النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
قالَ أَبُو عِبِسَى: وَالتَّوْقِيتُ أَصَحُّ .
وَقَدْ رُوِيّ هَذَا الْديثُ من صَفْوانَ بْنِ عَتَالٍ أَيْضًاً مِنْ غَيْرِ
حديثٍ عامٍمِ ..
٧٢ - بَأَبُ
مَاجَاءٍ فِى الْحِ عَلَى اُمَّيْنِ: أَعْلاَهُ وَأَسْفَلِهِ
٩٧ - حدثنا أَبِ الْوَلِيدِ الدِّمَشْفِىُّ حدثنا الْوَرِيدُ بْنُ مُسْلِ أَخْبَرَنِ
ثَوْرُ بْنُ يَزَيدَ عنْ رَجَاءِ بن حيْوَةَ عنْ كَاتِبِ الْغِيرَةِ عنْ الْغِيرَةِ بن شُغْبَة
( أَنَّ النَّيَّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ أَعْلَى الْفِّ وَأَسْفَلَهُ)).
انتهى. ولهم فى عدم التوقيت أحاديث أخرى لكن ليس فيها ما يشفى العليل ويروى
الغليل فإن منها ماهو صحيح فليس بصريح فى المقصود وما هو صريح فليس بصحيح
( والتوقيت أصح) یعنی التوقيت هو الصحيح ، فإن أحاثه كثيرة صحیحة وليس فى عدم.
التوقيت حديث صحيح .
( باب فى المسح على الخفين أعلاه وأسفله )
أى أعلى كل واحد من الخفين وأسفله . وكان للترمذى أن يقول أعلاهما وأسفلهما
أو يقول باب المسح على الخف أعلاه وأسفله .
قوله( حدثنا أبو الوليد الدمشقى) اسمه أحمد بن عبد الرحمن بن بکار روى عن
الوليد بن مسلم ومروان بن معاوية وعبد الرزاق ، وعنه الترمذى والنسائى وابن ماجه
قال الحافظ صدوق تكلم فيه بلاحجة ( نا الوليد بن مسلم ) القرشى مولاهم أبو العباس
الدمشقى ثقة لكنه كثير التدليس ( أخبرنى ثور بن يزيد ) أبو خالد الحمصى ثقة ثبت إلا
أنه يرى القدر (عن رجاء بن حيوة ) بفتح المهملة وسكون التحتانية وفتح الواو
الكندى الفلسطينى. ثقة فقيه من الثالثة ( عن كاتب المغيرة) اسمه وراد بتشديد الراء
الثقفى الكوفى ثقة من الثالثة ، وفى رواية ابن ماجه عن وراد كاتب المغيرة .
(٢١ - تحفة الأحوذي - جزء ١)

٣٢٢
قَالَ أَبُو عِيسَى : وَهَذَا قَوْلُ غَيْرِ وَاحدٍ منْ أَصحابِ الَّبِىِّ صلى الله
عليه وسلم وَالتَّابعينَ وَمَنْ بَعْدَهْ مِنَ الْفِقَهَءِ وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافعىُّ
وَ إسحُقُ .
قوله ( مسح أعلى الخف وأسفله) هذا الحديث دليل لمن قال إن المسح على أعلى
الخف وأسفله لكن الحديث ضعيف كما ستعرف .
قوله ( وهذا قول غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ) وبه قال
ابن عمر : قال الحافظ فى التلخيص: روى الشافعى فى القديم وفى الإملاء من حديث نافع
عن ابن عمر أنه كان يمسح أعلى الخف وأسفله انتهى ( وبه يقول مالك والشافعى
وإسحاق) فى موطأ الإمام مالك أنه سأل ابن شهاب عن المسح على الخفين كيف هو
فأدخل ابن شهاب إحدى يديه تحت الخف والأخرى فوقه ثم أمرهما . قال يحيى قال مالك
وقول ابن شهاب أحب ماسمعت إلى ذلك انتهى . قال الحافظ ابن عبد البر فى الاستذكار
لم يختلف قول مالك أن المسح على الخفين على حسب ما وصفه ابن شهاب أنه يدخل
يديه تحت الخف والأخرى فوقه إلا أنه لا يرى الإعادة على من اقتصر على ظهور الخفين
إلا فى الوقت ، وأما الشافعى فقد نص أنه لا يجزئه المسح على أسفل الخف ويجزئه على
ظهره فقط ، ويستحب أن لا يقتصر أحد على مسح ظهور الخفين وبطونها معا كقول
مالك ، وهو قول عبد الله بن عمر ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج عن نافع عن
ابن عمر أنه كان يمسح ظهور خفيه وبطونهما كما نقله بعض العلماء فى تعليقه على موطأ محمد
عن الاستذكار ، وقال الشاه ولى الله الدهلوى فى المسوى : قال الشافعى مسح أعلى
الخف فرض ومسح أسفله سنة وقال أبو حنيفة لا يمسح إلا الأعلى .
قلت : تمسك القائلون بالمسح على أعلى الخف وأسفله بحديث الباب وهو حديث فيه
كلام لأئمة الحديث كماستعرف ولم أجدفى هذا الباب حديثا مرفوعا صحيحا خاليا عن الكلام وقد
صح عنعلى بإسناد صحيح أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه يمسح على خفيه ظاهر ها
وكذلك ثبت كما ستقف عليه فى الباب الآتى عن المغيرة بن شعبة بإسناد حسن فالقول
الراجح قول من قال بالمسح على أعلى الخف دون أسفله والله تعالى أعلم .

٣٢٣
وَهـذا حديثٌ مَعْلُولٌ، لَمَ يُنْنِدِهِ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ غْرُ الْوَلِيدِ
ابن مُنهرٍ.
قالَ أَبُو عِيسَى: وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ وُمَدَ بْنَ إِنْمَاعِيلَ عنْ هذَا الْحَديثِ؟
فَقَلًا: لَيْرَ بِصَحِيحِ، لِنَّ ابْنَ المُبَارَكِ رَوَى هُذا عنْ ثَوْرٍ عنْ رَجَاءِ
ابن حَيْوَةَ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ كَتِبِ الْغِيرَةِ: مُرْسَلٌ عَنِ النَّيِّ صلى الله
عليه وسلم، وَمَ يُذْ كَرْ فِيهِ الْغِيرَةُ.
قوله (وهذا حديث معلول) المعلول ويقال له المعلل بفتح اللام إسناد فيه علل وأسباب
غامضة خفية قادحة فى الصحة يتنبه لها الحذاق المهرة من أهل هذا الشأن كإرسال فى
الموصول ووقف فى المرفوع ونحو ذلك ، وحديث المغيرة هذا أخرجه أبو داود وابن ماجه
أيضا (لم يسنده عن ثوربن يزيدغير الوليد بن مسلم) أى لم يرو هذا الحديث مرفوعا متصلا
عن ثور أحد إلا الوليد بن مسلم ( قال حدثت عن كاتب المغيرة ) بصيغة المجهول ففيه
انقطاع ( مرسل ) أى فهو مرسل وفى بعض النسخ مرسلا ، قال الحافظ فى التلخيص
حديث المغيرة أنه صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله رواه أحمد وأبو داود
والترمذى وابن ماجه والدار قطنى والبيهقى وابن الجارود من طريق ثور بن يزيد
عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة وفى رواية ابن ماجه عن وراد كاتب المغيرة
قال الأثرم عن أحمد أنه كان يضعفه ويقول ذكرته لعبد الرحمن بن مهدى فقال عن
ابن المبارك عن ثور حدثت عن رجاء عن كاتب المغيرة ولم يذكر المغيرة ، قال أحمد وقد
كان نعيم بن حماد حدثنى به عن ابن المبارك كما حدثنى الوليد بن مسلم به عن ثور فقلت
له إنما يقول هذا الوليد فأما ابن المبارك فيقول حدثت عن رجاء ولا يذكر المغيرة فقال
لى نعيم هذا حديثى الذى أسأل عنه فأخرج إلى كتابه القديم بخط عتيق فإذا فيه ملحق
بين السطرين بخط ليس بالقديم عن المغيرة فأوقفته عليه وأخبرته أن هذه زيادة فى الإسناد
لا أصل لها نجعل يقول للناس بعد وأنا أسمع اضربوا على هذا الحديث ، وقال ابن
أبى حاتم فى العلل عن أبيه وأبى زرعة حديث الوليدليس بمحفوظ ، وقال موسى بن هارون
وأبو داود لم يسمع ثور من رجاء حكاه قاسم بن أصبغ عنه ، وقال البخارى فى التاريخ

٣٢٤
٧٣- باب
مَاجَاءٍ فِى الْمَسْحِ عَلَى الْفَيْنِ: ظَاهِماَ
٩٨ - حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ قال حدثنا عبْدُ الرَّحمن بنُ أَبِى الزّنَادِ
عنْ أَبِيهِ عنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ عنِ المُغَيرَةِ بن شُتْبَةَ: ((رَأَيْتُ النَّيَّ
الأوسط ثنا محمد بن الصباح ثنا ابن أبى الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن
المغيرة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على خفيه ظاهرهما قال وهذا
أصح من حديث رجاء عن كاتب المغيرة ، وكذا رواه أبو داود والترمذى من
حديث ابن أبى الزناد ورواه أبو داود الطيالسى عن ابن أبى الزناد فقال عن عروة
ابن الغيرة عن أبيه وكذا أخرجه البيهقى من رواية إسماعيل بن موسى عن ابن
أبى الزناد. وقال الترمذى هذا حديث معلول لم يسنده عن ثور غير الوليد، قلت رواه الشافعى
فى الأم عن إبراهيم بن محمد بن أبى يحيي عن ثور مثل الوليد ، وذكر الدار قطنى فى العلل
أن محمد بن عيسى بن سميع رواه أبو ثور كذلك ، قال الترمذى وسمعت أبا زرعة ومحمداً
يقولان لیس بصحیح ، وقال أبو داود لم يسمعه ثور من رجاء ، وقال الدار قطنی روی
عن عبد الملك بن عمير عن وراد كاتب المغيرة عن المغيرة ولم يذكر أسفل الخف ، وقال
ابن حزم أخطأ فيه الوليد فى موضعين فذكرهما كما تقدم ، قلت : ووقع فى سين
الدار قطنى مايوهم رفع العلة وهى حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ثنا داود بن الرشيد
عن الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد ثنا رجاء بن حيوة فذكره ، فهذا ظاهره أن ثورا
سمعه من رجاء فتزول العلة ، ولكن رواه أحمد بن عبيد الصفار فى مسنده عن أحمد
ابن يحيى الحلوانى عن داود بن رشيد فقال عن رجاء ولم يقل حدثنا رجاء ، فهذا
اختلاف على داود يمنع القول بصحة وصله مع ما تقدم فى كلام الأئمة انتهى كلام
الحافظ بلفظه .
( باب فى المسح على الخفين ظاهرها )
قوله ( نا عبد الرحمن بن أبى الزناد ) بفتح النون القرشى مولاهم المدنى ، قال الحافظ
فی التقريب : صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد و كان فقيها ( عن أبيه ) أى أبى الزناد
واسمه عبد الله بن ذكوان ثقة فقيه .

٣٢٥
صلى الله عليه وسلم يَمْتَحُ عَلَى الْفَّيْنِ: عَلَى ظاهِرِ هِا)).
قَال أَبُو عِيسَى : حديثُ المُغِيرَةِ حَدِيثٌ حَسَنْ. وَهُوَ حديثُ
عَبْدِ الرَّْنِ بِن أَبِى الِّنَادِ عنْ أَبِهِ عَنِ الْمُغيرةِ. وَلاَ نَعْلَمُ أَحداً يَذْ كُرُ
عن ◌ُرْوَةً عَنِ المُبرِةِ ((عَلَى ظَاهِرِهِا)): غَيْرَهُ.
وَهُوَ قَوْلُ غَيرٍ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِ يَقولُ سفْيَانُ الثَّورِى
وَأَحَدُ .
قوله ( يمسح على الخفين على ظاهرهما ) أى على أعلاهما ، وهذا الحديث دليل على
أن المسح على أعلى الخفين دون أسفلهما .
قوله ( حديث المغيرة حديث حسن ) وأخرحه أبو داود وسكت عنه ، ونقل المنذرى
تحسين الترمذى وأقره ، وقال البخارى فى التاريخ الأوسط ثنا محمد بن الصباح ثنا
ابن أبى الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبيرعن المغيرة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يمسح على خفيه ظاهرها ، قال وهذا أصح من حديث رجاء عن كاتب المغيرة كذا فى
التلخيص . وقد تقدم هذا فى كلام الحافظ الذى نقلناه فى الباب المتقدم ، وفى الباب عن
على قال لو كان الدين بالرأى لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه ، وقد رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على خفيه ظاهرهما ، أخرجه أبو داود قال الحافظ
فى بلوغ المرام بإسناد حسن ، وقال فى التلخيص إسناده صحيح ، وفى الباب أيضا عن عمر
ابن الخطاب عند ابن أبى شيبة والبيهقى قاله الشوكانى فى النيل .
قوله ( ولا نعلم أحدا يذكر عن عروة عن المغيرة على ظاهرهما غيره ) أى غير
عبد الرحمن بن أبي الزناد يعنى لفظ على ظاهرهما تفرد بذكره عبد الرحمن .
قوله ( وهو قول غير واحد من أهل العلم وبه يقول سفيان الثورى وأحمد ) وبه
يقول أبو حنيفة ومن تبعه وإسحاق وداود وهو قول على بن أبى طالب وقيس بن سعد
ابن عبادة والحسن البصرى وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح وجماعة كذا
فى الاستذكار .
والحجة لهم حديث المغيرة المذكور فى هذا الباب وحديث على الذى ذكرناه وحديث
١

٣٢٦
قال مُمْدّ: وَكَانَ مَالِك بن أَنْسٍ يُشِيرُ بِعَبْدِ الرَّْمنِ بن أبى الزّنَادِ.
عمر الدی عند ابن أبى شيبة والبهقى قال الشوكانی فی النیل . لیس بین احدیثین تعارض
غاية الأمر أن النبى صلى الله عليه وسلم مسح تارة على باطن الخف وظاهره وتارة على
ظاهره ولم يرو عنه ما يقضى بالمنع من إحدى الصفتين فكان جميع ذلك جائز أو سنة.
انتهى كلام الشوكانى .
قلت : نعم ليس بين الحديثين تعارض ولم يرو عنه ما يقضى بالمنع من إحدى الصفتين.
لكن لاشك فى أن حديث المسح على ظاهر الخفين حديث صحيح ، وأما حديث المسح.
على ظاهرها وباطنهما فقد عرفت ما فيه من الكلام فالعمل بحديث المسح على ظاهر
الخفين هو الراجح المتعين ، هذا ما عندى والله أعلم .
قوله ( وكان مالك يشير بعبد الرحمن بن أبى الزناد ) أى بضعفه ، قال الحافظ فى.
تهذيب التهذيب وتكلم فيه مالك لروايته عن أبيه كتاب السبعة يعنى الفقهاء وقال
أين كنا عن هذا انتهى .
قلت قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الحديث ، ففى هذا الكتاب وقال ابن محرز
عن يحيى بن معين ليس مما يحتج به أصحاب الحديث ليس بشىء . وقال معاوية بن صالح
وغيره عن ابن معين ضعيف وقال الدورى عن ابن معين لا يحتج بحديثه وهو دون
الدراوردى ، وقال صالح بن أحمد عن أبيه مضطرب الحديث وقال محمد بن عثمان عن
ابن المدينى كان عند أصحابنا ضعيفا وقال عبد الله بن على بن المدينى عن أبيه ماحدث بالمدينة
فهو صحيح وما حدث ببغداد أفسده البغداديون، وفيه وقال الترمذى والعجلى ثقة وصحح.
الترمذى عدة من أحاديثه وقال فى اللباس ثقة حافظ انتهى .
( قد تم الجزء الأول من تحفة الأحوذي بعونه تعالى وله الحمد )

٣٢٧
٧٤ - بَابُ
مَا جَاءٍ فِى الْسْحِ عَلَى الْجْرَ بَيْنِ وَالتَّعْلَيْنِ
٩٩ - حدثنا هَنَّدٌ وَمَودُ بنُ غَيْلانَ قالا: حدثنا وَكِيعٌ عنْ سفيانَ
عنْ أَبِى قَيْسٍ عنْ هُزَيْلِ بن شُرَحْيِيلَ عنْ المغيرةِ بِنْ شُعْبَةَ قالَ :-
«تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلمَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَ بَيْنِ وَالنَّعْلْنِ)).
( باب فى المسح على الجوربين والنعين )
قوله ( عن سفيان ) هو الثورى وقد وقع فى بعض نسخ أبى داود عن سفيان
الثورى وكذا وقع فى رواية الطحاوى ( عن أبى قيس ) اسمه عبد الرحمن بن ثروان
الأودى مشهور بكنيته وثقه ابن معين والعجلى والدار قطنى وقال أحمد يخالف فى أحاديثه
وقال أبو حاتم ليس بالقوى وقال النسائى ليس به بأس كذا فى مقدمة فتح البارى .
وقال فى التقريب صدوق ربما خالف (عن هزيل ) بالتصغير (بن شرحبيل )
بضم المعجمة وفتح الراء المهملة وسكون الحاء المهملة بعدها باء موحدة الكوفى
ثقة مخضرم.
قوله ( توضأ النبي صلى الله عليه وسلم ومسح على الجوربين ) تثنية الجورب ، قال
فى القاموس الجورب لفافة الرجلج جواربة وجوارب وتجورب لبسه وجوربته ألبسته ،
وقال القاضى أبو بكر بن العربى فى شرح الترمذى الجورب غشاء للقدم من صوف.
يتخذ للدفء . وهو التسخان . وفى تفسير الجورب أقوال أخرى وستقف عليها.
( النعلين ) تثنية الفعل، قال فى القاموس النعل ما وقيت به القدم من الأرض
كالنعلة مؤنثة ج نعال بالكسر انتهى . وقال الجزرى فى النهاية النعل مؤنثة وهى التى
تلبس فى المشى تسمى الآن تاسومه انتهى .
قال الطيى معنى قوله والنعلين هو أن يكون قد لبس النعلين فوق الجوربين وكذا
قال الخطابى فى المعالم . قلت هذا المعنى هو الظاهر . قال الطحاوى فى شرح الآثار فى
باب المسح على النعلين مسح على نعلين تحتهما جوربان ، وكان قاصداً بمسحه ذلك إلى
جوريه لا نعليه وجورباه لو كانا عليه بلا نعلين جاز له أن يمسح عليهما ، فكان مسحه

٣٢٨
قالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
ذلك مسحا أراد به الجوربين فأتى ذلك على الجوربين والنعلين فكان مسحه على
الجور بين هو الذى تطهر به ومسحه على النعلين فضل انتهى كلام الطحاوى .
وأما قول ابن ملك فى شرح قوله والنعلين أى ونعليهما فيجوز المسح على الجوربين
بحيث يمكن متابعة المشى عليهما انتهى ، وكذا قول أبى الوليد إن معنى الحديث أنه مسح
على جوربين منعلين لا أنه جورب على الانفراد ونعل على الانفراد انتهى فبعيد ،
قال الحافظ ابن القيم فى تهذيب السنن بعد ذكر قول أبى الوليد هذا ما لفظه : هذا
التأويل مبنى على أنه يستحب مسح أعلى الخف وأسفله والظاهر أنه مسح على الجور بين
الملبوسين عليهما نعلان منفصلان هذا هو المفهوم منه ، فإنه فصل بينهما وجعلهما شيئين
ولو كانا جوربين منعلين لقال مسح على الجوربين المنعلين وأيضاً فإن الجلد فى أسفل
الجورب لا يسمى نعلا فى لغة العرب ولا أطلق عليه أحد هذا الاسم وأيضا المنقول
عن عمر بن الخطاب فى ذلك أنه مسح على سيور النعل التى على ظاهر القدم مع الجورب
فأما أسفله وعقبه فلا انتهى كلام ابن القيم ،
قوله ( هذا حديث حسن صحيح ) وضعفه كثير من أئمة الحديث كما ستقف عليه ،
والحديث أخرجه أبو داود والنسائى وابن ماجه وابن حبان فى صحيحه ( وهو قول غير
واحد من أهل العلم ) من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم قال أبو داود فى سننه
ومسح على الجور بين على بن أبى طالب وابن مسعود والبراء بن عازب وأنس بن مالك
وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث وروى ذلك عن عمربن الخطاب وابن عباس
انتهى ، وقال الحافظ ابن القيم فى تهذيب السنن : قال ابن المنذر يروى المسح على
الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على وعمار وأبى مسعود الأنصارى
وأنس وابن عمر والبراء وبلال وعبد الله بن أبى أوفى وسهل بن سعد وزاد أبو داود
وأبو أمامة وعمرو بن حريث وعمرو بن عباس فهؤلاء ثلاثة عشر محايبا انتهى كلام
ابن القيم .
قلت : قد تتبعت كتب الحديث لأقف على أسانيد جميع هذه الآثار وألفاظها فلم أقف
إلا على بعضها ، فأقول : أما أثر على فأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه : أخبرنى الثورى
عن زبرقان عن كعب بن عبد الله قال رأيت عليا بال فمسح على جوريه ونعليه ثم قام
يصلى ، وأما أثر ابن مسعود فأخرجه أيضاً عبد الرزاق فى مصنفه: أخبرنا معمر عن

٣٢٩
وَهُوَ قَوْلُ غَيرٍ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَلْهِ. وَبِهِ يَقولُ سِفْيَانُ التَوْرِىُّ
وَأَبِنُ المُبَرَكِ، وَالشافعيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحْقُ ، قَالُوا: يَمْسَحُ عَلَى الْجُوْرَ بَيْن
وَإِنْ لَمَّ يَكُنْ تَعَلْنِ ، إِذَا كَأَنَا تَخِيَغَيْنِ .
قال : وَفِى الْبَبِ عنْ أَبِى مُوسَى .
الأعمش عن إبراهيم أن ابن مسعود كان يمسح على خفيه ويمسح على جورييه ، وسنده
صحيح. أما أثر البراء بن عازب فأخرجه أيضاً عبد الرزاق: أخبرنا الثورى عن الأعمش
عن إسمعيل بن رجاء عن أبيه قال رأيت البراء بن عازب يمسح على جوريه ونعليه .
وأما أثر أنس فأخرجه أيضا عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك
أنه كان يمسح على الجوربين ، وأما أثر أبى مسعود فأخرجه عبد الرزاق ، أخبرنا
الثورى عن منصور عن خالد بن سعد قال كان أبو مسعود الأنصارى يمسح على
الجوربين له من شعر ونعليه وسنده صحيح ، وأما أثر ابن عمر فأخرجه أيضا عبد الرزاق
أخبرنا الثورى عن يحيى بن أبى حية عن أبى خلاس عن ابن عمر أنه كان يمسح على
جوربيه ونعليه ، كذا ذكر الحافظ ازيلعى أسانيد هذه الآثار وألفاظها ولم أقف على
أسانيد بقية الآثار والله تعالى أعلم .
( وبه يقول سفيان الثورى وابن المبارك والشافعى وأحمد وإسحاق قالوا يمسح على
الجوربين وإن لم يكن نعلين ) أى وإن لم يكن كل واحد من الجوربين نعلين أى
منعلين ، وفى بعض النسخ وإن لم يكونا نعلين ، وهو الظاهر أن الترمذى أراد بقوله
تعلين منعلين وقد وقع فى بعض النسخ منعلين على ما ذكره الشيخ سراج أحمد فى شرح
الترمذى، والمنعل من التفعيل وهو ما وضع الجلد على أسفله ( إذا كانا تخينين ) أى
غلظين ، قال القاموس ثخن ككرم ثخونة ونخناً كعنب غلظ وصلب انتهى . وقال فى
منتهى الأرب ثوب تخين النسج جامة سطيرياف ثخن ككرم تخونة وثخانة وثخناً كعنب
سطبر وسخت كرديد ثخين كامين نعت است ازان انتهى وعلم من هذا القيد أن الجوربين
إذا كانا رقيقين لا يجوز المسح عليهما عند هؤلاء الأئمة وبقولهم قال صاحبا أبى حنيفة
أبو يوسف ومحمد وقوله (وفى الباب عن أبى موسى ) وأخرجه ابن ماجه والطحاوى
وغيرهما وسيأتى الكلام على هذا الحديث .

٣٣٠
وههنا مباحث عديدة متعلقة بحديث الباب نذكرها إفادة للطلاب .
المبحث الأول : اعلم أن الترمذى حسن حديث الباب وصححه ولكن كثيرا من أئمة
الحديث ضعفوه ، قال النسائى فى سنته الكبرى لا نعلم أحدا تابع أبا قيس على هذه
الرواية والصحيح عن المغيرة أنه عليه السلام مسح على الخفين انتهى ، وقال أبوداودفى سننه كان
عبدالرحمن بن مهدى لا يحدث بهذا الحديث لأن المعروف عن المغيرة أن النبى صلى الله عليه وسلم
مسح على الخفين قال : وروى أبو موسى الأشعرى أيضا عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه مسح على الجوربين ، وليس بالمتصل ولا بالقوى وذكر البيهقى حديث المغيرة هذا
وقال إنه حديث منكر ضعفه سفيان الثورى وعبدالرحمن بن مهدى وأحمد بن حنبل ويحي
ابن معين وعلى بن المدينى ومسلم بن الحجاج ، والمعروف عن المغيرة حديث
المسح على الخفين ، ويروى عن جماعة أنهم فعلوه ، قال النووى كل واحد من
هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذى مع أن الجرح مقدم على التعديل قال واتفق الحفاظ.
على تضعيفه ، ولا يقبل قول الترمذى إنه حسن صحيح . انتهى وقال الشيخ تقي الدين فى
الإمام: أبو قيس الأودى اسمه عبد الرحمن بن ثروان، احتج به البخارى فى صحيحه
وذكر البيهقى فى سننه أن أبا محمد يحي بن منصور قال: رأيت مسلم بن الحجاج ضعف
هذا الخبر ، وقال أبو قيس الأودى وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان وخصوصاً مع
مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة ، فقالوا مسح على الخفين ، وقالوا
لا يترك ظاهر القرآن بمثل أبى قيس وهزيل ، قال فذكرت هذه الحكاية عن مسلم.
لأبى العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولى فسمعته يقول : سمعت على بن محمد بن شيبان
يقول: سمعت أبا قدامة السرخسى يقول: قال عبد الرحمن بن مهدى : قلت لسفيان
الثورى لو حدثتنى بحديث أبى قيس عن هزيل ما قبلته منك ، فقال سفيان : الحديث
ضعيف . ثم أسند البيهقى عن أحمد بن حنبل قال: ليس يروى هذا الحديث إلا من
رواية أبى قيس الأودى ، وأبى عبد الرحمن بن مهدى أن يحدث بهذا الحديث وقال هو
منكر . وأسند البيهقى أيضاً عن على بن المدينى قال: قال حديث المغيرة بن شعبة فى المسح
رواه عن المغيرة أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة ، ورواه هزيل بن شر حبيل

٣٣١
٠
عن المغيرة إلا أنه قال : ومسح على الجوربين ، خالف الناس . وأسند أيضاً عن يحيى بن
معين قل : الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبى قيس. قال الشيخ ومن يصححه يعتمد
بعد تعديل أبى قيس على كونه ليس مخالفاً لرواية الجمهور مخالفة معارضة ، بل هو أمر
زائد على ما رووه ، ولا يعارضه ولا سيما وهو طريق مستقل برواية هزيل عن المغيرة ،
لم يشارك المشهورات فى سندها انتهى. كذا فى نصب الراية ص ٥٧ ج ١ .
قلت : قوله بل هو أمر زائد إلخ فيه نظر ، فإن الناس كلهم رووا عن المغيرة بلفظ
مسح على الخفين ، وأبو قيس يخالفهم جميعاً ، فيروى عن هزيل عن المغيرة بلفظ مسح
على الجوربين والتعلين فلم يزد على مارووا بل خالف ما رووا ، نعم لو روى بلفظ مسح
على الخفين والجوربين والنعلين لصح أن يقال إنه روى أمراً زائداً على ما رووه ، وإذ
ليس فليس فتفكر . فإذا عرفت هذا كله ظهر لك أن أكثر الأئمة من أهل الحديث
حكموا على هذا الحديث بأنه ضعيف ، مع أنهم لم يكونوا غافلين عن مسألة زيادة الثقة ،
فكهم عندى والله تعالى أعلم مقدم على حكم الترمذى بأنه حسن صحيح .
وفى الباب حديثان آخران : حديث ابن مسعود وحديث بلال وهما أيضاً ضعيفان.
لا يصلحان للاحتجاج .
أما حديث أبى موسى فأخرجه الطحاوى فى شرح الآثار من طريق أبى سنان عن
الضحاك بن عبد الرحمن عن أبى موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على
جوربيه ونعليه ، وأخرجه أيضاً ابن ماجه والبيهقى من طريق عيسى بن سنان عن
الضحاك بن عبد الرحمن عن أبى موسى ، وقد تقدم أن أبا داود حكم على هذا الحديث
بأنه ليس بالمتصل ولا بالقوى . وقال البيهقى بعد رواية الحديث له علتان إحداهما أن
الضحاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من أبى موسى ، والثانية أن عيسى بن سنان
ضعيف انتهى . قلت : أبو سنان الذى وقع فى سند الطحاوى هو عيسى بن سنان ، قال
الحافظ فى تهذيب التهذيب فى ترجمته : قال الأثرم قلت لأبى عبد الله أبو سنان عيسى بن
سنان ، فضعفه ، قال يعقوب بن شيبة عن ابن معين لين الحديث ، وقال جماعة عن
ابن معين ضعيف الحديث ، وقال أبو زرعة مخلط ضعيف الحديث ، وقال أبو حاتم ليس
بقوى فى الحديث ، وقال العجلى لا بأس به وقال النسائى ضعيف ، وقال ابن خراش

٣٣٢
صدوق ، وقال مرة فى حديثه نكرة ، وذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال الكنانى
عن أبى حازم يكتب حديثه ولا يحتج به انتهى كلام الحافظ .
فإن قلت : قال الشيخ علاء الدين المارديني: إن التضعيف بعدم ثبوت سماع عيسى
ابن سنان عن أبى موسى ، وهو على مذهب من يشترط للاتصال ثبوت السماع ، قال ثم
هو معارض بما ذكره عبد الغنى فإنه قال فى الكمال : سمع الضحاك من أبى موسى قال
وابن سنان وثقه ابن معين وضعفه غيره وقد أخرج الترمذى فى الجنائز حديثاً فى سنده
عيسى بن سنان هذا وحسنه انتهى. كذا نقل بعض مجوزى المسح على الجورب مطلقاً
فى رسالته وأقره ، فالظاهر أن حديث أبى موسى حسن صالح للاحتجاج .
قلت : ذكر أبو داود وغيره أن فى حديث أبى موسى المذكور علتين لضعفه ،
الأولى الانقطاع ، والثانية ضعف عيسى بن سنان ، فإن ثبت سماع الضحاك من أبى موسى
ترتفع العلة الأولى وتبقى الثانية ، وهى كافية لضعف حديث أبى موسى المشهور. وأماقول
المارديني : وابن سنان وثقه ابن معين وضعفه غيره ، ففيه أن ابن معين أيضاً ضعفه ،
قال الذهى فى الميزان: ضعفه أحمد وابن معين وهو مما يكتب على لينه إلخ. وقال الحافظ
فى تهذيب التهذيب : قال يعقوب بن شيبة عن ابن معين لين الحديث ، وقال جماعة عن
ابن معين ضعيف الحديث كما عرفت آنفاً . قلت : ولضعف هذا الحديث علة ثالثة :
وهى أن عيسى بن سنان مخلط ، قال الحافظ : أبوزرعة مخلط ضعيف الحديث كما عرفت
آنفاً فى كلام الحافظ . وأما قول المارديني : وقد أخرج الترمذى فى الجنائز حديثاً فى
سنده عيسى بن سنان وحسنه فما لا يصغى إليه ، فإن الترمذى قد يحسن الحديث مع
تصريحه بالانقطاع ، وكذا مع تصريحه بضعف بعض رواته ، ثم تساهل الترمذى مشهور .
وأما حديث بلال : فهو أيضاً ضعيف : قال الزيلعى رواه الطبرانى فى معجمه من
طريق ابن أبى شيبة ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبى ليلى
عن كعب بن عجرة عن بلال قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه ، ويزيد
ابن أبى زياد وابن أبى ليلى مستضعفان مع نسبتهما إلى الصدق انتهى كلام الزيلعى .
قلت : فى سنده الأول الأعمش وهو مدلس ورواه عن الحكم بالعنعنة ولم يذكر سماعه
منه ، قال الذهبي فى الميزان فى ترجمة الأعمش : ربما دلس عن ضعيف لا يدرى به فإن

٣٣٣
قال حدثنا فلا كلام وإن قال عن تطرق إليه الاحتمال إلا فى شيوخ أكثر منهم كإبراهيم
وأبى وائل وأبى صالح السمان فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال . انتهى .
وفى سنده الثانى يزيد بن أبى زياد وهو ضعيف ، قال الحافظ فى التقريب فى ترجمته :
ضعيف كبر فتغير وصار يتلقن وكان شيعيا انتهى .
فإن قلت : كيف قلتم إن حديث بلال ضعيف ، وقد قال الحافظ فى الدراية : وفى
الباب عن بلال أخرجه الطبرانى بسندين رجال أحدهما ثقات انتهى. وأراد برجال أحد مهما
رجال السند الأول فإنهم كلهم ثقات .
قلت : لا شك فى أن رجال السند الأول من حديث بلال كلهم ثقات . ولكن
فيهم الأعمش وقد عرفت أنه مدلس ورواه عن الحكم بالعنعنة وعنعنة المدلس غير مقبولة،
وقد تقرر أنه لا يلزم من كون رجال السند ثقات صحة الحديث . لجواز أن يكون فيه
ثقة مدلس ورواه عن شيخه الثقة بالعنعنة ، أو يكون فيه علة أخرى ، ألاترى أن الحافظ
ذكر فى التلخيص حديث العينة الذى رواه الطبرانى من طريق الأعمش عن عطاء عن
ابن عمر ، وذكر أن ابن القطان صححه ثم قال ما لفظه : وعندى أن الإسناد الذى
صححه ابن القطان معلول لأنه لا يلزم من كونه رجاله ثقات أن يكون صحيحاً ، لأن
الأعمش مدلس ، ولم يذكر سماعه من عطاء انتهى كلام الحافظ . وقال الزيلعى فى نصب
الراية : فى بحث الجهر بالبسملة نقلا عن ابن الهادى ولو فرض ثقة الرجال لم يلزم منه
صحة الحديث حتى ينتفى منه الشذوذ .
والحاصل : أنه ليس فى باب المسح على الجور بين حديث مرفوع صحيح خال عن
الكلام ، هذا ما عندى والله تعالى أعلم .
المبحث الثانى ، فى تفسير الجورب وبيان ما وقع فيه من الاختلاف .
قال مجد الدين الفيروزابادى فى القاموس : الجورب لفافة الرجل انتهى . وقال
أبو الفيض مرتضى الزبيدى فى تاج العروس : الجورب لفافة الرجل ، وهو بالفارسية
كورب ، وأصله كوربا ومعناه قبر الرجل انتهى . وقال الطيبى الجورب لفافة الجلد وهو
خف معروف من نحو الساق ، انتهى وكذلك فى مجمع البحار . وقال الشوكانى فى النيل
الخف فعل من أدم يغطى القدمين ، والجرموق أكبر منه ، والجورب أكبر من
٠٫٠٠٠

٣٣٤
٠
الجرموق . وقال الشيخ عبد الحق الدهلوى فى اللمعات : الجورب خف يلبس على
الخف إلى الكعب للبرد ، ولصيانة الخف الأسفل من الدرن والغسالة انتهى . وقال
القاضى أبو بكر بن العربى فى عارضة الأحوذي : الجورب غشاء للقدم من صوف يتخذ
للدفء انتهى . وقال الحافظ ابن تيمية فى فتاواه . الفرق بين الجوربين والنعلين إنما هو
من كون هذا من صوف وهذا من جلود انتهى . وقال العينى : الجورب هو الذى
يلبسه أهل البلاد الشامية الشديدة البرد ، وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول يلبس فى
القدم إلى ما فوق الكعب انتهى . قلت : ويتخذ من الشعر أيضاً كما تقدم أن أبا مسعود
كان يمسح على جوربين له من شعر ، فتفسير المجد الفيروزابادى عام يشمل كل ما يصدق
عليه أنه لفافة الرجل ، سواء كان من الجلد أو الصوف أو الشعر أو غير ذلك ، وسواء
كان ثخيناً أو رقيقاً بلهو شامل للمخيط وغيره ، قال فى غنية المستعلى شرح منية المصلى
بعد ذكر تفسير المجد ما لفظه : كأن تفسيره باعتبار اللغة لكن العرف خص اللفافة
بما ليس بمخيط والجورب بالمخيط ونحوه الذى يلبس كما يلبس الخف انتهى . وتفسير
الطيبى والشوكانى والشيخ عبد الحق يدل على أن الجورب يتخذمن الجلد وأنه نوع
من الخف وأنه يكون أكبر منه ، وتفسير ابن العربى وابن تيمية والعينى يدل على أنه
يتخذ من الصوف ، وقال شمس الأئمة الحلوانى وهو من الأئمة الحنفية : الجورب خمسة
أنواع من المرعزى ومن الغزل والشعر والجلد الرقيق والكبرباس : ذكره نجم الدين
الزاهدى عنه كما فى حاشية البحر الرائق ، وفيها أن المرعزى الزغب الذى تحمت شعر
العنز . والغزل ما غزل من الصوف والكرباس مانسج من مغزول القطن ، قال الحلى
ويلحق بالكرباس كل ما كان من نوع الخيط كالكتان والإبريسيم أى الحرير انتهى
ما فى حشية البحر .
فالاختلاف فى تفسير الجورب من جهتين : من جهة ما يتخذ منه ، ومن جهة .قداره
قال العلامة أبو الطيب شمس الحق فى غاية المقصود بعد ذكر هذين النوعين من الاختلاف
مالفظه: فهذا والله أعلم إما لأن أهل اللغة قد اختلفوا فى تفسيره ، وإما لكون الجورب
مختلف الهيئة والصنعة فى البلاد المتفرقة. ففى بعض الأماكن يصنع من الأديم وفى بعضها من
صوف وفى بعضها من كل الأنواع ، فكل من فسره إنما فسره على هيئة بلاده ، ومنهم

٣٣٥
من فسره بكل ما يوجد فى البلاد بأى نوع كان انتهى كلامه .
قلت يمكن أن يجمع بين هذه التفاسير المختلفة بأن الجورب هو لفافة الرجل كما قاله
صاحب القاموس ، من أى شىء كان . وأما تقييدهم بالجلد والصوف والشعر أو غير ذلك
فعلى حسب صنعة بلادهم والله تعالى أعلم .
المبحث الثالث : فى تحرير المذاهب فى المسح على الجوربين وبيان ما هو الراجح
عندى: قال الطحاوى فى شرح الآثارص ٥٩ ج ١ إنا لاترى بأسا بالمسح على الجوربين
إذا كانا صفيقين ، قد قال به أبو يوسف وهد ، وأما أبو حنيفة فإنه كان لا يرى
ذلك حتى يكونا صفيقين ويكونا مجلدين فيكونا كالخفين انتهى . وفى شرح الوقاية من
من كتب الحنفية: أو جور بيه الثخينين أى بحيث يستمسكان على الساق بلاشد. منعلين أو مجلدين
حتى إذا كانا تخينين غير مفعلين أو مجلدين لا يجوز عند أبى حنيفة خلافالهما ، وعنه أنه
رجع إلى قولهما وبه يفتى. انتهى ما فى شرح الوقاية ، والمنعل من التنعيل ماوضع الجلد
على أسفله كالنعل للقدم ، والمجلد من التجليد ماوضع الجلد على أعلاه وأسفله كليهما ،
وحاصل مذهب الحنفية أن الجوربين إن كانا منعلين أو مجلدين يجوز المسح عليهما
باتفاقهم ، وإن لم يكونا منعلين أو مجلدين اختلفوا فيه ، فمنعه أبو حنيفة فى قوله القديم
مستدلا بأنه لا يمكن مواظبة المشى فيه إلا إذا كان منعلاً أو مجلداً. فلم يكن فى معنى
الخف ، وجوزه صاحباه بناء على أنه إذا كان نخينا يمكن فيه تتابع المشى فشابه الخف ،
فإن لم يكونا تخينين أيضا لا يجوز المسح عليهما اتفاقا. كذا فى عمدة الرعاية . وأما، ذهب
مالك فكذهب أبى حنيفة القديم ، وأما مذهب الشافعى وأحمد فقد ذكره الترمذى
وهو أنه يجوز المسح عليهما إذا كانا تخينين وإن لم يكونا منعلين ، وعلى هذا فقول أبى حنيفة
الجديد وقول صاحبيه وقول الشافعى وأحمد واحد ، وهو جواز المسح على الجوربين
إذا كانا تخينين ، ونقل عن الشافعى كقول أبى حنيفة القديم ، قال ابن قدامة فى المغنى: وقال
أبو حنيفة ومالك والأوزاعى ومجاهد وعمرو بن دينار والحسن بن مسلم والشافعى
لا يجوز المسح عليهما إلا أن ينعلالأنه لا يمكن متابعة المشى فيهما. فلم يجز المسح عليهما كالر قيقين
انتهى، وقال ابن العربى فى العارضة: اختلف العلماء فى المسح على الجور بين على ثلاثة أقوال:
الأول أنه يمسح عليها إذا كانا مجلدين إلى الكعبين ، قال به الشافعى وبعض أصحابنا .

٣٣٦
الثانى إن كان صفيقا جاز المسح عليه وإن لم يكن مجلدا إذا كان له نعل : وبه فسربعض
أصحاب الشافعى مذهبه . وبه قال أبو حنيفة وحكاه أصحاب الشافعى عن مالك .
الثالث أنه يجوز المسح عليه وإن لم يكن له نعل ولا تجليد قاله أحمد بن حنبل. قال:
وجه الأول أن الحديث ضعيف كله ، فإن كانا مجلدين رجعاخفين ودخلا تحت أحاديث
الخف . ووجه الثانى أنه ملبوس فى الرجل يسترها إلى الكعب يمكن متابعة المشى عليه
نجاز المسح، ووجه الثالث ظاهر الحديث ولو كان صحيحا لكان أصلا انتهى كلام.
ابن العربى . وقال ابن رسلان فى شرح سنن أبى داود: نص الشافعى فى الأم على أنه يجوز
المسح على الجور بين بشرط أن يكون صفيقا منعلا وقطع به جماعة من الشافعية ونقل
المزنى أنه لا يمسح على الجور بين مجلدى القدمين . قال القاضى أبو الطيب لا يجوز المسح
على الجوربين إلا أن يكون سائر المحل الفرض يمكن متابعة المتى عليه ، هذا هو
الصحيح فى المذهب انتهى كلام ابن رسلان .
فإن قلت : قد وقع فى أحاديث الباب لفظ الجور بين مطلقا غير مقيد بشى من هذه
القيود التى قيدهما بها هؤلاء الأئمة فما بالهم قيدوهما بها واشرطوا جواز المسح عليهما بتلك
القيود فبعضهم بالتجليد وبعضهم بالتفعيل وبعضهم بالصفاقة والشخونة ؟
قلت : الأصل هو غسل الرجلين كما هو ظاهر القرآن والعدول عنه لا يجوز إلا
بأحاديث صحيحة اتفق على صحتها أئمة الحديث كأحاديث المسح على الخفين جاز العدول
عن غسل القدمين إلى المسح على الخفين بلا خلاف . وأما أحاديث المسح على الجوربين
ففى صحتها كلام عند أئمة الفن كما عرفت ، فكيف يجوز العدول عن غسل القدمين إلى
المسح على الجوربين مطلقا . وإلى هذا أشار مسلم بقوله لا يترك ظاهر القرآن بمثل
أبى قيس وهزيل انتهى . فلأجل ذلك اشترطوا جواز المسح على الجوربين بتلك القيود
ليكونا فى معنى الخفين ويدخلا تحت أحاديث الخفين ، فرأى بعضهم أن الجور بين إذا
كانا مجلدين كانا فى معنى الخفين ، ورأى بعضهم أنهما إذا كانا منعلين كانا فى معناهما ،
وعند بعضهم أنهما إذا كاناصفيقين تخينين كانا فى معناهما وإن لم يكونا مجلدين ولا مفعلين
والله تعالى أعلم.
فان قلت: قد ضعف الإِمام أحمد حديث المسح على الجور بين ومع تضعيفه قد قال جواز
المسح على الجوربين ولم يقيدها بشىء من هذه القيود كما يظهر من كلام ابن العربى .

٣٣٧
قلت : قد قيدهما الإمام أحمد أيضا بقيد الثخونة كما صرح به الترمذى ، وقال ابن
قدامة فى المغنى : قد قال أحمد فى موضع لا يجزيه المسح على الجورب حتی یکون جوربا
صفيقا يقوم قائما فى رجله لا ينكسر مثل الخفين، إنما مسح القوم على الجوربين لأنه
كان عندهم بمنزلة الخف فى رجل الرجل يذهب فيه الرجل ومجىء انتهى كلامه . وقد
قال قبل هذا : سئل أحمد عن جورب الخرق يمسح عليه فكره الخرق ، ولعل أحمد
كرهها لأن الغالب عليها الخفة ، وأنها لاتثبت بأنفسها : فإن كانت مثل جورب الصوف
فى الصفاقة فلا فرق انتهى كلامه . على أنه لم يعتمد على حديث الجوربين بل اعتمد على
آثار الصحابة رضى الله عنهم . قال الحافظ ابن القيم فى تلخيص السنن : قد نص أحمد
على جواز المسح على الجوربين وعلل رواية أبى قيس . وهذا من إنصافه وعدله رحمه
الله: وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريح القياس، فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق
مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه انتهى كلام ابن القيم . وأما قوله لا يظهر بين الجوربين
والخفين فرق مؤثر إلخ ففيه أن الجوربين إذا كانا من غير الجاد وكانا تخينين صفيقين
بحيث يستمسكان على القدمين بلاشد ويمكن تتابع المشى فيهما فلاشك فى أنه ليس بین
هذين الجوربين والخفين فرق مؤثر لأنهما فى معنى الخفين ، وأما إذا كانا رقيقين بحيث
لا يستمسكان على القدمين بلاشد ولا يمكن تتابع المشى فيهما فهما ليسا فى معنى الحفين
فلاشك فى أن بينهما وبين الخفين فرقا مؤثرا ، ألا ترى أن الخفين بمنزلة النعلين عند عدم
وجدانهما يذهب الرجل فيهما ويجيئء ويمشى أينما شاء، فلابس الخفين لايحتاج إلى
نزعهما عند المشى فلا ينزعهما يوما وليلة بل أياما وليالى فهذا يشق عليه نزعهما عند
كل وضوء بخلاف لابس الجوربين الرقيقين فإنه كما أراد أن يمنى يحتاج إلى النزع
فينزعهما فى اليوم والليلة مرات عديدة ، وهذا لا يشق عليه نزعهما عند كل وضوء ،
وهذا الفرق يقتضى أن يرخص للابس الخفين دون لابس الجور بين الرقيقين ، فقياس
هذا على ذلك قياس مع الفارق ، فعدم ظهور الفرق المؤثر بينهما وبين الخفين ممنوع ،
ولو سلم أنه لا يظهر الفرق بينهما وبين الخفين فلاشك فى أن الجوربين الرقيقين ليسا
داخلين تحت أحاديث الخفين لأن الجورب ليس من أفراد الخف فلاوجه لجواز المسح
عليهما إلا مجرد القياس ، ولا يترك ظاهر القرآن بمجرد القياس ألبتة .
(٢٢ - تحفة الأحوذي - جزء ١)

٣٣٨
فإن قلت : قد أجاب الحافظ ابن القيم عن قول مسلم لا يترك ظاهر القرآن بمثل أبى
قيس وهزيل فقال : جوابه من وجهين: أحدهما أن ظاهر القرآن لا ينفى المسح على
الخفين ، وما كان الجواب عن موارد الإجماع فهو الجواب عن مسألة النزاع . الثانى:
الذين سمعوا القرآن من النبى صلى الله عليه وسلم وعرفوا تأويله مسحوا على الجوربين
وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن ومراد الله منه انتهى .
قلت : فى كلا الوجهين من الجواب نظر . أما الوجه الأول ففيه أنه قدورد فى المسح
على الخفين أحاديث كثيرة قد أجمع على صحتها أئمة الحديث فلأجل هذه الأحاديث
الصحيحة تركوا ظاهر القرآن وعملوا بها ، وأما المسح على الجور بين فلم يرد فيه حديث
أجمع على صحته، وما ورد فيه فقد عرفت مافيه من المقال فكيف يترك ظاهر القرآن
ويعمل به . وأما الوجه الثانى ففيه أنه لم يثبت أن الجواربة التى كان الصحابة رضى الله
عنهم يمسحون عليها كانت رقائق بحيث لا تستمسك على الأقدام ولا يمكن لهم تتابع
المشى فيها . فيحتمل أنها كانت صفيقة تخينة فرأوا أنها فى معنى الخفاف. وأنها داخلة تحت
أحاديث المسح على الخفين ، وهذا الاحتمال هو الظاهر عندى . وقد عرفت قول الإمام
أحمد إنما مسح القوم على الجور بين لأنه كان عندهم بمنزلة الخف إلخ فلا يلزم من مسح
الصحابة على الجواربة التى كانوا يمسحون عليها جواز المسح على الجوربين مطلقا تخينين
كانا أو رقيقين فتفكر .
والراجح عندى أن الجوربين إذا كانا صفيقين خخنين فهما فى معنى الخفين يجوز
المسح عليها ، وأما إذا كانا رفيقين بحيث لا يستمسكان على القدمين بلا شد ولا يمكن المنى
فيهما فهما ليسافى معنى الخفين ، وفى جواز المسح عليهما عندى تأمل والله تعالى أعلم :
تنبيه: اعلم أن العلامة أبا الطيب شمس الحق رحمه الله تعالى قد اختار قول من
اشترط فى جواز المسح على الجوربين التجليد ، حيث قال فى غاية المقصود : بعد ذكر
المذاهب المذكورة مالفظه : وأنت خبير أن الجورب يتخذ من الأديم وكذا من الصوف
وكذا من القطن ، ويقال لكل واحد من هذا إنه جورب ومن المعلوم أن هذه الرخصة
بهذا العموم التى ذهبت إليها تلك الجماعة لا تثبت إلا بعدأن يثبت أن الجوربين الذين مسح
عليهما النبى صلى الله عليه وسلم كانا من صوف، سواء كانا منعلين أو تخينين فقط، ولم يثبت

٣٣٩
قالَ أبُو عِيسَى : : سَمِعْتُ صَالِحَ بنَ محمدٍ التَّْمِذِىَّ قال: سَمِعْتُ
أَبَ مُقَاتِلِ السَّمَرْ قَنْدِىَّ يَقولُ دَخَذْتُ عَلَى أَبِى حَنِيفَةَ فِى مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ
فِيهِ ، فَدَعَا ◌ِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ؛ وَعَلَيْهِ جَوْرَبَنِ ، فَحَ عَلَيْهِمَاَ، ثُمَّ قال:
فَعْتُ الْيَوْمَ شَيْئً لَمَّ أَ كُنْ أَفَلُهُ: مَسَحْتُ عَلَى الْجُوْرَبَيْنِ وَهُمَا غَيرُ مُنَّعَّلَيْنِ.
هذا قط فمن أين علم جواز المسح على الجوربين غير المجلدين بل يقال إن المسح يتعين
على الجوربين المجلدين لاغيرهما . لأنهما فى معنى الخف والخف لا يكون إلا من أديم ،
نعم إن كان الحديث قوليا بأن قال النبى صلى الله عليه وسلم امسحوا على الجوربين
الكان يمكن الاستدلال بعمومه على كل أنواع الجورب ، وإذ ليس فليس ، فإن قلت :
لما كان الجورب من الصوف أيضا احتمل أن الجور بين الذين مسح عليها النبى صلى الله
عليه وسلم كانا من صوف أو قطن إذ لم يبين الراوى ، قلت : نعم الاحتمال فى كل جانب
سواء يحتمل كونهما من صوف وكذا من قطن لكن ترجح الجانب الواحد وهو كونه
من أديم لأنه يكون حينئذ فى معنى الخف ويجوز المح عليه قطعا . وأما المسح على غير
الأديم فثبت بالاحتمالات التى لم تطمئن النفس بها ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم دع
مایریبك إلى مالا یریبك انتهى كلامه .
قلت : كلامه هذاحسن طيب ، لكن فيه أن لقائل أن يقول إن هذا القول لا يثبت
إلا بعد أن يثبت أن الجوربين اللذين مسح عليهما النبى صلى الله عليه وسلم كانا مجلدين ،
ولم يثبت هذا قط فمن أين علم جواز المسح على الجوربين المجلدين . وأما قوله إن
الجور بين المجلدين فى معنى الخف فلا يجدى نفعا فإن القائلين بجواز المسح على الجوربين
التخينين فقط يقولون أيضا إنهما لثخوفتهما وصفاقتهما فى معنى الخف فتفكر .
تنبيه : قد استدل بعض مجوزى المسح على الجوربين مطلقا تخينا كان أورقيقا بما
رواه الإمام أحمد فى مسنده قال : حدثنا يحيى بن سعيد عن ثور عن راشد بن سعد
عن ثوبان قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على
النبى صلى الله عليه وسلم شكوا إليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا على العصائب
والتساخين. ورواه أبو داود فى سننه ، وقال قال ابن الأثير فى النهاية . العصائب هى
العمائم لأن الرأس يعصب بها . والتساخين كل ما يسخن به القدم من خف وجورب
ونحوهما . ولا واحد لها من لفظها . قال ورجال هذا الحديث ثقات مرضيون انتهى .

٣٤٠
قلت : هذا الحديث لا يصلح للاستدلال فإنه منقطع ، فإن راشد بن سعد لم يسمع
من ثوبان ، قال الحافظ ابن أبى حاتم فى كتاب المراسيل ص ٢٢ أنبأ عبد الله بن أحمد
ابن حنبل فيما كتب إلى قال : قال أحمد يعنى ابن حنبل : راشد بن سعد لم يسمع من
ثوبان انتهى .
وقال الحافظ ابن حجر فى تهذيب التهذيب : قال أبو حاتم والحربى لم يسمع من
ثوبان ، وقال الخلال عن أحمد لا ينبغى أن يكون سمع منه انتهى .
على أن التساخين قد فسرها أهل اللغة بالخفاف ، قال ابن الأثير فى النهاية فی حرف.
التاء ما لفظه : أمرهم أن يمسحوا على التساخين هى الخفاف ولا واحد لها من لفظها
وقيل واحدها تسخان وتسخين وتسخن ، والتاء فيها زائدة ، وذكرناها هنا حملا على
ظاهر لفظها ، قال حمزة الأصفهانى: أما التسخان فتعريب تشكن وهو اسم غطاء من
أغطية الرأس كان العلماء والموابذة يأخذونه على رؤوسهم خاصة ، وجاء فى الحديث ذكر
العمائم والتساخين فقال من تعاطى تفسيره هو الخف حيث لم يعرف فارسيته انتهى .
وقال فى حرف السين : إنه أمرهم أن يمسحوا على المشاوذ والتساخين : التساخين :
الخفاف ولا واحد لها من لفظها ، وقيل واحدها تسخان وتسخين هكذا فى شرح كتب
اللغة والغريب ، وقال حمزة الأصفهانى فى كتاب الموازنة : التسخان تغريب تشكن
إلى آخر ما ذكر فى حرف التاء، وكذا فى مجمع البحار ، فلما ثبت أن التساخين عند أهل
اللغة والغريب هى الخفاف، فالاستدلال بهذا الحديث على جواز المسح على الجور بين
مطلقا ثخينين كانا أو رقبقين غير صحيح .
ولو سلم : أن التساخين عند بعض أهل اللغة هى كل ما يسخن به القدم من خفه .
وجورب ونحوهما فعند بعضهم التسخان تعريب تشكن وهو اسم غطاء من أغطية الرأس
كما عرفت. وفى الدر المنثور للسيوطى: قال حمزة: التسخان معرب تشكن وهو اسم
غطاء من أغطية الرأس ، كان العلماء والقضاة يأخذونه على رؤوسهم خاصة ، ووهم من
فسره بالخف انتهى .
فصل للتساخين ثلاثة تفاسير : الأول إنها هى الخفاف ، والثانى إنها فى كل
ما يسخن به القدم ، والثالث إنها هى تعريب تشكن وهو اسم غطاء من أغطية الرأس ،