النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
قال أبو عيسى: حديثُ أبى سعيدٍ قد رُوِىّ عن عبدِ العزيزِ بن محمدٍ
روايتينِ:
منهم مَن ذَكَرَ عن أبى سعيدٍ ، ومِنهم مَن لم يَذْكُرْه .
وهذا حديثٌ فيه إضطرابٌ .
رَوَى سفيانُ الثَّوْرِئُ عن عَمْرِو بِن يَحْتَى عن أبيه عن النبيِّ صلى الله
عليه وسلم: مُؤْسَلاً.
وَرَوَّاهُ ◌َّادُ بنُ سَلَةً عن عَمْرِو بن يحيى عن أبيه عن أبى سعيدٍ
عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم .
وَرَوَاهُ محمدُ بنُ إسحاقَ عن عَمْرِو بن يحيى عن أبيه قال . وكان
عَامَةُ روَايَتِهِ عن أبى سعيدٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وَلَمْ يَذْكُرْ
فيه عن أبى سعيدٍ .
وكَأَنَّ رِوَايَةَ الثَّوْرِىِّ عن تَمْرِو بن يحيى عن أَبيِهِ .
قوله ( حديث أبى سعيد قد روى عن عبد العزيز بن محد روايتين ) أى روى عنه
على نحوين فبعض أصحابه رواه عنه موصولا بذكر أبى سعيد ، وبعضهم رواه عنه مرسلا
وبينه الترمذى بقوله منهم من ذ کر عن أبى سعيد ومنهم من لم یذ کره ( ورواه محد بن
إسحاق عن عمرو بن يحيى عن أبيه) يعنى لم يذكر أبا سعيد ( قال) أى أبو عيسى الترمذى
(وكان عامة روايته ) أى رواية مد بن إسحاق (عن أبى سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم)
أى كان عامة رواية محمد بن إسحاق عن عمرو بن يحيى عن أبيه بذكر أبى سعيد موصولا
( ولم يذكر فيه عن أبى سعيد ) أى لكن أبا إسحاق لم يذكر فى حديث الباب أبا سعيد
بل رواه مرسلا ( وكأن رواية الثورى عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النى صلى الله

٢٦٣
عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَثْبَتُ وَأَصَحُ .
٢٣٤- بابُ
مَاءِ فِى فَضْلٍ بُنْيَانِ المَسْجِدِ
٣١٧- حدثنا بُنْدَارٌ أَخبرنا أَبو بكر الخَتَفِىُّ أَخبرنا عبدُ الحميدِ بن
جعفرٍ عن أبيهٍ عن محمود بنِ كَبِيدٍ عن عثمانَ بن عَفَّنَ قال: سمعتُ
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((مَنْ بَنَى اللهِ مَسْجِدًا ◌َى اللهُ لَهُ
مِثْلَهُ فى الجِنّةِ)).
عليه وسلم أثبت وأصح ) قل الحافظ فى التلخيص : وقال البزار : رواه عبد الواحد
ابن زياد وعبد الله بن عبد الرحمن ومحمد بن إسحاق عن عمرو بن يحيى موصولا : وقال
الدار قطنى فى العلل المرسل المحفوظ، وقال فيها حدثنا جعفر بن محمد المؤذن ثقة حدثنا السرى
ابن محي حدثنا أبو نعيم وقبيصة حدثنا سفيان عن عمرو بن محی عن أبيهعن أبى سعيد به
موصولا وقال المرسل المحفوظ . وقال الشافعى وجدته عندى عن ابن عيينة موصولا
ومرسلا. ورجح البيهقى المرسل أيضا. وقال النووى فى الخلاصة : هو ضعيف . وقال
صاحب الإمام : حاصل ما علل به الإرسال وإذا كان الواصل له ثقة فهو مقبول وأفش
ابن دحية فقال فى كتاب التنوير له: هذا لا يصح من طريق من الطرق كذا قال فلم
يصب. قلت : وله شواهد منها حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا : نهى عن الصلاة
فى المقبرة أخرجه ابن حبان ومنها حديث على: أن حى نهانى أن أصلى فى المقبرة . أخرجه
أبو داود انتهى .
( باب ما جاء فى فضل بنيان المسجد )
قوله (أخبرنا أبو بكر الحنفى) اسمه عبد الكبير بن عبد المجيد بن عبيد الله البصرى وهو
أبو بكر الحنفى الصغير ، روى عنه بندار وأحمد وعلى ابن المدينى وغيرهم. قال فى التقريب

٢٦٣
وفى البابِ عن أبى بكرٍ وَعُمَرَ وعلىّ وعبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو وأَنَسٍ وابنٍ
عباسٍ وعائشةَ وأُم حَبِبَةَ وأَبِى ذَرٍ وَعَمْرِوِ بنِ عَبَسَةَ ووائِلَةَ بنِ الأَسْفَعِ
وأبى هريرةً وجابرِ بنِ عبدِ الله .
ثقة من التاسعة مات سنة أربع ومائتين انتهى قلت : هو من رجال الكتب الستة .
قوله ( من بنى الله مسجدا ) التنكير فيه للشيوع فيدخل فيه الكبير والصغير
مما فى الرواية الآتية صغیرا كان أو كبيرا ، وقوله : لله ، یعنییتغی به وجه الله. قال ابن
الجوزى : من كتب اسمه على المسجد الذى يبنيه كان بعيدا من الإخلاص انتهى . ومن
بناه بالأجرة لا يحصل له هذا الوعد الخصوص لعدم الإخلاص وإن كان يؤجر فى الجملة
كذا فى التفح (بنى الله له مثله) صفة لمصدر محذوف أى بنى بناء مثله. قال النووى يحتمل
قوله مثله أمرين: أحدهما أن يكون معناه بنى الله تعالى مثله فى مسمى البيت وأما صفته فى السعة
وغيرها فمعلوم فضلها وأنها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .
الثانى : أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا انتهى كلام النووى .
وقيل أى مثل المسجد فى القدر والمساحة لكنه أنفس منه بزيادات كثيرة . وقال الحافظ
فى الفتح لفظ المثل له استعمالان أحدهما الإفراد مطلقاً كقوله تعالى ( فقالوا أنؤمن لبشرين
مثلنا) والآخر المطابقة كقوله تعالى (أمم أمثالكم) فعلى الأول لا يمتنع أن يكون الجزاء
أبنية متعددة فيحصل جواب من أستشكل التقيد بقوله مثله مع أن الحسنة بعشر أمثالها
لاحتمالها أن يكون المراد بنى الله له عشرة أبنية مثله. والأصل أن ثواب الحسنة الواحدة
واحد بحكم العدل والزيادة بحكم الفضل . ومن الأجوبة المرضية أن المثلية ههنا بحسب
الكمية والزيادة حاصلة بحسب الكيفية ، فكم من بيت خير من عشرة بل من مائة
أو أن المقصود من المثلية أن جزاء هذه الحسنة من جنس البناء لا من غيره من قطع
النظر عن غير ذلك ، مع أن التفاوت حاصل قطعا بالنسبة إلى ضيق الدنيا وسعة الجنة ،
إذ موضع شبر فیها خير من الدنيا وما فيها . کما ثبت فى الصحیح. وقد روی من حديث
وأثلة بلفظ بنى الله فى الجنة أفضل منه، والطبرانى من حديث أبى أمامة بلفظ أوسع منه
وهذا يشعر بأن المثلية لم يقصد بها المساواة من كل وجه انتهى .
قوله (وفى الباب عن أبى بكر وعمرو على وعبد الله بن عمرو وأنس وابن عباس وعائشة
-

٢٦٤
أما حديث أبى بكر فأخرجه الطبرانى فى الأوسط مرفوعا بلفظ : من بنى الله
مسجداً بنى الله له بيتا فى الجنة .
قال الهيثمی فی مجمع الزوائد : وهب بن حفص وهو ضعيف انتهى .
وأم أبى حبيبة وأبى ذر وعمرو بن عبسة وواثلة بن الأسقع وأبى هريرة وجابر بن عبدالله)
وأما حديث عمر فأخرجه ابن حبان يلفظ: من بنى الله مسجداً يذكر فيه اسم الله بنى الله
بيتا فى الجنة. وأما حديث على فأخرجه ابن ماجة مرفوعا بلفظ: من بنى مسجدا للهنى
الله له بيتاً فى الجنة، وإسناده ضعيف. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو نعيم
من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحو حديث على وزاد أوسع منه وروى
أحمد أيضاً نحوه وأماحديث أنس فأخرجه الترمذى فى هذا الباب . وأماحديث ابن عباس
فأخرجه أبو مسلم الكجى مثل حديث أنس وزاد : ولو كمفحص قطاة . وأما حديث
عائشة فأخرجه مسدد فى مسنده الكبير عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا فى الجنة قلت يارسول الله وهذه المساجد التى فى طريق
مكة قال وتلك . وأما حديث أم حبيبة فأخرجه الطبرانى فى الأوسط. وأما حديث
أبى ذر فأخرجه البزار وأما حديث عمرو بن عبسة فأخرجه النسائى. وأما حديث
واثلة بن الأسقع فأخرجه الطبرانى فى معجمه الكبير بلفظ : من بنى مسجدا يصلى فيه
بنى الله له بيتا فى الجنة أفضل منه. وأما حديث أبى هريرة فأخرجه الطبرانى فى الأوسط
والبيهقى فى شعب الإيمان : من بنى له بيتا يعبد الله فيه حلالا، بنى الله له بيتا فى الجنة
من الدر والياقوت . وأما حديث جابر فأخرجه ابن خزيمة بلفظ : من حفر ماء لم يشرب
كبد حى من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة ومن بنى مسجدا كمفحص
قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا فى الجنة .
قلت : وفى الباب أيضا عن أبى قرصافة ونبيط بن شريط وعمر بن مالك وأسماء
بنت يزيد ومعاذ وأبى أمامة وعبد الله بن أبى أوفی وأبى موسى وعبد الله بن عمر بن
الخطاب رضى الله عنهم . فأما حديث أبى قرصافة واسمه جندرة بن خيشنة فأخرجه
الطبرانى فى الكبير أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول : ابنوا المساجد وأخرجوا
القمامة منها فمن بنى فذكره وزاد : قال رجل يارسول الله وهذه المساجد التى تبنى فى
الطريق قال نعم وإخراج القمامة منها مهور حور العين ، وفى إسناده جهالة : وأما حديث
غبيط فأخرجه الطبرانى أيضاً فى الصغير . وأما حديث عمر بن مالك فأخرجه أبو موسى

٢٦٥
قال أبو عيسى: حديثُ عثمانَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
٣١٨- وقد رُوِىَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ بَنِى
للهِ مَسْحَداً صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبَيْرًا بَ اللهُ لَهُ بْيْتاً فى الجنة)). حدثنا
المدينى فى كتاب الصحابة ولفظه: من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا فى الجنة وأما حديث أسماء
بنت يزيد فأخرجه الطبرانى نحوه وأما حديث معاذ فأخرجه أبو الفرج فى كتاب العلل :
من بنى الله مسجدا بنى الله له بيتا فى الجنة ، ومن علق فيه قنديلا صلى عليه سبعون ألف
ملك حتى يطفىء ذلك القنديل ومن بسط فيه حصيرا صلى عليه سبعون ألف ملك
حتى يتقطع ذلك الحصير ، ومن أخرج منه قذاة كان له كفلان من الأجر . وفيه كلام
كثير . وأما حديث أبى أمامة فأخرجه أبو نعيم : وأما حديث عبد الله بن أبى أوفى
فأخرجه الحافظ عبد المؤمن بن خلف الدمياطى فى جزء جمعه . وحديث أبى موسى
كذلك : وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه البزار والطبرانى فى الأوسط من رواية
الحاكم ابن ظهير وهو متروك عن ابن أبى ليلى عن نافع عن بن عمر فذكره وزاد فيه
الطبرانى : ولو كمفحص قطاة ، كذا فى عمدة القارى .
قوله ( حديث عثمان حديث حسن صحيح ) وأخرجه الشيخان .
قوله ( من بنى الله مسجدا صغيرا كان أو كبيرا) وفى رواية ابن أبى شيبة من حديث
عثمان : من بنى مسجدا ولو كمفحص قطاة ، وهذه الزيادة أيضاً عند ابن حبان والبزار
من حديث أبى ذر ، وعند أبى مسلم الكجى من حديث ابن عباس ، وعند الطبرانى فى
الأوسط من حديث أنس وابن عمر ، وعند أبى نعيم فى الحلية من حديث أبى بكر
الصديق .
وحمل أكثر العلماء ذلك على المبالغة لأن المكان الذى تفحص القطاة عنه لتضع فيها
بيضها وترقد عليها لا يكفى مقداره للصلاة فيه كذا فى الفتح.
قلت: للعلماء فى توجيه قوله: ولو كمفحص قطاة ، قولان: الأول أنه محمول على المبالغة
وهو قول الأكثر، وقال آخرون هو على ظاهره ، فالمعنى على هذا أن يزيد فى مسجد
قدرا يحتاج إليه وتكون هذه الزيادة على هذا القدر أو يشترك جماعة فى بناء مسجد
فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر .

٢٦٦
بذلكَ قُنَيْبَةُ بنُ سعيدٍ أَخبرنا نوحُ بنُ قِيسٍ عن عبد الرحمنِ مولَى قِيسٍ
عن زيادِ النْمَيْرِىِّ عن أَنْسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بهذا.
ومحمودُ بنُ كَبِيدٍ قد أَدْرَكَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم .
ومحمودُ بنُ الرَّبِيعِ قد رَأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وما غُلاَمَانِ
صَغِيرَانِ مَّدَنِيّانِ .
قيل : هذا كله بناء على أن المراد بالمسجد ما يتبادر إليه الذهن وهو المكان الذى،
يتخذ للصلاة فيه ، فإن كان المراد بالمسجد موضع السجود وهو ما يسع الجبهة فلا يحتاج
إلى شىء مما ذكر .
قلت : قوله صلى الله عليه وسلم : من بنى يقتضى وجود بناء على الحقيقة فيحمل على
المسجد المعهود بين الناس ، ويؤيد ذلك حديث أم حبيبة : من بنى الله بيتا وقد تقدم،
وحديث عمر رضى الله عنه أيضا من بنى لله مسجدا يذكر فيه اسم الله ، وقد تقدم أيضا
( حدثنا نوح بن قيس ) بن رباح الأزدى أبو روح البصرى أخو خالد صدوق رمى.
بالتشيع ( عن عبد الرحمن مولى قيس ) مجهول كذا فى التقريب والخلاصة ( عن زيادة
النميرى ) بضم النون وفتح الميم مصغرا وزياد هذا هو زياد بن عبد الله النميرى البصرى ،
قال الحافظ فى التقريب ضعيف ، وقال الذهبى فى الميزان ضعفه ابن معين ، وقال أبو حاتم.
لا يحتج به، وذكره ابن حبان فى الثقات ، وذكره فى الضعفاء أيضا فقال لا يجوز
الاحتجاج به : قال الذهى: فهذا تناقض قال له فى بناء المساجد انتهى (عن أنس عن
التى صلى الله عليه وسلم بهذا) أى بهذا الحديث المذكور وهو حديث ضعيف لأن فى
سنده راويا مجهولا وراويا ضعيفا . ولكن الأحاديث التى فيها زيادة : ولو كمفحص.
قطاة تعضده .
قوله ( وهما غلامان صغيران ) قال فى التقريب فى ترجمة محمود بن لبيد : صحابى صغير
وجل روايته عن الصحابة وكذلك قال فى ترجمة محمود بن الربيع .

٢٦٧
٢٣٥- بابُ
مَاجَاءٍ فِى كراهَيَةٍ أَنْ يَتْخِذَ عَلَى الْقَبْرِ مَسْجِدًا
٣١٩- حدثنا قُتَيْبَةُ أَخبرنا عبدُ الوارثِ بن سعيدٍ عن محمدِ بنِ
جُحَادَةَ عن أبى صالحٍ عن ابنِ عباسٍ قال: ((لَمَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله
عليه وسلم زَائِرَاتِ القُبُورِ والمَتَّخِذِينَ عليها المسَاحِدَ والتُّرَجَ)).
( باب ما جاء فى كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا)
قوله ( أخبرنا عبد الوارث بن سعيد ) بن ذكوان العنبرى مولاهم البصرى ثقة ثبت
(عن محمد بن جحاده ) بضم الجيم وتخفيف المهملة ثقة .
قوله ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور ) قال الترمذى فى كتاب
الجنائز قد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبى صلى الله عليه وسلم فى
زيارة القبور ، فلما رخص دخل فى رخصته الرجال والنساء ، وقال بعضهم إنما كرهزيارة
القبور فى النساء لقلة صبرهم وكثرة جزعهن انتهى. ونذكر هناك ما هو الراجح فى
هذه المسألة ( والمتخذين عليها المساجد) قال ابن الملك : إنما حرم اتخاذ المساجد عليها
لأن فى الصلاة فيها استنانا بسنة اليهود انتهى. قال القارىء فى المرقاة: وقيد ((عليها))
يفيد أن اتخاذ المساجد بجنبها لا بأس به ، ويدل عليه قوله عليه السلام: لعن الله اليهود
والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد انتهى.
قلت : إن كان اتخاذ المساجد بجنب القبور لتعظيمها أو لنية أخرى فاسدة فليس بجائز
كما ستقف عليه (والسرج) جمع سراج، قال فى مجمع البحار: نهى عن الإسراج لأنه
تضييع مال بلا تفع أو احترازا عن تعظيم القبور كاتخاذها مساجد .
تنبيه : قال فى مجمع البحار : وحديث لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد كانوا يجعلونها قبلة يسجدون إليها فى الصلاة كالوثن ، وأما من اتخذ
مسجدا فى جوار صالح أو صلى فى مقبرة قاصدا به الاستظهار بروحه أو وصول أثر من

٢٦٨
آثار عبادته إليه لا التوجه نحوه والتعظيم له فلا حرج فيه ، ألا يرى أن مرقد إسماعيل
فى الحجر فى المسجد الحرام والصلاة فيه أفضل انتهى. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوى
فى المعات فى شرح هذا الحديث: لما أعلمه الله بقرب أجله فتى أن يفعل بعض أمته
بقبره الشريف ما فعلته اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم قنهى عن ذلك . قال التور بشتى
هو مخرج على الوجهين : أحدهما كانو يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لهم وقصد العبادة
فى ذلك وثانيهما أنهم كانوا يتحرون الصلاة فى مدافن الأنبياء والتوجه إلى قبورهم فى
حالة الصلاة والعبادة لله نظرا منهم أن ذلك الصنيع أعظم موقعا عند الله لاشتماله على
الأمرين : عبادة والمبالغة فى تعظيم الأنبياء ، وكلا الطريقين غير مرضية ، وأما الأول
فشرك جلى ، وأما الثانية فلما فيها من معنى الإشراك بالله عز وجل وإن كان خفيا .
والدليل على ذم الوجهين قوله صلى الله عليه وسلم: اللهم لا تجعل قبرى وثنا ، اشتد غضب
الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . والوجه الأول أظهر وأشبه ، کذا قال
التور بشتى وفى شرح الشيخ : فعلم منه أنه يحرم الصلاة إلى قبر نبي أوصالح تبركا وإعظاماً،
قال وبذلك صرح النووى وقال التوربشتى وأما إذا وجد بقربها موضع بنى للصلاة
أو مكان يسلم فيه المصلى عن التوجه إلى القبور فإنه فى ندحة من الأمر ، وكذلك إذا
صلى فى موضع قد اشتهر بأن فيه مدفن بنى لم ير للقبر فيه علما ولم يكن تهده ما ذكرناه
من العمل المتلبس بالشرك الخفى . وفى شرح الشيخ مثله حيث قال: وخرج بذلك اتخاذ
مسجد بجوار نى أو صالح والصلاة عند قبره لا لتعظيمه والتوجه نحوه بل لحصول مدد
منه حتى يكمل عبادته ببركة مجاورته لتلك الروح الطاهرة فلا حرج فى ذلك لما ورد أن
قبر إسماعيل عليه السلام فى الحجر تحت الميزاب ، وأن فى الحطيم بين الحجر الأسود
وزمزم قبر سبعين نبياً ، ولم ينه أحد عن الصلاة فيه انتهى . وكلام الشارحين مطابق فى
ذلك انتهى ما فى اللمعات .
قلت : ذكر صاحب الدين الخالص عبارة اللمعات هذه كلها ثم قال رداً عليها مالفظه:
ما أبرد هذه التحرير والاستدلال عليه بذلك التقرير ، لأن كون قبر إسماعيل عليه السلام
وغيره من الأنبياء سواء كانوا سبعين أو أقل أوأكثر ليس من فعل هذه الأمة المحمدية
ولا هو وهم دفنوا لهذا الغرض هناك ، ولا نبه على ذلك رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ولاعلامات لقبورهم منذ عهد النبى صلى الله عليه وسلم ، ولا تحرى نبينا عليه

٢٦٩
قال : وفى الباب عن أبى هريرةَ وعائشةَ .
قال أبو عيسى : حديثُ ابنِ عباس حديثٌ حسنٌ .
الصلاة والسلام قبرا من تلك القبور على قصد المجاورة بهذه الأرواح المباركة ، ولا أمر
به أحدا ولا تلبس بذلك أحد من سلف هذه الأمة وأئمتها، بل الذى أرشدنا إليه وحثنا
عليه أن لا نتخذ قبور الأنبياء مساجد كما اتخذت اليهود والنصارى ، وقد لعنهم على هذا
الانخاذ. فالحديث برهان قاطع لمواد النزاع وحجة نيرة على كون هذه الأفعال جالبة
للعن ، واللعن أمارة الكبيرة المحرمة أشد التحريم . فمن اتخذ مسجدا بجوار ني أو صالح
رجاء بركته فى العبادة ومجاورة روح ذلك الميت فقد شمله الحديث شمولا واضحا كشمس
النهار ، ومن توجه إليه واستمد منه فلا شك أنه أشرك بالله وخالف أمر رسوله صلی الله
عليه وآله وسلم فى هذا الحديث وما ورد فى معناه . ولم يشرع الزيارة فى ملة الإسلام
إلا للعبرة والزهد فى الدنيا والدعاء بالمغفرة للموتى . وأما هذه الأغراض التى ذكرها
بعض من يعزى إلى الفقه والرأى والقياس فإنها ليست عليها أثارة من علم ولم يقل بها
فيما علمت أحد من السلف ، بل السلف أكثر الناس إنكارا على مثل هذه البدع
الشركية انتهى .
قوله ( وفى الباب عن أبى هريرة وعائشة ) أما حديث أبى هريرة فأخرجه الشيخان
عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد . وفى رواية لمسلم : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد. وأماحديث عائشة فأخرجه الشيخان أيضا بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال فى مرضه الذى لم يقم منه : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد
وفى الباب أيضاً عن جندب قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول : ألا وإن من كان
قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إنى
أنها كم عن ذلك . أخرجه مسلم .
قوله ( حديث ابن عباس حديث حسن ) وأخرجه أبو داود والنسائى .

٢٧٩
٢٣٦ -- بابُ
مَاجَاءٍ فى الَّوْمِ فِى الَسْجِدِ
٣٢٠- حدثنا محمُودُ بنُ غَيْلاَنَ أَخبرنا عبد الرزاق أخبرنا مَعْمَرٌ عن
الزُّهْرِيِّ عن سالمٍ عن انِ عُمَرَ قال: ((كُنَّا نَتَامُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ
صلى الله عليه وسلم فى المسجدِ وَنَحْنُ شَبَبٌ)).
قال أبو عيسى: حديثُ ابنٍ عُمَرّ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد رخْصَ قَوْمٌ مِن أَهْلِ العلمِ فى النَّوْمِ فى المسجدِ .
قال ابنُ عباسٍ : لا يَتَّخِذُهُ مَبِيتَا ومَقِيلاً .
وذهبَ قومٌ مِن أهلِ العلمِ إلى قولِ ابن عباسٍ .
( باب ماجاء فى النوم فى المسجد )
قوله ( ونحن شباب ) على وزن سحاب جمع شاب ولا يجمع فاعل على فعال غيره .
قوله ( حديث ابن عمر حديث صحيح) وأخرجه البخارى مختصراً ومطولا وأخرجه
.ابن ماجة مختصرا.
قوله (وقد رخص قوم من أهل العلم إلخ) قال الحافظ فى الفتح : ذهب الجمهور إلى
جواز النوم فى المسجد وروى عن ابن عباس كراهيته إلا لمن يريد الصلاة ، وعن
ابن مسعود مطلقا ، وعن مالك التفضيل بين من له مسكن فيكره وبين من لامسكن له
فياح انتهى . وقال العينى فى عمدة القارى: وقد اختلف العلماء فى ذلك فمن رخص فى
النوم فيه ابن عمرو قال : كنا نبيت فيه ونقيل عن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وعن سعيد بن المسيب والحسن البصرى وعطاء ومحمد بن سيرين مثله ، وهو أحد قولی

٢٧١
٢٣٧- بآبُ
مَاَجَاءٍ فِى كراهِيَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءُ وإِنشَادِ الضَّالَّةِ وَالشّعْرِ
فى الْمَسْجُدِ
٣٢١- حدثنا قُتْبَةُ أَخبرنا الليْثُ عن ابن عَجْلاَنَ عن عَمْرِو بن
الشافعى . واختلف عن ابن عباس فروى عنه أنه قال : لاتتخذ المسجد مرقدا . وروى
عنه أنه قال: إن كنت تنام فيه لصلاة لا بأس . وقال مالك: لاأحب لمن له منزال أن
يبيت فى المسجد ويقيل فيه، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال مالك. وقد كان أصحاب
النبى صلى الله عليه وسلم يبيتون فى المسجد . وكره النوم فيه ابن مسعود وطاوس ومجاهد
وهو قول الأوزاعى . وقد سئل سعيد بن المسيب وسلمان بن يسار عن النوم فيه فقالا :
كيف تسألون عنها وقد كان أهل الصفة ينامون فيه وهم قوم كان مسكنهم المسجد .
وذكر الطبرى عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفان نائما فيه وليس حوله أحد وهو
أمير المؤمنين قال: وقد نام فى المسجد جماعة من السلف بغير محذور للانتفاع به فيما يحل
كالا كل والشرب والجلوس وشبه النوم من الأعمال والله أعلم.
( باب ماجاء فى كراهية البيع والشراء وإنشاد الضالة والشعر فى المسجد )
قال الجزرى فى النهاية : الضالة هى الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره ،
صل الشىء إذا صناع ، وصل عن الطريق إذا حار ، وهى فى الأصل فاعلة ثم اتسع فيها
فصارت من الصفات الغالبة ، وتقع على الذكر والأنثى والاثنين والجمع وتجمع على الضوال
انتهى. وقال: يقال نشدت الضالة فأنا ناشد إذا طلبتها وأنشدتها فأنا منشد إذا عرفتها
انتهى. وفى القاموس: أنشد الضالة عرفها واسترشد عنها ضداتهى. وفى الصراح:
تعريف كردن كم شده وشعر خواندن .

٢٧٢
شُغَيْبٍ عن أَبيِهِ عن جَدِّهِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَنُّ
نهَى عَن تَنَشُدِ الأشْعَرِ . فى المسجدِ ، وعن البيع والشَّرَاءِ فيه، وأَنْ يَتَحَلَّقَ
الناسُ فيهِ يومَ الْجُعَةِ قَبْلَ الصَّلاةِ)).
قوله ( عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ) يأتى تراجم هؤلاء فى هذا الباب .
قوله ( أنه نهى عن تناشد الأشعار فى المسجد ) قال فى القاموس : أنشد الشعر قرأ.
وبهم هجاهم، وتناشدوا أنشد بعضهم بعضاً، والنشدة بالكسر الصوت ، والنشيد رفع
الصوت ، والشعر المتناشد كالأنشودة انتهى. وقال فى المجمع هو أن ينشد كل واحد
صاحبه نشيدا لنفسه أو لغيره افتخاراً أو مباهاة وعلى وجه التفكه بما يستطاب منه .
وأماما كان فى مدح حق وأهله وذم باطل أو تمهيد قواعد دينية أو إرغاماً للمخالفين فهو
حق خارج عن الذم وإن خالطه نشيب انتهى. (وعن البيع والشراء فيه) أى فى المسجد بفتح
الشين والمد. قال الشوكانى فى النيل: ذهب جمهور العلماء إلى أن النهى محمول على الكراهة. قال
العراقى : وقد أجمع العلماء على أن ما عقد من البيع فى المسجد لا يجوز نقضه. وهكذا
قال الماوردى ، وأنت خبير بأن حمل النهى على الكراهة يحتاج إلى قرينة صارفة عن
المعنى الحقيقى الذى هو التحريم عند القائلين بأن النهى حقيقة فى التحريم وهو الحق ،
وإجماعهم على عدم جواز النقض وصحة العقد لامنافاة بينه وبين التحريم فلا يصح جعله قرينة
لحمل النهى على الكراهة ، وذهب بعض أصحاب الشافعى إلى أنه لا يكره البيع والشراء
فى المسجد والأحاديث ترد عليه انتهى (وأن يتحلق الناس فيه يوم الجمعة قبل الصلاة)
أى أن يجلسوا متحلقين حلقه واحدة أو أكثر وإن كان لمذاكرة علم ، وذلك لأنه
ربما قطع الصفوف مع كونهم مأمورين بالتبكير يوم الجمعة والتراص فى الصفوف، الأول
فالأول ، ولأنه يخالف هيئة أجتماع المصلين ، ولأن الاجتماع للجمعة خطب عظيم لا يسع
من حضرها أن يهتم بما سواها حتى يفرغ منها ، والتحلق قبل الصلاة يوم غفلتهم عن
الأمر الذى ندبوا إليه، ولأن الوقت وقت الاشتغال بالإنصات للخطبة. والتقيد بقبل
الصلاة يدل على جوازه بعدها للعلم والذكر . والتقييد بيوم الجمعة يدل على جوازه

٢٧٣
وفى البابِ عن بُريدةَ وجابرٍ وأَنَسٍ .
قال أبو عيسى : حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حديثٌ
ھ
حسن .
وعَتْرُو بنُ شُعَيْبٍ هو ابنُ محمد بن عبد الله بن ◌َمْرٍو بن العاصِ .
قال محمدُ بن إسماعيلَ : رَأَيْتُ أَحمدَ وإسحاقَ، وَذَ كَرَ غَيْرَهُاَ ،
يَحْتَجُونَ بحديث عَمْرِو بن شعيبٍ .
فى غيره . والحديث رواه أبو داود وزاد : وأن تنشد فيه ضالة .
قوله ( وفى الباب عن بريدة وجابر وأنس) أما حديث بريدة فأخرجه مسلم والنسائى
وابن ماجة . وأما حديث جابر فأخرجه النسائى ، وأما حديث أنس فأخرجه الطبرانى ،
قال العراقى : ورجاله ثقات .
قوله (حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حديث حسن) وأخرجه أبوداودوالنسائى
وابن ماجة ، والحديث صححه ابن خزيمة وقال الحافظ فى الفتح ص ٢٧٣ : وإسناده
صحيح إلى عمرو بن شعيب فمن يصحح نسخته يصححه ، قال : وفى المعنى عدة أحاديث
لكن فى أسانيدها مقال انتهى. وقال الحافظ فى موضع آخر من الفتح ص ٥١ : ترجمة
عمرو بن قوية على المختار لكن حيث لا تعارض انتهى .
( قوله عمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو ابن العاص ) مرجع
هو شعیب فمحمد بن عبد الله هو والد شعیب وجد عمرو ، وعبد الله بن عمرو جد شعيب
والد جد عمرو ( قال يد بن إسمعيل) هو الإمام البخارى ( رأيت أحمد وإسحاق وذكر
غيرهما يحتجون بحديث عمرو بن شعيب ) فى شرح ألفية العراقى للمصنف قد اختلف
فى الاحتجاج برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وأصح الأقوال أنهاحجة مطلقا
إذا صح السند إليه . قال ابن الصلاح: وهو قول أكثر أهل الحديث حملا للجد
عند الإطلاق على الصحابى عبد الله بن عمرو دون ابنه محمد والدشعيب لما ظهر لهم من
(١٨ - تحفة الأحوذي ٢)

٢٧٤
قال محمدٌ: وقد سَمِعَ شعيبُ بن محمدٍ من عبدِ الله بن عَمْرِو .
قال أبو عيسى: ومَن تكلَّمَ فى حديثٍ عَمْرِو بن شعيبٍ إِنَّمَاَ ضَعَفَهُ
لأَنَّهُ يُحَدِّثُ عن ◌َحِيفَةٍ جَدِّهِ كَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّهُ لَّمْ يَسْتَعَ هَذِهِ الاحاديثَ
مِن جَدِّهِ .
إطلاقه ذلك ، فقد قال البخارى : رأيت أحمد بن حنبل وعلى بن المدينى وإسحاق بن
راهويه وأبا عبيد وأبا خيثمة وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده ما تركه أحد منهم وثبتوه فمن الناس بعدهم. وقول ابن حبان هى منقطعة لأن شعيبا لم
یلق عبد الله مردود فقد صح سماع شعیب من جده عبد الله بن عمرو كما صرح به البخارى
فى التاريخ وأحمد وكما رواه الدار قطنى والبيهقى فى السنن بإسناد صحيح ، وذكر بعضهم
أن هدامات فى حياة أبيه وأن أباه كفل شعيبا ورباه ، وقيل لا يحتج به مطلقا أنتهى
كلامه بتلخيص .
قال (محمد ) يعنى البخارى ( وقد سمع شعيب بن محمد من عبد الله بن عمرو )
وكذلك قد صرح غير واحد بسماعه منه. قال أبو بكر بن زياد: صح سماع عمرو من
أيه وصح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو كذا فى الخلاصة . وقال الجوزجاني :
قلت لأحمد : سمع عمرو من أبيه شيئا ؟ قال : يقول حدثنى أبى قلت : فأبوه سمع من عبد
الله بن عمرو ؟ قال نعم أراه قد سمع منه ، كذا فى هامش الخلاصة نقلا عن التهذيب.
وقال الحافظ فى التقريب : ثبت سماعه من جده انتهى. قلت : ويدل على سماعه منه
ما رواه الدار قطنى والحاكم والبيهقى عنه فى إفساد الحجج فقالوا عن عمرو بن شعيب
عن أبيه أن رجلا أتى عبيد الله بن عمرو ويسأله عن المحرم وقع بامرأته ، فأشار إلى
عبد الله بن عمر فقال اذهب إلى ذلك فاسأله ، قال شعيب فلم يعرفه الرجل ، فذهبت
معه فسأل ابن عمر وإسناده صحيح كما عرفت فى كلام العراقى (ومن تكلم فى حديث
عمرو بن شعيب إنما ضعفه لأنه يحدث عن صحيفة جده كأنهم رأوا أنه لم يسمع هذه
الأحاديث من جده ) قد أطال الحافظ الذهبى الكلام فى ترجمة عمرو بن شعيب وقال
فى آخره : قد أجبنا عن روايته عن أبيه عن جده بأنها ليست بمرسلة ولا منقطعة ،

٢٧٥
قال علىّ بن عبد الله : وَذُكِرَ عن يحيى بن سعيدٍ أنه قال: حديثُ
عَيْرِو بن شعيبٍ عِنْدَنَا وَاهٍ .
وقدٍ كَرِهِ قَوْمٌ مِنْ أهل العلمِ البيع والشراء فى المسجدِ .
وبه يقولُ أحمدُ وإسحاقُ .
وقد رُوِىَ عن بعضِ أهلِ العلمِ مِنَ التابعينَ رُخْصَة فى البيع والشراء
فى المسجد .
وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم فى غير حديث رخصة فى
إِنْشَدِ الشِّعْرِ فى المسجدِ .
أما كونها وجادة أو بعضها سماع وبعضها وجادة فهذا محل نظر، ولسنا تقول" إن حديثه
من أعلى أقسام الصحيح بل هو من قبيل الحسن انتهى كلامه ( قال على بن عبد الله
وذكر عن يحيى بن سعيد أنه قال حديث عمرو بن شعيب عندنا واه ) أى ضعيف ،
وعلى بن عبد الله هو ابن المدينى ويحيى بن سعيد هو القطان وقد عرفت أن عند أكثر
أهل الحديث حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حجة مطلقا إذا صح السند إليه
وهو أصح الأقوال والله تعالى أعلم .
قوله ( وقد كره قوم من أهل العلم البيع والشراء فى المسجد ، وبه يقول أحمد
وإسحاق) وهو قول الجمهور وهو الحق ( وقد روى عن بعض أهل العلم من التابعين
رخصة فى البيع والشراء فى المسجد ) لم يقم على قول هذا البعض دليل صحيح بل ترده
أحاديث الباب ) وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم فى غير حديث (رخصة فى إنشاد
الشعر فى المسجد ) كحديث جابر بن سمرة قال : شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أكثر
من مائة مرة فى المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية فربما تبسم
معهم. رواه أحمد ورواه الترمذى فى كتاب الآداب من جامعه ص ٤٦٣ بلفظ: جالست
النبى صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويذكرون

أشياء من أمر الجاهلية، فربما يتبسم معهم . قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح ،
وحديث سعيد بن المسيب قال : عمر فى المسجد وحسان فيه ينشد ، فلحظ إليه ، فقال :
كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك ، ثم التفت إلى أبى هريرة فقال : أنشدك الله
أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أجب عنى ، اللهم أيده بروح القدس ؟ قال :
نعم . أخرجه الشيخان .
وقد جمع بين الأحاديث بوجهين : الأول حمل النهى على التنزيه والرخصة على بيان
الجواز: والثانى حمل أحاديث الرخصة على الشعر الحسن المأذون فيه ، كهجاء حسان
للمشركين ومدحه صلى الله عليه وسلم وغير ذلك . ويحمل النهى على التفاخر والهجاء ونحو
ذلك. ذكر هذين الوجهين العراقى فى شرح الترمذى، وقال الحافظ فى الفتح: والجمع
بين الأحاديث أن يحمل النهى على تناشد الأشعار الجاهلية والمبطين ، المأذون فيه ما سلم
من ذلك ، وقيل المنهى عنه ما إذا كان التناشد غالبا على المسجد حتى يتشاغل به من فيه
انتهى . وقال ابن العربى: لا بأس بإنشاد الشعر فى المسجد إذا كان فى مدح الدين
وإقامة الشرع ، وإن كان فيه الخمر ممدوحة بصفاتها الخبيثة من طيب رائحة وحسن لون
وغير ذلك مما یذ کره من يعرفها ، وقد مدح فيه کعب بن زهير رسول الله صلی الله
عليه وسلم فقال .
بانت سعاد وقلى اليوم متبول .
إلى قوله فى صفة ريقها .
كأنه منهل بالراح معلول ..
قال العراقى : وهذه قصيدة قد رويناها من طرق لا يصح منها شىء ، وذكرها
ابن إسحاق بسند منقطع وعلى تقدير ثبوت هذه القصيدة عن کعب وإنشاده بین یدی
النبى صلى الله عليه وسلم فليس فيها مدح الخمر وإنما فيه مدح ريقها وتشبيهه
بالراح انتهى.

٢٧٧
٢٣٨- باب
ماجاءَ فى المسجد الذى أسِّسَ على التقوى
٣٢٢- حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ عن أُنَيْسِ بن أبى
يحيى عن أبيه عن أبى سعيدٍ الْخُدْرِىِّ قال: ((امْتَرَى رَجُلٌ مِن بَنِى
خُدْرَةَ وَرَجُلٌ مِن ◌َِّى ◌َمْرِوِ بنِ عَوْفٍ فى المسجدِ الذى أُسِّسَ على الثّقْوَى
فقالَ الْخِدْرِئُ: هو مسجدُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وقال الآخر
هُوَ مسجد قبا ، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلكَ ، فقال : هو
هَذَا يَعْنِى مَسْجِدَهُ، وفى ذلكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ )).
( باب ما جاء فى المسجد الذى أسس على التقوى )
قوله (عن أنيس بن أبى يحيى) بضم الهمزة مصغراً الأسلمى واسم أبى يحي سمعان
ثقة ( عن أبيه) سمعان المدنى لا بأس به .
قوله ( أمترى رجل ) وفى رواية النسائى تمارى ، قال فى مجمع البحار : الامتراء
والمماراة المجادلة ، والمعنى أنهما تنازعا واختلفا ( فقال هو ) أى المسجد الذى أسس
على التقوى المذكور فى قوله تعالى (( لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم
فيه)) (هذا) أى هذا المسجد، وفى رواية لأحمد هو مسجدى ( يعنى مسجده) هذا
قول الراوى يفسر قوله صلى الله عليه وسلم هذا ( وفى ذلك) أى مسجد قبا ( خير
كثير) زاد فى رواية لأحمد يعنى مسجد قبا ، وهذا قول الراوى يفسر قوله صلى الله
عليه وسلم ذلك ، أى يريد صلى الله عليه وسلم بقوله ذلك مسجد قباء والحديث
دليل على أن المسجد الذى أسس على التقوى هو المسجد النبوى . قال الحافظ فى
الفتح : قد اختلف فى المراد بقوله تعالى ( لمسجد أسس على التقوى من أول
يوم ) فالجمهور على أن المراد به مسجد قباء وهو ظاهر الآية . وروى مسلم من
طريق عبد الرحمن بن أبى سعيد عن أبيه : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن

٢٧٨
قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
حدثنا أبو بكرٍ عن علىِّ بنِ عبد اللهِ قال: سَأَلْتُ يَخْيَ بنَ سعيدٍ
عن محمد بن أبى يَحْتَى الاسْلَمِّ، فقال: لمّ يَكُنْ بِهِ بَاسٌ، وأخُوهُ
أُنَيْسُ بنُ أَبِى يَحْتَى أَثْبَتُ مِنْهُ.
المسجد الذى أسس على التقوى فقال: هو مسجدكم هذا. ولأحمد والترمذى من وجه.
آخر عن أبى سعيد: اختلف رجلان فى المسجد الذى أسس على التقوى ، فقال أحدهما:
هو مسجد النبى صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله
صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك فقال: هو هذا، وفى ذلك يعنى مسجد قباء خير
کثیر . ولأحمد عن سهل بن سعد نحوه . وأخرجه من وجه آخر عن سهل بن سعد
عن أبي بن كعب مرفوعا . قال القرطبى : هذا السؤال صدره ممن ظهرت له المساواة
بين المسجدين فى أشترا كهما فى أن كلا منهما بناء النبى صلى الله عليه وسلم فأجاب بأن المراد
مسجده . وكأن المزية التى أقتضت تعيينه دون مسجد قباء لم يكن بناؤه بأمر جزم من الله
لنبيه ، أو كان رأيا رآه خلاف مسجده، أو كان حصل له أو لأصحابه فيه من الأحوال
القلبية ما لم يحصل لغيره انتهى . قال الحافظ: يحتمل أن تكون المزية لما أتفق من طول
إقامته صلى الله عليه وسلم بمسجد المدينة بخلاف مسجد قباء فما أقام به إلا أيام قلائل ،
وكفى بهذا مزية من غير حاجة إلى ما تكلفه القرطبى . والحق أن كلا منهما أسس
على التقوى . وقوله تعالى فى بقيه الآية ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا ) ، يؤيد كون
المراد مسجد قباء . وعند أبى داود بإسناد صحيح عن أبى هريرة عن النبى صلى الله
عليه وسلم قال : نزلت ( فيه رجال يحبون أن يتطهرو ) فى أهل قباء وعلى هذا فالبر
فى جوابه صلى الله عليه وسلم بأن المسجد الذى أسس على التقوى مسجده رفع توهم أن
ذلك خاص بمسجد قباء والله أعلم. قال الداوردى وغيره : ليس هذا أختلافا لأن كلا
منهما أسس على التقوى ، وكذا قل السهلى ، وزاد غيره أن قوله تعالى ( من أول يوم)
يقتضى أنه مسجد قباء ، لأن تأسيسه كان فى يوم حل النبى صلى الله عليه وسلم بدار
الهجرة انتهى .
قوله ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والنسائى .

٢٧٩
٢٣٩- باب
ماجاءَ فِ الصلاةِ فى مسْجِدٍ قُباً
٣٢٣- حدثنا محمدُ بنُ العَلاَءِ أبو كُرَيْبٍ وسفيانُ بنُ وكيعِ قالا:
أخبرنا أبو أُسَامَةً عن عبد الحميد بن جعفرٍ أخبرنا أبو الأَبْرَدِ مَوْلَى بَنِي
خَطْمَةَ أنه سَمِعَ أُسَيْدَ بنَ ظُهَيْرِ الأنصارىَّ وكان مِنِ أصحابِ النبيِّ
صلى الله عليه وسلم. يُحَدِّثُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال ((الصَّلاَةُ
فى مسجدٍ قُباً كَمُمْرَةٍ)).
وفى البابِ عن سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ .
( باب ما جاء فى الصلاة فى مسجد قباء)
بضم القاف ثم موحدة ممدودة عند أكثر أهل اللغة . قال البكرى : من العرب
من يذكره فيصرفه ، ومنهم من يؤنثه فلا يصرفه ، وفى المطالع على ثلاثة أميال من
المدينة . وقال ياقوت : على يسار قاصد مكة ، وهو من عوالى المدينة ، وسمى باسم بثر
هناك ، كذا فى الفتح . ومسجد قبا هو مسجد بنى عمرو بن عوف وهو أول مسجد
أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله ( أخبرنا أبو الأبرد مولى بنى خطمة ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة
اسمه زياد المدنى مقبول كذا فى التقريب ( أنه سمع أسيد بن حضير ) كلاهما بالتصغير
ولها صحبة.
قوله ( الصلاة فى مسجد قبا كعمرة ) أى الصلاة الواحدة فيما يعدلثوابها ثواب عمرة.
قوله ( وفى الباب عن سهل بن حنيف ) أخرجه النسائي وابن ماجة مرفوعا بلفظ :

٢٨٠
قال: حديثُ أُسَيْدٍ حديثٌ حسنٌ غريبٌ .
ولا نَعْرِفُ لأُسَيْدِ بنِ ظُهَيْرٍ شَيْئًا يَصِحُّ غَيْرَ هذا الحديثِ ، ولا
تَغَرِفُهُ إِلَّ مِن حديث أبى أُسَامَةً عن عبد الحميدِ بنِ جَعْفَرٍ . وأبُو الابْرَدِ
إِسْمُ ((زِيَادٌ)) مَدِينِيٌّ.
من خرج حق يأتى هذا المسجد مسجد قباء فیصلى فيه كان له کعدل عمرة . وفى الباب
أيضاً ما أخرجه الطبرانى من طريق يزيد بن عبد الملك النوفل عن سعيد بن إسحاق بن
كعب بن عجرة عن أبيه عن جده مرفوعا: من توضأ فأسبغ الوضوء ثم عمد إلى مسجد
قباء لا يريد غيره ولا يحمله على الغدو إلا الصلاة فى مسجد قباء فصلى فيه أربع ركعات
يقرأ فى كل ركعة بأم القرآن كان له كأجر المعتمر إلى الله. ويزيد بن عبد الملك ضعيف
كذا في عمدة القارى . وفى الباب أيضاً ما رواه عمر بن شبة فى أخبار المدينة بإسناد
عن سعد بن أبى وقاص قال : لأن أصلى فى مسجد قباء ركعتين أحب إلى من آتى بيت
المقدس مرتين ، لو يعلمون ما فى قباء لضربوا إليه أكباد الإبل . كذا فى فتح البارى .
وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزوره را کبا وماشیا ، رواه البخارى
وغيره عن ابن عمر ، وفى رواية : كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتى مسجد قباء كل
سبت ماشيًا وراكا.
قوله ( قال ) أى أبو عيسى ( حديث أسيد حديث حسن غريب ) وأخرجه أحمد
وابن ماجة والحاكم. قال الذهبى فى الميزان فى ترجمة زياد أبى الأبرد : روى عن أسيد
ابن ظهير ممح له الترمذى حديثه وهو : صلاة فى مسجد قباء كعمرة ، وهذا حديث
منكر ، روى عنه عبد الحميد بن جعفر فقط انتهى . قلت : لا ادرى ما وجه كونه
منكراً ، ويشهد له حديث سهل بن حنيف حديث كعب بن عجرة .
قوله ( وأبو الأبرد أسمه زياد مدينى) قال الحافظ فى تهذيب التهذيب : أبو الأبرد
المدنی مولی بنی خطبة . روی عن أسيد بن ظهير وعنه عبد الحميد بن جعفر روی له
الترمذى وابن ماجه حديثا واحدا : صلاة في مسجد قباء كعمرة ، قال : تبع المصنف
فى ذلك كلام الترمذى وهو وهم وكأنه أشتبه عليه بأبى الأبرد الحارثى ، فإن اسمه زياد