النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
١٤٤ - حدثنا أَبُو حَفْصِ عَمْرُو بنُ عَلىّ الفَلَّسُ حدثناَ يَزِيدُ
بِنُ زُرَيْعِ حدثنا سَعيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عنْ عَزْرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْن عَبْدِ الرَّْمنِ
بْنِ أَبْزَى عِنْ أبيهِ عَنْ عَمَّارِ بنِ ياسِرٍ ((أَنَّ النَبى صلى الله عليه وسلم
أَمَرَهُ بِلنََّهُمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفْنِ » .
لغوى وعلى الأول حقيقة شرعية . واختلف فى التيمم هل هو عزيمة أو رخصة وفصل
بعضهم فقال هو لعدم الماء عزيمة ، وللعذر رخصة كذا فى الفتح .
قوله ( حدثنا أبو حفص عمرو بن على الفلاس ) الصير فى الباهلى البصرى ثقة حافظ ،
روى عنه الأئمة الستة وغيرهم مات سنة ٢٤٩ تسع وأربعين ومائتين (ناسعيد ) هو
ابن أبى عروبة ثقة حافظ وكان من أثبت الناس فى قتادة ( عن عزرة) بفتح العين
المهملة وسكون الزاى المعجمة هو ابن عبد الرحمن بن زرارة الخزاعى الكوفى شيخ
لقتادة ثقة ( عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ) الخزاعى مولاهم الكوفى وثقه
النسائى (عن أبيه ) أى عبد الرحمن بن أبزى بفتح الهزة وسكون الموحدة
وبالزای مقصورا صحابى صغير قاله الحافظ ( عن عمار بن ياسر) صحابى جليل مشهور
من السابقين الأولين بدرى قتل مع على بصفين ٣٧ سنة سبع وثلاثين.
قوله ( أمره باليتمم للوجه والكفين ) وفى رواية أبى داود سألت النبي صلى الله عليه
وسلم عن التيمم فأمرنى ضربة واحدة للوجه والكفين ، وفى رواية الشيخين إنما
يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ، ثم مسح الشمال
على اليمين ، وظاهر كفيه ووجهه ، والحديث يدل على أن التيمم ضربة واحدة للوجه
والكفين وقد ذهب إلى ذلكعطاء ومكحول والأوزاعى وأحمدبن حنبل وإسحاق ، قال
فى الفتح ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء واختاره ، وهو قول عامة أهل الحديث
كذا فى النيل. وقال الحافظ فى الفتح الأحاديث الوارد فى صفة التيمم لم يصح منها سوى
حديث أبى جهيم وعمار وماعداهما فضعيف فى رفعه ، فأما حديث أبى جهيم فورد بذكر
اليدين مجملا وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين فى الصحيحين وبذكر المرفقين فى
السنن ، وفى رواية إلى نصف الذراع وفى رواية إلى الآباط ، فأ مارواية المرفقين وكذا
نصف الذراع ففيهما مقال . وأما رواية الآباط فقال الشافعى وغيره إن كان وقع بأمر
النبى صلى الله عليه وسلم فكل تيمم صح للنبي صلى الله عليه وسلم بعده فهو ناسخ وإن

٤٤٢
قَالَ : وَفِ الْبَابِ عَنِ عَائِشَةَ، وَأَبْنِ عَبَّاسٍ .
قال أبو عيسى: حَدِيثُ عَّارٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ . وَقَدْ رِوُىَ
عَنْ عَمَرٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ .
وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَبِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ
عليه وسلّمَ ، مِنْهُمْ :
كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمره به ، ومما يقوى رواية الصحيحين فى الاقتصار على
الوجه والكفين كون عمار كان يفتى بعد النبى صلى الله عليه وسلم بذلك ، وراوى
الحديث أعرف بالمراد به من غيره ولا سيما الصحابى المجتهد انتهى .
: قوله ( وفى الباب عن عائشة وابن عباس ) أما حديث عائشة فأخرجه البزار
فى مسنده عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فى التيمم : ضربتان ضربة للوجه وضربة
لليدين إلى المرفقين ، وفيه الجريش بن الخريت ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة والبخارى
كذا فى مجمع الزوائد. وذكره الحافظ الزيلعى فى نصب الراية بإسناده ثم قال قال البزار
لا نعلمه يروى عن عائشة إلا من هذا الوجه والحريش رجل من أهل البصرة أخو
الزبير بن الخريت . انتهى ورواه ابن عدى فى الكامل وأسنده عن البخارى أنه قال
حريش بن الخريت فيه نظر قال وأنا لا أعرف حاله فإنى لم اعتبر حديثه انتهى كلامه .
وأما حديث ابن عباس فأخرجه الحاكم والبيهقى وعبد الرزاق والطبرانى . كذا
فى شرح سراج أحمد .
قوله ( حديث عمار حسن صحيح) وأخرجه أحمد وأبو داود وسكت عنه هو
والمنذرى ، وروى الشيخان عن عمار بن ياسر قال بعثنى النبى صلى الله عليه وسلم
فى حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت فى الصعيد كما تمرغ الدابة ثم أتيت النبي
صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال : إنما كان يكفيك أن تقول يديك هكذا
ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين ، وظاهر كفيه
ووجهه وهذا اللفظ لمسلم وفى رواية للبخارى وضرب بكفيه الأرض نفخ فيهما ثم
مسح بهما وجهه و کفيه .
قوله ( وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم منهم.

٤٤٣
عَلِىٌّ، وَعمَّارٌ، وَأَبْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ النَّابِينَ، مِنْهُمُ:
الشعِئُ، وَعَطَاءِ، وَمَكْحُولٌ، قَالُوا: التََّهُمُ ضَرْبَةٌ لِلِوَجهِ وَالْكَفْنِ .
وَبِهِ يَقُولُ أَحَدُ ، وَإِسْحُقُ .
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْرِ، مِنْهُمُ أَبْنُ عُمَرَ، وَايِرٌ ، وَإِبْ هِمُ
وَالْسَنُ، قَالُوا: النََّغُمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلَيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْ فَقَيْنِ.
وَ بِهِ يَقُولُ سُفْيَنُ الثَّوْرِىُّ، وَمَالِكٌ ، وَأَبْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِىُّ.
على وعمار وابن عباس وغير واحد من التابعين منهم الشعبى وعطاء مكحول قالوا
التيمم ضربة الوجه والكفين وبه يقول أحمد وإسحاق ) قال ابن قدامة فى المغنى :
المسنون عند أحمد التيمم بضربة واحدة . فإن تيمم بضربتين جاز . قال الأثرم قلت لأبى
عبد الله التيمم ضربة واحدة ، فقال نعم ضربة للوجه والكفين ، ومن قال بضربتين
فإنما هو شىء زاده انتهى . وقد عرفت فيما مر آنفا أن الحافظ قال فى فتح البارى
الاكتفاء بضربة واحدة نقله ابن المنذر عن جمهور العلماء واختاره انتهى . وقال
الشوكانى فى النيل : وهو قول عامة أهل الحديث انتهى. واستدلوا على ذلك بحديث
عمار المذكور فى الباب وبحديثه المروى فى الصحيحين الذى ذكرنا لفظه ( وقال بعض
أهل العلم منهم ابن عمرو جابر وإبراهيم والحسن التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين.
إلى المرفقين وبه يقول سفيان الثورى ومالك وابن المبارك والشافعى ) وهو قول.
أبى حنيفة وأصحابه .
واستدلوا بأحاديث لا يخلو واحد منها من المقال .
فمنها : حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : التيمم ضربتان ضربة
للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ، رواه الدارقطنى .
وفيه أن الصحيح أنه موقوف ، قال الحافظ فى بلوغ المرام صحح الأمة وقفه .
ومنها : حديث عمار قال كنت فى القوم حين نزلت الرخصة فى المسح بالتراب إذا لم
نجد الماء فأمرنا فضربنا واحدة للوجه ثم ضربة أخرى لليدين إلى المرفقين رواه البزار .
قال الحافظ فى الدراية بإسناد حسن .
وفيه أن الحافظ قال فى الدارية ص ٣٧ بعد قوله بإسناد حسن: ولكن أخرجه.

٤٤٤
أبو داود فقال إلى المناكب، وذكر أبو داود علته والاختلاف فيه ثم ذكر الحافظ
حديث أبى هريرة فى الضربتين وقال سيأتى الكلام عليه ، ثم قال : ويعارضه ما ثبت
فى الصحيحين عن عمار قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان يكفيك
أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك، وفى رواية ثم ضرب
بیدیه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين ، وظاهر کفیه ووجهه ، وروى
أحمد من طريق أخرى عن عمار أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول فى التيمم ضربة
الوجه والكفين انتهى ما قال الحافظ فى الدراية .
قلت : فظهر من كلام الحافظ أن حديث عمار الذى رواه البزار لا يصلح للاحتجاج
وإن كان سنده حسنا . وقد تقرر أن حسن الإسناد أو صحته لا يستلزم حسن الحديث
أو صحته . وقد استدل صاحب آثار السنن بحديث عمار الذى رواه البزار ونقل من
الدراية قول الحافظ بإسناد حسن ولم ينقل قوله الباقى الذى يثبت منه ضعفه . وكذلك
فعل صاحب العرف الشذى وليس هذا من شأن أهل العلم .
ومنها : حديث جابر من طريق عثمان بن محمد الأنماطى عن حرمى بن عمارة عن
عزرة بن ثابت عن أبى الزبير عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : التيمم ضربة للوجه
وضربة للذراعين إلى المرفقين ، رواه الدارقطنى والحاكم وصححه ، وقال الحافظ
فى الدراية وأخرجه الدار قطنى والحاكم نحو حديث ابن عمر المذكور من حديث جابر
بإسناد حسن انتهى.
وفيه أن حديث جابر هذا اختلف فى رفعه ووقفه والصحيح أنه موقوف ، قال
الدار قطنى بعد ما أخرجه : رجاله كلهم ثقات والصواب موقوف انتهى . وقال الحافظ
فى التلخيص : ضعف ابن الجوزى هذا الحديث بعثمان بن محمد ، وقال إنه متكلم فيه
وأخطأ فى ذلك ، قال ابن دقيق العيد : لم يتكلم فيه أحد نعم روايته شاذة لأن أبا نعيم
رواه عن عزرة موقوفا . أخرجه الدار قطنى والحاكم أيضا انتهى .
قلت : وأخرجه الطحاوى أيضا فى شرح الآثار حدثنا فهد قال حدثنا أبو نعيم قال
ثنا عزرة بن ثابت عن أبى الزبير عن جابر قال أتاه رجل فقال أصابتنى جنابة وإنى
تمعكت فى التراب فقال أصرت حمارا وضرب بيديه إلى الأرض فمسح وجهه ثم ضرب

٤٤٥
بيديه إلى الأرض فمسح بيديه إلى المرفقين ، وقال هكذا التيمم .
تنبيه : قال صاحب العرف الشذى : وقفها الطحاوى وعندى أنها مرفوعة ، واختلط
على الموقفين لفظ أتاه فإنهم زعموا أن مرجع الضمير المنصوب هو جابر بن عبد الله
والحال أن المرجع هو النبى صلى الله عليه كما قال الحافظ العينى انتهى .
قلت: قوله إن المرجع هو النبي صلى الله عليه وسلم باطل جدا فإنه ليس فى هذه الرواية
ذكر النبى صلى الله عليه وسلم أصلا لاقبل الضمير ولا بعده ، ولذلك لم يقل به أحد من
المحدثين ، بل أوقفوه وأرجعوا الضمير إلى جابر وقوله كما قال الحافظ العينى ليس
بصحيح فإن العينى لم يقل به بل قال فى شرح البخارى بعد ذكر حديث جابر المرفوع
مالفظه : وأخرجه الطحاوى وابن أبى شيبة موقوفا .
فإن قلت عثمان بن محمد ثقة لم يخالفه أحد من أصحاب عزرة غير أبى نعيم وزيادة
الثقة مقبولة فكيف تكون روايته المرفوعة شاذة .
قلت : عثمان بن محمد وإن كان ثقة لكن أبا نعيم أوثق منه وأتقن وأحفظ . قال.
الحافظ فى التقريب فى ترجمة عثمان بن محمد مقبول ، وقال الذهبى فى الميزان فى ترجمته
شيخ حدث عنه إبراهيم الحلى صويلح وقد تكلم فيه انتهى ، وقال الحافظ فى ترجمة
أبى نعيم ثقة ثبت ، وقال الخزرجى فى الخلاصة فى ترجمة أبى نعيم قال أحمد ثقة يقظان
عارف بالحديث ، وقال الفسوى أجمع أصحابنا على أن أبا نعيم كان غاية فى الإتقان انتهى ،
فظهر أن رواية محمد بن عثمان المرفوعة شاذة .
ومنها : حديث أبى أمامة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى التيمم . ضربة للوجه
وضربة لليدين إلى المرفقين . رواه الطبرانى .
وفيه أنه حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج ، قال العينى فى شرح البخاری فی إسناده.
جعفر بن الزبير ، قال شعبة وضع أربعمائة حديث انتهى .
ومنها : حديث عائشة الذى أشار إليه الترمذى وقد عرفت أنه أيضا ضعيف لا يصلح
للاحتجاج ، وقال العينى فى شرح البخارى بعد ذكره فى إسناده الحريش بن خريت
ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة انتهى ، وفى الباب أحاديث أخرى غير هذه الأحاديث
: المذكورة وكلها ضعيفة. قال الشوكانى أحاديث الضربتين لا تخلوا جميع طرقها من مقال.

٤٤٦٠
ولو صحت لكان الأخذ بها متعينا لما فيها من الزيادة . فالحق الوقوف على ما ثبت
فى الصحيحين من حديث عمار من الاقتصار على ضربة حتى يصح ذلك المقدار انتهى .
تنبيه : قال الشيخ عبد الحق الدهلوى فى اللمعات : عدم صحة أحاديث الضربتين
فى زمن الأمة الذين استدلوا بها محل منع ، إذ يحتمل أن تطرق الضعف والوهن فيها
بعدهم من جهة لين بعض الرواة الذين رووها بعد زمن الأمة . فالمتأخرون من المحدثين
الذين جاءوا بعدهم أوردوها فى السنن دون الصحاح ، فلا يلزم من وجود الضعف
فى الحديث عند المتأخرين وجوده عند المتقدمين ، مثلا رجال الإسناد فى زمن أبى حنيفة
كان واحدا من التابعين يروى عن الصحابى أو اثنين أو ثلاثة إن لم يكونوا منهم
وكانوا ثقات من أهل الضبط والإتقان ثم روى ذلك الحديث من بعده من لم يكن
فى تلك الدرجة فصار الحديث عند علماء الحديث مثل البخارى ومسلم والترمذى وأمثالهم
ضعيفا ، ولا يضر ذلك فى الاستدلال به عند أبى حنيفة فتدبر ، وهذه نكتة جيدة انتهى
كلام الشيخ .
قلت : قد تدبرنا فعلمنا أنه لا يثبت بهذه النكتة صحة أحاديث الضربتين
الضعيفة ألبتة .
أما أولا : فلأنا سلما أنه يحتمل أن تطرق الضعف فى أحاديث الضربتين بعد زمن
الإمام أبى حنيفة وغيره من الأئمة المتقدمين القائلين بالضربتين ، ولكن هذا احتمال
محض ، وبالاحتمال لا يثبت صحة هذه الأحاديث الضعيفة التى ثبت ضعفها عند المتأخرين
من حفاظ المحدثين الماهرين بفنون الحديث مثل البخارى ومسلم والترمذى وأمثالهم .
وأما ثانيا : فلانا لانسلم أن من قال بالتيمم بالضربتين كالإمام أبى حنيفة وغيره
استدل بهذه الأحاديث الضعيفة حتى يثبت باستدلاله بها صحتها . بل نقول يحتمل أن هذه
الأحاديث الضعيفة لم تبلغه وإنما استدل ببعض آثار الصحابة رضى الله عنهم ، فما لم يثبت
استدلاله بهذه الأحاديث الضعيفة لا يثبت بالنكتة المذكورة صحة هذه الأحاديث الضعيفة .
وأما ثالثا : فلأنه لو سلم أنه استدل بهذه الأحاديث الضعيفة فعلى هذا التقدير أيضا
لا يلزم صحتها . لجواز أنه لم يبلغه فى هذا الباب غير هذه الأحاديث الضعاف فاستدل بها
وعمل بمقتضاها مع العلم بضعفها . قال النووى فى التقريب وعمل العالم وفتياه على وفق

٤٤٧
حديث ليس حكما بصحته ولا مخالفته قدح فى صحته ولا فى روايته انتهى ، قال السيوطى
فى التدريب : وقال ابن كثير فى القسم الأول نظر إذا لم يكن فى الباب غير ذلك
الحديث ، وتعرض للاحتجاج به فى فتياه أو حكمه أو استشهد به عند العمل بمقتضاه ،
قال العراقى : والجواب أنه لايلزم من كون ذلك الباب ليس فيه غير هذا الحديث أن
لايكون ثم دليل آخر من قياس أو إجماع ، ولا يلزم المفتى أو الحاكم أن يذكر جميع
أدلته بل ولا بعضها . ولعل له دليلا آخر واستأنس بالحديث الوارد فى الباب ، وربما
کان یری العمل بالضعيف وتقديمه على القیاس انتهى .
وأما رابعا : فلان هذه النكتة ليست بجيدة بل هى فاسدة . فإن حاصلها أنه لا يلزم
من وجود الضعف فى الحديث فى الزمن المتأخر وجوده فيه فى الزمن المتقدم ، وعلى هذا
يلزم صحة كل حديث ضعيف ثبت ضعفه فى الزمن المتأخر لضعف بعض رواته . فإن
الراوى الضعيف إما أن يكون تابعيا أو غيره ممن دونه ، فعلى الأول يقال إن الحديث
كان فى زمن الصحابة صحيحا والضعف إنما حدث فى زمن التابعى ، وعلى الثانى يقال
إن الحديث كان صحيحا فى الزمن التابعى والضعف إنما حدث فى زمن غير التابعى ممن
دونه ، واللازم باطل فالملزوم كذلك فتدبر وتفكر . .
تنبيه آخر: قال الشيخ الأجل الشاه ولى الله فى المسوى شرح الموطا تحت أثر ابن عمر
أنه کان یتیمم إلى المرفقين . إن هذين الحديثین یعنی أثر ابن عمر وحديث عمار ليسا
متعارضين عندى . فإن فعل ابن عمر كمال التيمم وفعله صلى الله عليه وسلم أقل التيهم ،
كما أن لفظ يكفيك يرشد إليه فكما أن أصل الوضوء غسل الأعضاء مرة مرة وكماله
غسلها ثلاث مرات ثلاث مرات كذلك أصل التيمم ضربة واحدة والمسح إلى الكفين
وكماله ضربتان والمسح إلى المرفقين انتهى كلامه معربا .
قلت : لو كان حديث الضربين والمسح إلى المرفقين مرفوعا صحيحاً لتم ما قال الشيخ
الأجل الدهلوى ولكن قد عرفت أن أحاديث الضربتين والمرفقين ضعيفة أو مختلفة
فى الرفع والوقف ، والراجح هو الوقف . وأما حديث عمار المرفوع فمتفق عليه وكان
يفتى به عمار بعد النبى صلى الله عليه وسلم فكيف يصح القول بأن فعل ابن عمر كمال
التيمم وفعله صلى الله عليه وسلم أقل التيمم . وأما مجرد فعل ابن عمر فلا يدل على أنه

٤٤٨
٠
كمال التيمم ، ألا ترى أن ابن المنذر قد روى بإسناد صحيح أن ابن عمر كان يغسل رجليه
فى الوضوء سبع مرات ، ذكره الحافظ فى الفتح فهل يقال إن غسل ابن عمر الرجلين
سبع مرات كمال غسل الرجلين كلا ثم كلا .
تنبيه آخر : أعلم أن العلماء الحنفية وغيرهم ممن قال بالتيمم بالضربتين وبمسح الوجه
واليدين إلى المرفقين قد اعتذروا عن العمل بروايات عمار الصحيحة القاضية بالتيمم بضربة
واحدة وبمسح الوجه والكفين بأعذار كلها باردة ذكرها صاحب السعاية من العلماء
الحنفية مع الكلام عليها فنحن نذكر عبارته ههنا فإنها كافية لرد أعذار هم .
قال : اعلم أن نزاعهم فى مقامين: الأول فى كيفية مسح الأيدى هل هو إلى الإبط أم
إلى المرفق أم إلى الرسغ . والثانى فى توحد الضربة للوجه واليدين وتعددها ، أما النزاع
الأول فأضعف الأقوال فيه هو القول الأول وأقوى الأقوال فيه من حيث الدليل هو الا كتفاء
بمسح اليدين إلى الرسغين لما ثبت فى روايات حديث عمار الصحيحة أن النبى صلى الله
عليه وسلم علمه كيفية التيمم حين بلغه تمعكه فى التراب واكتفى فيه على مسح الوجه
والكفین ، قال وأجيب عنه بوجوه :
أحدها أن تعليمه لعمار وقع بالفعل وقد ورد فى الأحاديث القولية المسح إلى المرفقين،
ومن المعلوم أن القول مقدم على الفعل .
وفيه نظر : أما أولا فلأن تعليمه وإن كان بالفعل لكنه انضم معه قوله إنما كان
يكفيك هذا فصار الحديث فى حكم الحديث القولى . وأما ثانيا فلأنه ورد فى رواية لمسلم
إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك ،
وفى رواية للبخارى يكفيك الوجه والكفان ، وهذا يدل على أن التعليم وقع
بالقول أيضاً .
وثانيهما : ما ذكره النووى والعينى وغيرهما من أن مقصوده صلى الله عليه وسلم بيان
صورة الضرب وكيفية التعليم لا بيان جميع ما يحصل به التيمم ، فلا يدل ذلك على عدم
افتراض ما عدا المذكور فيه .
وفيه أيضاً نظر : أما أولا فلأن سياق الروايات شاهد بأن المراد بيان جميع ما يحصل
به التيمم وإلا لم يقل صلى الله عليه وسلم إنما كان يكفيك، حمله على مجرد تعليم صورة

٠٤٤٩
الضرب حمل بعيد . وأما ثانية فلأنه لو لم يكن المقصود من التعليم بيان جميع ما يحصل
به التيمم لزم السكوت فى معرض الحاجة وهو غير جائز من صاحب الشريعة ، وذلك
لأن عمارا لم يكن يعلم كيفية التيمم المشروعة ، ولم يكن تحقق عنده ما يكفى فى التيمم
ولذلك تمعك فى التراب تمعك الدابة ، فلما ذكر ذلك عند النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن
لا بد من بيان جميع ما يحصل به التيمم لاحتياج عمار إليه غاية الحاجة والاكتفاء
فى تعليمه عند ذلك ببيان صورة الضرب فقط مضر بالمقصود لبقاء جهالة ما وراءه .
وثالثها : أن المراد بالکفین فی تلك الروايات اليدان .
وفيه نظر ظاهر : فإن ذكر اليد وإرادة بعض منها واقع شائع كما فى قوله تعالى
(السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)) وقوله تعالى ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله
ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ))
الآية . حيث ذكر فيها اليد وأريد به بعضها وهو الكف والرسغ ، وأما إطلاق.
الكف وإرادة اليد فغير شائع ، وهو مجاز غير متعارف فلا يحمل عليه إلا عند تعذر
الحقيقة وهو مفقود ههنا ، على أنه لو أريد منه اليد وهو اسم من الأصابع إلى المنا كب
لزم ثبوت لزوم مسح الید إلى المنا کب ولا قائل به .
ورابعا : أنه لما تعارضت الأحاديث رجعنا إلى آثار الصحابة فوجدنا كثيراً منهم
أفتوا بالمسح إلى المرفقين فأخذنا به .
وفيه أن الرجوع إلى آثار الصحابة إنما يفيد إذا كان بينهم اتفاق ، ولا كذلك ههنا
فإن عمارا منهم قد أفتى بالوجه والكفين وأصرح منه ما أفتى به ابن عباس وشيده
بذكر النظير كما أخرجه الترمذى .
وخامسها : ما ذكره الطحاوى وارتضى به العينى فى عمدة القارى من أن حديث
عمار لا يصلح حجة فى كون التيمم إلى الكوعين أو المرفقين أو المنكبين أو الإبطين.
لاضطرابه .
وفيه : أن الاضطراب فى هذا المقام غير مضر لكون روايات المرفقين والمنكبين
مرجوحة ضعيفة بالنسبة إلى غيرها فسقط الاعتبار بها ، وروايات الآباط قصتها مقدمة
على قصة روايات الكفين ، فلا تعارضها فبقيت روايات الكفين سالمة عن القدح
(٢٩ - تحفة الأحوذي - جزء ١)

٤٥٠
وَقَدْ رُوِىَ هذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَمَّارِ فِى الَّيَهُمِ أَنَّهُ قَالَ: ((لِلِوَجْهِ
وَالْكَفَّيْنِ )»
والمعارضة انتهى كلام صاحب السعاية مختصرا.
تنبيه آخر : قال الشيخ عبدالحق الدهلوى فى اللمعات: إن الأحاديث وردت فى الباب
متعارضة جاءت فى بعضها ضربتين وفى بعضها ضربة واحدة وفى بعضها مطلق الضرب
وفى بعضها كفين وفى بعضها يدين إلى المرفقين وفى بعضها يدين مطلقا، والأخذ
بأحاديث الضربتين والمرفقين أخذ بالاحتياط وعمل بأحاديث الطرفين لاشتمال الضريتين
على ضربة ومسح الزراعين إلى المرفقين على مسح الكفين دون العكس ، أيضاً التيمم
طهارة ناقصة فلو كان محله أكثر بأن يستوعب إلى المرفقين وكان للوجه واليدين ضربة
على حدة لكان أحسن وأولى وإلى الاحتياط أقرب وأدنى . لا يقال إلى الآباط أقرب
إلى الاحتياط لأن حديث الآباط ليس بصحيح انتهى كلام الشيخ .
قلت : أحاديث الضربتين والمرفقين ضعيفة أو مختلفة فى الرفع والوقف والراحج
هو الوقف ، ولم يصح من أحاديث الباب سوى حديثين أحدهما حديث أبى جهيم بذكر
الیدین محملا وثانها حدیثعمار بذ کر ضربة واحدة للوجه والکفین وهما حديثان صحيحاں
متفق عليهما كما عرفت ، هذا كله فى كلام الحافظ ولا تعارض بينهما ، فإن الأول محمول
على الثانى فالأخذ بأحاديث الضربتين والمرفقين ليس أخذاً بالاحتياط ، كيف وهل
يكون فى أخذ المرجوح وترك الراجح احتياطا ، كلا بل الاحتياط فى أخذ حديث ضربة
واحدة الوجه والكفين بل هو المتعين . وأما قوله التيمم طهارة ناقصة إلخ ففيه أنه لم يثبت
كون التيمم طهارة ناقصة بدليل صحيح ، بل الثابت أن التيمم عند عدم وجدان الماء
وضوء المسلم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء
عشر سنين : الحديث رواه البزار وصححه ابن القطان ، ولكن صوب الدار قطنى إرساله
والترمذى عن أبى ذر نحوه وصححه فالتيمم عند عدم وجدان الماء وضوء المسلم ومن أدعى
أنه وضوء ناقص فعليه الدليل ولو سلم أن التيمم طهارة ناقصة فالأخذ بأحاديث الضربتين
والمرفقين لا يكون أولى ولا إلى الاحتياط أقرب لأنها ليست بصحيحة ، كما أن الأخذ
بحديث الآباط ليس أولى ولا إلى الاحتياط أقرب عند الشيخ الدهلوى .
قوله ( وقد روى هذا الوجه عن عمار) وفى نسخة قلمية صحيحة وقد روى هذا
الحديث عن عمار وهو الظاهر ( أنه قال الوجه والكفين ) بالجر عى الحكاية

٤٥١
مِنْ غَيْرِ وَجْرٍ .
وَقَدْ رُويَ عَنْ عَمَّارٍ أَنْهُ قَالَ: ((تَيَتَنْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
إِلَى الَّاَ كِبٍ وَالْآَبَاطِ».
فَضَعَّفَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْرِ حَدِيثَ عَمَّارٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلمَ
فِي التََّّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ لَّا رُوىَ عَنْهُ حَدِيثُ الْتَنَاكِبِ وَاْآَبَاطِ.
قَالَ إِسْحُقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ تَخْلَدِ الْحْظَلِىُّ حَدِيثُ عَمَّارٍ فِ النَّيَّهُمِ
لِلْوَجْهِ وَالْكَنَّيْنِ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَحَدِيثُ عَمَّارِ ((فَيَقَدْنَ
مَعَ النّيَّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالَآَبَاطِ »: لَيْسَ هُوَ بِمُخَلِفٍ
لِحَدِيثِ الْوَجْهِ وَالْكَنَّيْنِ، لِأَنَّ عَمَاراً لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ النَِّيِّ صلى اللهُ
عليه وسلم أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَإِنَّا قَالَ: ((فَعَلْنَاَ كَذَا وَكَذَا)) فَلَمَّا سَأَلَ
النَّسِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ أَمَرَهُ بِالْوَجْدٍ وَالْكَفَّبْنِ فَنْتَهَى إِلَى مَا عََّهُ
(من غيروجه ) أى من غير طريق واحد بل من طرق كثيرة ( فضعف بعض أهل العلم
حديث عمار عن النبى صلى الله عليه وسلم فى التيمم الوجه والكفين لما روى عنه حديث
المناكب والآباط ) فظن أن حديث المنا كب والآباط مخالف لحديث الوجه والكفين
ومعارض له للاختلاف والاضطراب ( قال إسحاق بن إبراهيم) أى فى الجواب عن
تضعيف بعض أهل العلم، وحاصل الجواب أن تيمعهم إلى المناكب والآباط لم يكن
بأمر النبى صلى الله عليه وسلم ، وأما التيمم للوجه والكفين فأمر به النبى صلى الله
عليه وسلم وعلمه فلا تعارض بين الحديثين ، وإسحق بن إبراهيم هذا هو إسحاق بن
راهويه ( ففى هذا دلالة على أنه انتهى إلى ما علمه النبى صلى الله عليه وسلم) قال
أبو الطيب السندى فى شرح الترمذى أى إن عمارا انتهى إلى أن التيمم الوجه والكفين
فكان هو آخر الأمرين ، فالأول ما فهموا من إطلاق اليد فى الكتاب فى آية التيمم
وإيمانى ما انتهوا إليه بتعليم النبى صلى الله عليه وسلم فكان الثانى هو المعتبر والمعمول به ،
وبدل على جواز الاجتهاد فى زمن التى صلى الله عليه وسلم لأن عمارا رضى الله عنه

٤٥٢
رسول الله صَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ: الْوَجْهِ وَالْكَفْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ =
مَا أَفْتَى بِهِ عَمَرٌ بَعْدَ النَّيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ فِ النَّيَتُمِ أَنَّه قَالَ:
((الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ)) فَفِي هُذَا دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَنْتَغَى إِلَى مَا عَلََّهُ النَّبِىُّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلََّهُ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفْنِ .
قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ يَقُولُ :
لَمْ أَرَ بِالْبَصْرَةِ أَحْفَظَ مِنْ هَؤُلاءِ الثَّلاَثَةِ: عَلِيِّ بَنِ الَدِينِىِّ، وَابْنِ.
الشَّاذَ كُونِ ، وَعَمْرِو بْنِ عَلَيّ الغَلَّسِ.
قَالَ أَبُوُ زُرْعَةً: وَرَوَى عَنّنُ بْنُ مُظٍ عَنْ عَيْرِو بْنِ عَليّ حَدِيثً .
١٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا سِيدُ بْنُ سَائْاَنَ حَدَّثَنَه
هُشَيْءٌ عَنْ مُحَّدٍ بْنِ خَالِدِ الْقُرَشِىِّ عَنْ دَاوُدَ بنِ حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ
عَنِ أَبْ عَبَّاسِ: ((أَنهَ سِئِلَ عَنِ النَّيْثُمِ؟ فَقَلَ: إِنَّ اللَه قَلَ فِي كِتَابِهِ
حِينَ ذَكَرَ الْوُضُوءَ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُ وَأَيْدِيَكُ إِلَى المَرَافِقِ﴾،
وَقَلَ فِ الثَّيَُّمِ: ﴿ فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿وَالسَّارِقُ
وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهْماَ﴾ فَكَنَتِ السّةُ فِى الْقَطْعِ الْكَفْنِ، إِنَّا
هُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفَأَنِ ، يَعْنِى النَّيَهُمَ ».
اجتهد أولا ثم لما علمه النبى صلى الله عليه وسلم ترك انتهى كلام أبى الطيب.
قوله ( فكانت السنة فى القطع الكفين ) قال أبو الطيب السندى أى الطريقة
فى الدين قطع الكفين للسرقة يعنى بسبب إطلاق اليد فى آية السرقة فكذا التيمم يكفى
فيه مسح الوجه والكفين لإطلاق اليد فى التيمم ، ومطلق اليد الكفان بدليل آية
السرقة انتهى . وقال ابن العربى فى العارضة تحت أثر ابن عباس هذا ما لفظه: هذه
إشارة حبر الأمة وترجمان القرآن وكان كلام المتقدمين من قبل إشارة وبسطه : أن الله
جدد الوضوء إلى المرفقين فوقفنا عند تحديده. وأطلق القول في اليدين حملت على ظاهر
مطلق اسم اليد وهو الكفان كما فعلنا فى السرقة ، فهذا أخذ للظاهر لا قياس للعبادة.
على العقوبة انتهى ( إنما هو الوجه والكفين ) تقرير للمطلوب بعد الفراغ من تقرير

٤٥٣
قَلَ أَبُو عِيسَى: هْذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.
١١١ - بابُ
مَا جَاءٍ فِىِ الرَّجُلِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمَّ ◌َكِنْ جُنُبًا
١٤٦ - حدثنا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُ حَدَّثَنَاَ
حَقْصُ بْنُ غِيَاتٍ وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالاَ: حَدَّثَنَ الْأَعْمَشُ وَابْنُ أَبِى لَيْلَى
عَنْ عَمْرِو بن مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ سِلِمَةَ عَنْ عَلِيّ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ
الدليل والظاهر أن يقول الكفان لأنه خبر لهو بطريق العطف ، إلا أن يقال إنه بحذف
المضاف وإبقاء جر المضاف إليه على حاله أى إنما هو مسح الوجه والكفين وهو
قليل، ولكنه وارد كقراءة ابن جماز ((والله يريد الآخرة)) أى متاعها قاله
أبو الطيب السندى .
( باب )
قوله ( حدثنا أبو سعيد الأشج) اسمه عبد الله بن سعيد بن حصين الكندى الكوفى
أحد الأئمة ، روى عن عبد السلام بن حرب وأبى خالد الأحمر وغيرهما ، وعنه الأئمة
السنة ، قال أبو حاتم ثقة إمام أهل زمانه قيل مات سنة ٢٥٧ سبع وخمسين ومائتين
(وعقبة بن خالد ) بن عقبة السكونى أبو مسعود الكوفى المجدر بالجيم المفتوحة ، روى
عن هشام والأعمش وعنه أحمد وإسحاق وأبو بكر بن أبى شيبة وغيرهم ، وثقه أبوحاتم
مات سنة ١٨٨ ثمان وثمانين ومائة ( وابن أبى ليلى ) أعلم أن ابن أبى ليلى يطلق على
مد بن عبد الرحمن بن أبی لیلی وعلى أبيه وعلى أخيه عيسى وعلى ابن أخيه عبد الله
بن عيسى ، والمراد ههنا هو الأول وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى الأنصارى
الكوفى القاضى أبو عبد الرحمن، صدوق سيء الحفظ جدا قاله الحافظ فى التقريب ،
وقال فى تهذيب التهذيب فى ترجمته روى عن أخيه عيسى وابن أخيه عبدالله بن عيسى ونافع
مولى ابن عمر وعمرو بن مرة وذكر كثيرا من شيوخه وتلامذته ثم ذكر أقوال الحفاظ
فيه ما محصلها : أنه صدوق سيء الحفظ فقيه وقال أحمد بن حنبل فقهه أحب إلينا من
حديثه ( عن عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق الجملى المرادى الكوفى الأعمى ،
ثقة عابد كان لا يدلس ورمى بالإرجاء ( عن عبد الله بن سلمة ) بكسر اللام المرادى

٤٥٤
صلى اللهُ عليه وسلم يُقْرِثُنَا الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لمَ يَكُنْ جُنُباً)) ..
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَلِيّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
الكوفى صدوق تغير حفظه من الثانية ، روى عن عمر وعلى ومعاذ وغيرهم ، وعنه
عمرو بن مرة وأبو إسحاق السبيعى وأبو الزبير، قال البخاریلا يتابع فى حديثه وثقه
العجلى كذا فى التقريب وفى الخلاصة .
قوله ( يقرئنا القرآن ) من الإقراء أى يعلمنا ( على كل حال ) أى متوضئا كان
أو غير متوضئء ( ما لم يكن جنبا) وفى رواية أبى داود أن النبى صلى الله عليه وسلم
كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويا كل معنا اللحم ولم يكن يحجبه أو قال. يحجزه
عن القرآن شىء ليس الجنابة .
فإن قيل : حديث عائشة الذى رواه مسلم عنها قالت كان رسول اللهصلى الله عليه وسلم
يذكر الله على كل أحيانه وعلقه البخارى يخالف حديث على هذا فإنه يدل بظاهره على
أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ حال الجنابة أيضا ، فإن قولها على كل أحيانه يشمل حالة.
الجنابة أيضا ، وقولها يذكر الله يشمل تلاوة القرآن أيضا .
يقال : إن حديث عائشة يخصص بحديث على هذا فيراد بذكر الله غير تلاوة:
القرآن ، قال العينى حديث عائشة لا يعارض حديث على لأنها أرادت الذكر
الذى غير القران انتهى . وقال صاحب سبل السلام حديث عائشة قد خصصه حديث.
على عليه السلام وأحاديث أخرى . وكذلك هو مخصص بحالة الغائط والبول والجماع ،
والمراد بكل أحيانه معظمها كما قال الله تعالى ((يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم»
انتهى وقال فى شرح حديث الباب أخرج أبو يعلى من حديث على عليه السلام قال رأيت.
رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم قرأ شيئا من القرآن ثم قال : هكذا لمن ليس
يجنب لأنه نهى وأما الجنب فلا ولا آية . قال الهيثمى رجاله موثوقون ، وهو يدل
على التحريم وأصله ذلك ويعاضدما سلف انتهى .
قوله ( حديث على حديث حسن صحيح) وأخرحه أبوداود والنسائى وابن ماجه
وقال المنذري وذكر أبو بكر البزارأنه لايروى عن على إلا من حديث عمرو بن مرة
عن عبد الله بن سلمة ، وحكى البخارى عمرو بن مرة كان عبد الله يعنى ابن سلمة يحدثنا
فنعرف وننكر وكان قد كبر لايتابع فى حديثه ، وذكر الإمام الشافعى رضى اللهعنه هذا

وَبِهِ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْ أَصْحَبِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
وَالتَّبِعِينَ.
قَالُوا: يَقْرَأُ الرَّجُلُ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، وَلاَ يَقْرَأُ فِى الْمُصْحَفِ
إِلَّ وَهُوَ طَاهِرٌ.
وَبِهِ يَقُولُ سِفْيَانُ الثَّوْرِئُ، وَالشَّافِئُ، وَأَحَدُ ، وَإِسْحُقُ.
الحديث وقال لم يكن أهل الحديث يثبتونه قال البيهقى وإنما توقف الشافعى فى ثبوت هذا
الحديث لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفى ، وكان قد كبر وأنكر من حديثه
وعقله بعض النكرة وإنما روى هذا الحديث بعد ما كبر ، قاله شعبة هذا آخر كلامه ،
وذكر الخطابى أن الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه كان يوهن حديث على هذا
ويضعف أمر عبد الله بن سلمة انتهى كلام المنذرى .
قوله ( قالوا يقرأ الرجل القرآن على غير وضوء) أى يجوز له أن يقرأ على غير
وضوء ، واستدلوا على ذلك بحديث الباب ( ولا يقرأ فى المصحف) أى أخذا بيده وماشابه
فإنه إذا لم يمسه ويقرأ ناظرا فيه فهو جائز ( إلا وهو طاهر ) أى متوضىء (وبه يقول
سفيان الثوری والشافعى وأحمد وإسحاق ) وهو قول أبى حنيفة و به يقول مالك ، قال
فى الموطأ ولا يحمل أحد المصحف بعلاقته ولا على وسادة إلا وهو طاهر ولو جاز ذلك.
لحل فى خبيئته . قال وإنما كره ذلك لمن يحمله وهو غير طاهر إكراما للقرآن وتعظمها
له انتهى . واستدلوا على ذلك بحديث أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن
جده أن النبى صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا وكان فيه لا يمس القرآن إلا
طاهر ، رواه الأثرم والدار قطنى ، وهو لمالك فى المؤطأمرسلا عن عبد الله بن أبى بكر
بن محمد بن عمرو بن حزم أن فی الکتاب الذی کتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم
لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر. وقال الأثرم واحتج أبو عبد الله يعنى
أحمد بحديث ابن عمر ولا يمس المصحف إلا على طهارة كذافى المنتقى . قال ابن عبد البر
لاخلاف عن مالك فی إرسال هذا الحديث . وقد روی مسندامن وجه صالح وهو کتاب
مشهور عند أهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بها فى شهرتها عن الإسناد
لأنه أشبه المتواتر لتلقى الناس له بالقبول ، ولا يصح عليهم تلقي مالا يصح انتهى . قلت

٤٥٦
لاشك فى أن هذا الحديث يدل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرا ولكن
الطاهر يطلق بالاشتراك على المؤمن والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على
بدنه نجاسة، ويدل لإطلاقه على الأول قول الله تعالى ((إنما المشركون نجس)) وقوله
صلى الله عليه وسلم لأبى هريرة المؤمن لا ينجس، وعلى الثانى (وإن كنتم جنبا فاطهروا))
وعلى الثالث قوله صلى الله عليه وسلم فى المسح على الخفين دعهما فإنى أدخلتهما طاهرتين .
وعلى الرابع الإجماع على أن الشىء الذى ليس عليه نجاسة حسية ولا حكمية يسمى طاهرا
وقد ورد إطلاق ذلكفی کثیر، والذى يترجح أن المشترك مجمل فى معانيه فلا يعمل بهحتى
يبين وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز للمحدث حدثا أكبر أن يمس المصحف . وخالف
فى ذلك داود. وأما المحدث حدثا أصغر فذهب ابن عباس والشعبى والضحاك إلى أنه
يجوز له مس المصحف. وقال القاسم وأكثر الفقهاء لا يجوز. كذا فى النيل. قلت
القول الراجح عندى : قول أكثر الفقهاء وهو الذى يقتضيه تعظيم القرآن وإكرامه.
والمتبادر من لفظ الطاهر فى هذا الحديث هو المتوضىء وهو الفرد الكامل للطاهر والله
تعالى أعلم . وقال القارى فى شرح قوله لا يمس القرآن إلا طاهر مالفظه . بخلاف غيره
کالجنب والمحدث فإنه ليس له أن يمسه إلا بغلاف متجاف. وکره بالكم. قال الطیی یان
لقوله تعالى (( لا يمسه إلا المطهرون)) فإن الضمير إما للقرآن والمراد نهى الناس عن
مسه إلا على الطهارة وإما للوح . ولا نافية ومعنى المطهرون الملائكة فإن الحديث
كشف أن المراد هو الأول ويعضده مدح القرآن بالكرم وبكونه ثابتا فى
اللوح المحفوظ فيكون الحكم بكونه لا يمسه مرتبا على الوصفين المتناسبين للقرآن
انتهى ما فى المرقاة .
تنبيه : قال الحافظ فى بلوغ المرام بعد ذكر الحديث المذكور الذى استدل به
الأكثرون على عدم جواز مس القرآن لغير المتوضىء مالفظه : رواه مالك مرسلا
ووصله النسائى وابن حبان وهو معلول انتهى. قال صاحب السبل: وإنما قال المصنف
إن هذا الحديث معلول لأنه من رواية سليمان بن داود وهو متفق على تر که کما قاله ابن
حزم ، ووهم فى ذلك فإنه ظن أنه سلمان بن داود الیمانی ولیس كذلك ، بل هو سلمان
ابن داود الحولانى وهو ثقة اثنى عليه أبو زرعة وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من
٠

٤٥٧
١١٢ - بَابُ
مَا جاء فِى الْبُوْلِ يُصِيبُ الْأَرْضَ
١٤٧ - حَدَّثَنَا ابْن أَبِى ◌ُمَرَ وَسِيدُ بن عَبْدِ الرَّحْنِ المَخْزُوِىُّ قَلاَ:
حَدَّثَنَا سِفْيَنُ بن عُيَيْنَةَ عَنِ الزَّهْرِىِّ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرةَ
قَالَ: ((دَخَلَ أَعْرَائِيُّ الْمَسْجِدَ، وَالنَِّىُّ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ ،
الحفاظ ، وكتاب عمرو بن حزم تلقاه الناس بالقبول قال ابن عبد البر إنه أشبه المتواتر
تلقى الناس له بالقبول ، وقال يعقوب بن سفيان لا أعلم كتابا أصح من هذا الكتاب
فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم ،
وقال الحاكم قد شهد عمر بن عبد العزيز وإمام عصره الزهرى بالصحة بهذا
الكتاب . وفى الباب من حديث حكيم بن حزام لا يمس القرآن إلا طاهر وإن كان
فی إسناده مقال إلا أنه ذ کر الهیتمی فی مجمع الزاوئد من حديث عبد الله بن عمر أنه قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمس القرآن إلا طاهر ، قال الهيثمى رجاله موثوقون
وذ کر له شاهدین انتهى .
( باب ما جاء فى البول يصيب الأرض )
قوله ( دخل أعرابى ) بفتح الهمزة منسوب إلى الأعراب وهم سكان البوادى
ووقعت النسبة إلى الجمع دون الواحد . فقيل أعرابى لأنه جرى مجرى القبيلة كأنها واحد
لأنه لو نسب إلى الواحد وهو عرب لقيل عربى فيشتبه المعنى . لأن العربى كل من هو
من ولد إسماعيل عليه السلام سواء كان ساكنا فى البادية أو بالقرى وهذا غير المعنى
الأول قاله الشيخ تقي الدين . وقد جاء فى تسمية هذا الأعرابى وتعيينه روايات مختلفة ولم
أر فى هذا رواية صحيحة خالية عن الكلام. قال القاضى أبو بكر بن العربى فى العارضةرواه
الدار قطنى فقال: جاء أعرابى إلى النبى صلى الله وسلم شيخ كبير فقال يامحمد متى الساعة
فقال له ما أعددت لها فقال لا والذي بعثك بالحق ما أعددت لها من كثير صلاة ولاصيام
إلا أنى أحب الله ورسوله قال فأنت مع من أخيبت. قال فذهب الشيخ فأخذ يبول
فى المسجد فمر عليه الناس فأقاموه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه عسى أن
1

٤٥٨
فَصَلَّى، فَلَّا فَرَغَ قَالَ: الَّهُمْ أَرْتَخْنِى وَ نُحَمَّدَاً وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَداً ،
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النِّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعاً، فَ
يَلْبَثْ أَنْ بَلَ فِى الَسْجِدِ، فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ النّاسُ، فَقالَ النَّبِىُّ صلى الله
عليه وسلم: أَهْرِ يقُوا عَلَيْهِ سَجْلاَ مِنْ مَاءِ، أَوْ دَلْوَا مِنْ مَاءِ، ثُمَّ قَلَ :
يكون من أهل الجنة فصبوا على بوله الماء . فبين أن البائل فى المسجد هو السائل عن
الساعة المشهود له بالجنة انتهى كلام ابن العربى .
قلت : فى إسناده المعلى المالكى قال الدارقطنى بعد روايته المعلى مجهول . وقال
الحافظ فى الفتح حكى أبو بكر التاريخى عن عبد الله بن نافع المزنى أنه الأقرع بن
حابس التميمى . قال وأخرج أبو موسى المدينى فى الصحابة من طريق محمد بن عمروبن
عطاء عن سليمان بن يسار قال اطلع ذو الخويصرة اليمانى وكان رجلا جافيا . وهو
مرسل وفى إسناده أيضا مبهم بین محمد بن إسحاق وبین محمد بن عمروبن عطاء وهو عنده
من طريق الأصم عن أبى زرعة الدمشقى عن أحمد بن خالد الذهبى عنه ، وهو فى جمع
مسندا بن إسحاق لأبى زرعة الدمشقى من طريق الشاميين عنه بهذا السند . لكن قال
فى أوله اطلع ذو الخويصرة التميمى وكان جافيا والتميمى هو حرقوس بن زهير الذى
صار بعد ذلك من رؤس الخوارج، وقد فرق بعضهم بينه وبين اليمانى لكن له أصل
أصيل قال ونقل عن أبى الحسن بن فارس أنه عيينة بن حصن والعلم عند الله تعالى انتهى
كلام الحافظ .
قوله ( لقد تحجرت واسعا) بصيغة الخطاب من باب تفعل أى ضيقت ما وسعه الله.
وخصصت به نفسك دون غيرك . وأصل الحجر المنع ومنه الحجر على السفيه ( فأسرع
إليه الناس ) وفى رواية للبخارى فزجره الناس . ولمسلم فقال الصحابة مه مه وله.
فى رواية أخرى فصاح الناس به ( أهريقوا عليه ) أى صبوا عليه قال الطيى أمر من
أهراق يهريق بسكون الهاء إهراقا نحوا سطاعا . وأصله أراق فأبدلت الهمزة هاء ثم
جعل عوضا عن ذهاب حركة العين فصارت كأنها من نفس الكلمة ثم أدخل عليه
الهمزة أى صبوا ( سجلا ) بفتح السين المهملة وسكون الجيم الدلو الملاى ماء (أودلوا)
شك من الراوى . قال أبو بكر بن العربى فى العارضة: السجل الدلو والدلو مؤنثة
والسجل مذكر فإن لم يكن فيها ماء فليست بسجل كما أن القدح لايقال له كأس

٤٥٩
إِنَّا بُمِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمَّ تُبْتَقُوا مُعَسِّرِين)).
١٤٨ - قَالَ سَعِيدٌ: قَالَ سَفْيَانُ: وَحَدَّثَنَى يَحْبِىَ بن سِعِيدٍ عَنْ
أَنَسِ بن مَالِكٍ نَحْوَ هذَا .
إلا إذا كان فيه ماء يقال له دلو سجيلة أى ضخمة وكذلك الذنوب الدلو الملاّى ماء
مثله ولكنها مؤنثة والغرب الدلو العظيمة بإسكان الراء فإن فتحتها فهو الماء السائل
من البُر والحوض وغير ذلك أيضا انتهى :
قلت : وقال ابن دريد السجل دلو واسعة. وفى الصحاح الدلو الضخمة . قال
العينى فى شرح البخارى ص ٨٨٦ ج ١ فى رواية الترمذى أهر يقوا عليه سجلا من
ماء أودلوا من ماء. اعتبار الأداء باللفظ وإن كان الجمهور على عدم اشتراطه، وأن المعنى كاف ،
ويحملههنا على الشك ولامعنى للتنويع ولا للتخیرولا للعطف فلو كان الراوىيرى جواز
الرواية بالمعنى لا قتصر على أحدهما . فلما تردد فى التفرقة بين الدلو والسجل وهما بمعنى
علم أن ذلك التردد لموافقة اللفظ قاله الحافظ القشيرى . قال العينى : ولقائل أن يقول.
إنما يتم هذا أن لو اتحد المعنى فى السجل والدلو لغة لكنه غير متحد فالسجل الدلو
الضخمة المملوءة ولا يقال لها فارغة سجل انتهى كلام العينى ( إنما بعثتم ميسرين ) أى
مسهلين على الناس . قال ابن دقيق العيد: وفى الحديث دليل على تطهير الأرض النجسة
بالمكاثرة بالماء ، واستدل بالحديث أيضا على أنه يكتفى بإفاضة الماء ولا يشترط نقل
التراب من المكان بعد ذلك . خلافا لمن قال به . ووجه الاستدلال بذلك أن النبى
صلى الله عليه وسلم لم يرد عنه فى هذا الحديث الأمر بنقل التراب ، وظاهر ذلك.
الا کتفاء بصب الماء فإنه لو وجب لأمر به ولو أمر به لذ کر وقد ورد فی حدیث آخر
الأمر بنقل التراب ولكنه تكلم فيه . وأيضا لو كان نقل التراب واجبا فى التطهير
لاكتفى به فإن الأمر بصب الماء حينئذ يكون زيادة تكليف وتعب من غير منفعة تعود
إلى المقصود وهو تطهير الأرض .
قوله ( قال سعيد قال سفيان وحدثنى يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك نحو هذا)
حديث يحي بن سعيد عن أنس أخرجه الشيخان .

٤٦٠
قَالَ: وَفِى الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ، وابنِ عَبَّاس، وَوَائِلَةً
ابن الأسْقَع .
قال أبو عِيسَى : هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ. وَهُوَ قَوْلُ أَحَدَ ، وَإِسْحُقَ .
وَقَدْ رَوَى يُونُسُ هُذَا الْخَدِيثَ عَنِ الْزُّهْرِىِّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ .
قوله ( وفى الباب عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وواثلة بن الأسقع) أماحديث
عبد الله بن مسعود فأخرجه أبو يعلى عنه قال : جاء أعرابى فبال فى المسجد فأمر النبى
صلى الله عليه وسلم بمكانه فاحتفر وصب عليه دلواً من ماء ، وفيه سمعان بن مالك وهو
ضعيف كذا فى مجمع الزوائد ، وقال الحافظ فى التلخيص رواه الدارمى والدار قطنى وفيه
سمعان بن مالك وليس بالقوى قاله أبو زرعة وقال ابن أبى حاتم فى العلل عن أبى زرعة
هو حديث منكر وكذا قال أحمد وقال أبو حاتم لا أصل له انتهى . وأما حديث ابن
عباس فأخرجه أبو يعلى والبزار والطبرانى عنه أنه قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم
أعرابى فبايعه ثم انصرف فقام ففشج فبال فهم الناس به الحديث . وفيه فأمر النبى
صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فصب على بوله . قال الهيثمى فى مجمع الزوائد
رجاله رجال الصحيح. وأما حديث واثلة بن الأسقع فأخرجه ابن ماجه فى الطهارة
وفى إسناده عبيد الله بن أبى حميد الهزلى وهو ضعيف وأخرجه أيضا أحمد والطبرانى
قال الحافظ فى التلخيص وفيه عبيد الله بن أبى حميد الهزلى وهو منكر الحديث قاله
البخارى وأبو حاتم .
قوله ( هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا مسلما كذا فى المنتقى .
قوله ( والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق) قال الشوكانى
فى النيل : استدل به يعنى بحديث الباب على أن تطهير الأرض المتنجسة يكون بالماء
لا بالجفاف بالريح والشمس لأنه لو كفى ذلك لما حصل التكليف بطلب الماء وهو مذهب
العترة والشافعى ومالك وزفر: وقال أبو حنيفة وأبو يوسف هما مطهران لأنهما يحيلان الشىء
انتهى. وقال النووى فى شرح مسلم: وفيه أن الأرض تطهر بصب الماء عليها ولا يشترط حفرها