحاً .
وأما حديث على رضى الله تعالى عنه الذى رواه ابن ماجة بلفظ: إذا كانت ليلة
النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها الخ فقدعرفت أنه ضعيفجداً ،
" ولعلى رضى الله عنه فيه حديث آخر وفيه: فإن أصبح فى ذلك اليوم صائماً
كان كصيام ستين سنة ماضية وستين سنة مستقبلة ، رواهابن الجوزى فى الموضوعات
وقال : موضوع وإسناده مظلم .
باب ما جاء فى صوم المحرم
قوله : ( أفضل الصيام بعد صيام شهر رمضان شهر الله المحرم) أى صيام
شهر الله المحرم، وأضاف الشهر إلى الله تعظيما. فإن قلت: قد ثبت إكثار التى
صلى الله عليه وسلم من الصوم فى شعبان، وهذا الحديث يدل على أن أفضل الصيام
بعد صيام رمضان صيام المحرم . فكيف أكثر النبى صلى الله عليه وسلم منه فى شعبان
دون المحرم ؟ قلت: لعله لم يعلم فضل المحرم إلا فى آخر الحياة قبل التمكن من صومه،
أو لعله كان يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه كسفر ومرض وغيرهما،
كذا أفاد النووى رحمه الله فى شرح مسلم .
قوله : (حديث أبى هريرة حديث حسن) وأخرجه مسلم فى صحيحه بسند
الترمذى وزاد : وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل .

٤٤٥
تَأْمُرُ فِىِ أَنْ أَصُومَ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فقالَ لَهُ: ما ◌َمِعْتُ أحداً يَسْأَلُ عن
هذا إِلَّ رَجُلاً سَمِعْتُهُ يَسْأَلُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم وأَنا قَاعِدٌ عِنْدَهُ
فقالَ يا رسولَ اللهِ أَىُّ شَهْرٍ تَأْمُرُ نِى أَنْ أَصُومَ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ قالَ :
إِنْ كُنْتَ صَائِماً بَعْدَ شَهْرٍ رَمَضَانَ فَصُرِ المُحَرَّمَ فَإنَّهُ شَهْرُ اللهِ ، فِيهِ يَوْمٌ
تَابَ اللهُ فِيهِ على قَوْمٍ ويَتُوبُ فيهِ على قَوْمٍ آخَرِينَ )) .
قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ .
٤٠ - بابُ ما جَاءٍ فى صَوْمٍ يَوْمِ الجمُعَةِ
٧٣٩ - حدثنا القَاسِمُ بنُ دِينَارٍ أخبر نا عُبَيْدُ اللهِ بنُ موسى وطَلْقُ
ابنُ غَنَّامٍ عن شَيْبَانَ عن عاصِمٍ عن زِرِّ عن عبدِ اللهِ قال ((كانَ رسولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلمٍ يَصُومُ مِنْ غُرَّةٍ كُلِّ شَهْرٍ ثلاثةَ أيامٍ ، وقَلَّ ما كانَ
يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ ».
قوله : ( فیه یوم تاب الله فیه علی قوم) هم قوم موسى بنو إسرائيل نجاهمالله
من فرعون وأغرقه (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد
عن غير أبيه، قاله المنذرى فى الترغيب: ونقل تحسين الترمذى وأقره .
باب ماجاء فى صوم يوم الجمعة
قوله : ( من غرة كل شهر ) قال العراقى: يحتمل أن يراد بغرة الشهر أو له
وأن يراد بها الأيام الغر وهى البيض كذا فى قوت المغتذى (قل ما كان يفطريوم
الجمعة ) قال المظهر: تأويله أنه كان يصومه منضما إلى ما قبله أو إلى ما بعده أو أنه
مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم کالوصال انتهى . قلت : وجه تأويله أنه قد ثبت
النهى عن إفراد يوم الجمعة بالصيام، وقد ذهب الجمهور إلى كراهته، وذهب أبو حنيفة
ومالك إلا أنه لاكراهة فيه واستدل لهما بهذا الحديث . قال الحافظ فى فتح البارى :
واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود یعنی الذی ذکره الترمذى فى هذا الباب و ليس
فیه حجة لأنه يحتمل أن یرید کان لا يتعمدفطره إذا وقعفى الأيام التى كان يصومها
ولا يضاد ذلك كراهة إفراده بالصوم جمعاً بين الحديثين انتهى كلام الحافظ . وقال

٤٤٦
وفى البابِ عن ابنِ ثُمَرَ وأبى هريرةً .
قال أبو عيسى : حديثُ عبدِ اللهِ حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وقد اسْتَحَبَّ قَوْمٌ مِنْ أهلِ العلمِ صِيَامَ يَوْمِ الْجُمَةِ. وإِنَّمَا يَكْرَهُ أَنْ
يَصُومَ يَوْمَ الْجُمَةِ لا يَصُومُ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ .
قَالَ ورَوَى شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ هَذَا الَحَدِيثَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ .
العينى رحمه الله: فإن قلت: يعارض هذه الأحاديث (يعنى الأحاديث التى تدل على
كراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم) ما رواه الترمذى من حديث عبد الله ( يعنى
الحديث الذى ذكره الترمذى فى هذا الباب) قلت : لا نسلم هذه المعارضة لأنه
لا دلالة فيه على أنه صلى الله عليه وسلم صام يوم الجمعة وحده، فتهيه صلى الله عليه وسلم
فى هذه الأحاديث يدل على أن صومه يوم الجمعة لم يكن فى يوم الجمعة وحده بل إنما
كان يوم قبله أو بيوم بعده وذلك لأنه لا يجوز أن يحمل فعله على مخالفة أمره
إلا بنص صحيح صريح، فينئذ يكون نسخاً أو تخصيصاً ، وكل واحد منهما
منتف. انتهى كلام العينى ملخصاً .
قلت : حاصل كلام العينى هذا هو ما قال الحافظ ، فالعجب كل العجب من العينى
أنه نقل قول الحافظ ثم اعترض عليه وقال : والعجب من هذا القائل يترك ما يدل
عليه ظاهر الحديث ويدفع حجيته بالاحتمال الناشىء من غير دليل الذى لا يعتبر
ولا يعمل به وهذا كله عسف ومكابرة انتهى. فاعتراض العينى هذا إن كان صحيحاً
فهو واقع على نفسه فإن حاصل كلامهما واحد فتفكر .
قوله: ( وفى الباب عن ابن عمرو وأبى هريرة) أما حديث ابن عمر فأخرجه
ابن أبى شيبة عنه قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مغطر يوم جمعة قط،
كذا فى عمده القارى . وأما حديث أبى هريرة فأخرجه الحافظ بن عبدالبر بسنده
إلى أبى هريرة أنه قال: من صام الجمعة كتب له عشرة أيام من أيام الآخرة
لا يشا كلهن أيام الدنيا، كذا فى النيل، وفى الباب عن ابن عباس أخرجه ابن أبى شيبة
نحو رواية ابن عمر المذكور .
قدله : (حديث عبد الله حديث حسن) وأخرجه النسائى وصححه ابن حبان
وابن عبد البر وابن حزم كذا فى عمدة القارى .

٤٤٧
٤١ - بابُ ماجَاءَ فى كَرَاهِيَةٍ صَوْمٍ يَوْمِ الْجُمعَةِ وَحْدَهُ
٧٤٠ - حدثنا هَنَّادٌ أخبرنا أبو مُعَاوِيَةَ عن الأعمَشِ عن أبى صَالحِ
عن أبى هريرة قال: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم (( لا يَصُومُ أحَدُ كُمْ
يَوْمَ الْجُمَةِ إِلاَّ أَنْ يَصُومَ قْلَهُ أو يَصُومَ بَعْدَهُ)).
وفى البابِ عن علىَّ وجابرٍ وجُنَادَةَ الأَزْدِىِّ وجُويْرِيَةَ وأَنَسٍ وِعبدِ اللهِ
ابنِ عَزْو .
باب ما جاء فى كراهية صوم الجمعة وحده
قوله: ( لا يصوم أحدكم يوم الجمعه ) نفى معناه نهى . قال الحافظ : ذهب
الجمهور إلى أن النهى فيه للتنزه واختلف فى سبب النهى عن إفراده على أقوال :
أحدها : لكونه يوم عيد والعيد لا يصام . واستشكل ذلك مع الإذن بصيامه مع
غيره، وأجاب ابن القيم وغيره بأن شبهه بالعيدلا يستلزم استواءه معهمن كل جهة ،
ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحرى . ثانيها : لئلا يضعف عن العبادة
وهذا اختاره النووى . ثالثها : خوف المبالغة فى تعظيمه فيفتتن به كما افتتن اليهود
بالسبت، رابعها: خشية أن يفرض عليهم كما خشى صلى الله عليه وسلم من قيامهم
الليل ذاك : خامسها : مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه ونحن مأمورون
مخالفتهم . قال الحافظ بعد ذكر هذه الأقوال مع مالها وما عليها ما لفظه :
واقوى الأقوال وأولاها بالصواب أولها ، وورد فیهصريحاً حديثان أحدهمارواه
الحاكم وغيره عن أبى هريرة مرفوعاً: يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم
يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده، والثانى رواه ابن أبى شيبة بإسناد حسن
عن على قال : من كان منكم متطوعا من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة
فإنه يوم طعام وشراب وذكر انتهى .
قوله : (وفى الباب عن على) أخرجه ابن أبى شيبة وتقدم لفظه آنفاً (وجاء)
أخرجه الشيخان (وجنادة الأزهرى) أخرجه أحمد (وجويرية) أخرجه البخارى
وأحمد وأبو داود (وأنس) أخرجه الطبرانى من رواية صالح بن جبلة عنه أنه سمع
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من صام الأربعاء والخميس والجمعة بنى الله له فى

٤٤٨
قال أبو عيسى : حديثُ أبى هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ . والعملُ على
هذا عندَ أهلِ العلمِ يَكْرَهُونَ أَنْ يَخْتَصَّ يَوْمَ اُلْجُمَةِ بِصِيَامٍ لا يَصُومُ
قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ . وبهِ يقولُ أحمدُ وإسحاقُ .
٤٢ - بابُ ما جاء فى صَوْمٍ يَوْمِ الَّبْتِ
٧٤١ - حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ أخبرنا سُفْيَانُ بنُ حبيبٍ عن نَوْرِ
ابنِ بَزِيدَ عن خالِدِ بنِ مَعْدَانَ عن عبدِ اللهِ بنِ بُسْرٍ عن أخْتِهِ أنَّ رسولَ اللهِ
صلى الله عليه وسلم قال ((لاَ تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّ فيما افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ،
الجنة قصراً من لؤلؤ وياقوت وزيرجد وكتب له براءة من النار. وصالح بن جبلة
ضعفه الأزدى ، كذا فى عمدة القارى (وعبد الله بن عمرو) أخرجه النسائى.
قوله : (حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح وأخرجه الشيخان ) .
قوله : (وبه يقول أحمد وإسماق) وبه يقول الشافعى والجمهور. وقال مالك:
لاكراهة فيه ففى الموطأ قال يحيى: وسمعت مالكا يقول: لم أسمع أحداً من أهل
العلم والفقه ومن يقتدى به نهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن ، وقدرأيت
بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه انتهى. وبه قال أبو حنيفة قال سراج
أحمد فى شرح الترمذى : قال إمامنا أبو حنيفة : يندب صوم الجمعة ولو منفرداً
وتمسك بحديث أخرجه الترمذى عن ابن مسعود، وكره منفردا الشافعى وأحمد.
قال النووى : السنة مقدم على ما رآه مالك وقد ثبت النهى عن صوم يوم الجمعة
ومالك معذور فى أنه لم يبلغه أنتهى . قلت : وقد تقدم الجواب عن حديث ابن
مسعود فالحق فى هذا الباب ماذهب إليه الشافعى وأحمد والجمهور والله تعالى أعلم.
باب ما جاء فی صوم يوم السبت
قوله: (عن عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وسكون السين (عن أخته)
وفى رواية أبى داود: عن أخته الصماء . قال القارى : بتشديد المم اسمها بهية
وتعرف بالصماء ..
قوله : (لا تصوموا يوم السبت أى وحده إلا فيما افترض عليكم) بصيغة
المجهول . قال الطيى: قالوا النهى عن الإفراد كما فى الجمعة والمقصود مخالفة اليهود

٤٤٩
فَإِن لَمْ يَجِدْ أحَدُ كُمْ إِلا لِمَاءِ عِنَةٍ أوْ عُودَ شَجَرَةٍ فُلْيَمْضُنْهُ » .
قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ. وَمَعْنَى الكَرَاهِيَةِ فى هذا أنْ
يَخْتَصَّ الرَّجُلُ يَوْمَ الَّْتِ بِصِيامٍ ، لأَنَّ البَهُدَ يُعَظُِّونَ يَوْمَ الَّْتِ .
فيهما ، والنهى فيهما للتنزيه عند الجمهور ، وما افترض يتناول المكتوب والمنذور
وقضاء الفوائت وصوم الكفارة ، وفى معناه ما وافق سنة مؤكدة كعرفة وعاشوراء
أو وافق ورداً . وزاد ابن الملك : وعشرة ذى الحجة أو فى خير الصيام صيام داود
فإن النهى عنه شدة الاهتمام والعناية به حق كأنه يراه واجباً كما تفعله اليهود .
قال القارى : فعلى هذا يكون النهى للتحريم ، وأما على غير هذا الوجه فهو التنزيه
بمجرد المشابهة ( إلا لحاء عنبة) قال التوربشى اللحاء مدود وهو قشر الشجر،
والعنبة هى الحبة من العنب انتهى (أو عود شجرة) عطف على الحاء عنبة (فليمضغه)
قال فى القاموس : مضغه كمنعه ونصره لا كه بأسنانه ، وهذا تأكيد بالإفطار لنفى
الصوم وإلا فشرط الصوم النية فإذا لم توجد لم يوجد ولو لم يأكل .
قوله : (هذا حديث حسن) وصححه الحاكم على شرط البخارى وقال النووى:
صححه الأئمة ، كذا فى المرقاة . وقال أبو داود فى السنن : هذا الحديث منسوخ
انتهى . وقال فيه أيضاً : قال مالك : هذا كذب انتهى . وقال المنذرى: وروى
هذا الحديث من حديث عبدالله بن بسر ومن حديث أبيه بسر عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ومن حديث الصماء عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبى
صلى الله عليه وسلم . وقال النسائى: هذه أحاديث مضطربة انتهى كلام المنذرى.
وقال الحافظ فى التلخيص : قال الحاكم: وله معارض بإسناد صحيح ، ثم روى
عن كريب أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثوه إلى أم سلمة
أسألها عن الأيام التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر لها صياماً فقالت
يوم السبت والأحد ، فرجعت إليهم فقاموا بأجمعهم إليها فسألوها فقالت صدق،
وكان يقول إنهما يوم عيد للمشركين فأنا أريد أن أخالفهم ، ورواه النسائى والبيهقى
وابن حبان . وروى الترمذى من حديث عائشة قالت كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين الخ انتهى .
(٢٩ - تحفة الأحوذي - ٣)

٤٣ - بابُ ماجَاءٍ فى صَوْمٍ يَوْمِ الاثْنَيْنِ والخِيسِ
٧٤٢ - حدثنا أبو حَقْصٍ عَمْرُو بنُ علىَّ الفَلَّسُ أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ
دَاوُدَ عن ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عن خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ عن رَبِيعَةَ الْجَرْشِىِّ عن عَائِشَةَ
قالت (( كانَ النبيّ صلى اللهُ عليه وسلم يَتَحَرَّى صَوْمَ الاثْنَيْنِ والَحِيسٍ».
وفى البابِ عن حَقْصَةَ وأَبِى قَتَادَةَ وأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ .
قال أبو عيسى : حديثُ عَائِشَةَ حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ .
٧٤٣- حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ أخبرنا أبو أحمدَ ومُعَاوِيَةُ بنُ هِشَامٍ
فالا أخبرنا سُفْيَانُ عن منصورٍ عن خَيْثَمَةَ عن عائِشَةَ قالت ((كان رسولُ اللهِ
قلت : قد جمع بين هذه الأحاديث بأن النهى متوجه إلى الإفراد والصوم
باعتبار انضمام ما قبله أو ما بعده ، ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم قد أذن لمن
صام الجمعة أن يصوم يوم السبت بعدها ، والجمع مهما أمكن أولى من النسخ".
وأما علة الاضطراب فيمكن أن تدفع بما ذكرهالحافظ فى التلخيص. وأما قوله مالك
إن هذا الحديث كذب فلم يتبين لى وجه كذبه والله تعالى أعلم.
باب ما جاء فى صوم يوم الاثنين والخميس
قوله: (عن ربيعة الجرشى) بضم الجيم وفتح الراء بعدها معجمة مختلف فى
صحبته وثقه الدار قطنى وغيره كذا فى التقريب .
قوله: ( يتحرى صوم الاثنين والخميس) أى يقصده ويطلبه . والتحرى
طلب الأحرى والأولى ، وقيل التحرى طلب الثواب والمبالغة فى طلب شىء.
قوله : (وفى الباب عن حفصة وأبى قتادة وأسامة بن زيد) أما حديث حفصة
فأخرجه أبو داود ، وأما حديث أبى قتادة فأخرجه مسلم ، وأما حديث أسامة
فأخرجه أبو داود والنسائى ، كذا فى التلخيص .
قوله : (حديث عائشة حديث حسن غريب من هذا الوجه) وأعله ابن القطان
بالراوى عنها وأنه مجهول ، وأخطأ فى ذلك فهو صحابى ، كذا فى التلخيص.

٤٥١
صلى اللهُ عليه وسلم يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ الَّبْتَ وِالأَحَدَ والاثْنَيْنِ، ومِنَ
الشّهْرِ الْآخَرِ الثلاثاء والأرْ بِعَاءِ والخِيسَ».
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ. وَرَوَى عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٌّ
هذا الحدِيثَ عن سُفْيَانَ ولَمْ يَرْفَعْهُ .
٧٤٤ - حدثنا محمدُ بنُ يَخْتَ أخبرنا أبو عاصِمٍ عن محمدِ بنِ رِفَاعَةَ
عن ◌ُهَيْلِ بنِ أبى صالحٍ عن أبيهِ عن أبى هريرةَ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم قال: ((تُعْرَضُ الأعمالُ يَوْمَ الأَثْنَيْنِ والخَمِيسِ فَأُحِبُ أنْ
يُعْرَضَ عَمَلِىِ وأنا صَائِمٌ)).
قال أبو عيسى : حديثُ أبى هريرةَ فى هذا البابِ حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
قوله : (يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين) مراعاة للعدالة بين الأيام
فإنها أيام الله تعالى، ولا ينبغى هجران بعضها لانتفاعنا بكلها . قال الطيبي: وقد
ذكر الجمعة فى الحديث السابق فكان يستوفى أيام الأسبوع بالصيام قال ابن ملك:
وإنما لم يصم صلى الله عليه وسلم الستة متوالية كيلا يشق على الأمة الاقتداء به رحمة
لهم وشفقة عليهم ، كذا فى المرقاة .
قوله : (وروى عبد الرحمن بن مهدى هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه )
قال الحافظ فى فتح البارى : وهو أشبه .
قوله: ( تعرض الأعمال) أى على اللّه تعالى (فأحب أن يعرض عمل وأنا
صائم) أى طلب الزيادة رفعة الدرجة . قال ابن الملك : وهذا لا ينافى قوله عليه
السلام : يرفع عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ، للفرق بين
الرفع والعرض ، لأن الأعمال تجمع فى الأسبوع وتعرض فى هذين اليومين .
وفى حديث مسلم : تعرض أعمال الناس فى كل جمعة مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس
فيغفر لكل مؤمن إلا عبداً بينهو بين أخية شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا.
قال ابن حجر : ولا ينافى هذا رفعها فى شعبان فقال إنه شهر ترفع فيه الأعمال
وأحب أن يرفع عملى وأنا صائم ، لجواز رفع أعمال الأسبوع مفصلة وأعمال
العام مجملة . كذا فى المرقاة .

٤٥٢
٤٤ - بابُ مَا جَاءَ فِى صَوْمِ الأربعَاءِ وَالْخَمِيسِ
٧٤٥ - حدثنا الْحَيْنُ بنُ محمدٍ الْحَرِيرِىُّ ومحمدُ بنُ مَدُوَيْهِ قالا
أخبر نا عُبَيْدُ اللهِ بنُ موسى أخبرنا هارونُ بنُ سَلْمَانَ عن عُبَيْدِ اللهِ الْمْسِ
القُرَشِيِّ عن أبيهِ قال: ((سَأَلْتُ أو سُئِلَ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم عن
صِيَامِ الدَّهْرِ فقال: إنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ثم قالُ هُمْ رَمَضَانَ والذى
يَلِيهِ وَكُلَّ أَرْبِعَاءِ وَخَيْسٍ ، فإذا أُنْتَ قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ وَأَفْطَرْتَ)).
وفى البابِ عن عائِشَةً .
قال أبو عيسى: حديثُ مُسْلٍ القُرَشِىِّ حديثٌ غريبٌ. ورَوَى بَعْضُهم
عن هارونَ بنِ سَلْمَانَ عن مُسْلٍ بِنِ عُبَيْدِ اللهِ عن أبيهِ .
قلت : حديث رفع الأعمال فى شعبان أخرجه النسائي وأبو داود وصححه
ابن خزيمة من حديث أسامة قال : قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من
الشهور ما تصوم من شعبان قال ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان
وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملى وأنا صائم ،
ونحوه من حديث عائشة عند أبى يعلى كذا فى النيل .
باب ما جاء فى صوم الأربعاء والخميس
قوله : (محمد بن مدويه) بفتح الميم وشدة الدال هو محمد بن أحمد بن الحسين
ابن مدويه القرشى أبو عبد الرحمن الترمذى صدوق من الحادية عشر.
قوله : (صم رمضان والذى يليه ) قيل أراد الست من شوال ، وقيل أراد
به شعبان ( وكل أربعاء) بالمد وعدم الانصراف (وخميس) بالجر والتنوين
( فإذاً) بالتنوين والفاء جزاء شرط محذوف أى إن فعلت ما قلت لك فقد
صمت، وإذا جواب جىء لتأكيد الربط .
قوله : ( حديث مسلم القرشى حديث غريب ) الحديث أخرجه أبو داود
أيضاً وسكت عنه (وروى بعضهم عن هارون بن سلمان عن مسلم بن عبيد الله
عن أبيه) قال المنذرى فى تلخيص السنن بعد نقل الكلام الترمذى هذا: وقد أخرج
النسائى الروايتين، الرواية الأولى والثانية التى أشار إليها الترمذى انتهى.

٤٥٣
٤٥ -- بابُ مَا جَاءَ فِى فَضْلِ الصَّوْمِ يَوْمَ عَرَفَةَ
٧٤٦ - حدثنا قُتَيْبَةُ وأحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضَِّيُ قالا أخبر نا حَمَّادُ بنُ
زَيْدٍ عن غَيْلاَنَ بنِ جَرِيرٍ عن عبدِ اللهِ بنِ مَعَبْدَ الزَّمَّانِيِّ عن أبى قَتَادَةَ
أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((صِيَامُ يُوْمٍ عَرَفَةَ إِنَّى أُخْتَسِبُ على اللهِ أَنْ
يُكَفِّرَ الَّنَةَ التى بَعْدَهُ والَّنَةَ التِى قَبْلَهُ ».
وفى البابِ عن أبى سَعِيدٍ .
قال أبو عيسى : حديثُ أبى قَتَادَةَ حديثٌ حسنٌ. وقد اسْتَحَبَّ
أهلُ العلمِ صِيَامَ يَوْمٍ عَرَفَةً إِلَّ بِعَرَفَّةَ .
باب ما جاء فى فضل صوم عرفه
قوله: (عن عبد الله بن معبد الزمانى) بكسر الزاى وتشديد الميم وبنون
بصرى ثقة من الثالثة كذا فى التقريب .
قوله. (إنى أحتسب على الله) أى أرجو منه. قال الطيبي: كأن الأصل
أن يقال أرجو من الله أن يكفر فوضع موضعه أحتسب وعداه بعلى الذى للوجوب
على سبيل الوعد مبالغة لحصول الثواب انتهى ( أن يكفر السنة التى بعده والسنة
التى قبله) قال النووى : قالوا المراد بالذنوب الصغائر، وإن لم تكن الصغائر
يرجى تخفيف الكبائر، فإن لم تكن رفعت الدرجات . وقال القارى فى المرقاة :
فال إمام الحرمين: المكفر الصغائر. وقال القاضى عياض. وهو مذهب أهل السنة
والجماعة، وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة. أو رحمة الله انتهى. فإن قيل:
كيف يكون أن يكفر السنة التى بعده مع أنه ليس للرجل ذنب فى تلك السنة .
قيل: معناه أن يحفظه الله تعالى من الذنوب فيها، وقيل أن يعطيه من الرحمة والثواب
قدراً يكون ككفارة السنة الماضية والسنة القابلة إذا جاءت واتفقت له ذنوب انتهى.
قوله : ( حديث أبى قتادة حديث حسن) وأخرجه مسلم مطولا .

٤٥٤
٤٦ - بابُ ماَجَاءَ فِى كَرَاهِيَةٍ صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ
٧٤٧ - حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعِ أَخبرنا إسماعيلُ بنُ عُلَّةَ أخبرنا
أيوبُ عن عِكْرَمَةَ عن ابنِ عَّاسٍ ((أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَفْطَرَ بِعَرَ فَّةَ
وأَرْسَلَتْ إِليهِ أَمُ الفَضْلِ بَلَبَنٍ فَشَّرِبَ )) .
وفى البابِ عن أبى هريرةً وابنِ مُمَرَ وَأُمِّ الفَضْلِ .
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عَبَّاسِ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ . وقد رُوِىَ
عن ابنٍ عُمَرَ قال: (( حَجَجْتُ مع النبيِّصلى اللهُ عليه وسلم فلم يَصمه يعني يوم
عَرَفَةَ ، وَمَعَ أَبِى بَكْرٍ فَمْ يَصُمْهُ ، وَمَعَ مُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ » .
والعملُ على هذا عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ يَسْتَحِبُونَ الإفطَارَ بِعَرَفَةَ لِيَتْقَوْى
بهِ الرَّجُلُ على الدُّعَاءِ. وقد صَامَ بَعْضُ أهلِ العلمِ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ.
باب ما جاء فى كراهية صوم يوم عرفة بعرفة
أى بعرفات .
قواه. (أخبرنااسماعيل بن علية) بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد التحتية
قوله. (وأرسلت إليه أم الفضل) أى بنت الحارث وهى امرأة العباس.
قوله . (وفى الباب عن أبى هريرة ) أخرجه أحمد وابن ماجة بلفظ: نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم عرفة بعرفات، أخرجه أحمد وأبو داود
والنسائى و ابن ماجة والحاكم والبيهقى وفيه مهدی الهجرى وهو مجهول ، ورواه
العقيلى فى الضعفاء من طريقه وقال لايتابع عليه. قال العقيلى: وقدروى عن النبى
صلى الله عليه وسلم بأسانيد جياد أنه لم يصم يوم عرفة بها ولا يضح النهى عن
صيامه . قال الحافظ فى التلخيص بعد ذكر كلامه هذا . قد صححه ابن خزيمة
ووثق مهديا المذكور ابن حبان ( وابن عمر ) أخرجه الترمذى والنسائى وابن
حبان ( وأم الفضل ) أخرجه الشيخان .
قوله، (وقد صام بعض أهل العلم يوم عرفة بعرفة) قال الحافظ فى الفتح.
وعن ابن الزبير وأسامة بن زيد وعائشة أنهم كانوا يصومونه أى يصومون يوم

٤٥٥
٧٤٨ - حدثنا أحمدُ بنُ مِنِيعٍ وعلىُ بنُ حُجْرٍ قالا أخبر ناسُفْيَانُ بنُ
عُيَيْنَةَ وإسماعيلُ بنُ إبراهيمَ عن ابنِ أبِى تَجِيحٍ عن أبيهِ قال سُئِلَ ابنُ
◌ُمَرَ عن صَوْمٍ عَرَفَةَ قال: (( حَجَجْتُ مع النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فَلَمْ
يَصُهُ، وَمَعَ أَبِىَبَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ مُمَرَ فَلَمْ يَصْمَةُ، وَمَعَ عُثْنَ
فَلَمْ يَصُمْهُ، وأنا لا أَصُومُهُ ولا آمُرُ بهِ ولا أنّهَ عنهُ)).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ. وأبو تَحِيحِ اْسِمُهُ يَسَارٌ سَمِعَ مِنَ
ابنِ عُمَرَ. وقد رُوِىَ هذا الحديثُ أيضاً عن ابن أبى نَحِيحٍ عن أبيهِ عن
رَجُلٍ عن ابنِ عُمَرَ.
عرفة بعرفة ، وكان ذلك يعجب الحسن ويحكيه عن عثمان ، وعن قتادة مذهب آخر
قال لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء ، ونقله البيهقى فى المعرفة عن الشافعى
فى القديم، واختاره الخطابى والمتولى من الشافعية ، وقال الجمهور . يستحب فطره
حتى قال عطاء من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم . وقال
الطبرى : إنما أفطر رسول صلى الله عليه وسلم بعرفة ليدل على الاختيار الحاج
مكة لكى لا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة. وقيل إنما كره صوم
يوم عرفة لأنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه ، ويؤيده ما رواه أصحاب
السنن عن عقبة بن عامر مرفوعاً. يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل
الإسلام انتهى كلام الحافظ .
قلت . ما ذهب إليه الجمهور من أنه يستحب الفطر يوم عرفة بعرة هو
الظاهر ، ويدل عليه حديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى
عن صوم عرفة بعرفة : وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة والحاكم على ما قاله
الحافظ فى الفتح وأخذ بظاهره بعض السلف . فاء عن يحيى بن سعيد الأنصارى
قال. يجب فطر يوم عرفة للحاج والله تعالى أعلم.
قلت . ( وأبو نجيح اسمه يسار) المكى مولى ثقيف مشهور بكنيته ثقة من
الثالثة وهو والد عبد الله بن أبى نجيح مات سنة تسع ومائة كذا فى التقريب.
قوله : (وقد روى هذا الحديث أيضاً عن ابن أبى نجيح عن رجل عن ابن عمر)

٤٥٦
٤٧ - بابُ مَاجَاءَ فى الحثِّ على صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ
٧٤٩ - حدثنا قُتَيْبَةُ وأحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضَُّّ قالا أخبرنا حَمَّادُ بنُ
زَيْدٍ عِن غَيْلاَنَ بنِ جَرِيرٍ عن عبدِ اللهِ بنِ مَعْبَدِ الزَّمَّانِىِّ عن أبى قَتَادَةً
أَنَّ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال ((صِيَامُ يَوْمٍ عَاشوراءَ إِنِّى أحْتَسِبُ على اللهِ
أنْ يُكَفِّرَ السَّنَّةَ التى قَبْلَهُ » .
وفى البابِ عِن علىَّ ومحمدِ بنِ صَْفِىِ وَسَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ وهندٍ بِنِ أَسْمَاء وابنٍ
عَبَّاسٍ والرُّبِيِّعِ بِنْتِ مُمَوِّذٍ بِنِ عَفْرَاءَ وعبد الرحمنِ بِنِ سَةً الخزاعىِّ عن عٍَّ
فالظاهر أن أبا نجيح سمع أولا هذا الحديث بواسطة رجل ثم لقى ابن عمر فسمعه
منه بلا واسطة .
باب ما جاء فى الحث على صوم يوم عاشوراء
بالمد على المشهور وحكى فيه القصر . قال الطيبى: وهو اليوم العاشر من المحرم،
وسيجىء الكلام فى تعيينه .
قوله: (إنى أحتسب على الله أن يكفر السنة التى قبله) فإن قيل: ما وجه
أن صوم عاشوراء يكفر السنة التى قبله، وصوم يوم عرفة يكفر السنة التى قبله
والسنة التى بعده ؟ قيل : وجهه أن صوم يوم عرفة من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم
وصوم يوم عاشوراء من شريعة موسى عليه الصلاة والسلام . وقال الحافظ فى الفتح:
روى مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعاً. إن صوم عاشوراء يكفر سنة وإن صيام
عرفة يكفر سنتين . وظاهر أن صيام عرفة أفضل من صيام عاشوراء ، وقد قيل
فى الحكمة فى ذلك أن يوم عاشوراء منسوبة إلى موسى عليه السلام ، ويوم عرفة
منسوب إلى النبى صلى الله عليه وسلم فلذلك كان أفضل انتهى والله تعالى أعلم .
قوله : (وفى الباب عن على) أخرجه الدارمى والترمذى وأحمد والبيهقى
والنسائى (ومحمد بن صيفى) أخرجه ابن ماجة و(سلمة بن الأكوع) أخرجه الشيخان
(وهند بن أسماء ) أخرجه الطحاوى (وابن عباس) أخرجه الشيخان (والربيع
بنت معوذ) أخرجه مسلم (وعبدالرحمن بن سلمة الخزاعى عن عمه) أخرجه الطحاوى

٤٥٧
وعبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ، ذَكَرُوا عن النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم أنّهُ حَث على
صِيَامٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ .
قال أبو عيسى: لاَ نَعْلَمُ فى شىءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنهُ قال: صِيَامُ يَوْمٍ
عَاشُورَاءَ كَفَارَةُ سَنَةٍ . إلَّ فِى حديثِ أبِى قَتَادَةَ، وبحديثٍ أَبِى قَتَادَةَ
يقولُ أحمدُ وإسحاقُ .
٤٨ -- - بابُ مَاجَاءَ فى الرخْصَةِ فِى تَرْكِ صَوْمٍ يومٍ عَاشُورًا،
٧٥٠ - حدثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدَانِىُّ أخبرنا عَبْدَةُ بنُ سُلَمانَ
عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةً عن أبيهِ عن عَائِشَةَ فقالت: ((كانَ عَاشُورَاء يوماً تَصُومُهُ
قُرَبْشٌ فى الجاهليةِ ، وَكانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصُومُهُ، فَذَا قَدِمَ
المدِينةَ صَامَهُ وأَمَرَ الناسَ بِصِيَامِهِ، فلما افْتُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ هُوَ
الفَرِيضَةٌ وتُرِكَ عَشْورَاءِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَ كَهُ » .
(وعبدالله بن الزبير) أخرجه أحمد والبزار والطبرانى (ذكروا) أن هؤلاء الصحابة
المذكورون رضى الله عنهم.
باب ما جاء فى الرخصة فى ترك صوم عاشوراء
قوله : ( وكان عاشوراء يوم تصومه قريش) هكذا فى غالب النسخ والظاهر
يوماً بالنصب واعتباره منصوباً مضافا إلى الجملة بعده كما فى ( يوم ينفع الصادقين)
يبعده اشتمال تصومه على ضمير عائد إليه ، فإن اشتمال الجملة المضاف إليها على ضمير
المضاف غير متعارف فى العربية بل قد منعه بعضهم ، فالظاهر أن الجملة التى بعده
صفة له واعتبار اليوم اسم كان على أن عاشوراء خبر كان بعيد من حيث المعنى
ومن حيث علم الإعراب ، لأن عاشوراء معرفة ويوم نكرة ، فالوجه أن يقال
إن كان فيه ضمير الشأن وعاشوراء مبتدأ خبره يوماً كذا فى شرح الترمذى
لأبى الطيب (فلما افترض رمضان كان رمضان هو الفريضة) ظاهر هذا الحديث
أن صوم عاشوراء كان فرضاً ثم نسخ وجوبه بوجوب صوم رمضان. قال الحافظ
فى الفتح: يؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجباً لثبوت الأمر بصومه، ثم

٤٥٨
وفى البابِ عن ابنِ مَسْعُودٍ وقَيْسِ بنِ سَمْدٍ وَجَابِرٍ بِنِ سَحُرَةٌ وابنٍ
عُمَرَ وَمُعَاوِيَةً.
قال أبو عيسى: والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ، على حديثٍ عَائِشَةَ
وهو حديثٌ صحيحٌ. لا يَرَوْنَ صِيَامَ عَاشُورَاءَ واحِباً إلا مَنْ رَغِبَ فىِ صِيَامِهِ
لمَا ذُكِرَ فِيهِ مِنَ الفَضْلِ .
٤٩ - بابُ ما جَاءَ فِى عَاشُورَاءَ أَىُ يَوْمٍ هُوَ
٧٥١ - حدثنا هَنَّادٌ وأبو كُرَيْبٍ . قالا أخبرنا وَكِيعٌ عن حَاجِبٍ بنِ
عَ عن الحَكَمِ بنِ الأَعْرَجِ قال: ((انتَهَيْتُ إلى ابنِ عَبَّاسٍ وهُوَ مُتَوَسِدٌ
رِدَاءَهُ فِى زَمْزَمَ فَقُلْتُ: أَخْبِرْ نِى عن يَوْمِ عِلْشُورَاءَ أَىُّ يَوْمٍ أَصُومُهُ ؟
فقالَ : إِذا رَأَيْتَ هِلاَلَ الْحَرَّمِ فَاعْدُدْ ثم أصْبِحْ مِنْ يَوْمِ التاسعِ صَائِمً،
تأكد الأمر بذلك ، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام ، ثم زيادته بأمر من أكل
بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود
الثابت فى مسلم: لما فرض رمضان ترك عاشوراء ، مع العلم بأنه ما ترك استحبابه
بل هو باق ، فدل على أن المتروك وجوبه . وأما قول بعضهم المتروك تأكد
استحبابه والباقى مطلق استحبابه ، فلا يخفى ضعفه ، بل تأكد استحبابه باق
ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى فى عام وفاته صلى الله عليه وسلم حيث يقول:
لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر ، ولترغيبه فى صومه ، وأنه يكفر سنة ،
وأى تأكيد أبلغ من هذا انتهى .
قوله: (وفى الباب عن ابن مسعود وقيسبن سعد وجابربن سمرة وابن عمر
ومعاوية) أما حديث ابن مسعود فمتفق عليه، وأماحديث قيس بن سعد فأخرجه
ابن أبى شيبة ، وأما حديث جابر بن سمرة فأخرجه مسلم ، وأما حديث ابن عمر
ومعاوية وهو ابن أبى سفيان فتفق عليهما .
قوله: (وهو حديث صحيح) وأخرجه البخارى والنسائى.
باب ما جاء فى عاشوراء أى يوم هو
قوله: (وهو متوسد رداءه فى زمزم) وفى روايه لمسلم: عندز منم(ثم أصبح

٤٥٩
قالَ: قلت: أهَكَذَا كَانَ يَصُومُهُ محمدٌ صلى اللهُ عليه وسلم؟ قالَ: نَعَمْ)).
٧٥٢ - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا عبدُ الوارِثِ بنُ يونُسَ عنِ الحَسَنِ
عنِ ابنِ عباسٍ قال ((أَمَرَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم بِصَوْمٍ عاشورَاءَ
يَوْمِ العَاشِرِ)) ..
من يوم التاسع صائماً الخ) قال النووى : هذا تصريح من ابن عباس بأنه مذهبه
أن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم ، ويتأوله على أنه مأخوذ من إظاء الإبل،
فإن العرب تسمى اليوم الخامس من يوم الورد ربعاء وكذا باقى الأيام على هذه
النسبة فيكون التاسع عشراً ، وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن
العاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم ، من قال ذلك سعيد بن المسيب والحسن
البصرى ومالك وأحمد وإسحاق وخلائق وهذا ظاهر الأحاديث ومقتضى اللفظ .
وأما تقدير أخذه من الإظماء فبعيد ، ثم إن حديث ابن عباس الثانى يرد عليه لأنه
قال إن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصوم عاشوراء ، فذكرو أن اليهودوالنصارى
تصومه فقال إنه فى العام المقبل يصوم التاسع ، وهذا تصريح بأن الذى كان يصومه
ليس هو التاسع فتعين كونه العاشر انتهى .
قلت : وقد تأول قول ابن عباس هذا الزين بن المنير بأن معناه أنه ينوى
الصيام فى الليلة المتعقبة التاسع ، وقواه الحافظ بحديث ابن عباس أنه صلى الله
عليه وسلم قال : إذا كان المقبل إن شاء اللّه صمنا التاسع فلم يأت العام المقبل حتى
توفى ، قال : فإنه ظاهر فى أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم العاشر وهم يصوم
التاسع فمات قبل ذلك انتهى . وقال الشوكانى : الأولى أن يقال إن ابن عباس أرشد
السائل له إلى اليوم الذى يصام فيه وهو التاسع لم يجب عليه بتعيين يوم عاشورا.
أنه اليوم العاشر لأن ذلك مما لا يسأل عنه ولا يتعلق بالسؤال عنه فائدة . فابن
عباس لما فهم من السائل أن مقصوده تعيين اليوم الذى يصام فيه أجاب عليه بأنه
التاسع، وقوله نعم بعد قول السائل: أهكذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يصوم؟ بمعنى
نعم هكذا كان يصوم لو بقى، لأنه قد أخبرنا بذلك ولا بدمن هذا لأنه صلى الله عليه وسلم
مات قبل صوم التاسع . وتأويل ابن المنيرفى غاية البعد لأن قوله وأصبح يوم التاسع
صائماً لا يحتمله انتهى كلام الشوكانى. قلت: وتأويل الشوكانى أيضاً بعيد فتفكر.
قوله: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم عاشوراء يوم العاشر)

٤٦٠
قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عَبَّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد اخْتَلَفَ أهلُ العلمِ فى يَوْمِ عَشَورَاءَ ، فقالَ بَعْضُهُمْ يَوْمُ التاسِعِ،
وقال بعضهم يَوْمُ العَاشِرِ .
هذا دليل على أن العاشوراء هو اليوم العاشر. قال فى اللبعات: مراتب صوم
المحرم ثلاثة: الأفضل أن يصوم يوم العاشر ويوماً قبله ويوماً بعده ، وقدجاء ذلك
فى حديث أحمد ، وثانيها أن يصوم التاسع والعاشر، وثالثها أن يصوم العاشر فقط.
وقد جاء فى التاسع والعاشر أحاديث ولهذا لم يجعلوا صوم العاشر والحادى عشرمن
المراتب وإن كان مخالفة اليهودفى هذه أيضاً، وكذا لا يجزىء التاسع من السنة انتهى.
قلت : قال الحافظ فى الفتح: ولأحمد مرفوعاً عن ابن عباس: صوموا يوم
عاشوراء ، خالفوا اليهود ، صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده وهذا كان فى آخر
الأمر ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه
بشىء ولا سما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان ، فلا فتحت مكة واشتهر أمر
الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضاً كما ثبت فى الصحيح ، فهذا من ذلك ،
فوافقهم أولا وقال : نحن أحق بموسى منكم، ثم أحب مخالفتهم فأمر بأن يضاف
إليه يوم قبله ويوم بعده خلافاً لهم انتهى .
قوله : ( حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) حديث ابن عباس الأول
أخرجه مسلم وأبو داود ، الثانى انفرد به الترمذى وهو منقطع بين الحسن البصرى
وابن عباس فإنه لم يسمع منه ، وقول الترمذى حديث حسن صحيح لم يوضح
مراده أى حديث ابن عباس أراد وقد فهم أصحاب الأطراف أنه أراد تصحيح
حديثه الأول فذكروا كلامه هذا عقيب حديثه الأول ، فتبين أن الحديث الثانى
منقطع وشاذ أيضاً لمخالفته للحديث الصحيح المتقدم ، كذا فى عمدة القارى
للعينى رحمه الله.
قوله : ( فقال بعضهم يوم التاسع وقال بعضهم يوم العاشر ) قال الزين بن
المنير : الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم وهو مقتضى
الاشتقاق والقسمية ، وقيل هو اليوم التاسع ، فعلى الأول فاليوم مضاف لليلته
الماضية وعلى الثانى هو مضاف لليلته الآتية ، وقيل إنما سمى التاسع عاشوراء أخذاً
من أوراد الإبل: كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام ثم أوردوها فى التاسع قالوا