النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
قال أبو عيسى : حديثُ ابنِ عباسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم (( أنَّهُ صلى
فى كُوفٍ أَرْبَعَ رَكَمَاتٍ فِى أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ )) .
وبه يقولُ الشافعىُ وأحمدُ وإسحاقُ .
قال : واختلفَ أهلُ العلمِ فى القراءةِ فى صلاةِ الكُوفِ ، فرأى
بعضُ أهلِ العلمِ أن يُسِرَّ بالقِرَاءَةِ فيها بالنَّهَارِ .
قوله ( حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) وقد ضعفه ابن حبان والبيهقى
وقد تقدم كلامهما (وقد روى عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم ، أنه صلى
فى كسوف أربع ركعات فى أربع سيدات) أخرجه الشيخان وقد تقدم لفظه ( وبه
يقول الشافعى وأحمد وإسحاق) وهو قول الجمهور . قال النووى فى شرح مسلم :
واختلفوا فى صفتها ، فالمشهور فى مذهب الشافعى أنها ركعتان فى كل ركعة قيامان
وقراء تان وركوعان ، وأما السجود فسجدتان كغيرهما . قال ابن عبد البر: وهذا
أصح ما فى هذا الباب وباقى الروايات المخالفة معللة ضعيفة ، وحملوا حديث ابن
سمرة بأنه مطلق وهذه الأحاديث تبين المراد به انتهى .
وقال الحافظ ابن تيمية فى كتاب التوسل والوسيلة فى بيان أن تصحيح مسلم
لا يبلغ مبلغ تصحيح البخارى ما لفظه: كما روى فى حديث الكسوف أن النبى
صلى الله عليه وسلم صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركوعات ، كما روى أنه صلى
بركوعين ، والصواب أنه لم يصل إلا بركوعين وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة
واحدة يوم مات ابراهيم ، وقد بين ذلك الشافعى وهو قول البخارى وأحمد بن
حنبل فى إحدى الروايتين عنه، والأحاديث التى فيها الثلاث والأربسع فيها أنه
صلاها يوم مات إبراهيم، ومعلوم أنه لم يمت فى يومى كسوف ولا كان ابراهيمان ،
ومن نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب انتهى كلامه .

١٤٢
ورأى بعضُهم أن يَجْهَرَ بالقراءةِ فيها كُنَحْوِ صَلاةِ العِيدَيْنِ وَالْجُمُعَّةِ .
وبه يقولُ مالِكٌ وأحمدُ وإسحاقُ يَرَوْنَ الجهرَ فيها .
قال الشافعىُ لا يَجْهَرُ فيها .
وقد صَحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم كِلْنَا الرُّوايتَيْنِ.
صَحَّ عنه أنه صلَّى أربعَ رَكَعَاتٍ فى أربعِ سَجَداتٍ ، وصَحَّ عنه أنه
صلّى ستَّ رَكَمَاتٍ فى أربعِ سَجَداتٍ .
وهذا عندَ أهلِ العلمِ جائزٌ على قَدْرِ الكُسوفِ، إِنْ تَطَاوَّلَ الكُسُوفُ
فَصَلَّى سِتَّرَ كَعَاتٍ فى أربعِ سَجَداتٍ فهو جائزٌ ، وإن صَلَّى أربعَ رَكَمَاتٍ
فى أرْبَعِ سَجَدَاتٍ وأَطالَ القِراءةَ فهو جائزٌ.
ويرى أصحابُنَا أن يُصَلَِّ صلاةَ الكُسوفِ فى جماعةٍ فى كُوفٍ
الشمسِ والقمرِ .
قوله (فرأى بعضهم أن يسر بالقراءة فيها بالنهار ، ورأى بعضهم أن يجهر
بالقراءة فيها كنحو صلاة العيدين والجمعة) ويجيء دلائل الفريقين (وبه يقول
مالك وأحمد وإسحاق يرون الجهر فيها) وهو الراجح عندى (صح أنه صلى أربع
ركعات فى أربع سجدات الخ) هذا بيان لقوله قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم
كلتا الروايتين والمراد بالركعات الركوعات (ويروى أصحابنا) أى أصحاب
الحديث ( أن يصلى صلاة الكسوف فى جماعة فى كسوف الشمس والقمر ) أى
وإن لم يحضر الإمام الراتب فيؤم لهم بعضهم وبه قال الجمهور ، وعن الثورى إن
لم يحضر الامام صلوا فرادى كذا فى فتح البارى .
قلت : وقال الحنفية أيضاً بأنه إن لم يحضر إمام الجمعة صلوا فرادى وقالوا
لاجماعة فى صلاة خسوف القمر، ففى شرح الوقاية عند الكسوف يصلى إمام الجمعة
بالناس ركعتين وإن لم يحضر أى إمام الجمعة صلوا فرادى كالخسوف انتهى

١٤٣
٥٥٨ - حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبى الشَّوارِبِ أخبرنا يزيدُ
ابن زُرَيعِ أخبرنا مَعْرٌ عن الزُّهْرِيِّ عن عُرُوَةً عن عائشةَ أنها قالت:
((خُسِفَتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فصَلَّى رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم بالنَّاسِ فأطالَ القراءةَ ثم رَ كَعَ فأطالَ الركوعَ ، ثم رَفَعَ
رَأْسَه فَأَطالَ القراءةَ، وهى دونَ الأولَى، ثم رَكَعَ فأطالَ الركوعَ ، وهو
دونَ الأولِ ، ثم رفعَ رأْسَهُ فسَجَدَ ثم فعلَ ذلكَ فى الرَّ كمةِ الثَّانِيةِ)) .
مختصرا . والقول الراجح الظاهر هو ما قال به الجمهور فانه قد روى الشيخان من
حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الشمس والقمر آيتان
من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلوا . وفى لفظ :
فافزعوا إلى الصلاة . و کذلك رویاه من حديث ابن عمر ومن حديث أبى مسعود
الأنصارى . ومعلوم أن صلاته صلى الله عليه وسلم فى كسوف الشمس كانت بالجماعة
فالظاهر أن تكون الصلاة فى خسوف القمر أيضاً بالجماعة . وأما إذا لم يحضر الإمام
الراتب فيؤم لهم بعضهم. وأما تعليلهم بأن فى الجمع بدون حضور الإمام المأذون له
احتمال الفتنة ففيه أنهم إذا اتفقوا على أحد يؤمهم وتراضوا به لا يكون احتمال الفتنة.
قوله ( ثم رفع رأسه فسجد) وفى رواية للبخارى : ثم سجد سجوداً طويلا ،
ووقع عند مسلم من حديث جابر بلفظ : ثم رفع فأطال ثم سجد ، ففيه تطويل الرفع
الذى يتعقبه السجود ، ولكن قال النووى هى رواية شاذة مخالفة فلا يعمل بها ،
أو المراد زيادة الطمأنينة فى الاعتدال لا إطالته نحو الركوع. قال الحافظ فى الفتح
ما لفظه: وتعقب بما رواه النسائي وابن خزيمة وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو
أيضاً ففيه : ثم ركع فأطال حتى قيل لا يرفع ، ثم رفع فأطال حتى قيل لا يسجد ، ثم
سجد فأطال حتی قیللا يرفع ، ثم رفع فلس فأطال الجلوس حتى قيل لا يسجد، ثم سجد.
لفظ ابن خزيمة من طريق الثورى عن عطاء بن السائب عن أبيه عنه ، والثورى سمع
من عطاء قبل الاختلاط ، فالحديث صحيح ولم أقف فى شىء من الطرق على تطويل
الجلوس بين السجدتين إلا فى هذا. وقد نقل الغزالى الاتفاق على ترك إطالته فإن
أراد الاتفاق المذهى فلا كلام وإلا فهو محجوج بهذه الرواية انتهى كلام الحافظ .

١٤٤
قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسن صحيح .
وبهذا الحديثِ يقولُ الشافعيُ وأحمدُ وإسحاقُ يَرَوْنَ صلاةَ الكُوفِ
أربعَ رَكَمَاتٍ فى أربعِ سَجَدَاتٍ .
قال الشافعي : يقرأُ فى الركعةِ الأولى بأمِ القرآنِ ونحواً من سورة البقرةِ
قوله ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان .
قوله ( وبهذا الحديث يقول الشافعى وأحمد وإسحاق يرون صلاة الكسوف
أربع ركعات فى أربع جدات ) المراد بالركعات الركوعات أى يرون فى كل ركعة
ركوعين وسجدتين وهو القول الراجح المعول عليه ، وقال الحنفية: إن فى كل ركعة
ركوعاً واحداً كسائر الصلوات الثنائية، واستدلوا على ذلك بحديث أبى بكرة الذى
أشار إليه الترمذى وقد ذكرنا لفظه ، ففي رواية البخارى فصلى بنا ركعتين، وفى
رواية ابن حبان والحاكم فصلى بهم ركعتين مثل صلاتكم، والنسائى مثل ما تصلون:
وحمله ابن حبان والبيهقى على أن المعنى كما تصلون فى الكسوف ، لأن أبا بكرة
خاطب بذلك أهل البصرة، وقد كان ابن عباس عليهم أنها ركعتان فى كل ركعة
ركوعان ، كما روى ذلك الشافعى وابن أبى شيبة وغيرهما : ويؤيد ذلك رواية
أبى بكرة من طريق عبد الوارث عن يونس فى صحيح البخارى فى أواخر
الكسوف أن ذلك وقع يوم مات ابراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم : وقد ثبت
فى حديث جابر عند مسلم مثله وقال فيه : إن فی کل ر کعة ر کوعين ، فدل ذلك على
اتحاد القصة وظهر أن رواية أبى بكرة مطلقة ، وفى رواية جابر زيادة بيان فى صفة
الركوع ، والأخذ بها أولى ، ووقع فى أكثر الطرق وعن عائشة أيضاً : أن فى كل
ركعة ركوعين ، وعند ابن خزيمة من حديثها أيضاً أن ذلك كان يوم مات إبراهيم
عليه السلام كذا فى فتح البارى : واستدلوا أيضاً بحديث النعمان بن بشير وقد
تقدم تخريجه وفيه فجعل يصلى ركعتين . ورواه النسائى بلفظ فصلوا كأحدث
صلاة صليتموها .
والجواب أن هذا الحديث مطلق ، وفى رواية جابر وغيره زيادة بيان فى صفة
الركوع فالأخذ بها هو أولى كما عرفت .

١٤٥
سرًّا إن كانّ بِالنَّهارِ، ثم رَكَعَ ركوعاً طويلاً نحواً من قراءتِهِ، ثم رَفَعَ رَأْسَ
بَتَكَبِيرٍ وَثَبَتَ قَائماً كماهُوَ ، وقرأ أيضاً بأمّ القرآنِ ونحواً من آلِ عمرانَ،
ثم رَكَعَ ركوعاً طويلاً نحواً من قراءتهِ ثم رَفَعَ رَأْسَهَ، ثم قال: سمعَ الله لِمَنْ
◌َمِدَهُ ، ثم سَجَدَ سجدتَن تأمَّتَيْنِ، ويَقُمُ فى كلِّ سَجْدَةٍ نحواً مما أقامَ فى ركُوعِه،
ثم قامَ فقرأْ بأمِّ القرآنِ ونحواً من سُورةِ النِّساء، ثم رَكَعَ ركوعاً طويلاً نحواً
من قِرَاءَتِهِ، ثم رَفَعَ رَأْسَهُ بتكبير وثَبَتَ قائماً، ثم قرأْ نحواً من سُورةٍ
المؤْدَةِ ، ثم رَكَع ركوعاً طويلاً نحواً من قراءته، ثم رَفَعَ فقالَ: سَمِعَ اللهُ
لِمَنْ حَمِدَهُ، ثم سَجَدَ سَجْدَ تَيْنِ، ثم تَشَهَّدَ وَسَلَّم)).
٣٩٢ - بابُ كيفَ القراءةُ فى الكُسُوفِ
٥٥٩ - حدثنا محمودُ بن غَيْلانَ أخبرنا وَكِيعٌ أخبرنا سُفيان عن
الْأَسْوَدِ بن قَيْسٍ عن تَعْلَبَةَ بنِ عِبَادٍ عن سَمرَُةَ بنِ جُنْدُبٍ قال: ((صلَّى بنا
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فى كُوفٍ لا نسمَعُ له صَوَتَاً » .
باب كيف القراءة فى الكسوف
أی بالمجهر أو بالسر .
قوله (عن الأسود بن قيس ) العبدى ويقال السجلى الكوفى يكنى أبا قيس
ثقة من الرابعة (عن ثعلبة بن عباد) بكسر العين المهدمة وتخفيف الموحدة العبدى
البصرى مقبول كذا فى التقريب : وقال الذهبى فى الميزان : تابعى سمع سمرة وعنه
الأسود بن قيس فقط بحديث الكسوف الطويل : قال ابن المدينى: الأسود يروى
عن مجاهيل ، وقال ابن حزم : ثعلبة مجهول انتهى .
قوله ( لا نسمع له صوتاً ) قال القارى فى المرقاة: هذا يدل على أن الإمام
(١٠ - تحفة الأحوذي - ٣)

١٤٦
وفى الباب عن عائشةً .
قال أبو عيسى: حديثُ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
غرببٌ .
لا يجهر بالقراءة فى صلاة الكسوف ، وبه قال أبو حنيفة وتبعه الشافعى وغيره .
قال ابن الهمام: ويدل عليه أيضاً حديث ابن عباس روى أحمد وأبو يعلى فى مسندهما
عنه: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم أسمع منه حرفاً من القراءة، ورواه
أبو نعيم فى الحلية عن ابن عباس قال: صليت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوم كسفت الشمس فلم أسمع له قراءة ، قال ولهما رواية عن عائشة
فى الصحيحين قالت : جهر النبى صلى الله عليه وسلم فى صلاة الخسوف بقراءته،
والبخارى من حديث أسماء جهر عليه الصلاة والسلام فى صلاة الكسوف ،
ورواه أبو داود والترمذى وحسنه وصححه ولفظه : صلى صلاة الكسوف جهر
فيها بالقراءة ثم قال : وإذا حصل التعارض وجب الترجيح بأن الأصل فى صلاة
النهار الإخفاء انتهى ما فى المرقاة .
قلت : أحاديث الجهر نصوص صريحة فى الجهر ، وأما حديث الباب أعنى
حديث سمرة فهو ليس بنص فى السر ونفى الجهر . قال الحافظ ابن تيمية فى المنتقى:
وهذا يحتمل أنه لم يسمعه لبعده لأن فى رواية مبسوطة له : أتينا والمسجد قد
امتلأ انتهى. وأما حديث ابن عباس بلفظ : صليت إلى جنب رسول الله
صلى الله عليه وسلم الخ فهو لا يوازى أحاديث الجهر فى الصحة، فلا شك فى أن حديث
الجهر مقدمة على حديث سمرة وحديث ابن عباس المذكورين والله تعالى أعلم .
قوله ( وفى الباب عن عائشة) أخرجه أبو داود وفيه: فصلى بالناس خزرت
قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة الحديث وفى سنده محمد بن إسحاق وقد تفرد
هو بهذا اللفظ .
قوله ( حديث سمرة بن جندب حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود
والنسائى وابن ماجة بعضهم مطولا وبعضهم مختصراً، وقد صححه ابن حبان
والحاكم أيضاً : قال الحافظ فى التلخيص : وأعله ابن حزم بجهالة ثعلبة بن عباد

١٤٧
وقد ذَهبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى هذا. وهو قَوْلُ الشافعىِّ
٥٦٠ - حدثنا أبو بكر محمدُ بنُ أبانَ أخبرنا إبراهيمُ بن صَدَقةً عن
سُفيانَ بن حُسَينٍ عن الزُّهرىِّ عن عُرْوَةَ عن عائشةَ ((أن النبيَّ صلى الله
عليه وسلم صلَّى صلاةَ الكُسُوفِ وجَهَرَ بالقرَاءَةِ فيها ».
راوية عن سمرة ، وقد قال ابن المدينى إنه مجهول ، وقد ذكره ابن حبان فى الثقات
مع أنه لا راوى له إلا الأسود بن قيس انتهى .
قوله ( وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا) أى إلى الإسرار بالقراءة
فى صلاة الكسوف (وهو قول الشافعى) وهو قول أبى حنيفة رحمه الله ومالك
رحمه اللّه قال النووى فى شرح مسلم: إن مذهبنا ومذهب مالك وأبى حنيفة رحمه
الله واللیث بن سعد و جمهور الفقهاء أنه یسر فی کسوف الشمس و مجهر فى خسوف
القمر انتهى. وقال الحافظ فى الفتح: قال الأئمة الثلاثة يعنى مالكا والشافعى
وأبا حنيفة: يسر فى الشمس ويجهر فى القمر انتهى . وقد عد الترمذى مالكا من
القائلين بالجهر بالقراءة فى صلاة الكسوف فلعل من الإمام مالك روايتين والله
تعالى أعلم .
قال الحافظ فى الفتح: واحتج الشافعى بقول ابن عباس قرأ نحواً من سورة
البقرة لأنه لو جهر لم يحتج إلى تقدير . وتعقب باحتمال أن يكون بعيداً منه.
لكن ذكر الشافعى تعليقاً عن ابن عباس أنه صلى بجنب النبى صلى الله عليه وسلم
فى الكسوف فلم يسمع منه حرفاً ، ووصله البيهقى من ثلاثة طرق أسانيدها داهية.
وعلى تقدير ثبوتها فثبت الجهر معه قدر زائد فالأخذ به أولى ، وإن ثبت التعدد
فيكون فعل ذلك لبيان الجواز، وهكذا الجواب عن حديث سمرة عند أبى خزيمة
والترمذى لم يسمع له صوتاً أنه إن ثبت لا يدل على نفى الجهر .
قوله ( أخبرنا إبراهيم بن صدقة ) البصرى صدوق .
قوله ( وجهر بالقراءه فيها ) هذا نص صريح فى الجهر بالقراءة فى صلاة
كسوف الشمس ، وفى رواية ابن حبان كسفت الشمس فصلى بهم أربع ركعات

١٤٨
قال أبو عيسى : هذا حديث حسنٌ صحيحٌ .
ورَوَى أبو إسحاقَ الفزارِىُّ عن سُفيانَ بن حُسَينٍ نحوَه.
وبهذا الحديثِ يقولُ مالكٌ وأحمدُ وإسحاقُ .
فى ركعتين وأربع سيدات وجهر بالقراءه، وبهذه الرواية بطل ما قال النووى
من أن رواية الجهر فى خسوف القمر ورواية الإسرار فى كسوف الشمس . وقد
روى البخارى فى صحيحه من حديث أسماء بنت أبى بكر قالت: جهر النبى صلى الله
عليه وسلم فى صلاة الكسوف ، قال الحافظ فى الفتح : وقد ورد الجهر فيها عن
على مرفوعاً وموقوناً أخرجه ابن خزيمة وغيره ، وقال به صاحباً أبى حنيفة وأحمد
وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما من محدثى الشاعية وأبن العربى من
المالكية ، وقال الطبرى يخير بين الجهر والإسرار انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الطحاوى .
فان قلت : روى هذا الحديث سفيان بن حسين عن الزهرى وهو ثقة فى غير
الزهرى فكيف يكون حديثه هذا بلفظ: وجهر بالقراءة فيها ، حسنا صحيحاً .
قلت: لم يتفرد هو برواية هذا الحديث بهذا اللفظ عن الزهرى بل تابعه على
ذلك سليمان بن كثير عند أحمد وعقيل عند الطحاوى وإسحاق بن راشد عند
الدار قطنى ، قال الحافظ: وهذه طرق يعضد بعضها بعضاً يفيد مجموعها الجزم بذلك
فلا معنى لتعليل من أعله بتضعيف سفيان بن حسين وغيره انتهى .
قوله: (وبهذا الحديث يقول مالك وأحمد وإسحاق) وهذا القول هو الراجح
المعول عليه .

١٤٩
٣٩٣ - بابُ ما جاء فى صَلاةِ الخُوْفٍ
٥٦١ - حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بن أبى الشَّوَاربِ أخبرنا يزيدُ
ابن زُرَيعِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزُّهرِىُّ عن سالمٍ عن أبيهِ ((أن النبيَّ صلى اللهُ
عليه وسلم صلَّى صلاةَ الخوفِ بإحدى الطائِفَتَيْنِ رَكمةٌ والطائِةُ الأُخْرَى
مُوَاجِهَةُ العَدُؤُّثم انصَرَ فوا فقاموا فى مَقَامٍ أولئكَ، وجاء أولئكَ فصلَّى بهمْ
ركمةً أُخرى ، ثم سَلَّم عليهم فقامَ هؤلاءِ فَقَّضَوْا رَكمْتَهم، وقَامَ هؤلاء
فَقَضَوْا رَكمَتَهُمْ)).
باب ما جاء فى صلاة الخوف
أى أحكام الصلاة عند الخوف من الكفار ، وأجمعوا على أن صلاة الخوف
ثابتة الحكم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم. وعن أبى يوسف أنها مختصة
برسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: وإذا كنت فيهم.
وأجيب بأنه قيد واقعى نحو قوله: (إِن خفتم) فى صلاة المسافر، ثم أتفقوا على
أن جميع الصفات المروية عن التی صلى الله عليه وسلم فى صلاةالخوف معتد بها،
وإنما الخلاف بينهم فى الآ جيح. وما أحسن قول أحمد: لا حرج على من صلى
بواحدة مما صح عنه عليه الصلاة والسلام، كذا فى المرقاة ، وذكر الحافظ ابن
تيمية فى منهاج السنة وغيره : أن الاختلاف الوارد فيه ليس اختلاف تضاد بل
اختلاف وسعة وتخییر انتهى .
قوله: (عن سالم عن أبيه). أى عبد الله بن عمر .
قوله: (والطائفة الأخرى مواجهة العدو) . وفى رواية البخارى فقامت
طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو ( ثم انصرفوا) أى الطائفة الأولى التى صلت
معه صلى اللّه عليه وسلم (فقاموا فى مقام أولئك )، أى فى مقام الطائفة الثانية
التى لم تصل (ثم سلم) أى النبى صلى الله عليه وسلم (عليهم) أى على الطائفة الثانية
(فقام هؤلاء فقضوا ركعتهم وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم ) وفى رواية البخارى فقام
كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين .

١٥٠
قال الحافظ فى فتح البارى : لم تختلف الطرق عن ابن عمر فى هذا . وظاهر
أنهم أتموا لأنفسهم فى حالة واحدة ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح
من حيث المعنى وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة وإفراد الإمام وحده
ويرجحه مارواه أبو داود من حديث ابن مسعود ولفظه : ثم سلم فقام هؤلاء
أى الطائفة الثانية فقضوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى
مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا انتهى . وظاهره أن الطائفة الثانية والت
بين ركعتبها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها . ووقع فى الرافعى تبعاً لغيره من كتب
الفقه أن فى حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت وجاءت الطائفة الأولى
فأتموا ركعة ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية فأتموا ، ولم نقف على ذلك فى شىء
من الطرق ، وبهذه الكيفية أخذ الحنفية ، واختار فى حديث ابن مسعود أشهب
والأوزاعى وهى الموافقة لحديث سهل بن أبى حثمة من رواية مالك عن يحي
بن سعيد انتهى كلام الحافظ .
وقال القارى فى المرقاة فى شرح قوله فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة
وسجد سجدتين ، تفصيله أن الطائفة الثانية ذهبوا إلى وجه العدو وجاءت الأولى إلى
مكانهم وأتموا صلاتهم منفردين وسلموا وذهبوا إلى وجه العدو وجاءت الطائفة
الثانية وأتموا منفردين وسلموا كما ذكره بعض الشراح من علمائنا ، قال ابن الملك
كذا قيل وبهذا أخذأبو حنيفة لكن الحديث لم يشعر بذلك انتهى. وهو كذلك،
لكن قال ابن الهام : ولا يخفى أن هذا الحديث إنما يدل على بعض ما ذهب إليه
أبو حنيفة وهو مشى الطائفة الأولى وإتمام الطائفة الثانية فى مكانها من خلف الإمام
وهو أقل تغييراً . وقد دل على تمام ما ذهب إليه ما هو موقوف على ابن عباس
من رواية أبى حنيفة ، ذكره محمد فى كتاب الآثار وساق إسناد الإمام ، ولا
يخفى ، أن ذلك مما لا مجال للرأى فيه ، فالموقوف فيه كالمرفوع انتهى ما فى المرقاة .
قلت : قال محمد فى كتاب الآثار : أخبرنا، أبو حنيفة عن حماد عن ابراهيم
فى صلاة الخوف قال إذا صلى الإمام بأصحابه فلتقم طائفة منهم مع الإمام وطائفة
بإزاء العدو فيصلى الإمام بالطائفة الذين معه ركعة ثم تنصرف الطائفة الذين
صلوا مع الإمام من غير أن يتكلموا حتى يقوموا فى مقام أصحابهم وتأتى الطائفة

١٥١
وفى البابِ عن جابرٍ وحُذَيفةَ وزيدِ بنِ ثابتٍ وابن عباسٍ وأبى هريرةَ
وابنٍ مسعودٍ وسهلِ بن أبى حَثْمَةَ وَأَبِى عَّشِ الزُّرَقِىِّ واسمُهُ زيدُ بنُ صامتٍ
وأبى بكرَةَ .
قال أبو عيسى : وقد ذهبَ مالك بن أنسٍ فى صَلاةِ الخوفِ إِلى حَديثٍ
سهلِ بنِ أبِى حَثْمَةَ .
الأولى حتى يصلوا ركعة وحدانا ثم ينصرفون فيقومون مقام أصحابهم وتأتى
الطائفة الأخرى حتى يقضوا الركعة التى بقيت عليهم وحدانا . قال محمد أخبرنا
أبو حنيفة حدثنا الحارث عن عبد الرحمن عن ابن عباس مثل ذلك قال محمد وبهذا
كله نأخذ انتهى ما فى كتاب الآثار .
قلت : الحارث هذا إن كان هو الأعور فقد كذبه الشعبى وابن المدينى وإن
کان غيره فلا أدری من هو .
قوله : ( وفى الباب عن جابر وحذيفة وزيد بن ثابت وابن عباس وأبي هريرة
وابن مسعود وسهل بن أبى حثمة وأبى عياش الزرقى واسمه زيد بن ثابت وأبى بكرة)
أما حديث جابر فأخرجه الشيخان . وأما حديث حذيفة فأخرجه أبو داود
والنسائى. وأما حديث زيد بن ثابت فأخرجه النسائى . وأما حديث ابن عباس
فأخرجه النسائى. وأما حديث أبى هريرة فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائى.
وأما حديث ابن مسعود فأخرجه أبو داود . وأما حديث سهل بن أبى حثمة
فأخرجه الشيخان . وأما حديث أبى عياش الزرقى فأخرجه أحمد وأبو داود
والنسائى. وأما حديث أبى بكرة فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائى.
قلت : وفى الباب أيضاً عن على وعائشة وخوات بن جبير وأبى موسى
الأشعرى . أما حديث على فأخرجه الزار . وأما حديث عائشة فأخرجه
أبو داود . وأما حديث خوات بن جبير فأخرجه أبو مندة فى معرفة الصحابة .
وأما حديث أبى موسى فأخرجه ابن عبد البر فى التمهيد .
قوله : (وقدذهب مالك ابن أنس فى صلاة الخوف إلى حديث سهل بن أبى حثمة)
الآتى، وفى هذا الباب قال مالك فى الموطأ: وحديث القاسم بن محمد عن صالح ابن

١٥٢
وهو قولُ الشافعىِّ .
وقال أحمدُ : قد رُوِىَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم صَلاةُ الخوفٍ على
أوْجِهٍ ، وما أعْلَمُ فى هذا البابِ إلا حديثاً صحِيحاً، وأَخْتَّارُ حديثَ سَهْلِ
ابن أبى حَشْهَ .
وهكذا قال إسحاقُ بنُ إبراهيمَ قال : ثبتَت الرواياتُ عن النبيّ صلى الله
عليه وسلم فى صَلاةِ الخوفِ، ورأى أن كُلَّ ما رُوِىّ عن النبيِّ صلى الله
خوات أحب ما سمعت إلى فى صلاة الخوف انتهى . والمراد بحديث القاسم بن محمد
عن صالح بن خوات هو حديث سهل بن أبى حثمة (وهو قول الشافعى الخ) .
قال الحافظ فى الفتح : قد ورد فى كيفية صلاة الخوف صفات كثيرة ورجح
ابن عبد البر الكيفية الواردة فى حديث ابن عمر على غيرها لقوة الإسناد ولموافقة
الأصول فى أن المأموم لا يتم صلاته قبل سلام إمامه. وعن أحمد قال: ثبت فى صلاة
الخوف ستة أحادیث أو سبعة أيها فعل المرم جاز ، ومال إلى ترجيح حديث سهل
ابن أبى حثمة وكذا رجحه الشافعى ولم يختر إسحاق شيئاً على شىء ، وبه قال
الطبرى وغير واحد منهم ابن المنذر وسرد ثمانية أوجه وكذا ابن حبان فى صحيحه
وزاد تاسعاً .. وقال ابن حزم: صح فيها أربعة عشر وجهاً وبينها فى جزءمفرد
وقال ابن العربى فى القبس: جاء فيها روايات كثيرة أصحها ستة عشر رواية مختلفة
ولم يبينها ، وقال النووى فى شرح مسلم ولم يبينها أيضاً وقدبينها شيخنا أبو الفضل
فى شرح الترمذى وزاد وجهاً آخر فصارت سبعة عشر وجهاً لكن يمكن أن
تتداخل . قال صاحب الهدى : أصولها ست صفات بلغها بعضهم أکثر وهؤلاء
كلما رأوا اختلاف الرواة فى قصة جعلوا ذلك وجهاً من فعل النبى صلى الله عليه وسلم
وإنما هو من اختلاف الرواة انتهى ، وهذا هو المعتمد وإليه أشار شيخنا بقوله:
يمكن تداخلها انتهى ما فى الفتح ( وما أعلم فى هذا الباب إلا حديثاً صحيحاً) .
قال الحافظ فى التلخيص : ونقل ابن الجوزى عن أحمد أنه قال : ما أعلم فى هذا
الباب حديثاً إلا صحيحاً.

١٥٣
عليه وسلم فى صَلاةِ الخوفِ فهو جائز وهذا على قَدْرِ الخوفِ .
قال إسحاقُ: وَلَسْنَا نُختَارُ حديثَ سَهْلٍ بِنِ أبِى حَثْمَةَ على غيرهِ منَ
الرواياتٍ . وحديثُ ابنٍ ثُمَرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رَوَاهُ موسى بنُ
عقبةً عن نافعٍ عن ابن عُمَرَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم نحوَه.
٥٦٢ - حدثنا محمدُ بن بَشَّارِ عن يحيى بن سَعيدٍ القطّانِ أخبرنا يحيى
ابنُ سعيدٍ الأنصارىُ عن القاسم بن محمدٍ عن صالح بن خَوَّاتِ بن جُبَيْرٍ عن
سهلٍ بن أبى حَثْمَةَ أنه قال فى صَلاةِ الخوفِ قال: ((يقومُ الإمامُ مستقبلَ
القِبْلَةِ وتقومُ طائفةٌ منهم مَعُهُ، وطائِةٌ من قِبَلِ العَدُوِّ وجُوهُهُمْ إلى العدوِّ،
فيركَعُ بهم ركمةً ، ويركَعُونَ لْأنْفُسِهِم ركمةً ، ويسجُدون لأنفسِهِمْ سجدْ تَبْنِ
فى مكانِهِمْ، ثم يَذْهَبُونَ إِلى مَقَامِ أولئكَ ويجيىء أولئكَ فيركَعُ بهم ركعةٌ
ويسجدُ بهم سجِدَ تَيْنِ فهى له ثِذْتَانِ ولَهُمْ وَاحِدَةٌ ثم يركَمُونَ ركعةً ويسجُدُونَ
سجْدَتَيْن)).
قوله: ( حديث ابن عمر حديث حسن صحيح). أخرجه الأئمة الستة .
قوله : (عن صالح بن خوات ) . بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو وبالتاء
الفوقانية أنصارى مدنى تابعى مشهور غزير الحديث سمع أباه وسهل بن أبى حشمة
(عن سهل بن أبى حشمة ) الأنصارى الخزرجى المدنى صحابى صغير ولد سنة ثلاث
من الهجرة وله أحاديث مات فى خلافة معاوية .
قوله: (فیرکع بهم رکمة و یرکعون لأنفسهم رکمة ويسجدون لأنفسهم سجدتين
فى مكانهم ثم يذهبون فى مقام أولئك) وفى رواية مالك فى الموطأ فيركع الإمام
ركعة ويسجد بالذى معه ثم يقوم فإذا استوى قائماً ثبت وأتموا لأنفسهم الركعة
الباقية ثم يسلمون وينصرفون والإمام قائم فيكونون وجاه العدو (ومجىء أولئك
فيركع بهم ركعة ويسجد بهم سجدتين) أى ثم يسلم وحده (هى) أى فهذه الصلاة
(له) صلى الله عليه وسلم ثنتان أى ركعتان (ولهم) أى لكل واحد من الطائفتين
(واحدة) أى ركعة واحدة (ثم يركعون ركعة ويسجدون سجدتين) أى ثم يسلمون.

١٥٤
٥٦٣ - قال محمدُ بن بَشّارٍ : سألتُ يحيى بن سعيدٍ عن هذا الحديثِ
فحدَّ ثَنِى عن شُعْبَةَ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالحِ بن خَوَّاتٍ
عن سهلٍ بن أبى خَتْمَةً عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بمثلٍ حديثٍ يحيى بن
سعيد الأنصارىِّ وقال لى اكتُبُهُ إِلى جَنْبِهِ، ولَسْتُ أحفظُ الحديثَ.
ولكنهُ مِثْلُ حديثٍ يحيى بن سَعِيدٍ الأنصارىِّ .
قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ لم يرفَهُ يحيى بنُ سعيدٍ
وفى رواية مالك فى الموطأ : ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكرون ورا.
الإمام فيركع بهم ويسجد بهم ثم يسلم فيقومون فيركمون لأنفسهم الركعة الثانية
ثم يسلمون.
قولة : (قال محمد بن بشأر سالت يحيى بن سعيد) أى القطان (عن هذا الحديث)
أى هل بلغك هذا الحديث مرفوعاً أم لا (حدثنى) أى يحيى القطان ( مثل حديث
يحيى بن سعيد الأنصارى) المذكور الموقوف (وقال لى اكتبه إلى جنبه) هذا مقول
محمد بن بشار أى وقال لى يحيى بن سعيد القطان : اكتب الحديث الذى رویته عن
شعبة مرفوعاً إلى جنب الحديث الذى رويته عن يحيى بن سعيد الأنصارى
موقوفاً (ولست أحفظ الحديث) أى قال يحيى القطان لست أحفظ لفظ الحديث
الذى رويته عن شعبة مرفوعاً ( لكنه) أى لكن الحديث المرفوع (مثل حديث
يحيى بن سعيد الأنصارى) الموقوف المذكور .
تنبيه: إعلم أن بعض العلماء الحنفية قد فسر قوله : وقال لى أكتبه الخ هكذا
قوله وقال لى أكتبه مقولة يحيى أى قال لى شعبة أكتب هذا الحديث الذى رويت
لك إلى جنب الحديث الذی رویت عن يحيى بن سعيد الأنصارى انتهى ، وفى هذا
نظر كما لايخفى على المتأمل فتأمل .
قوله ( وهذا حديث حسن صحيح) أى هذا الحديث الموقوف الذى رواه
يحيى بن سعيد الأنصارى حسن صحيح وأخرجه مالك فى الموطأ والبخارى
ومسلم أيضاً .

١٥٥
الأنصارِىُّ عن القاسم بن محمد، وهكذا رَوَاهُ أصحابُ يحيى بنٍ سعيدٍ
الأنصارِىُّ موقوفاً، ورَفَهُ شُعْبَةُ عن عبد الرحمنِ بنِ القاسِمِ بنِ محمدٍ .
٥٦٤ - ورَوَى مالك بن أنسٍ عن يزيدَ بن رُوْمَانَ عن صالحِ بنِ
خَوَّاتٍ عن من صلَّى مع النبيّ صلى الله عليه وسلم صَلاةَ الخوفِ فذكَرَ نحوَه.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ . وبه يقولُ مالك والشافعيّ
وأحمدُ واسحاقُ .
ورُوِىَ عن غيرٍ واحِدٍ (( أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى يإحدَى
الطائِفَتَيْنِ رَكْمَةَ رَكْمةً فكانَتْ للنبيُّ صلى الله عليه وسلم ركمَتَّانِ ولهم
رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ .
قوله (وبه ) أى بحديث سهل بن أبى حثمة ( يقول مالك والشافعى وأحمد
وإسحاق) وأخذ أبو حنيفة بحديث عبد الله بن عمر المذكور كما تقدم بيان ذلك
وروى عن غير واحد أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى بإحدى الطائفتين ركعة
ركعة الخ) أخرج روايات هؤلاء أبو داود فى سنته من شاء الاطلاع عليه
فليرجع إليه. وأخرج الشيخان عن جابر قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع الحديث ، وفيه فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا
وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين قال : فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع
ركعات والقوم ركعتان . ولا اختلاف بين هذا وبين ما روى أنه صلى الله عليه
وسلم صلى بإحدى الطائفتين ركعة ركعة لاختلاف القصتين .

١٥٦
٣٩٤ - بابُ ما جَاءَ فِى سُجُودِ القُرآنِ
٥٦٥ - حدثنا سُفيانُ بن وَكِيعِ أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ وُهَبٍ عن
عَمِو بنِ الحادِثِ عن سَعيدِ بنِ أبى هِلالٍ عن عُمَرَ الدِّمَشْقِىِّ عن أمّ
الدَّرْدَاءِ عن أبى الدَّرْدَاءِ قال ((سَجَدْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً منها التى فى النَّجْمِ».
باب ماجاء فى سجود القرآن
أى سجدة التلاوة وهى أربع عشرة سجدات معروفة عند أبى حنيفة والشافعى،
غير أن الشافعى عد منها السجدة الثانية من سورة الحج دون سجدة ص ، وقال
أبو حنيفة بالعكس ، هذا هو المشهور . وقال الترمذى: رأى بعض أهل العلم أن
يسجد فى ص وهو قول سفيان وابن المبارك والشافعى وأحمد وإسحاق انتهى .
فعلى هذا يكون عند الشافعى وأحمد خمس عشرة سجدة وهو رواية عن مالك ، كذا
فى المحلى شرح الموطأ للشيخ سلام الله .
وقال النووى فى شرح مسلم : قد أجمع العلماء على إثبات سجود التلاوة وهو
عندنا وعند الجمهور سنة ليس بواجب ، وعند أبى حنيفة رضى الله عنه واجب
ليس بفرض على اصطلاحه فى الفرق بين الواجب والفرض ، وهو سنة القارى.
والمستمع ، ويستحب أيضاً للسامع الذى لا يسمع لكن لا يتأكد فى حقه تأكده
فى حق المستمع المصفى انتهى كلام النووى . وقال القارى فى المرقاة : هى سجدة
منفردة منوية محفوفة بين تكبيرتين مشروط فيها ماشرط الصلاة من غير رفع يد
وقيام وتشهد وتسليم وتجب على القارئ. والسامع ولو لم يكن مستمعاً عند أبى
حنيفة وأصحابه انتهى كلام القارى .
قوله ( عن عمر الدمشقى ) هو ابن حيان الدمشقى وهو مجهول كما صرح به
الحافظ فى التقريب .
قوله ( سجدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة الخ) هذا
لاينافى الزيادة غايته أن أبا الدرداء سجد معه إحدى عشرة سجدة ولم يحضر فى غيرها
قاله صاحب إنجاح الحاجة .

١٥٧
قلت : ومع هذا فهو حديث ضعيف فإن فى سنده عمر الدمشقى وهو مجهول
كما عرفت، وفى طريقه الثانى الآتى قال عمر الدمشقى سمعت مخبراً يخبر فى فهذا
الخبر أبضاً مجهول . وقد صرح أبوداود بتضعیفه حیث قال فى سننه:روی عن أبى
الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة واسناده واه. انتهى كلام
أبى داود. وروى أبو داود وابن ماجة عن عمرو بن العاص أن النبى صلى الله
عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة فى القرآن منها ثلاث فى المفصل وفى سورة الحج
سجدتان ، والحديث سكت عنه أبو داود والمنذرى ، وقال الحافظ فى التلخيص
حسنه المنذرى والنووى وضعفه عبد الحق وابن القطان وفيه عبد الله بن منين
وهو مجهول، والراوى عنه الحارث بن سعيد العتقى وهو لا يعرف أيضاً. وقال
ابن ماكولا ليس له غير هذا الحديث انتهى كلام الحافظ .
قلت : قال الحافظ فى التقريب: عبد الله بن منين بنون مصغراً الحصى المصرى
وثقه يعقوب بن سفيان انتهى. وقال فى ترجمة الحارث بن سعيد العتقى أنه مقبول،
فالظاهر أن هذا الحديث حسن ، وفيه دليل على أن مواضع السجود خمسة عشر
موضعاً ، وإليه ذهب أحمد والليث وإسحاق وابن وهب وطائفة من أهل العلم .
قال الطيبي: واختلفوا فى عدة بجدات القرآن فقال أحمد : خمس عشرة أخذاً بظاهر
حديث عمرو بن العاص فأدخل سمدة ص فيها . وقال الشافعى أربع عشرة سجدة
منها ثنتان فى الحج وثلاث فى المفصل وليست سجدة ص منهن بل هى سجدة شكر .
وقال أبو حنيفة : أربع عشرة فأسقط الثانية من الحج وأثبت سجمدة ص . وقال
مالك : إحدى عشرة فأسقط سمدة ص وسجدات المفصل انتهى كلام الطيبى .
قلت: الظاهر هو ماذهب إليه الامام أحمد وهو مذهب الشافعى أيضاً على
ما حکی الترمذى وهو رواية عن مالك وهو مذهب اللیث وغيره كما عرفت .
فائدة : إعلم أن أول مواضع السجود خاتمة الأعراف، وثانيها عند قوله
فى الرعد بالغدو والآصال ، وثالثها عند قوله فى النحل ويفعلون ما يؤمرون ،
ورابعها عند قو له فىبنى إسرائيل ويزيدهم خشوعاً ، وخامسها عند قوله فی مريم
خروا سجداً وبكياً ، وسادسها عند قوله فى الحج إن الله يفعل مايشاء، وسابعها

١٥٨
وفى البابِ عن علىَّ وابنِ عباسٍ وأبى ◌ُريرةً وابنِ مسعودٍ وزيدِ بنِ
ثابتٍ وعمرو بنِ العاصِ .
قال أبو عيسى : حديثُ أبى الدرداءِ حديثٌ غريبٌ لا نعرِفُهُ إلاَّ مِن
حديثٍ سعيدِ بن أبى هِلالٍ عن عُمَرَ الدّمَثْقِىِّ.
عند قوله فى الفرقان وزادهم نفورا ، وثامنها عند قوله فى النمل رب العرش
العظيم ، وتاسعها عند قوله فى ألم تنزيل وهم لا يستكبرون ، وعاشرها عند قوله
فى ص وخر راكعاً وأناب ، والحادى عشر عند قوله فى حم السجدة إن كنتم
إياه تعبدون . وقال أبو حنيفة والشافعى والجمهور عند قوله وهم لا يسأمون ،
والثانى عشر والثالث عشر والرابع عشر سعدات المفصل ، والخامس عشر السجدة
الثانية فى الحج كذا فى النيل .
قو له وفى الباب عن على وابنعباس وأبى هريرة وابن مسعودوزيد بن ثابت
وعمرو بن العاص ) أما حديث على فأخرجه الطبرانى فى الأوسط وسنده ضعيف
أن النبى صلى الله عليه وسلم سعد فى صلاة الصبح فى تنزيل السجدة. وأخرج البيهقى
عنه بلفظ عزائم السجود أربع ألم تنزيل السجدة ، وحم السجدة ، واقرأ باسم
ربك ، والنجم . كذا فى شرح السراج . وأما حديث ابن عباس فأخرجه
البخارى والترمذى . وأما حديث أبى هريرة فأخرجه مسلم والترمذى . وأما
حديث ابن مسعود فأخرجه الشيخان . وأما حديث زيد بن ثابت فأخرجه
أيضاً الشيخان . وأما حديث عمرو بن العاص فأخرجه أبو داود وابن ماجة
وتقدم لفظه .
قوله ( حديث أبى الدرداء حديث غريب) وهو ضعيف كما عرفت (لا نعرفه
إلا من حدیث سعید بن أبى هلال عن عمر الدمشقى) وهو مجهول كما عرفت .
وقال الحافظ فى ترجمة سعيد بن أبى هلال : صدوق لم أر لابن حزم فى تضعيفه
سلفاً . إلا أن الساجى حكى عن أحمد أنه اختلط .

١٥٩
٥٦٦ - حدثنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمن أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صَالح
أخبرنا اللَّيْثُ بن سَعدٍ عن خالدِ بنِ يَزَيدَ عن سَعيدِ بنِ أبى هِلالٍ عن
عُمَرَ وهو ابنُ حَيَّنَ الدّمَشْقِىُّ قَال ◌َمِعْتُ مَخْبِراً يُخْبِرُنى عن أمّ الدَرْداءِ
عن أبى الدَّرداءِ قال (( سَجَدْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إحدى
عَشْرَةَ سَجْدةً منها التى فى النَّجْمِ» .
وهذا أصحْ من حديثٍ سُفيانَ بنِ وكيعٍ عن عبدِ اللهِ بن وَهْبٍ .
٣٩٥ - بابٌ فى خُرُوجِ النِّسَاءِ إلى المساجدِ
٥٦٧ - حدثنا نصرُ بنُ علىِّ أخبرنا عيسى بنُ يونَُ عن الأعْمَشِ
عن بُجَاهِدٍ قال: كُنَّا عندَ ابنٍ مُمَرَ فقال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
((يذَ نُوا النِّسَاءِ بالليلِ إِلى المَسَاجِدِ)) فقال ابنُهُ: واللهِ لا تَأْذَنُ لَهُنَ يَتَّخِذْنَهُ
قوله ( وهذا أصح من حديث سفيان بن وكيع) أى حديث عبد الله ن
عبد الرحمن أرجح من حديث سفيان من وكيع وضعفه أقل من ضعفه، فإن سفيان
بن وكيع متكلم فيه . قال الحافظ فى التقريب : كان صدوقا إلا أنه ابتلى بوراقه
فأدخل عليه ما ليس من حديثه فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه انتهى. وقال الخزرجى
فى الخلاصة قال البخارى يتكلمون فيه .
باب فى خروج النساء إلى المساجد
قوله أخبرنا ( عيسى بن يونس) بن أبى إسحاق السبيعى بفتح المهملة وكسر
الموحدة أخو إسرائيل كوفى نزل الشام من أبطا ثقة مأمون .
قوله (ايذنوا بصيغة الأمر من الإذن) وكأن أصله إذنوا فأبدلت الهمزة
الثانية بالياء ( بالليل) خص الليل بالذكر لما فيه من الستر بالظلمة ( فقال ابنه)
أی بلال أو واقد . قال المنذری وان عبد الله بن عمر هذا هی بلال بن عبد الله

١٦٠
دَغلاً ، فقال: فعلَ اللهُ بِكَ وفَعَلَ ، أقولُ: قال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم
وتقولُ لا نأْذَنُ !؟)).
وفى البابِ عن أبى ◌ُرَيرةَ وزَيذَبَ امرأةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ وزیدٍ
ابنِ خالدٍ .
بن عمر جاء مبيناً فى صحيح مسلم وغيره ، وقيل هو ابنه واقد بن عبد الله بن عمر
ذكره مسلم فى صحيحه أيضاً. وقد حقق الحافظ فى الفتح أن الراجح أن صاحب
القصة بلال (والله لانأذن لهن) أى للخروج إلى المساجد ( يتخذنه دغلا)
بفتح المهملة ثم المعجمة وأصله الشجن الملتف ثم استعمل فى المخادعة لكون
المخادع يلف فى ضميره أمراً ويظهر غيره ، وكأنه قال ذلك لما رأى من فساد بعض
النساء فى ذلك الوقت وحملته على ذلك الغيرة ( فقال ) أى ابن عمر ( فعل الله بك
وفعل ) وفى رواية بلال عند مسلم : فأقبل عليه عبد الله نسبه سباً سيئاً ماسمعته
يسبه مثله قط . وفسر عبد الله بن هبيرة فى رواية الطبرانى السب المذكور باللعن
ثلاث مرات ، وفى رواية زائدة عن الأعمش فانتهره وقال أف لك وإنما أنكر
عليه ابن عمر بمخالفة الحديث. وأخذ منه تأديب المعترض على السننن برأيه ،
وعلى العالم بهواه ، وتأدیب الرجل ولده وان کان کبیراً إذا تكلم بما لا ينبغى له ،
وجواز التأديب بالهجران . فقد وقع فى رواية ابن أبى نجيح عن مجاهد عند أحمد
فما كله عبد الله حتى مات. وهذا إن كان محفوظاً يحتمل أن يكون أحدهما مات
عقب هذه القصة كذا فى الفتح .
قوله ( وفى الباب عن أبى هريرة وزينب امرأة عبد الله بن مسعود وزيد
بن خالد ) أما حديث أبى هريرة فأخرجه أحمد وأبو داود مرفوعاً بلفظ: لا تمنعوا
إماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات، وأخرجه أيضاً ابن خزيمة . وأما حديث
زينب فأخرجه مسلم بلفظ: إذا شهدت إحدا كن المسجد فلا تمس طيباً. وأما
حديث زيد بن خالد فأخرجه ابن حبان يمثل حديث أبى هريرة .