النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
وهو قولُ بعض أهلِ مكةَ من أهلِ الفقهِ والعِلْ. وأكثرُ أهلِ العلم يَسكرهون
الإقعاء بين السجدتينِ .
٢٠٩ - بابُ
ما يقولُ بينَ السِجْدَتَينِ
٢٨٣ - حدثنا سَلّةُ بن شَبِيبٍ أخبر نا زَيدُ بن حُبَابٍ عن كاملٍ أبى العلاء
رفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه ويقول إنه السنة ، وفيه عن ابن
عمر وابن عباس أنهما كانا يقعيان ، وعن طاؤس قال : رأيت العبادلة يقعون ، أسانيدها
صحيحة انتهى .
قلت : لكن إقعاء هؤلاء الصحابة رضى الله عنهم كان بالمعنى الثانى ولم يكن كافعاء
الكلب كما تقدم ( وهو قول بعض أهل مكة من أهل الفقه والعلم) وهو قول عطاء
وطاؤس وابن أبى مليكه ونافع والعبادلة كذا نقل العينى عن ابن تيمية ( وأكثر أهل
العلم يكرهون الإقعاء بين السجدتين ) وهو قول أبى حنيفة ومالك الشافعى وأحمد ،
كذا قيل . وقد عرفت أن الشافعى نص فى البويطى وغيره على استحبابه . وقال بعض
الحنفية : لنا ما فى موطأ مالك عن ابن عمر تصريح أنه ليس بسنته ، ومن المعلوم عند
المحدثين أن زيادة الاعتماد فى نقل السنة على ابن عمر ، فإن ابن عباس ربما يقول باجتهاده
ورأيه ويعبره بالسنة انتهى .
قلت : هذا مجرد ادعاء ، ولو سلم فإنما يكون تعبيره بالسنة لا بسنة نبيكم ، وقد
قال فى الإقعاء : هى سنة نبيكم على أنه قد صرح ابن عمر أيضا بأنه سنة كما روى البيهقى
عنه أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه ويقول إنه السنة
وإسناده صحيح كما عرفت.
( باب ما يقول بين السجدتين )
قوله ( حدثنا سلمة بن شبيب) المسمعى النيسابورى نزيل مكة ثقة من شيوخ
الترمذى ومسلم وغيرهما ( عن كامل أبى العلاء ) هو كامل بن العلاء التميمى الكوفى
صدوق يخطىء من السابعة كذا فى التقريب .
(١١ - تحفة الأحوذي٫ ٢)

١٦٢
عن حبيب بن أبى ثابتٍ عن سعيدٍ بن جُبَيْرٍ عن ابن عباس: ((أنّ النبيَّ صلى الله
عليه وسلم كان يقولُ بين السجدتين: اللُهُمَّ اغْفِرْ لِ وارْحِى واجْبُرْنِى واهْدِنِ
وارْزُقْنِى)).
٢٨٤ - حدثنا الحسنُ بن علىِّ الخلالُ أخبرنا يزيد بن هارونَ عن زيدٍ
ابن حُبَابٍ عن كاملٍ أبى العلاءِ: نحوَهُ .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ . وهكذا رُوِّىَ عن علىَّ.
وبه يقولُ الشافعىُّ وأحمدُ وإسحاقُ: يَرَوْنَ هذا جائزاً فى المكتوبةِ
والتَّطوُّعِ. ورَوى بعضُهم هذا الحديثَ عن كاملٍ أبى العلاءِ مُرْسَلٍ .
قوله ( کان یقول بين السجدتين:اللهم اغفرلىوار حمنى واجبرنى واهدنى وارزقنى)
وعند أبى داود : اللهم اغفرلی وار حمی وعافی واهدنی وارزقی وعند ابن ماجة : رب
اغفرلى وارحمنى واجبرنى وارزقنى وارفعنى: قال الحافظ فى التلخيص : وجمع بينهما
الحاكم كلها إلا أنه لم يقل وعافنى انتهى . قال الجزرى فى النهاية: واجبرنى أى اغنى
من جبر الله مصيبته أى رد عليه ما ذهب عنه أو عوضه عنه وأصله من جبر الكسر ،
والحديث يدل على مشروعية الدعاء بهذه الكلمات فى القعدة بين السجدتين . وفى الباب
عن حذيفة أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين . رب اغفرلى رب
اغفرلى ، رواه النسائي وابن ماجه ورواه مسلم فى صحيحه مطولا .
قوله ( هذا حديث غريب ) تفرد به كامل أبو العلاء ، ولم يحكم عليه الترمذى بشىء
من الصحة والضعف ، ورواه الحاكم وصححه ، وسكت عنه أبو داود وقال المنذرى فى

١٩٣
٢١٠ - باب
ماجاء فى الاعتماد فى السجود
٢٨٥ - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا الليثُ عن ابن عَجْلَاَنَ عن سَمَىّ عن
أبى صالحٍ عن أبى هريرةَ قال: ((اشْتَكَى أصحابُ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم مَشَفَّةَ
السجودِ عليهم إذا تَفَرَّجُوا فقال: اسْتَعِينُوا بالُّكَبِ)).
تلخيص السنن: وأخرجه الترمذى وابن ماجة ونقل قول الترمذى : هذا حديث غريب
الخ، ثم قال: وكامل هو أبو العلاء ويقال أبو عبيد الله كامل بن العلاء التميمى السعدى
الكوفى وثقه يحيى بن معين وتسكام فيه غيره انتهى كلام المنذرى.
قلت : وقال بن عدى : لم أر للمتقدمين فيه كلاما ، وفى بعض رواياته أشياء
أنكرتها ومع هذا أرجو أنه لا بأس به وقال النسائى: ليس بالقوى، وقال مرة :
ليس به بأس . وقال ابن حبان كان ممن يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل كذا فى الميزان
وغيره من كتب الرجال . فقول النسائى: ليس بالقوى جرح مبهم ثم هو معارض بقوله:
ليس به بأس . وأما قول ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد إلخ غير قادح فإنه متعنت
ومسرف كما تقرر فى مقره ، فحديثه هذا إن لم يكن صحيحا فلا ينزل عن درجة الحسن
.والله تعالى أعلم .
(باب ما جاء فى الاعتماد فى السجود )
قوله ( عن سمى) بضم السين وفتح الميم وشدة الياء مولى أبى بكر بن عبد الرحمن
ابن الحارث المخزومى المدنى ، روى عن مولاه وأبى صالح ذكوان وابن المسيب وغيرهم:
قال أحد وأبو حاتم ثقة ، وذكره ابن حبان فى الثقات وقال : قتلته الحرورية سنة ٣٥
خمس وثلاثين : وقال النسائى فى الجرح والتعديل: ثقة كذا فى تهذيب التهذيب ( عن
أبى صالح) هو ذكوان .
قوله ( إذا تفرجوا) إذا باعدوا اليدين عن الجنبين ورفعوا البطن عن الفخدين فى
السجود ( استعينوا بالركب ) قال ابن عجلان أحد رواة الحديث: وذلك أن يضع مرفقيه

١٦٤
!
قال أبو عيسى: هذا حديث" لا نعرِفُهُ من حديثٍ أبى صالح عن أبى هريرة
عن النِّيِّ صلى الله عليه وسلم إلا مِنْ هذا الوجه، من حديثِ الَّيْثِ عن
ابن عَجْلَاَنَ . وقد رَوَى هذا الحديثَ سفيانُ بن عُيِّيْنَةَ وغيرُ واحدٍ عن سُمىٍّ عن
النُّعْمَنِ بن أبى عَيَّشِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم نحو هذا. وكأنَّ روايةٌ
هؤلاءِ أُصحُّ من روايةِ الَّيْثِ.
على ركبتيه إذا طال السجود وأعيا ، ذكره الحافظ فى الفتح . والحديث يدل على
مشروعية الاستعانة بالركب فى السجود عند المشقة فى التفريح . قال الحافظ بعد ذكر
أحاديث التفريخ فى السجود ما لفظه: ظاهر هذه الأحاديث وجوب التفريح المذكور لكن
أخرج أبو داود ما يدل على أنه للاستحباب وهو حديث أبى هريرة شكا أصحاب النبى
صلى الله عليه وسلم له مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا فقال استعينوا بالركب ، وترجم
له الرخصة فى ذلك أى فى ترك التفريج انتهى .
قلت : الظاهر أن التفريح فى السجود واجب عند عدم المشقة فيه ، وأما عند وجود
المشقة فيه فيجوز ترك التفريخ والاستعانة بالركب والله تعالى أعلم . وحديث الباب
أخرجه أبو داود.
تنبيه : قال الحافظ ابن حجر فی فتح الباری بعد نقل حديث الباب عن سنن أبى داود
ما لفظه : وقد أخرج الترمذى الحديث المذكور ولم يقع فى روايته يعنى فى رواية
الترمذى إذا انفرجوا ، فترجم له: باب ما جاء فى الاعتماد إذا قام من السجود ، جعل
محل الاستعانة بالركب لمن يرفع من السجود طالباً للقيام واللفظ يحتمل ما قال ، لكن
الزيادة التى أخرجها أبو داود تعين المراد انتهى كلام الحافظ . وقال العينى فى عمدة
القارى ما لفظه : وفى التلويح وزعم أبو داود أن هذا كان رخصة ، وأما أبو عيسى
الترمذى فإنه فهم منه غير ما قاله ابن عجلان ، فذكره فى باب ما جاء فى الاعتماد إذا قام.
من السجود انتهى .
قلت : قد وقع فى جميع نسخ جامع الترمذى الموجودة عندنا : باب ماجاء
فى الاعتماد فى السجود ، وليس فى واحد منها إذا قام من السجود ، وقد وقع فى جميعها

١٦٥
٢١١ - بَابُ
كيفَ النهوضُ من السُّجودِ
٢٨٦ - حدثنا علىُّ بنُ حُجْرِ أخبرنا هُشَمٌ عن خالدٍ الخَذَّاءِ عن أَبِى قِلاَبَةً
عن مالك بن الحُوَيْرِثِ الَّيْىِّ: ((أنَّهُ رأَى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصَلي،
فكانَ إذا كانَ فى وِثْرٍ مِنِ صَلاَتِهِ لم يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِىَ جالساً)).
قال أبو عيسى : حديثُ مَالكِ بنِ الْحُوَيْثِ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
لفظ: إذا تفرجوا ، كما وقع فى رواية أبى داود ، فلعله وقع فى بعض النسخ كما قال
الحافظ وصاحب التوشيح والله تعالى أعلم .
( باب كيف النهوض من السجود )
قوله ( إذا كان فى وتر من صلاته) أى فى الركعة الأولى والثالثة ( لم ينهض)
أى لم يقم ( حتى يستوى جالسا) وهذه الجلسة تسمى بجلسة الاستراحة : قال الحافظ
فى الفتح: وفيه مشروعية جلسة الاستراحة ، وأخذ بها الشافعى وطائفة من أهل
الحديث وعن أحمد روايتان ، وذكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بها ، ولم يستحبها
الأكثر ، انتهى كلامه .
وأستدل من قال بسنية جلسة الاستراحة بحديث الباب وهو حديث صحيح وبأحاديث
أخرى ، فمنها حديث أبى حميد الساعدى أنه قال فى عشرة من أصحاب النبى صلى الله عليه
وسلم . أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا فاعرض ، قال : كان
النبى صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه الحديث، وفيه: ثم يهوى إلى
الأرض ساجدا فيجافى يديه عن جنبيه ويفتح أصابع رجليه ثم يرفع رأسه ويثنى رجله
اليسرى فيقعد عليها ، ثم يعتدل حتى يرجع كل عظم فى موضعه معتدلا ، ثم يسجد ، ثم
يقول: الله أكبر ويرفع ويثنى رجله اليسرى فيقعد عليها، ثم يعتدل حتى يرجع كل عظم
إلى موضعه، ثم ينهض، ثم يصنع فى الركعة الثانية مثل ذلك إلخ ، رواه أبو داود

١٦٦
والدارمى ، وروى الترمذى وابن ماجة معناه ، وقال الترمذى هذا حديث حسن
صحيح، كذا فى مشكاة المصابيح. ولفظ الترمذى هكذا: ثم هوى إلى الأرض ساجدا
ثم قال الله أ کبر ثم جافی عضدیه عن إبطیه وفتح أصابع رجليه ، ثم ثنى رجله اليسرى
وقعد عليها ، ثم اعتدل حتى يرجع كل عظم فى موضعه ، ثم نهض ، ثم صنع فى الركمة
الثانية مثل ذلك إلخ .
ومنها حديث ابن عباس فی صلاة التسبيح رواه أبو داود وآخرون وفيه : ثم تهوى
ساجدا فتقولها وأنت ساجد عشرا ، ثم ترفع رأسك من السجود فتقبولها عشرا ثم تسجد
فتقولها عشرا ثم ترفع رأسك فتقولها عشراً ، فذلك خمس وسبعون فى كل ركعة .
تفعل ذلك فى أربع ركعات الحديث. قال الفاضل اللكفوى فى كتابه الآثار المرفوعة
بعد كلام طويل فى إثبات صلاة التسبيح ما لفظه: إعلم أن أكثر أصحابنا الحنفية وكثيرا
من المشايخ الصوفية قد ذكروا فى كيفية صلاة التسبيح الكيفية التى حكاها الترمذى
والحاكم عن عبد الله بن المبارك الخالية عن جلسة الاستراحة ، والشافعية والمحدثون.
أكثرهم اختاروا الكيفية المشتملة على جلسة الاستراحة ، وقد علم مما أسلفنا أن
الأصح ثبوتا هو هذه الكيفية ، فليأخذ بها من يصليها حنفيا كان أو شافعيا انتهى. قلت :
الأمر كما قال .
تنبيه : قد اعتذر الحنيفية وغيرهم ممن لم يقل بجلسة الاستراحة عن العمل بحديث
مالك بن الحويرث المذكور فى الباب بأعذار كلها باردة ، فمنها ما قال صاحب الهداية.
من الحنفية إنه محمول على حال الکبر ورده صاحب بحر الرائق حيث قال : يرد عليه.
بأن هذا الحمل يحتاج إلى دليل ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: صلوا كما رأ يتمونى
أصلى انتهى. وقال الحافظ ابن حجر فى الدراية : هذا تأويل يحتاج إلى دليل ، فقد قال
النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث لما أراد أن يفارقه: صلوا كما رأيتمونى أصلى،
ولم يفصل له فالحديث حجة فى الاقتداء به فى ذلك انتهى .
ومنها ما قال الطحاوى من أن حديث أبي حميد الساعدى خال عنها أى عن جلسة

١٦٧
والعملُ عليه عند بعضِ أهلِ العلم. وبه يقولُ أَصْحَ بُنَاً .
الاستراحة ، فإنه ساقه بلفظ: قام ولم يتورك ، قال : فلما تخالفا احتمل أن يكون ما فعله
فى حديث مالك بن الحويرث لعلة كانت به فقعد لأجلهالا أن ذلك من سنة الصلاة انتهى.
وفيه أن الأصل عدم العلة ، وأن مالك بن الحويرث هو راوى حديث : صلوا كما
رأيتمونى أصلى ، فحكاياته لصفات صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلة تحت هذا
الأمر ، ولم تتفق الروايات عن أبى حميد على نفی هذه الجلسة ، بل أخرجه أبو داود من
وجه آخر بإثباتها كذا فى فتح البارى . قلت : وكذلك أخرجه الترمذى بإثباتها
كما تقدم .
ومنها أنها لو كانت سنة لشرع لها ذكر مخصوص . وفيه أنها جلسة خفيفة جداً
استغنى فيها بالتكبير المشروع للقيام ، فإنها من جملة النهوض إلى القيام.
ومنها أنها لو كانت سنة لذكرها كل من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم : وفيه أن
السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وصف صلاته صلى الله عليه وسلم إنما أخذ
مجموعها من مجموعهم.
والحاصل أن حديث مالك بن الحويرث حجة قوية لمن قال بسفية جلسة الاستراحة
وهو الحق ، والأعذار التى ذكرها الحنفية وغيرهم لا يليق أن يلتفت إليها .
قوله ( حديث مالك بن الحويرث حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا مسلمه
وابن ماجة .
قوله ( والعمل عليه عند بعض أهل العلم ) وبه قال الشافعى وطائفة من أهل الحديث،
وإلى الفول بها رجع أحمد كما تقدم .
تنبيه: إعلم أنه قد ثبت أن الإمام أحمد رجع عن القول بترك جلسة الاستراحة إلى
القول بها . قال ابن قدامة فى الغنى: واختلفت الرواية عن أحمد هل يجلس للاستراحة ،
فروى عنه لا يجلس وهو اختيار الخرقى، والرواية الثانية أنه يجلس واختارها الخلال
قال الخلال: رجع أبو عبد الله إلى هذا يعنى ترك قوله بترك الجلوس لما روى مالك بن
الحويرث أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن

١٦٨
٢١٢ - بابٌ
منه أيضا
٢٨٧ - حدثنا يحيى بنُ موسى أخبرنا أبو معاوية، أخبرنا خالدٌ
ابنُ إياسٍ.
ويقالُ خالدُ بنُ إِلْيَاسَ ، عَنْ صالح مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عن أبى هريرةَ قال: ((كانَ
ينهض متفق عليه ، وذكره أيضا أبو حميد فى صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو حديث حسن صحيح فيتعين العمل به والمصير إليه انتهى. وكذلك فى الشرح
الكبير على متن المقنع لشمس الدين أبى الفرج عبد الرحمن المقدسى وفيه : والثانية أنه
يجلس. اختارها الخلال ، قال الخلال : رجع أبو عبد الله عن قوله بترك الجلوس . وقال
الحافظ ابن القيم فى زاد المعاد : قال الخلال رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث
فى جلسة الاستراحة انتهى. وكذلك فى كثير من كتب الحنابلة وغيرهم. ففى رجوع
الإمام أحمد عن القول بترك جلسة الاستراحة إلى القول بها لا شك فيه ، وقد نقل بعض
الحنفية فى تعليقاته على الترمذى رجوعه عن الحافظ ابن حجر وعن ابن القيم ثم قال :
وظنى أن أحمد لم يرجع انتهى . قلت: مبنى ظنه هذا و منشؤه ليس إلا التقليد ، فإنه
إذا تمكن فى قلب ورسخ فيه ينشأ منه كذلك ظنون فاسدة ( وبه يقول أصحابنا ) يعنى
أصحاب الحديث وقد تقدم فى المقدمة أن الترمذى رحمه الله إذا قال : أصحابنا ، يريد بهم
أصحاب الحديث.
( باب منه أيضا )
قوله ( عن خالد ابن إياس ) بكسر الهمزة وخفة التحتية (ويقال خالد بن إلياس)
قال الحافظ فى التقريب : خالد بن إلياس بن صخر بن أبى الجهم بن حذيفة أبو الهيثم
العدوى المدنى إمام المسجد النبوى متروك الحديث من السابعة . وقال الذهب فى الميزان:
قال البخارى ليس بشىء. وقال أحمد والنسائى متروك (عن صالح مولى التوأمة ) بفتح

١٦٩
النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْهَضُ فى الصلاةِ على صُدُورٍ قَدَمَيْهِ)).
قال أبو عيسى : حديث أبى هريرةَ عليه العملُ عندَ أَهلِ العلم: يختارونَ أن
ينهضَ الرجلُ فى الصلاةِ على صُدورٍ قدميهِ .
وخالدُ بن إياسٍ ضعيفٌ عند أهلِ الحديثِ. ويقالُ خالِدُ بن إلياسَ . وصالح
مَلَى التَّوْأَمَةِ هو صالحُ بن أبى صالحٍ. وأبو صالح اسمُهُ نَبْهَنُ مَدَنىٌّ.
المثناة وسكون الواو وبعدها همزة مفتوحة ، قال الحافظ : صدوق اختلط بآخره . قال
ابن عدى : لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبى ذئب وابن جريح من الرابعة .
قوله ( ينهض فى الصلاة على صدور قدميه ) أى بدون الجلوس . والحديث قد
استدل به من لم يقل بسنية جلسة الاستراحة ، لكن الحديث ضعيف لا يقوم بمثله الحجة،
فإن فى سنده خالد بن إياس وهو متروك كما عرفت ، وأيضافيه صالح مولى التوأمة وكان
قد اختلط بآخره كما عرفت .
قوله ( حديث أبى هريرة عليه العمل عند أهل العلم يختارون أن ينهض الرجل
فى الصلاة على صدور قدميه ) لو قال الترمذى : عليه العمل عند بعض أهل العلم أو عند
أكثر أهل العلم لكان أولى ، فإنه قد قال فى الباب المتقدم بعد رواية حديث مالك بن
الحويرث والعمل عليه عند بعض أهل العلم وبه يقول أصحابنا .
واستدل من اختار النهوض فى الصلاة على صدور القدمين بحديث الباب ، وقدعرفت
أنه حديث ضعيف لا يصلح للاستدلال ، واستدلوا بأحاديث أخرى وآثار ، فعلينا أن
نذكرها مع الكلام عليها .
فمنها : حديث عكرمة قال: صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين
تكبيرة فقلت لابن عباس: إنه أحمق ، فقال: ثكلتك أمك سنة أبى القاسم صلى الله
عليه وسلم، رواه البخارى . قيل يستفادمنه تراك جلسة الاستراحة والالكانت التكبيرات

١٧٠
أربعا وعشرين مرة لأنه قد ثبت أن النی صلى الله عليه وسلم کان یکبر فی کل خفض
ورفع وقيام وقعود .
وأجيب عنه بأن جلسة الاستراحة جلسة خفيفة جدا ولذلك لم يشرع فيها ذكر،
فهى ليست بجلسة مستقلة بل هى من جملة النهوض إلى القيام ، فكيف يستفاد من هذا
الحديث ترك جلسة الاستراحة ، ولو سلم فدلالته على الترك ليس إلا بالإشارة ، وحديث
مالك بن الحويرث يدل على ثبوتها بالعبارة . ومن المعلوم أن العبارة مقدمة على الإشارة.
ومنها : حديث أبى مالك الأشعرى أنه جمع قومه فقال: يامعشر الأشعريين اجتمعوا
واجمعوا نساءكم وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الحديث ، وفيه: ثم كبر
وخر ساجدا ثم كبر فرفع رأسه ثم كبر فانتهض فائما رواه أحمد . قيل : قوله ثم كبر
فسجد ثم كبر فانتهض قائما ، يدل على نفى جلسة الاستراحة .
وأجيب عنه بأن فى إسناده شهر بن حوشب ، قال الحافظ فى التقريب : كثير
الإرسال والأوهام انتهى. ثم هذا الحديث ليس بصريح بنفى جلسة الاستراحة ولو سلم
فهو إنما يدل على نفى وجوبها لا على نفى سنيتها ثم حديث مالك بن الحويرث أقوى
وأصح وأثبت من هذا الحديث .
ومنها : حديث أبي حميد الساعدى وفيه : ثم كبر فسجد ثم كبر فقام ولم يتورك
رواه أبو داود . وأجيب عنه بأن أبا داود رواه بإسناد آخر صحيح ، والترمذى بإثبات
جلسة الاستراحة ، وقال الترمذى حسن صحيح ، وقد تقدم لفظهما ، والمثبت مقدم على النافى.
وأما الآثار فمنها أثر النعمان بن أبى عياش قال : أدركت غير واحد من أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم فكان إذا رفع رأسه من السجدة فى أول ركعة والثالثة قام
كما هو ولم يجلس، رواه أبو بكر بن أبى شيبة. والجواب عنه: أن فى إسناده محد بن
عجلان وهو مدلس ورواه عن النعمان بن عياش بالعنعنة: على أن محمد بن عجلان سىء
الحفظ وقد تفرد هو به ، وروى عنه أبو خالد الأحمر وهو أيضاً سىء الحفظ .
ومنها أثر ابن مسعود رواه الطبرانى فى الكبير والبيهقى فى السنن الكبرى عن
عبد الرحمن بن يزيد قال : رمقت عبد الله بن مسعود فى الصلاة فرأيته ينهض ولا يجلس ،

١,٧١
٢١٣ - باب
ما جَاءَ فىِ النّشْهُدِ
٢٨٨ - حدثنا يعقوبُ بن إبراهيم الدَّوْرَقِيُّ أخبرنا عُبَيْدُ اللهِ الأشْجَمِئُّ
عن سفيانَ الثورِىِّ عن أبى إسحاقَ عن الاسْوَدِ بن يزيدَ عن عبد الله بن مسعودٍ
قال: ((علّاَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا قَبَدْنَا فى الرَكْمَتَينِ أن نقولَ:
التَّحِيَّاتُ للهِ، وَالصَّلَوَاتُ والَّيِّبَتُ، السّلَمُ عليكَ أَيُّهَاَ النَّبِىُّ ورحمةُ
قال ينهض على صدور قدميه فى الركعة الأولى والثالثة .
والجواب عنه أن البيهقى قال فى السنن الكبرى بعد ذكر هذا الأثر : وهو عن ابن
مسعود صحيح ومتابعة السنة أولى انتهى. كذا فى الجوهر النقي ص١٤٧ج١، قلت: وترك
ابن مسعود رضى الله عنه جلسة الاستراحة إنما يدل على عدم وجوبها لا على نفى سنيتها .
ومنها ما أخرج البيهقي عن عطية العوفى قال : رأيت ابن عمر وابن عباس وابن الزبير
وأبا سعيد الخدرى يقومون على صدور أقدامهم فى الصلاة .
والجواب أن البيهقى قال بعد إخراج هذا الأثر: وعطية لا يحتج به انتهى . وقال
الذهبى فى الميزان : عطية بن سعد العوفى الكوفى تابعى شهير ضعيف انتهى .
( باب ما جاء فى التشهد )
قوله ( التحيات ) جمع تحية ومعناها السلام ، وقيل البقاء ، وقيل العظمة ، وقيل
السلامة من الآفات والنقص ، وقيل الملك . قال المحب الطبرى يحتمل أن يكون لفظ
التحية مشتركا بين هذه المعانى. وقال الخطابى والبغوى : المراد بالتحيات الله أنواع
التعظيم له ( والصلوات) قيل المراد الخمس أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل
فى كل شريعة ، وقيل العبادات كلها ، وقيل المراد الرحمة ، وقيل التحيات العبادات
القولية ، والصلوات العبادات الفعلية ، والطيبات الصدقات المالية ( والطيبات ) أى ما
طاب من الكلام وحسن أن يثتى به على الله تعالى دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك

١٧٢
الله وبركاته، السلامُ علينا وعلى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أنْ لاَ إِلّهَ
يحيون به ، وقيل الطيبات ذكر الله ، وقيل الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء ، وقيل
الأعمال الصالحة وهو أعم . قال ابن دقيق العيد: إذا حملت التحية على السلام فيكون
التقدير التحيات التى تعظم بها الملوك مستمرة لله تعالى، وإذا حمل على البقاء فلا شك فى
اختصاص الله به وكذلك الملك الحقيقى والعظمة التامة ، وإذا حملت الصلاة على العهد
أو الجنس كان التقدير أنها لله واجبة لا يجوز أن يقصد بها غيره ، وإذا حملت على
الرحمة فيكون معنى قوله لله أنه المتفضل بها لأن الرحمة التامة الله يؤتيها من يشاء ، وإذا
حملت على الدعاء فظاهر ، وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال ولعل تفسيرها بما هو
أعم أولى فتشتمل الأفعال والأقوال والأوصاف ، وطيبها كونها كاملة خالصة عن
الشوائب ( السلام عليك أيها النبي ) فإن قيل: كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر
مع كونه منهيا عنه فى الصلاة . فالجواب أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم . فإن
قيل : ما الحكمة فى العدول عن الغيبة إلى الخطاب فى قوله عليك أيها النبى مع أن لفظ
الغيبة هو الذى يقتضيه السياق كأن يقول السلام على النبى فينتقل من تحية الله إلى تحية
النبى ثم إلى تحية النفس ثم إلى تحية الصالحين أجاب الطيبى بما محصله : نحن نتبع
لفظ الرسول بعينه الذى كان علمه الصحابة . قاله الحافظ فىالفتح قال : وقد ورد فى بعض
طرق حديث ابن مسعود ما يقتضى المغايرة بين زمانه صلى الله عليه وسلم فيقال بلفظ الخطاب
وأما بعده فيقال بلفظ الغيبة ففى الاستيذان من صحيح البخارى من طريق أبى معمر عن
ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهد قال وهو بين أظهرنا فلما قبض قلنا السلام يعنى
على النبى كذا وقع فى البخارى وأخرجه أبو عوانة فى صحيحه والسراج والجوزقى وأبو
نعيم الأصبحانى والبيهقى من طرق متعددة إلى أبى نعيم شيخ البخارى فيه بلفظ فلما قبض
قلنا السلام على النبى يحذف لفظ يعنى وكذلك رواه أبو بكر بن أبى شيبة عن أبى نعيم قال
وقد وجدت له متابعا قويا قال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرنى عطاء أن الصحابة
كانوا يقولون والنبى صلى الله عليه وسلم حى السلام عليك أيها النبي فلما مات قالوا السلام
على النبى وهذا إسناد محيح انتهى ( ورحمة الله ) أى إحسانه ( وبر كاته ) أی زیادته من
كل خير ( السلام علينا ) استدل به على استحباب البداءة بالنفس فى الدعاء ، وفى الترمذى
مصححا عن أبى بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ

١٧٣
إلا اللهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ محمداً عبدُه ورسولُه )).
قال: وفى الباب عن ابنِ مُمَرَ وجابرٍ وأبى موسى وعائشةً .
قال أبو عيسى : حديثُ ابنِ مسعودٍ قد رُوِىَ عُنُهُ مِنِ غيرِ وجْهٍ وهو أَصِحُّ
حدیثٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فى النشهدِ .
والعملُ عليهِ عندَ أكثرِ أهلِ العِلْمِ من أصحابِ النبى صلى الله عليه وسلم ومَنْ
بعدهم من التابعينَ .
بنفسه ، وأصله فى صحيح مسلم ، ومنه قول نوح وإبراهيم عليهما السلام كما فى التنزيل ( وعلى
عباد الله الصالحين ) الأشهر فى تفسير الصالح أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق
عباده وتتفاوت درجاته . قال الحكيم الترمذى من أراد أن يحظى بهذا السلام الذى
يسلمه الخلق فى الصلاة فليكن عبداً صالحاً وإلاحرم هذا الفضل العظيم كذا فى الفتح .
قوله ( وفى الباب عن ابن عمر وجار وأبى موسى وعائشة أما حديث ابن عمر فأخرجه
أبو داود والدار قطنى . والطبرانى، وأماحديث جابر فأخرجه النسائى وابن ماجة والحاكم
ورجاله ثقات كذا فى النيل ، وأما حديث أبى موسى فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائى
وأما حديث عائشة فأخرجه الحسن بن سفيان فى مسنده والبيهقى ورجح الدار قطنى وقفه
قاله فی النيل .
قوله ( حديث ابن مسعود قد روى عنه من غير وجه وهو أضح حديث الخ).
قال البزار لما سئل عن أصح حديث فى التشهدقال : هو عندی حديث ابن مسعود وروی
من نيف وعشرين طريقا ثم سرد أكثرها وقال لاأعلم فى التشهد أثبت منه ولا أصح
أسانيد ولا أشهر رجالا ذكره الحافظ وقال: لااختلاف بين أهل الحديثفى ذلك ، ومن
رجحانه أنه متفق عليه دون غيره وأن الرواة عنه الثقات لم يختلفوا فى ألفاظه بخلاف غيره.
وأنه تلقاه عن النبى صلى الله عليه وسلم تلقينا ، ففى رواية للطحاوى : أخذت التشهد من
فى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفنيه كلة كلمة ثم ذكر الحافظ وجوها أخر لرجعانه.

١٧٤
وهو قولُ سفيانَ الثورىِّ وابنِ المباركِ وأحمد وإسحاقَ .
٢١٤ - بابٌ
منه أيضا
٢٨٩ - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا الَّيْثُ عن أبى الزُّبَيْرِ عن سعيد بن جُبَيْرِ
وطاؤُسٍ عن ابنِ عباسٍ قال: ((كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلَمِّنَا الَّشَهُدَّ
كما يُعَلَّنَاَ القُرْآنَ، فكانَ يقولُ: التَّحِيَّتُ المُبَارَ كَتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيْبَاتُ بِهِ،
سَلاَمٌ عليكَ أيُّهَا النَّبِىُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتْهُ ، سَلاَمٌ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصَّالِحِينَ،
أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ، وأَشْهَدُ أنَّ محمداً رسولُ اللهِ )) .
قوله ( وهو قول سفيان الثورى وابن المبارك وأحمد وإسحاق ) وهو قول أبى حنيفة
واختار مالك وأصحابه تشهد عمر لكونه علمه للناس وهو على المنبر ولم ينكروه فيكون
إجماعا ولفظه نحو حديث ابن عباس إلا أنه قال الزاكيات بدل المباركات وكأنه بالمعنى
.واختار الشافعى تشهد ابن عباس وقال بعد أن أخرج حديث ابن عباس : رويت أحاديث
فى التشهد مختلفة وكان هذا أحب إلى لأنه أكملها ، وقال فى موضع آخر : وقد سئل عن
اختياره تشهد ابن عباس لما رأيته واسعا وسمعته عن ابن عباس صحيحا كان عندى أجمع
وأكثر لفظا من غيره وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح ، ذكره الحافظ
وقال ثم إن هذا الاختلاف إنما هو فى الأفضل وكلام الشافعى المتقدم يدل على ذلك انتهى.
قلت : لاشك فى أن حديث ابن مسعود أرجح من جميع الأحاديث المروية فى التشهد
فالأخذ به هو الأولى والله تعالى أعلم .
( باب منه أيضا)
قوله ( التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ) المباركات جمع مباركة معناها كثيرة
الخير ، وقيل النماء . قال النووى: تقديره والمباركات والصلوات والطيبات كما فى حديث
ابن مسعود وغيره ولكن حذفت الواو اختصارا وهو جائز معروف فى اللغة ( سلام
عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا) كذا وقع فى هذا الكتاب سلام عليك

١٧٥
قال أبو عيسى: حديثُ ابن عباس حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
وقد رَوَى عبدُ الرحمنِ بنُ مُحَمَيْدِ الرُّؤْاسِىُّ هذا الحديثَ عن أبى الزُّبَيْرِ نَحْوَ
حديثِ الََّيْثِ بن سعدٍ .
وَرَوَى أَيْمَنُ بنُ نَابِلِ المَكَمَّ هذا الحديثَ عن أبى الزُّبَيْرِ عن جابرٍ ،
وهو غيرُ تَحْفُوظٍ .
وذهب الشافعىُّ إلى حديثِ ابن عباسٍ فى التشهدِ .
وسلام علينا بغير الألف واللام ،والحديث رواه مسلم فى صحيحه السلام عليك السلام علينا
بالألف واللام قال: النووى: يجوز فيه وفيما بعده حذف اللام وإثباتها والإثبات أفضل
وهو الموجود فى روايات الصحيحين. قال الحافظ فى الفتح لم يقع فى شىء من طرق
حديث ابن مسعود بحذف اللام وإنما اختلف ذلك فى حديث ابن عباس وهومن أفراد مسلم
قوله ( الرؤاسى ) بضم راء فهمزة وسين مهملة منسوب إلى رؤاس بن كلاب كذا
فى المغنى .
قوله ( وروى أيمن بن نابل ) بنون وموحدة (عن أبى الزبير عن جابر) وأما
الليث وعبد الرحمن بن حميد فرويا عن أبى الزبير عن سعيد بن جبير وطاوس عن ابن
عباس ( وهو غير محفوظ ) قال الحافظ فى التلخيص: أيمن بن نابل راويه عن أبى الزبير
أخطأ فى إسناده وخالفه الليث وهو من أوثق الناس فى أبى الزبير فقال عن أبى الزبير
عن طاؤس وسعيد بن جبير عن ابن عباس : قال حمزة الكنانى : قوله عن جابر خطأ
ولا أعلم أحدا قال فى التشهد بسم اللّه وبالله إلا أيمن. وقال الدار قطنى: ليس بالقوى
خالف الناس ولو لم يكن إلا حديث التشهد . وقال الترمذى سألت البخارى عنه فقال
خطأ وقال النسائى لانعلم أحدا تابعه وهو لا بأس به لكن الحديث خطأ انتهى باختصار

١٧٦
٢١٥ - باب
ما جاء أنَّه يُخْفِى النَّشَهْدَ
٢٩٠ - حدثنا أبو سعيد الأشجُّ أخبرنا يونسُ بن بُکیر عن محمد بن إسحاق
عن عبد الرحمن بن الأَسْوَدِ عن أبيه عن ابن مسعودٍ قال: (( من الشُّنَّةِ أن
يُخْفِىَ التَشَّهُدَ)).
قال أبو عيسى : حديثُ ابن مسعودٍ حديثٌ حسنٌ غريبٌ . والعملُ عليه
عندَ أهلِ العلمِ .
( باب ماجاء أنه يخفى التشهد )
قوله ( يونس بن بكير ) بن واصل الشيبانى أبو بكر الجمال الكوفى صدوق يخطىء
قاله الحافظ ، وقال الخزرجی قال ان معین ثقة وضعفه النسائى ، وقال أبو داود لیس
بحجة يأخذ كلام ابن إسحاق فيوصله ، روى له مسلم متابعة .
قوله ( من السنة ) قال الطيبي: إذا قال الصحابى من السنة كذافهو فى الحكم كقوله
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا مذهب الجمهور من المحدثين والفقهاء وجعل
بعضهم موقوفا وليس بشىء انتهى .
قوله ( حديث ابن مسعود حديث حسن غريب ) والحديث رواه أبو داود والحاكم
فى المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم . قلت : فى سنده يونس بن بكير وقد عرفت
حاله ، وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس .

١٧٧
٢١٦ - بابُ
كيفَ الجلوسُ فى النَّشَهدِ
٢٩١ - حدثنا أبو كُرَيْبٍ أخبرنا عبدُ اللهِ بن إدريسَ عن عاصم بن كُلَيْبٍ
عن أبيهِ عن وائِلٍ بن حُجْرِ قال: ((قَدِمْتُ المدِينَةَ، قُلْتُ: لأُنْظُرَنَّ إِلى صَلاةٍ
رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلما جلس - يَعْنى - للتشَهد افْتَرَشَ رِجْلَهُ
الْيُسْرَى، ووضع يَدَهُ الْيُسَرى - يَعْنِى على فَخِذِهِ الُْسرَى، ونَصَبَ
رجله اليمنى )» .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
والعمل عليه عندَ أكثر أهل العلم.
وهو قولُ سفيانَ الثورىِّ وابنِ المباركِ وأهلِ الكوفةِ .
( باب كيف الجلوس فى التشهد )
قوله (أخبرنا عبد الله بن ادريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودى أبو محمد الكوفى
ثقة فقيه عابد .
قوله ( افترش رجله اليسرى ) وفى رواته الطحاوى وسعيد بن منصور : فرش
قدمه اليسرى على الأرض وجلس عليها . والحديث قد احتج به القائلون باستحباب
الافتراش فى التشهدين ، وأجيب بأن هذا الحديث مطلق وحديث أبي حميد الآتى مقيد
فيحمل المطلق على المقيد .
قوله ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود والنسائى وابن ماجه .
قوله ( والعمل عليه عند أكثر أهل العلم ، وهو قول سفيان الثورى وابن المبارك
وأهل الكوفة) قال النووى : اختلف العلماء فى أن الأفضل فى الجلوس فى التشهدين
(١٢ - تحفة الأحوذي ٢)
:

١٧٨
التورك أم الافتراش ، فمذهب مالك وطائفة تفضيل التورك فيهما ، ومذهب أبى حنيفة
وطائفة تفضيل الافتراش فيهما ، ومذهب الشافعى وطائفة يفترش فى الأول ويتورك
فى الأخير الحديث أبي حميد الساعدى ورفقته فى صحيح البخارى وهو صريح فى الفرق
بين التشهدين . قال الشافعى والأحاديث الواردة بتورك أو افتراش مطلقة لم يبين فيها
أنه فى التشهدین أو فى أحدها ، وقد بينه أبو حمید ورفقته ووصفوا الافتراش فى الأول
والتورك فى الأخير وهذا مبين ، فوجب حمل ذلك المجمل عليه والله أعلم ، انتهى كلام
النووى .
وقال الحافظ فى الفتح: واختلف فيه قول أحمد ، والمشهور عنه اختصاص التورك
بالصلاة التى فيها التشهدانانتهى .
قلت : استدل لما ذهب إليه مالك ومن معه بما رواه مالك فى الموطأ عن يحيى بن
سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس فى التشهد فنصب رجله اليمنى وثنى رجله
اليسرى وجلس على وركه الأيسر ولم يجلس على قدمه ثم قال أرانى هذا عبيد الله بن
عبد الله بن عمر وحدثنى أن أباه كان يفعل ذلك .
والجواب : أن هذا معارض يما رواه النسائى من طريق عمرو بن الحارث عن
يحيى بن سعيد أن القاسم حدثه عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال : من سنة الصلاة أن
ينصب اليمنى ويجلس على اليسرى ، فيحمل ما رواه مالك على التشهد الأخير وما رواه
النسائى على التشهد الأول دفعا للتعارض .
واستدل للشافعى ومن معه بحديث أبى حميد الساعدى قال: أنا كنت أحفظ
لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه فإذا جلس فى الركعتين جلس على
رجله اليسرى ونصب اليمنى فإذا جلس فى الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب
الأخرى وقعد على مقعدته رواه البخارى . قال الحافظ فى الفتح : فى رواية عبد الحميد
حتى إذا كانت السجدة التى يكون فيها التسليم ، وفى رواية عندابن حبان التى تكون
خاتمة الصلاة أخرج رجله اليسرى وقعد متوركا على شقه الأيسر قال : وفى هذا الحديث
حجة قوية للشافعى ومن قال بقوله فى أن هيئة الجلوس فى التشهد الأول مغايرة

١٧٩
لهيئة الجلوس فى الأخير . وقد قيل فى حكمة المغايرة بينهما إنه أقرب إلى عدم اشتباه
عدد الركعات ولأن الأول تعقبه حركة بخلاف الثانى، ولأن المسبوق} إذا رآه علم قدر
.ما سبق به واستدل به الشافعى أيضاً على أن تشهد الصبح كالتشهد الأخير من غيره
لعموم قوله فى الركعة الأخيرة انتهى كلام الحافظ .
واستدل لما ذهب إليه أبو حنيفة ومن معه من تفضيل الافتراش فى التشهدين بحديث
وائل بن حجر المذكور فى هذا الباب .
والجواب : أنه محمول على التشهد الأول بحديث أبي حميد الساعدى المذكور ولما
.رواه النسائى فى باب موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول عن وائل بن حجر قال:
أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة الحديث ، وفيه
وإذا جلس فى الركعتين أضجع اليسرى ونصب اليمنى إلخ وبحديث عائشة رضى الله عنها
.قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة الحديث وفيه : وكان يقول
فى كل ركعتين التحيات وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى وكان ينهى عن
عقبة الشيطان رواه مسلم .
والجواب : أن هذا الحديث محمول على التشهد الأول جمعا بين الأحاديث. وأما
قول ابن التركمانى بأن اطلاقه يدل على أن ذلك كان فى التشهدين بل هو فى قوة قولها :
و کانیفعل ذلك فى التشهدين إذ قولها أولا : وکان یقول فی کل ر کعتین التحیات یدل على
هذا التقدير ففيه وإن اطلاقه وإن كان يدل على ما قال لكن حمله على التشهد الأول
متعين جمعا بين الأحاديث .
على أن حديث أبي حميد الساعدى المذكور نص صريح فى ثبوت التورك فى التشهد
الثانى، وحديث عائشة ليس بنص فى تفيه بل غاية ما يقال إنه يدل بظاهره على نفى
التورك ، وقد تقرر فى مقره أن النص يقدم على الظاهر عند التعارض ، وبحديث
ابن عمر قال : من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعه القبلة والجلوس
على اليسرى رواه النسائي.
قلت : تقدم الجواب عن هذا الحديث آنفا فتذكر .

١٨٠
والحاصل : أنه ليس نص صريح فيما ذهب إليه مالك ومن معه ولا فيما ذهب إليه
أبو حنيفة ومن معه وأما ما ذهب إليه الشافعى ومن معه ففيه نص صريح فهو المذهب
الراجح: تنبيه : اعلم أن صاحب الهداية من الحنفية أجاب عن حديث أبي حميد الساعدى
بأنه ضعفه الطحاوى أو يحمل على الكبر .
قلت : جوابه هذا ليس مما يصغى إليه. قال الحافظ فى الدراية : قوله والحديث ينى
حديث أبى حميد ضعفه الطحاوى أو يحمل على حالة الكبر ، أما تضعيف الطحاوى فمذ كور
فى شرحه بمالا يلتفت إليه، وأما الحمل فلا يصح لأن أبا حميد وصف صلاته التى واظب
عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووافقه عشرة من الصحابة ولم يخصواذلك بحال الكبر،
والعبرة بعموماللفظ ، وقد قالرسولالله صلىاللهعليه وسلم : صلوا كما رأيتمونى أصلی اتهى
كلام الحافظ : وقد أنصف صاحب التعليق المجدمن الحنفية حيث قال فى تعليقه على موطأ محد
المسمى بالتعليق الممجد : وحمل أصحابنا هذا يعنى حديث ابى حميد الساعدى على العذر وعلى
بيان الجواز وهو حمل يحتاج إلى دليل ، ومال الطحاوى إلى تضعيفه ، وتعقبه البيهقى
وغيره فى ذلك بمالا مزيد عليه . وذكر قاسم بن قطلوبغا فى رسالته الأسوس فى كيفية
الجلوس : فى إثبات مذهب الحنفية أحاديث كحديث عائشة : كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى ، وحديث وائل : صليت خلف رسول
الله صلى الله عليه وسلم فلما قعد وتشهد فرش رجله اليسرى أخرجه سعيد بن منصور ،
وحديث المسيء صلاته أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإذا جلست فاجلس
على نفذك اليسرى أخرجه أحمد وأبو داود ، وحديث ابن عمر : من سنة الصلاة
إلخ . ولا يخفى على الفطن أن هذه الأخبار وأمثالها لا تدل على مذهبنا صريحا بل
يحتمله وغيره ، وما كان منها دالا صريحا لا يدل على كونه فى جميع القعدات على ما هو
المدعى ، والإنصاف أنه لم يوجد حديث يدل صريحا على استنان الجلوس على الرجل
اليسرى فى القعدة الأخيرة ، وحديث أبى حميد مفصل فليحمل المبهم على المفصل انتهى .
: