النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
وقال أحمدُ : ومن صَلاَّها قبلَ الزوالِ فإنهُ لَمْ يَرَ عليهِ إعادةً .
٣٥٧ - بابُ ما جاء فى الخطبةٍ على المنبرِ
٥٠٣ - حدثنا أبو حفصِ عَمْرُو بنُ علىِّ الفَلَّسُ أخبرنا عثمانُ بن
ومنها حديث سهل بن سعد رضى الله عنه: ماكنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد
الجمعة . رواه الجماعة ، ووجه الاستدلال به أن الغداء والقيلولة محلهما قبل الزوال
وحكوا عن ابن قتيبة أنه قال : لا يسمى غذاء ولا قائلة بعد الزوال ، وأجاب عنه
النووى وغيره بأن هذا الحديث وما فى معناه محمول على المبالغة فى تعجيلها وأنهم
كانوا يؤجلون الغداء والقيلولة فى هذا اليوم إلا ما بعد صلاة الجمعة ندبوا إلى التبكير
إليها فلو اشتغلوا بشىء من ذلك قبلها خافوا فوتها أو فوت التبكير إليها .
ومنها أثر عبد الله بن سيدان قال: شهدت الجمعة مع أبى بكر فكانت صلاته
وخطبته قبل نصف النهار ، وشهدتها مع عمر رضى الله عنه فكانت صلاته وخطبته
إلى أن أقول قد انتصف النهار ، وأجاب عنه الحافظ بن حجر وغيره بأن عبد الله
ابن سيدان غير معروف العدالة. قال ابن عدى شبه المجهول ، وقال البخارى
لا يتابع على حديثه بل عارضه ما هو أقوى منه فروى ابن أبى شيبة من طريق
سويد بن غفلة أنه صلى مع أبى بكر وعمر حين زالت الشمس، اسناده قوى ، وأستدل
بعضهم بقوله صلى الله عليه وسلم: إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين، قال فلما
سماه عيداً جازت الصلاة فيه فى وقت العيد كالفطر والأخرى ، وتعقب بأنه
لايلزم من تسمية يوم الجمعة عيداً أن يشتمل على جميع أحكام العيد بدليل أن يوم
العيد يحرم صومه مطلقاً سواء صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة .
والظاهر المعول عليه هو ماذهب إليه الجمهور من أنه لا تجوز الجمعة إلا بعد
زوال الشمس ، وأما ما ذهب إليه بعضهم من أنها تجوز قبل الزوال فليس فيه
حديث صحيح صريح والله تعالى أعلم.
باب ما جاء فى الخطبة على المنبر
أى مشروعيتها ولم يقيدها بالجمعة ليتناولها ويتناول غيرها.
قوله: ( حدثنا أبو حفص عمرو بن على الفلاس ) الصير فى الباهلى البصرى

٢٢
عُمَرَ ويحيى بنُ كَثيرِ أبو غَسانَ العَنْبَرَىُّ قالا حدثنا معاذُ بن العَلاءِ عن
نافعٍ عن ابن عُمَرَ ((أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يخطُبُ إلى جِذْعٍ ،
فلما اتَخَذَ المنبرَ حَنَّ الجِدْعُ حتى أتَاهُ فالْتَزَمَهُ فَسَكَنَ)).
وفى البابِ عن أنسٍ وجابرٍ وسهلٍ بن سعدٍ وَأُ بَىِّ بنِ كعبٍ وابن عباسٍ
وأمِّ سَلَمَةَ .
ثقة حافظ من العاشرة ( أخبرنا عثمان بن عمر ) بن فارس العبدى بصرى أصله
من بخارى ثقة من التاسعة ( ويحيى بن كثير أبو غسان العنبرى ) مولاهم البصرى
ثقة من التاسعة (حدثنا معاذ بن العلاء) بن عمار المازنى أبو غسان البصرى صدوق
من السابعة (وكان يخطب إلى جذع) أى مستنداً إلى جذع وهو واحد جذوع
النخلة .
قوله ( حن الجذع) أى صوت مشتاقا إليه ، وأصل الحنين ترجيع الناقة
صوتها إثر ولدها .
قوله ( وفى الباب عن أنس) أخرجه البخارى فى الاعتصام وفى الفتن وفيه
خطب النبى صلى الله عليه وسلم على المنبر (وجابر) أخرجه البخارى وفيه قصة
اتخاذ المنبر وصياح النخلة ( وسهل بن سعد) أخرجه البخارى وفيه قصة عمل
المنبر (وأبى بن كعب) أخرجه ابن ماجة ورواه عبد الله من زياداته فى المسند
وفيه رجل لم يسم وعبد الله بن محمد بن عقيل وفيه كلام وقد وثق (وابن عباس)
أخرجه الطبرانى فى الكبير مرفوعاً بلفظ : كان يخطب يوم الجمعة ويوم الفطر
ويوم الأضحى على المنبر الحديث وفيه حسين بن عبد الله بن عبيدالله بن عباس وهو
ضعيف وبقية رجاله موثقون كذا فى مجمع الزوائد (وأم سلمة) أخرجه الطبرانى
فى الكبير مرفوعاً بلفظ : كان يخطب إلى جذع المسجد فلا صنع المنبر حن الجذع
إليه فاعتنقه النبى صلى الله عليه وسلم فسكن ، قال فى مجمع الزوائد : رجاله
موثقون .

٢٣
قال أبو عيسى: حديثُ ابن عُمَرَ حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ .
ومعاذُ بن العلاءِ هو بصرىٌ أخو أبى عَمْرٍو بن العَلاَءِ .
٣٥٨ - بابُ ما جاء فى الجلوسِ بين الخطْبَتَيْنِ
٥٠٤ - حدثنا ◌ُمَيَدُ بن مَسْعَدَةَ البَصْرِىُّ أخبرنا خالدُ بنُ الحارثِ
أخبر نا عُبَيْدُ اللهِ بن ◌ُمَرَ عن نافعٍ عن ابن عُمَرّ ((أنَّ النّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم
كان يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ ثم يَجْلِسُ ثم يقومُ فَيَخْطُبُ . قال : مثلَ ما يفعلونَ
اليومَ)).
قوله (حديث ابن عمر حديث حسن غريب صحيح) أخرجه مطولا من
طريق أبى حباب الكلى وهو ثقة لكنه مدلس وقد عنعنه كذا فى مجمع الزوائد.
باب ما جاء فى الجلوس بين الخطبتين
قوله (حدثنا حميد بن مسعدة) بضم الحاء المهملة بصرى صدوق من العاشرة .
قولة ( كان يخطب يوم الجمعة ثم يجلس ثم يقوم فيخطب ) فيه مشروعية
الجلوس بين الخطبتين واختلف فى وجوبه فقال الشافعى إنه واجب ، وذهب
أبو حنيفة ومالك إلى أنه سنة وليس بواجب كجلسة الاستراحة فى الصلاة عند
من يقول باستحبابها . وقال ابن عبد البر: ذهب مالك والعراقيون وسائر فقها.
الأمصار إلا الشافعى إلى أن الجلوس بين الخطبتين سنة لاشىء على من تركها كذا
فى عمدة القارى ، واستدل الشافعى على وجوبه لمواظبته صلى الله عليه وسلم
على ذلك من قوله : صلوا كما رأيتمونى أصلى . قال ابن دقيق العيد . يتوقف
ذلك على ثبوت أن إقامة الخطبتين داخل تحت. كيفية الصلاة وإلا فهو استدلال
بمجرد الفعل كذا فى فتح البارى : وروى هذا الحديث أبو داود بلفظ يقوم
فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب وأستفيد من هذا أن حال الجلوس
بين الخطبتين لا كلام فيه : قال الحافظ ابن حجر : لكن ليس فيه نفى أن يذكر
اله أو يدعوه سرا انتهى .

٢٤
وفى البابٍ عن ابن عباسٍ وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ وجابرٍ بن سَحُرَةَ .
قال أبو عيسى : حديثُ ابْنِ عُمَر حديثٌ حسنٌ صحيحٌ . وهو الذى
رَآهُ أهلُ العِلْمِ أن يَفْصِلَ بين الخَطْبَتَيْنِ بجُوِسٍ .
٣٥٩ - بابُ ما جاء فى قِصَرِ الخطبة
٥٠٠ - حدثنا قُتَيْبَةُ وَهَنَّادٌ قالا أخبرنا أبو الأحوصِ عن ◌ِمَاكِ
إعلم أنه لم يرد تصريح مقدار الجلوس بين الخطبتين فى حديث الباب وما رأيته
فى حديث غيره. وذكر ابن التين أن مقداره كالجلسة بين السجدتين وعزاه لابن
القاسم وجزم الرافعى وغيره أن يكون بقدر سورة الإخلاص .
قوله ( وفى الباب عن ابن عباس أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلى والطبرانى
من رواية الحجاج بن أرطأة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس مرفوعا بلفظ:
كان يخطب قائما ثم يقعد ثم يقوم ثم يخطب كذا فى عمدة القارى (وجابر بن
عبد الله) أخرجه البخارى ( وجابر بن سمرة ) رواه الجماعة إلا البخارى
والترمذى .
قوله ( حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) أخرجه أبو داود من طريق
التمرى عن نافع عن ابن عمر، قال المنذرى فى إسناده العمرى وهو عبد الله
ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وفيه مقال انتهى.
قلت : وفى إسنادى الترمذى عبيد الله بن عمر مصغرا وهو ثقة.
باب ما جاء فى قصر الخطبة
بكسر القاف وفتح الصاد ، قال فى القاموس القصر كعنب خلاف الطول .
قوله ( أخبرنا أبو الأحوص) هو سلام بن سليم الكونى قال ابن معين
ثقة متقن .

٢٥
ابنِ حَرْبٍ عن جابر بن سَحُرةَ قال ((كنتُ أصلّى مع النبيِّ صلى الله عليه
وسلم فكانت صلاتُهُ قَضْداً وخُطبتُهُ قضْداً ».
وفى البابِ عن عَّارٍ بن ياسرٍ وابنِ أبى أوْقى .
قوله ( فكانت صلاته قصدا) أى متوسطة بين الإفراط والتفريط من
التقصير والتطويل .
فإن قلت : حديث جابر هذا ينافى حديث عمار مرفوعاً : إن طول صلاة
الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فاطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة ، رواه مسلم.
قلت : قال القارى فى المرقاة: لا تنافى بينهما فإن الأول دل على الاقتصاد فهما
والثانى على اختيار المزية فى الثانية منهما انتهى . وقال النووى فى شرح مسلم:
لا مخالفة لأن المراد بحديث عمار أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة
لا تطويلا يشق على المأمومين، وهى حينئذ قصد أى معتدلة والخطبة قصد بالنسبة
إلى وضعها انتهى . وقال العراقى فى شرح الترمذى: أو حيث احتج إلى التطويل
لإدراك بعض من تخلف قال وعلى تقدير تعذر الجمع بين الحديثين يكون الأخذ فى
حقنا بقوله لأنه أول لا بفعله لاحتمال التخصيص انتهى .
قوله ( وخطبته قصداً ) .
فإن قلت : هذا ينافى حديث أبى زيد قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم الفجر وصعد المنبر خطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ، ثم صعد المنبر
خطبنا حتى حضرت العصر ، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر خطبنا حتى غربت
الشمس فأخبرنا بما كان وبما هو كائن . رواه مسلم.
قلت : لا تنافى بينهما لورود ما فى حديث أبى زيد نادراً اقتضاء الوقت
ولكونه بياناً للجواز وكأنه كان واعظاً والكلام فى الخطب المتعارفة. واله
القارى .
قوله ( وفى الباب عن عمار بن ياسر ) أخرجه مسلم وتقدم لفظه ( وابن أبى
أوفى) أخرجه النسائى بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيل الصلاة
ويقصر الخطبة قال العراقى فى شرح الترمذى إسناده صحيح .

٢٦
قال أبو عيسى : حديثُ جابرٍ بن سَمُرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
٣٦٠ - بابُ ما جاء فى القراءة على المِنْبَرِ
٥٠٦ - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبر ناسفيانُ بن ◌ُيَيْنَةَ عنِ عَمْرٍ و بنٍ دينار
عن عَطَاءٍ عن صفوانَ بن يَعْلَى بن أمَّةَ عن أبيه قال ((سمعتُ النبيَّ صلى الله
عليه وسلم يقرأُ على المنْبَرِ وَنادَوُا يا مالِكُ».
وفى البابِ عن أبى هريرةَ وجَابِرِ بن سَحُرُةً .
قال أبو عيسى: حديثُ يَعْلَى بن أمَّةَ حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ ،
وهو حديثُ ابْنِ عُيَيْنَةً .
قوله (حديث جابر بن سمرة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا البخارى
وأبا داود كذا فى المنتقى .
باب ماجاء فى القراءة على المنبر
قوله ( يقرأ على المنبر ونادوا يا مالك) أى يقول الكفار لمالك خازن النار
( يا مالك ليقض علينا ربك ، أى بالموت والمعنى سل ربك أن يقضى علينا ،
يقولون هذا لشدة ما بهم فيجابون بقوله ( إنكم ماكثون) ، أى خالدون :
واستدل به على مشروعية القرءاة فى الخطبة وسيجيء ذكر الاختلاف فى وجوبها.
قوله ( وفى الباب عن أبى هريرة) أخرجه البزار بلفظ: خطبنا النبى صلى الله
عليه وسلم يوم جمعة فذكر سورة وله حديث آخر عند ابن عدى فى الكامل :
خطب النبى صلى الله عليه وسلم الناس على المنبر يقرأ آيات من سورة البقرة
(وجابر بن سمرة) أخرجه الجماعة إلا البخارى والترمذى وفيه: ويقرأ آيات ويذكر
الناس .
قوله ( حديث يعلى بن أمية حديث غريب صحيح ) أخرجه الشيخان
وأبو داود والنسائى .

٢٧
وقد اختارَ قومٌ مِن أهلِ العلم أن يقرأ الإمامُ فى الخطبةِ آيَا مِنِ القرآنِ.
قال الشافِىُّ: وإذا خطب الإمامُ فلم يقرأُ فى خُطْبتِهِ شيئاً مِنِ القرآنِ
أَعاد الخطبَةَ .
قوله ( آياً من القرآن ) بمد الهمزة جمع آية .
قوله ( أعاد الخطبة ) قال الشوكانى فى النيل : ذهب الشافعى إلى وجوب
الوعظ وقراءة آية ، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب وهو الحق . قال وقد
اختلف فى محل القراءة على أربعة أقوال .
الأول : فى إحداهما لا بعينها ، وإليه ذهب الشافعى وهو ظاهر إطلاق
الأحاديث .
والثانى: فى الأولى ، وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعى ، واستدلوا بما
رواه ابن أبى شيبة عن الشعبى مرسلا قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه ثم قال السلام عليكم ويحمد الله تعالى
ويثنى عليه ويقرأ سورة ثم يجلس ثم يقوم فيخطب ثم ينزل . وكان أبو بكر
وعمر يفعلانه .
والثالث أن القراءة مشروعة يهما جميعا وإلى ذلك ذهب العراقيون من
أصحاب الشافعى .
والرابع فى الخطبة الثانية دون الأولى ، ويدل له مارواه النسائى عن جابر
بن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً ثم يجلس ثم يقوم
ويقرأ آيات ويذكر الله عز وجل . قال العراقى إسناده صحيح . وأجيب عنه
بأن قوله ويقرأ آيات ويذكر الله معطوف على قوله يخطب لا على قوله يقوم .
والظاهر من أحاديث الباب أن النبى صلى الله عليه وسلم كان لا يلازم قراءة سورة
أو آية مخصوصة فى الخطبة بل كان يقرأ مرة هذه السورة ومرة هذه ومرة هذه
الآية ومرة هذه انتهى .

٢٨
٣٦١ - بابٌ فى استقبالِ الإمامِ إذا خَطَبَ
٥٠٧ - حدثنا عبادُ بن يعقُوبَ الكوفىُّ أخبرنا محمدُ بن الفَضْلِ
ابنِ عَطَّةَ عن منصورٍ عن ابراهيمَ عن عَلْقَمَةَ عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ قال :
((كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا اسْتَوَى على المنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ
بُوُجُوهِنَا)).
وفى البابِ عن ابن عُمرَ .
باب فى استقبال الإمام إذا خطب
قوله ( حدثنا عباد بن يعقوب الكوفى ) الرواجنى صدوق راضى حديثه
فى البخارى مقرون بالغ ابن حبان فقال يستحق الترك ( أخبرنا محمد بن الفضل
ابن عطية) الكوفى نزيل بخارى كذبوه من الثامنة مات سنة ١٨٠ ثمانين ومائة
کذا فى التقريب .
قوله ( استقبلناه بوجوهنا ) قال ابن الملك أى توجهناه ، فالسنة أن يتوجه
القوم الخطيب والخطيب القوم انتهى . قال أبو الطيب المدنى فى شرح الترمذى
أى لا بالتحلق حول المنبر لما سبق من المنع عنه يوم الجمعة بل بالتوجه إليه
فى الصفوف ويؤيده ماراوه البخارى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه
فى خطبة العيد ولفظه: فأول شىء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس
والناس جلوس على صفوفهم. وأما حديث أبى سعيد الخدرى أن النبى صلى الله
عليه وسلم جلس يوماً على المنبر وجلسنا حوله، رواه البخارى فيمكن حمله على غير
الجمعة والعيد .
قوله (وفى الباب عن ابن عمر) أخرجه الطبرانى فى الأوسط والبيهقى فى سنته
بلفظ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عنده
فإذا صعده استقبل الناس بوجهه ، لفظ البيهقى وضعفه وقال الطبرانى: فإذا صعد

٢٩
وَحديثُ منصورٍ لانعرفُهُ إِلا مِن حديثِ محمدِ بنِ الفَضْلِ بنِ عَطَّةَ .
ومحمدُ بنُ الفضْلِ بنِ عَطَّةَ ضعيفٌ ذاهبُ الحديثِ عند أصحابِنَا .
والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم
وغيرهم يَسْتَحِبُونَ استقبَالَ الإمامِ إذا خطَبَ . وهو قولُ سفيانَ الثورىِّ
والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ .
قال أبو عيسى : ولا يَصِحُ فى هذا البابِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم
شىء .
المنبر توجه إلى الناس وسلم عليهم كذا فى عمدة القارى . وفى الباب حديث عدى
بن ثابت عن أبيه عن جده قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر
استقبله أصحابه بوجوههم أخرجه ابن ماجة ، وقال ابن ماجة: أرجو أن يكون
متصلا ، قال : والد عدى لاصحبة له إلا أن يراد بأبيه جده أبو أبيه فله صحبة
على رأى بعض الحفاظ من المتأخرين كذا فى النيل .
قوله ( ومحمد بن الفضل بن عطية ضعيف ذاهب الحديث ) قال الطيى أى
ذاهب حديثه غير حافظ للحديث وهو عطف بيان لقوله ضعيف (عند أصحابنا)
أى عند أصحاب الحديث حديث ابن مسعود المذكور ضعيف وذكره الحافظ
فى بلوغ المرام وقال : وله شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة .
قوله ( وهو قول سفيان الثورى والشافعى وأحمد وإسحاق) وهو قول الحنفية
قال القارى فى المرقاة فى شرح المنية : يستحب القوم أن يستقبلوا الإمام عند
الخطبة لكن الرسم الآن أنهم يستقبلون القبلة للحرج فى تسوية الصفوف لكثرة
الزحام . قال القارى لا يلزم من استقبالهم الإمام ترك استقبال القبلة على ما يشهد
عليه الحديث الآتى فى أول باب العيد فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على
صفوفهم . نعم الجمع بينهما متعذر فى غير جهة الإمام فى المسجد الحرام انتهى
ما فى المرقاة .
قولة ( ولا يصح فى هذا الباب عن النبى صلى اللهعليه وسلم شىء ) قال الحافظ.

٣٠
٣٦٢ - بابٌ فى الرَكَعَتَيْنِ إِذا جاءَ الرجلُ والإمامُ يَخْطُبُ
٥٠٨ - حدثنا قُتَيْبةُ أخبرنا حَمَّادُ بن زيدٍ عن عمرو بنِ دینارٍ
عن جابر بن عبدِ اللهِ قال: ((بينما النبيُّ صلى الله عليه وسلم يخطُبُ يومَ
الجمعةِ إِذ جاءَ رجلٌ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَصَلَّيْتَ ؟ قال لاَ قال:
نتم فاركَعْ )» .
قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٥٠٩ - حدثنا محمدُ بنُ أبى ◌ُمرَ أخبرنا سفيانُ بن عُيَينةَ عن محمدٍ
فى فتح البارى بعد نقل كلام الترمذى هذا يعنى صريحاً وقد استنبط المصنف يعنى
البخارى من حديث أبى سعيد أن النبى صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم على
المنبر وجلسنا حوله استقبال الناس الإمام ، ووجه الدلالة منه أن جلوسهم حولة لسماع
كلامه يقتضى نظرهم إليه غالباً ولا يعكر على ذلك ما تقدم من القيام فى الخطبة
لأن هذا محمول على أنه كان يتحدث وهو جالس على مكان عال وهم جلوس أسفل
منه ، وإذا كان ذلك فى غير حال الخطبة كان حال الخطبة أولى لورود الأمر
بالاستماع لها والإنصات عندها انتهى كلام الحافظ .
باب فى الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب
قوله ( إذ جاء رجل) هو سليك بمهملة مصغراً الغطفانى ( قم فاركع) أى
تم فصل وفى بعض النسخ فاركع ركستين وفى رواية للبخارى قم فصل ركعتين .
قوله( هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعةوفى رواية: إذا جاء أحدكم
يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما. رواه أحمد ومسلم وأبو
داود. وفى رواية إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليصل ركعتين،
متفق عليه كذا فى المنتقى .

٣١
ابنِ عَجْلانَ عن عِياضِ بن عبدِ اللهِ بن أبى سَرْحٍ أن أبا سعيد الخدرىَّ
دخلَ يومَ الجمعةِ ومَرَوَانُ بخطُبُ فقام يصّى، فَجاءَ الَرَسُ لِيُجْلِسُوهُ فَأَى
حتى صلَّى، فلما انصرفَ أتَيناهُ فقلنا : رحمكَ اللهُ إنْ كادوا لَقَعُوا بِك
فقال: ماكنتُ لأَنْرُ كَهُمَا بعدَ شىءٍ رأيْتُهُ مِن رسولِ الله صلى الله
عليه وسلم ، ثم ذكَرَ أن رجلاً جاءَ يومَ الجمعةِ فى حَيْئَةٍ بَذَّةٍ والنبيُّ يخطُبُ
قوله (عن عياض) بكسر العين المهملة وتخفيف التحتانية وآخره معجمة
(بن عبد الله بن أبى سرج) بفتح السين المهملة وسكون الراء بعدها مهملة القرشى
العامرى المكى ثقة من الثالثة مات على رأس المائة .
قوله ( ومروان يخطب) جملة حالية ، ومروان هذا هو مروان بن الحكم بن
أبى العاص أمية أبو عبد الملك الأموى المدنى ولى الخلافة فى آخرسنة أربع وستين
ومات سنة خمس فى رمضان وله ثلاث أو إحدى وستون سنة لا يثبت له صحبة
من الثانية كذا فى التقريب . وقال صاحب المشكاة فى ترجمته : ولد مروان على
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل سنة اثنتين من الهجرة وقيل عام الخندق
وقيل غير ذلك ، فلم ير النبى صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفاه
إلى الطائف فلم يزل بها حتى ولى عثمان فرده إلى المدينة فقدمها وابنه معه مات
بدمشق سنة ٦٥ خمس وستين ،روى عن نفر من الصحابةوروى عنه نفر من التابعين
منهم عثمان وعلى وعروة بن الزبير وعلى بن الحسين انتهى (بجاء الحرس) بفتح
الحاء والراء قال فى القاموس : حرسه حرساً وحراسة فهو حارس ج حرس
وأحراس وحراس والحرسى واحد حرس السلطان وهم الحراس انتهى . وقال
فی الصراح: حرس بفتحتین نگاهبان درکام سلطان حراس ج حرسی یکی ازیشال
انتهى (وليجلسوه) من الاجلاس والتجليس (إن كادوا ليقعوا بك) كلمة إن
مخففة من الثقيلة أى أن الشأن كادوا ليوقعوا بك بالضرب كما هو الظاهر أو السب
کذا فی شرح الترمذى لأی الطيب السندى .
قوله ( أن رجلا جاء) وهو سليك (فى هيأة بذة) بفتح الباء الموحدة
وتشديد الذال المعجمة أى سيئة تدل على الفقر ، قال فى القاموس بذذت كعلمت

٣٢
يومَ الجمعةِ فأمَرَهُ فصلَّى رَكَعَتَيْنٍ والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يخطبَ )).
قال ابنُ أَبِى ◌ُمَرَ: كان ابنُ مُيَيْنَةَ يصلّى ركعتين إذا جاءَ والإمامُ
يخطبُ ويَأْمُرُ بهِ ، وكان أبو عبد الرحمنِ المقرىء يَرَاهُ.
قال أبو عيسى: وسمعتُ ابنَ أبى ◌ُمرَ يقولُ: قال ابنُ مُيَيْنَة: كان محمدُ
ابنُ عَجْلانَ ثقَةً مأموناً فى الحديثِ .
بذاذة وبذاذاً وبذوذة ساءت حالك ، وباذ الهيئة وبذها رثها انتهى فصلى ركعتين
والنبى صلى الله عليه وسلم يخطب قال فى منتقى الأخبار : هذا يصرح بضعف
ماروى أنه أمسك عن خطبته حتى فرغ من الركعتين انتهى . قلت : أشار صاحب
المنتقى إلى حديث أنس أخرجه الدار قطنى بلفظ قال : جاء رجل ورسول الله صلى
الله عليه وسلم يخطب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قم فاركع ركعتين،
وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته قال الدار قطنى : أسنده عبيد بن محمد
العبدى عن معتمر عن أبيه عن قتادة عن أنس ووهم فيه والصواب عن معتمر
عن أبيه كذلك رواه أحمد بن حنبل وغيره عن معتمر ثم رواه من طريق أحمد
مرسلا . وعبيد بن محمد هذا روى عنه أبو حاتم ، وإنما حكم عليه الدار قطنى بالوهم
مخالفته من هو أحفظ منه أحمد بن حنبل وغیرہ ( قال ابن أبى عمر ) هو محمد بنأبى
عمر شيخ الترمذى (وكان أبو عبد الرحمن المقرى ) اسمه عبد الله بن يزيد المكى
أصله من البصرة أو الأهواز ثقة فاضل أقرأ القرآن نيفاً وسبعين سنة من التاسعة
وهو من كبار شيوخ البخارى كذا فى التقريب ( يراه) أى يعتقده وجوزه (كان
محمد بن عجلان ثقة مأمونا ) قال فى التقريب : محمد بن عجلان المدنى صدوق إلا أنه
اختلطت عليه أحاديث أبى هريرة . وقال الذهبى فى الميزان فى ترجمته: وثقه أحمد
وابن معين وابن عيينة وأبو حاتم وروى عباس عن ابن معين قال: ابن عملان أو ثق
من محمد بن عمرو ما يشك فى هذا أحد. وقال الحاكم أخرج له مسلم فى كتابه
ثلاثة عشر حديثاً كلها شواهد، وقد تكلم المتأخرون من أئمتنا فى سوء حفظه
وقد بسط الذهب فى ترجمته .

٣٣
وفى الباب عن جابرٍ وأبى هريرةً وسهلِ بنِ سعدٍ .
قال أبو عيسى : حديثُ أبى سعيد الخدرىِّ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ. وبه يقولُ الشافعى وأحمدُ
وإسحاقُ .
قوله ( وفى الباب عن جابر ) قال العراقى: إن قيل قد صدر المصنف بحديث
جابر فما وجه قوله : وفى الباب عن جابر بعد أن ذكره أولا وما عادته أن يعيد
ذكر صحابى فى الحديث الذى قدمه على قوله وفى الباب ، فالجواب لعله أراد
حديثاً آخر لجابر غير الحديث الذى قدمه وهو ما رواه الطبرانى من طريق الأعمش
عن أبى سفيان عن جابر قال : دخل النعمان بن نوفل ورسول الله صلى الله عليه
وسلم على المنبر يخطب يوم الجمعة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : صل ركعتين
وتجوز فيهما فإذا أتى أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين وليخففهما،
كذا فى قوت المغتذى (وأبى هريرة) أخرجه ابن ماجة ( وسهل بن سعد )
أخرجه ابن أبى حاتم فى العلل بنحو حديث أبى سعيد . وفى الباب أيضاً عن
سليك عند أحمد قال : قال النبى صلى الله عليه وسلم: إذا جاء أحدكم والإمام يخطب
فليصل ركعتين خفيفتين ، ورواه أيضاً ابن عدى فى الكامل .
قوله ( حديث أبى سعيد الخدرى حديث حسن صحيح) قال فى المنتقى :
رواه الخمسة إلا أبا داود انتهى. وقال الحافظ فى الفتح: ورواه ابن خزيمة
وصحه .
قوله ( والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وبه يقول الشافعى وأحمد
وإسماق) واستدلوا بأحاديث الباب. قال النووى فى شرح مسلم: هذه الأحاديث
كلها يعنى التى رواها مسلم صريحة فى الدلالة لمذهب الشافعى وأحمد وإسماق وفقها.
المحدثين أنه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب يستحب له أن يصلى
ركعتين تحية المسجد ويكره الجلوس قبل أن يصليهما، وأنه يستحب أن يتجوزفهما
ليسمع بعدهما الخطبة . وحكى هذا المذهب عن الحسن البصرى وغيره من
(٣ - تحفة الأحوذي - ٣)

٣٤
وقال بعضهم: إذا دخلَ والإمامُ يخطبُ فإنه يجلسُ ولا يصَلَى. وهو
قولُ سفيانَ الثورىِّ وأهلِ الكوفةِ. والقولُ الأُولُ أصْحُ .
المتقدمين وقال بعضهم (إذا دخل والإمام يخطب فإنه يجلس ولا يصلى ، وهو قول
سفيان الثورى وأهل الكوفة) قال النووى : قال القاضى وقال مالك والليث
وأبو حنيفة والثورى وجمهور السلف من الصحابة والتابعين لا يصليهما ، وهو
مروى عن عمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم.
وحجتهم الأمر بالإنصات للإمام، وتألوا أحاديث الباب بأنه كان عرياناً
فأمره التى صلى الله عليه وسلم بالقيام ليراه الناس ويتصدقوا عليه ، وهو تأويل
باطل يرده صريح قوله صلى الله عليه وسلم: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام
يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما ، وهذا نص لايتطرق إليه تأويل ولا أظن
عالماً يبلغه هذا اللفظ ويعتقده صحيحاً فيخالفه انتهى . وقال الحافظ فى الفتح قال
جماعة منهم القرطى : أقوى ما اعتمده المالكية فى هذه المسألة عمل أهل المدينة
خلفاً عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك أن التنفل فى حال الخطبة منوع
مطلقاً .
وتعقب بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك ، فقد ثبت فعل التحية عن أبى
سعيد الخدرى وهو من فقهاء الصحابة من أهل المدينة وحمله عنه أصحابه من أهل
المدينة أيضا ، ولم يثبت عن أحد من الصحابة صريحاً مايخالف ذلك . وأما مانقله.
ابن بطال عن عمر وعثمان رضى الله عنهما وغير واحد من الصحابة من المنع
مطلقاً ، فاعتماده فى ذلك على روايات عنهم فيها احتمال كقول ثعلبة بن أبى مالك:
أدركت عمر وعثمان وكان الإمام إذا خرج تركنا الصلاة. وجه الاحتمال أن يكون
ثعلبة عنى بذلك من كان داخل المسجد خاصة . قال شيخنا الحافظ أبو الفضل
فى شرح الترمذى : كل من نقل عنه يعنى من الصحابة منع الصلاة والإمام يخطب
محمول على من كان داخل المسجد لأنه لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحية
وقد ورد فيها حديث يخصها فلا تترك بالاحتمال انتهى. ولم أقف على ذلك صريحاً
عن أحد من الصحابة . وأما ما رواه الطحاوى عن عبد الله بن صفوان أنه دخل

٣٥
المسجد وابن الزبير يخطب فستلم الركن ثم سلم عليه ثم جلس ولم يركع وعبد الله
ابن صفوان وعبد الله بن الزبير صحابيان صغيران، فقال الطحاوى: لما لم ينكر
ابن الزبير على ابن صفوان ولا من حضرهما من الصحابة ترك التحية دل على
صحة ما قلناه .
وتعقب بأن تركهم السكير لا يدل على تحريمها بل يدل على عدم وجوبها ولم
يقل به مخالفوهم انتهى. (والقول الأول أصح) فإنه يدل عليه الأحاديث الصحيحة
الصريحة ، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام
يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما ، وهذا نص لا يتطرق إليه تأويل . وكل
ما أجاب به أهل القول الأول عن أحاديث الباب فهو مخدوش .
ومن الأجوبة التى ذكروها أن هذا كان فى حالة إباحة الأفعال فى الخطبة قبل
أن ينهى عنها ، قالوا ويؤيده أن النبى صلى الله عليه وسلم كلم هذا الرجل، فكلامه
مع هذا الرجل يدل على أنه قبل أن ينسخ فى الخطبة ثم أمر بالإنصات والاستماع
وترك الكلام حتى منع من أن يقول لصاحب أنصت :
وأجيب عنه بأن سليكاً متأخر الإسلام جداً ، فالقول بأن هذا كان قبل
أن ينسخ الكلام فى الخطبة باطل مردود على قائله : قال الحافظ فى الفتح : قيل
كانت هذه القصة قبل تحريم الكلام فى الصلاة . وتعقب بأن سليكاً متأخر
الإسلام جداً ، وتحريم الكلام متقدم جداً . فكيف يدعى نسخ المتأخر بالمتقدم
مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال انتهى .
ومنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خاطب سليكاً سكت عن خطبته
حتى فرغ سليك من صلاته ، فعلى هذا فقد جمع سليك بين سماع الخطبة وصلاة
التحية ، فليس فيه حجة لمن أجاز التحية والخطيب يخطب .
وأجيب عنه بأن الدارقطنى الذى أخرجه من حديث أنس قد ضعفه ،
وقال إن الصواب أنه من رواية سليمان التيمى مرسلا أو معضلا كذا فى فتح البارى
وقال العينى فى عمدة القارى معترضاً على هذا الجواب ما لفظة: المرسل حجة
عندنا ، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبى شيبة : حدثنا هشيم قال أخبرنا أبو معشر

٣٦
عن محمد بن قيس أن النبى صلى الله عليه وسلم حيث أمره أن يصلى ركعتين أمسك
عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه ثم عاد إلى خطبته انتهى .
قلت : الحديث المرسل وإن كان حجة عند الحنفية لكن المحقق أنه ليس
بحجة كما تقرر فى مقره ، لحديث سليمان التيمى المرسل ليس بحجة بل هو ضعيف،
ويضعفه أيضاً حديث أبى سعيد الخدرى الذى أخرجه الترمذى فى هذا الباب
بلفظ ، فصلى ركعتين والنبى صلى الله عليه وسلم يخطب، وهو حديث صحيح،
ويضعفه أيضاً حديث جابر رضى الله عنه: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب
فليركع ركعتين وليتجوز فيهما . رواه أحمد ومسلم وأبو داود ، وأما رواية
ابن أبى شيبة فهى أيضاً مرسلة ومع إرسالها فهى ضعيفة ، قال الدارقطنى بعد
إخراجها . هذا مرسل لا تقوم به الحجة ، وأبو معشر اسمه نجيح وهو ضعيف
انتهى . قال الحافظ فى التقريب: نجيح بن عبد الرحمن السندى أبو معشر مشهور
بكنيتة ضعيف من السادسة أسن واختلط انتهى .
فالحاصل أنه لم يثبت بحديث صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عن
الخطبة حين أمره أن يصلى ركعتين ، بل ثبت بالحديث الصحيح أنه صلى ركعتين
والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب .
ومنها أن ذلك كان قبل شروعه صلى الله عليه وسلم فى الخطبة ، وقد بوب
النسائى فى سننه الكبرى على حديث سليك قال : باب الصلاة قبل الخطبة ، ثم
أخرج عن أبى الزبير عن جابر قال : جاء سليك الغطفانى ورسول الله صلى الله عليه
وسلم قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلى فقال له صلى الله عليه وسلم: أركعت
ركعتين ؟ قال لا ، قال قم فاركعهما . كذا فى عمد القارى .
وأجيب عنه بأن القعود على المنبر لا يختص بالابتداء بل يحتمل أن يكون بين
الخطبتين أيضاً فيكون كلمه بذلك وهو قاعد فلما قام ليصلى قام النبي صلى الله عليه
وسلم الخطبة لأن زمن القعود بين الخطبتين لايطول . ويحتمل أيضاً أن يكون
الراوى تجوز فى قوله قاعد ، لأن الروايات الصحيحة كلها مطبقة على أنه دخل
والنبى صلى الله عليه وسلم يخطب كذا فى فتح البارى. وقال العينى فى عمدة القارى

٢٧
معترضاً على هذا الجواب ما لفظه : الأصل ابتداء قعوده ، وقعوده بين الخطبتين
محتمل فلا يحكم به على الأصل انتهى .
قلت : لا نسلم أن القعود الأول أصل والثانى محتمل، بل نقول إن القعودين
كلهما أصل ، وعلى تقدير التسليم فالحكم بالمحتمل على الأصل متعين ههنا لأن
الروايات الصحيحة كلها مطبقة على أنه دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب،
ثم قال العينى معترضاً على قول الحافظ: ويحتمل أن يكون الراوي تجوز الخ ما لفظه :
هذا ترويج لكلامه ونسبة الراوى إلى ارتكاب المجاز مع عدم الحاجة والضرورة
انتہی .
قلت : نسبة الراوى إلى ارتكاب المجاز ليس بلا حاجة وضرورة بل ذلك
لحاجة شديدة وقد بينها الحافظ بقوله لأن الروايات الصحيحة كلها مطبقة على أنه
دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب. فالحاصل أن لفظ قاعد فى حديث جابر
إما يراد به القعود بين الخطبتين أو يقال إن الراوى تجوز فيه ، وإلا فهذه الزيادة
شاذة مخالفة لسائر الروايات الصحيحة فهى غير مقبولة .
ومنها أن هذه الواقعة واقعة عین لا عموم لها ،فيحتمل اختصاصها بسليك ،
ويدل عليه قوله فى حديث أبى سعيد الذى أخرجه أصحاب السنن وغيرهم : جاء
رجل والذ صلى الله عليه وسلم يخطب والرجل فى هيئة بذة فقال له أصليت ؟ قال
لا . قال صل ركعتين ، وحض الناس على الصدقة الحديث ، فأمره أن يصلى ليراه
بعض الناس وهو قائم فيتصدق عليه . ويؤيده أن فى هذا الحديث عند أحمد أن
النبى صلى الله عليه وسلم قال إن هذا الرجل دخل فى المسجد فى هيئة بذة فأمرته
أن يصلى ركعتين وأنا أرجو أن يفطن له رجل فيتصدق عليه .
قلت : هذا مردود، فإن الأصل عدم الخصوصية، والتعليل بكونه صلى الله
عليه وسلم قصد التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية . ومما يدل على أن أمره
بالصلاة لم ينحصر فى قصد التصدق معاودته صلى الله عليه وسلم بأمره بالصلاة
أيضاً فى الجمعة الثانية بعد أن حصل له فى الجمعة الأولى ثوبين فدخل بهما فى الثانية
فتصدق بأحدهما فنهاه التى صلى الله عليه وسلم عن ذلك. أخرجه النسائى وابن خزيمة
من حديث أبى سعيد أيضاً، ولأحمد وابن حبان أنه كرر أمره بالصلاة ثلاث
٠٠

٣٨
٥١٠ - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا العَلاءِ بنُ خالدٍ القُرَشِىُّ قال: رأيتُ
الحسنَ البَصْرِىَّ دخلَ المسجدَ يومَ الجُمُعَةِ والإمامُ يخطبُ فصلى ركمَتْنِ
ثم جلسَ.
إنَّما فعلَ الحسنُ اتِّباعاً للحديثِ. وهُوَرَوَى عن جابرٍ عن النبيُّ صلى
الله عليه وسلم هذا الحديثَ .
٣٦٣ - بابُ ما جاء فى كراهيةِ الكلامِ والإمامُ يُخْطبُ
٥١١ - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا اللَّيْثُ بن سعدٍ عن عُقَيْلٍ عن
الزُّهْرِىُّ عن سعيد بن المسيَّبِ عن أبى هريرةَ أَنَّ رسولَ الله صلى الله
عليه وسلم قال ((مَن قالَ يومَ الجمعةِ والإمامُ يخطبُ أَنْصِتْ فقد لَفَا )).
مرات فى ثلاث جمع ، فدل على أن قصد التصدق عليه جزء علة لا علة كاملة كذا
قال الحافظ فى الفتح. والأمر كما قال الحافظ. كيف وقد ثبت فى قصة سليك أنه
صلى الله عليه وسلم قال بعد قوله فاركعهما وتجوز فيهما : إذا جاء أحدكم يوم
الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما كما عرفت فيما تقدم . والحاصل
أن ما أجاب أهل القول الأول عن أحاديث الباب فهو مخدوش ليس مما يلتفت
إليه وقد بسط الحافظ فى الفتح الكلام فى هذا المقام بسطا حسنا وأجاد فيه .
باب ماجاء فى كراهة الكلام والإمام يخطب
قوله (والإمام يخطب) جملة حالية (أنصت) بصيغة الأمر من الإنصات
مقول القول (فقد لغا) وفى رواية الشيخين : إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت
والإمام يخطب فقد لغوت . قال الحافظ فى الفتح: قال الأخفش: اللغو الكلام
الذى لا أصل له من الباطل وشبهه . قال ابن عرفة: اللغو السقط من القول ،

٣
وفى الباب عن ابن أبى أوفى وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ .
قال أبو عيسى: حديثُ أبى هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. والعملُ
وقيل الميل من الصواب، وقيل اللغو الآثم كقوله تعالى ( وإذا مروا باللغو
مرواكراما) وقال الزين بن المنير: اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو مالا
يحسن من الكلام . وقال النضر بن شميل : معنى لغوت خبتٍ من الأجر ، وقيل
بطلت فضيلة جمعتك ، وقيل صارت جمعتك ظهراً . قال الحافظ : أقوال أهل
اللغة متقاربة المعنى ، ويشهد للقول الأخير مارواه أبو داود وابن خزيمة من
حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً: ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً .
قال ابن وهب أحد رواته: أجزأت عنه الصلاة وحرم فضيلة الجمعة. ولأحمد من
حديث على مرفوعاً : من قال صه فقد تكلم ومن تكلم فلا جمعة له . ولأبى داود
نحوه ولأحمد والبزار من حديث ابن عباس مرفوعا: من تكلم يوم الجمعة والإمام
يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارا والذى يقول له أنصت ليست له جمعة، وله شاهد
قوى فى جلمع حماد بن سلمة عن ابن عمر موقوفا قال العلماء معناه لاجمعة له كاملة
للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه انتهى. وقال فى بلوغ المرام بعد ذكر
حديث ابن عباس مرفوعا من تكلم يوم الجمعة الخ . رواه أحمد بإسناد لا بأس به
وهو يفسر حديث أبى هريرة یعنی حديث الباب .
قوله: (وفى الباب عن ابن أبى أو فى) أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف قال :
ثلاث من سلم منهن غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى من أن يحدث حدثا يعنى
أنتى أو أن يتكلم أو أن يقول صه. قال العراقى ورجاله ثقات، قال وهذا وإن
كان موقوفا فمثله لايقال من قبل الرأى حكمه حكم الرفع ( وجابر بن عبد الله)
أخرجه أبو يعلى والطبرانى قال العراقى رجاله ثقات . وفى الباب أيضا عن ابن
عباس وأبي ذر وأبى الدرداء وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وعلى بن
أبى طالب رضى الله عنهم.
قوله: ( حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا ابن
ماجة كذا فى المنتقى.

٤٠
عليه عندَ أهلِ العلمِ: كَرِهُوا للرجُلِ أن يتكلَّ والإمامُ يَخْطُبُ فقالوا إنْ
تكلّم غيرُهُ فلا يُنْكِرْ عليهِ إلّ بالإشارَةِ .
واختلفوا فى رَدِّ السَّلامِ وتَشْمِيتِ العاِسِ فرخَّصَ بعضُ أهلِ العلمِ
فى رَدَّ السلامِ وتشميتِ العاِس والإمامُ بِخِطُبُ. وهو قولُ أحمدَ وإسحاقَ .
وكَرِهَ بعضُ أهلِ العلمِ مِن التابعينَ وغيرِ هِم ذلك. وهو قولُ الشافعىِّ.
قوله : (فرخص بعض أهل العلم فى رد السلام وتشميت العاطس وهو قول
أحمد وإسماق) وقال العينى فى شرح البخارى: وعن أبى حنيفة إذا سلم عليه يرده
بقلبه ، وعن أبى يوسف يرد السلام ويشمت العاطس فيها، وعن محمد يرد ويشمت
بعد الخطبة ويصلى على النبى صلى الله عليه وسلم فى قلبه انتهى.
قوله: ( وكره بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم ذلك وهو قول الشافعى)
وحكى ابن العربى عن الشافعى موافقة أحمد وإسحاق . قال العراقى وهو أولى بما
نقله عنه الترمذى ، وقد صرح الشافعى فى مختصر البويطى بالجواز فقال : ولو
عطس رجل يوم الجمعة فشمته رجل رجوت أن يسعه لأن التشميت سنة ، ولو سلم
رجل على رجل كرهت ذلك له ورأيت أن يرد عليه لأن السلام سنة ورده فرض
هذا لفظه ، وقال النووى فى شرح المهذب إنه الأصح كذا فى النيل . وقد كره
الحنفية أيضا رد السلام وتشميت العاطس . وقال الشيخ عبد الحق فى اللمعات
كره تشميت العاطس ورد السلام، وعن أبى يوسف : لا يكره لأنهما فرض .
والجواب أنهما فرضان فى كل وقت إلا عند سماع الخطبة لعدم الإذن فيهما ،
وكذا الحمد العطسة، وفى رد المفكر بالإشارة بالعين واليد لا يكره، وهو الصحيح
انتهى. وقال العينى فى شرح البخارى ، وقال أصحابنا إذا اشتغل الإمام بالخطبة
ينبغى للمستمع أن يجتنب ما يجتنبه فى الصلاة لقوله تعالى ((فاستمعوا له وأنصتوا،
وقوله صلى الله عليه وسلم: إذا قلت لصاحبك أنصت الحديث. فإذا كان كذلك
يكره له رد السلام وتشميت العاطس انتهى. وقد حكى العينى عن أبى حنيفة
إذا سلم عليه يرده بقلبه كما تقدم .
: