النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ قَالَ أَبُو عِيسَى: وَفِى الْبَابِ: عَنْ جَابِرٍ ، وَأَبِى سَعِيدٍ. ٤ - بابُ مَ يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْلاَءِ ٤ - حدّثْنَا أَبُو بَكْرِ: يَحَمَّدُ بْنُ زَنْجَويْهِ الْبَغْدَادِىُّ، وَغَيْرٌ واحِدٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا اُْسَبْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُليمانُ بْنُ قَرْمٍ ، عَنْ أَبِ يَحْتَى القَتَّاتِ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مِفْتَحُ الصَّلاَةِ الْوُضُوءِ)) . قوله ( وفى الباب عن جابر وأبى سعيد) أما حديث جابر فأخرجه أحمد والبزار . والترمذى والطبرانى من حديث سليمان بن قرم عن أبى يحي القتات عن مجاهد عنه ، وأبو يحيى القتات ضعيف ، وقال ابن عدى أحاديثه عندى حسان ، وقال ابن العربى : حديث جابر أصح شىء فى هذا الباب ، كذا قال وقد عكس ذلك العقيلى وهو أقعد منه بهذا الفن. كذا فى التلخيص ، وأما حديث أبى سعيد فأخرجه الترمذى وابن ماجه وفى إسناده أبو سفيان طريف وهو ضعيف ، قال الترمذى حديث على أجود إسنادا من هذا كذا فى التلخيص . قلت : قد أخرج الترمذى حديث أبى سعيد فى كتاب الصلاة فى باب ما جاء فى تحريم الصلاة وتحليلها ، وقال بعد إخراجه حديث على بن أبى طالب أجود إسنادا وأصح من حديث أبى سعيد انتهى - وفى الباب أيضا عن عبد الله بن زيد وابن عباس وغيرهما ، ذكر أحاديثهم الحافظ ابن حجر فى التلخيص والحافظ الزيلعى فى نصب الراية . ( باب ما يقول إذا دخل الخلاء ) بفتح الخاء والمد أى موضع قضاء الحاجة سمى به لخلائه فى غير أوقات قضاء الحاجة ، وهو الكنيف والحش والمرفق والمرحاض أيضا ، وأصله المكان الخالى ثم کثر استعماله حقی تجوز به عن ذلك ، قاله العينى . ٤٢ ٥ - حدّثْنَا قُتَيْبَةُ وَهَنَّادٌ، فالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ مَالِكٍ ، قال: كانَ النّبِىُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إِذَا دَخَلَ الْلاَءَ ، ٥- قوله (حدثنا قتيبة وهناد قالا ناوكيع) تقدم تراجم هؤلاء (عن شعبة) بن الحجاج ابن الورد العتكى مولاهم ، أبو بسطام الواسطى ثم البصرى ، ثقة حافظ متقن ، كان الثورى يقول هو أمير الؤمنين فى الحديث،وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة ، وكان عابدا ، كذا فى التقريب . وقال أحمد بن حنبل كان شعبة أمة وحده فى هذا الشأن يعنى فى الرجال وبصره بالحديث، وقال الشافعى : لولا شعبة لما عرف الحديث بالعراق ، ولد شعبة سنة ٨٢ ثنتين وثمانين ، ومات سنة ١٦٠ ستين ومائة. كذا فى تذكرة الحفاظ ( عبد العزيز بن صهيب ) البنانى، بنانة بن سعد بن لؤى بن غالب مولاهم البصرى عن أنس وشهر، وعنه شعبة والحمادان، وثقه أحمد ، قال ابن قانع مات سنة ١٣٠ ثلاثين ومائة ( عن أنس بن مالك ) بن النضر الأنصارى الخزرجى خادم رسول اللهصلى اللهعليه وسلم ، خدمه عشر سنين صحابى مشهور مات سنة ٩٢، ٩٣ اثنتين وقيل ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة . قوله ( إذا دخل الخلاء ) أى موضع قضاء الحاجة ، وفى الأدب المفرد للبخارى من طريق سعيد بن زيد عن عبد العزيز عن أنس ، قال كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء . وأفادت هذه الرواية تبيين المراد من قوله إذا دخل الخلاء ، أى كان يقول هذا الذكر عند إرادة الدخول لا بعده ، قال الحافظ فى الفتح : الكلام ههنا فى مقامین . الأول : هل يختص هذا الذكر بالأمكنة المعدة لذلك لكونها تحضرها الشياطين كماورد فى حديث زيد بن أرقم فى السنن ، أو يشمل حتى لوبال فى إناء مثلا فى جانب البيت ؟ الأصح الثانى مالم يشرع فى قضاء الحاجة . المقام الثانى : متى يقول ذلك . فمن يكره ذكر الله فى تلك الحالة يفصل ، أما فى ٤٣ قالَ : اللَّهَّ إِنِى أَعُوذُ بكَ - قَالَ شُعْبَةُ: وَقَدْ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى أَعُوذُ بِكَ - مِنَ الْبثِ وَالْحِيثِ. أَوِ: أنْيُثِ وَالْبَائِثِ. الأمكنة المعدة لذلك فيقول قبيل دخولها وأما فى غيرها فيقوله فى أول الشروع كتشمير ثيابه مثلا ، وهذا مذهب الجمهور ، وقالوا فى من نسى يستعيذ. بقلبه لا بلسانه ، ومن يجيز مطلقا لا يحتاج إلى تفصيل . انتهى كلام الحافظ . قلت : القول الراجح المنصور هوما ذهب إليه الجمهور (قال اللهم إنى أعوذ بك )أى. ألوذ والتجىء ، قال ابن الأثير: عدت به عوذاً ومعاذاً ، أى لجأت إليه والمعاذ المصدر والمكان الزمان (قال شعبة وقد قال) أى عبد العزيز ( مرة أخرى أعوذ بالله) أى مكان. اللهم أنى أعوذ بك ، يعنى قال عبد العزيز مرة اللهم: إنى أعوذ بك وقال مرة أخرى أعوذ بالله، قال العینی فیعمدة القارى : وقد وقع فىرواية وهب : فليتعوذ بالله ، وهو يشمل كل ما يأتى به من أنواع الاستعاذة من قوله أعوذ بك أستعيد بك أعوذ بالله أستعيذ بالله اللهم إنى أعوذ بك ونحو ذلك من أشباه ذلك ، انتهى : قلت : والأولى أن يختار من أنواع الاستعاذة ماجاء فى الحديث ، وقد ثبت زيادة بسم الله مع التعوذ ، فروى العمرى حديث الباب بلفظ إذا دخلتم الخلاء فقولوا بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث، قال الحافظ فى الفتح: إسناده على شرط مسلم ( من الخبث. والخبيث أو الخبث والخبائث ) قال الحافظ فى فتح البارى: وقع فى رواية الترمذى وغيره أعوذ بالله من الخبث والخبيث أو الخبث والخبائث ؛ هكذا على الشك : الأول بالإسكان. مع الإفراد والثانى بالتحريك مع الجمع، أى من الشىء المكروه، ومن الشىء المذموم. أو من ذكران الشياطين وإناتهم انتهى كلام الحافظ .. قلت: وجاء فى رواية صحيح البخارى وعامة الروايات: اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث ، من غير شك ، قال الحافظ تحت هذه الرواية : الخبث بضم المعجمة والموحدة كذا فى الرواية ، وقال الخطابى إنه لا يجوز غيره ، وتعقب بأنه مجوز إسكان الموحدة كما فى نظائرهما جاء على هذا الوجه ، ككتب وكتب ، قال النووى: وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة، ٤٤ قَالَ أَبُو عِيسَى: وَفِى الْبَابِ: عَنْ عَلٍِّ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَابٍِ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ . قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ أَصَخْ شَىْءٍ فِ هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ . وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِى إِسْنَدِهِ أَضْطِرَابٌ: رَوَى هِشَمٌ الدَّسْتَوَأَىُّ، منهم أبو عبيدة، إلا أن يقال إن ترك التخفيف أولى لئلا يشبه بالمصدر. والخبث جمع خبيث والخبائث جمع خبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم ، قاله الخطابى وابن حبان وغيرهما. ووقع فى نسخة ابن عساكر: قال أبو عبد الله أى البخارى: ويقال الخبث أى بإسكان الموحدة ، فإن كانت مخففة عن المحركة فقد تقدم توجيهه ، وإن كانت بمعنى المفرد فمعناه كما قال ابن الأعرابى المكروه، قال: فإن كان من الكلام فهو الشتم وإن كان من الملل فهو الكفر . وإن كان من الطعام فهو الحرام ، وإن كان من الشراب فهو الضار ، وعلى هذا فالمراد بالخبائث المعاصى أو مطلق الأفعال المذمومة ليحصل التناسب ، ولهذا وقع فى رواية الترمذى وغيره إلى آخر مانقلت عبارته آنفا . قوله ( وفى الباب عن على وزيد بن أرقم وجابر وابن مسعود ) أما حديث على فأخرجه الترمذى وابن ماجه ، وأما حديث زيد بن أرقم فأخرجه أبو داود وابن ماجه ، وأما حديث جابر فلم أقف عليه ، وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الإسعلى فى معجمه ، قال العينى ، بإسناد جيد أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الغائط قال أعوذ بالله من الخبث والخبائث . قوله ( وحديث أنس أصح شىء فى هذا الباب وأحسن ) وأخرجه الشيخان وغيرهما قوله ( وحديث زيد بن أرقم فى إسناده اضطراب ) يعنى روى بعض رواته على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له (روى هشام الدستوائى إلخ) هذا بيان الاضطراب، والدستوائى منسوب إلى دستواء بفتح الدال كورة من الأهواز أو قرية ، كذا فى المغنى ، وتوضيح الاضطراب على ما فى غاية المقصود للعلامة أبى الطيب غفر الله له : أن هشاما وسعيد بن أبى عروبة وشعبة ومعمراً كلهم يروون عن قتادة على اختلاف بينهم . ٤٥ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِ عَرُوَبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ: فَقَالَ سَعِيدٌ: عَنِ الْقَاسِ بْنِ عَوْفٍ الشّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ . وَقَالَ هِشَمٌ الدَّسْتَوَانِىُّ: عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَرْقَمَ. وَرَوَاهُ شُعْبَةُ وَمَعْمَرٌ، عَنْ قَنَادَةَ، عَنْ النَغْرِ بْنِ أَنَسٍ: فَقَالَ شُعْبَةُ. عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ. وَقَالَ مَعْمَرٌ. عَنِ النّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيِهِ عَنِ النبى صلى الله عليه وسلم. قَالَ أَبُو عِيسَى: سَأَلْتُ مُمَّدَاً عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: يَحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَتَادَةُ. رَوَى عَنْهُمَاَ جميعاً . فروی سعید عن قتادة عن القاسم بن عوف الشییانی عن زيد بن أرقم . وروى هشام عن قتادة عن زيد بن أرقم ، فبين قتادة وزيد بن أرقم واسطة القاسم. فى رواية سعيد ، وليست هى فى رواية هشام . وروى شعبة ومعمر عن قتادة عن النضر بن أنس، ثم اختلف فروى شعبة عن قتادة. عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم ، وروى معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبيه فالاضطراب فى موضعین . الأول فى شيخ قتادة ففى رواية سعيد أن قتادة يرويه عن القاسم عن زيد بن أرقم، وفى رواية هشام أنه يرويه عن زيد بن أرقم ، وفى رواية شعبة أنه يرويه عن النضر بن. أنس عن زيد بن أرقم . والثانى : فى شيخ النضر بن أنس ، ففي رواية شعبة أن النضر يرويه عن زيد بن أرقم وفى رواية معمر أنه يرويه عن أبيه . انتهى ما فى غاية المقصود ( قال أبو عيسى : سألت مجداً ) يعنى البخارى (عن هذا) أى عن هذا الاضطراب ( فقال يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعاً ) قال العلامة أبو الطيب فى غاية المقصود : أى يحتمل أن يكون قتادة سمع من القاسم والنضر بن أنس ، كما صرح به البيهقى . وأخطأ من أرجع الضمير من محشى الترمذى إلى زيد بن أرقم والنضر بن أنس انتهى .٤٦ ٠٠ ٠٠ ٠٠ . .. ٠. قلت: الأمر كما قال أبو الطيب إرجاع ضمير عنهما إلى القاسم والنضر بن أنس هو الحق ، وأما إرجاعه إلى زيد بن أرقم والنضر بن أنس خطأ ، قال العلامة العينى فى عمدة القارى شرح البخارى : قال الترمذى حديث زيد بن أرقم فى إسناده اضطراب وأشار إلى اختلاف الرواية فيه، وسأل الترمذى البخارى عنه فقال: لعل قتادة سمعه من القاسمين عوف الشيبانى والنضر بن أنس عن أنس ولم يقض فيه بشىء. انتهى كلام العينى . وروى أبو داود فى سننه حديث زيد بن أرقم هكذا : حدثنا عمرو بن مرزوق أنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيدبن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ، قال السيوطى: قوله أنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس إلخ قال البيهقى فى سننه هكذا: رواه معمر عن قنادة وابن علية وأبو الجماهر عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة ، ورواه يزيد بن زريع وجماعة عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن القاسم بن عوف الشيبانى عن زيد ابن أرقم ، قال أبو عيسى: قلت لمحمد يعنى البخارى أى الروايات عندكم أصح؟ فقال: لعل قتادة سمع منهما جميعا عن زيد بن أرقم ولم يقض فى هذا بشىء، وقال البيهقى : وقيل عن معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن أنس وهو وهم : انتهى . فثبت من هذا كله أن إرجاع ضمير عنهما إلى القاسم والنضر بن أنس هو الحق والصواب . تنبيه : قول البخارى المذكور فى كلام العينى (( لعل قتادة سمعه من القاسم بن عوف الشيبانى والنضر بن أنس عن أنس)) مخالف لقوله المذكور فى كلام البيهقى بلفظ ((لعل قتادة سمع منهما جميعا عن زيد بن أرقم والظاهر عندى أن لفظ عن أنس المذكور فى "كلام العينى سهو من الناسخ فتأمل)). فإن قلت لا يندفع الاضطراب من كل وجه بقول البخارى ، فيحتمل أن يكون قتادة يروى عنهما جميعا . .قلت نعم . إلا أن يقال إن قتادة روى عنهما عن زيد بن أرقم ، وروى عن زيد ٤٧ ٦ - أَخْبَرَنَا أَحَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّىُّ البَصْرِىُّ، حَدَّثَنَا ◌َّادُ بنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صَُهْبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: ((أَنَّ الَِّّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّمَ ابن أرقم من غير واسطة ، وأما رواية معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبيه فوهم كما صرح به البيهقى ، والله تعالى أعلم . ٦ - قوله ( حدثنا أحمد بن عبدة الضی) أبو عبد الله البصرى،عن حماد بن زيد وأبى عوانة وعبد الواحد بن زياد وخلق ، وعنه مسلم وأصحاب السنن الأربعة ، وثقه أبو حاتم. والنسائى مات سنة ٢٤٥ خمس وأربعين ومائتين كذا فى الخلاصة ،وقال الذهبي فى الميزان وقال ابن خراش تكلم الناس فيه فلم يصدق ابن خراش فى قوله هذا ، فالرجل حجة انتهى ( ناحماد بن زيد ) بن درهم الأزدى أبو إسماعيل الأزرق البصرى الحافظ مولى جريربن حازم وأحد الأعلام عن أنس بن سيرين وثابت وعاصم بن بهدلة وابن واسع وأيوب وخلق كثير ، وعنه الثوری وابن مهدى وابن المدينى وخلائق ، قال ابن مهدى ما رأيت أحفظ منه ولا أعلم بالسنة ولا أفقه بالبصرة منه ، توفى سنة ١٩٧ سبع وتسعين ومائة . عن إحدى وثمانين سنة ، كذا فى الخلاصة ، وقال فى التقريب : ثقة ثبت فقيه . قوله ( قال اللهم ) معناه يا الله ( إنى أعوذ بك ) قال ابن العربى يعنى ألجأ وألوذ والعوذ بإسكان العين والعياذ والمعاذ والملجأ ماسكنت إليه تقية عن محذور ، قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم معصوما من الشيطان حتى من الموكل به بشرط استعاذته منه ، ومعذلك فقد كان اللعين يعرض له ، عرض له ليلة الإسراء فدفعه بالاستعاذة , وعرض له فى الصلاة فشد وثاقه ثم أطلقه ؛ وكان يخص الاستعاذة فى هذا الموضع بوجهين . إحدهما : إنه خلاء وللشيطان بعادة الله قدرة تسلط فى الخلاء ليس له فى الملاء ، قال صلى الله عليه وسلم (( الراكب شيطان والرا كبان شيطانان والثلاثة ركب)) . الثانى: إنه موضع قذر ينزه ذكر الله عن الجريان فيه على اللسان فيغتنم الشيطان عند ذكر الله فإن ذكره يطرده، فلجأ إلى الاستعاذة قبل ذلك ليعقدها عصمة بينه وبين الشيطان حتى يخرج، وليعلم أمته انتهى كلامه . وقال الحافظ فى الفتح كان صلى الله عليه وسلم ٤٨ كَنَ إِذَا دَخَلَ الْلاَءَ قَالَ: ((الَّهُمّ إِنِى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْبَائِثِ)). قَالَ أَبُو عِيسَى: هُذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ٥ - ◌َابُ مَا يَقُولُ إذا خَرَجَ مِنَ الْخَلاَءِ ٧ - حَدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ يستعيذ إظهارا للعبودية ويجهر بها للتعليم انتهى، ( من الخبث ) بضم الخاء المعجمة والموحدة جميع خبيث أى ذكران الشياطين ( والخبائث ) جمع خبيثة أى إناث الشياطين . قوله ( وهذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه الشيخان . قوله ( باب ما يقول إذا خرج من الجلاء). ٧ - قوله (حدثناهد بن حميد بن إسماعيل) كذا فى النسخ المطبوعة فى الهند؛ وإنى لمأجد فى كتب الرجال رجلا اسمه محمد بن حميد بن إسماعيل من شيوخ الترمذى ، وفى النسخة المصرية حدثنا محمد بن إسماعيل ثنا حميد قال حدثنا مالك بن اسماعيل إلخ ، وإنى لم أجد فى كتب الرجال رجلا اسمه حميد وهو من تلامذة مالك بن إسماعيل ومن شيوخ محمد بن إسماعيل فتفكر وتأمل ، وقال بعضهم : لعل لفظ حميد ههنا زائد فى كلتا النسختين ؛ والصحيح هكذا : حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا مالك بن إسماعيل ، ويدل على ذلك ما قال فى الدر الغالى شرح إرشاد المتجلى بعد ماذكر رواية أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الغائط قال غفرانك قال عقب ذلك ، وكذا رواه البخارى فى الأدب المفرد، وعنه رواه الترمذى عن عائشة، وأورد رواية عائشة هذه بهذا المتن والسند، وقال فى ابتداء السند: حدثنامالك بن إسماعيل، فظهر من هذا و من النسخة المصرية أن الترمذى روى هذا الحديث عن محمد بن إسماعيل أعنى البخارى دون محمد بن حميد انتهى كلامه بلفظه، (نامالك بن إسماعيل) ابن درهم النهدى مولاهم ، أبو غسان الكوفى الحافظ ، روى عن إسرائيل وأسباط بن النصر والحسن بن صالح وخلق ؛ وعنه البخاری والباقون بواسطة ، قال ابن معين: ليس ٤٩ إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَبِيِ بُرْدَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهاَ قَلَتْ: ((كَنَ النَِّىُّ صَلَّى اللهُ عَلْهِ وَسَلَّ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْلاَءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ)). بالكوفة أتقن منه، وقال يعقوب بن شيبة ثقة صحيح الحديث من العابدين مات سنة ٣١٩ تسع عشرة ومائتين كذا فى الخلاصة، وقال فى التقريب: ثقة متقن صحيح الكتاب عابد من صغار التاسعة انتهى . ( عن إسرائيل ) بن يونس بن أبى إسحاق السبيعى الهمدانى الكوفى، ثقة تكلم فيه بلا حجة، قل أحمد ثقة ثبت وقال أبو حاتم: صدوق من أتقن أصحاب أبي إسحق ولد سنة ١٠٠ مائة ومات سنة ١٦٢ اثنتين وستين ومائة . ( عن يوسف بن أبى بردة ) بن أبى موسى الأشعرى الكوفى، روى عن أبيه وعنه إسرائيل وسعيد بن مسروق ، وثقه ابن حبان كذا فى الخلاصة ، وقل الحافظ مقبول ( عن أبيه ) أى أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى ، قيل اسمه عامر وقيل الحارث ثقة من الثالثة ، قل فى الخلاصة : أبو بردة بن أبى موسى الأشعرى الفقيه قاضى الكوفة اسمه الحارث أو عامر ، عن على والزبير وحذيفة وطائفة ، وعنه بنوه عبد الله ويوسف وسعيد وبلال وخلق ، وثقه غير واحد توفى سنة ١٠٣ ثلاث ومائة . قوله : ( إذا خرج من الخلاء قال غفرانك ) إما مفعول به منصوب بفعل مقدر أى أسألك غفرانك أو أطلب ، أو مفعول مطلق أى اغفر غفرانك ، وقد ذكر فى تعقيبه صلى الله عليه وسلم الخروج بهذا الدعاء وجهان: أحدهما : أنه استغفر من الحالة التى اقتضت هجران ذكر الله تعالى فإنه يذكر الله تعالى فى سائر حالاته إلا عند الحاجة . وثانيهما : أن القوة البشرية قاصرة عن الوفاء بشكر ما أنعم الله عليه من تسويغ الطعام والشراب وترتيب الغذاء على الوجه المناسب لمصلحة البدن إلى أوان الخروج ، فلجأ إلى الاستغفار اعترافا بالقصور عن بلوغ حق تلك النعم ، كذا فى المرقاة . (٤ - تحفة الأحوذي - جزء ١) قَالَ أَبُو عِيسَى: هُذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَ نَعْرِفُهُ إِلَّ مِن حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ يُوسَفَ بْنِ أَبِ بُرْدَةَ وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِى مُوسَى اسْمُ: ((َامِرُ بْنُ عَبْدِ الهِ بْنِ قَيْئِ الْأَشْتَرِىُّ)). وَلَاَ نَعْرِفُ فِى هَذَا الْبَابِ إِلا حَدِيثَ عَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم . قلت : الوجه الثانى هو المناسب لحديث أنس ، قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذى أذهب عنى الأذى وعافانى ، رواه ابن ماجه قال القاضى أبو بكر بن العربى: سأل المغفرة من تركه ذكر الله فى تلك الحالة ، ثم قال فإن قيل إنما تركه بأمر ربه فكيف يسأل المغفرة عن فعل كان بأمر الله ؟ والجواب أن الترك وإن كان بأمر الله إلا أنه من قبل نفسه وهو الاحتياج إلى الخلاء انتهى . فإن قيل : قد غفر له صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر فما معنى سؤاله المغفرة ؟ يقال: كان النبى صلى الله عليه وسلم يطلب المغفرة من ربه قبل أن يعلمه أنه قد غفر له ، وكان يسألها بعد ذلك لأنه غفر له بشرط استغفاره، ورفع إلى شرف المنزلة بشرط أن يجتهد فى الأعمال الصالحة والكل له حاصل بفضل الله تعالى ، قاله ابن العربى . قوله: ( هذا حديث غريب حسن ) قال القاضى الشوكانى فى نيل الأوطار : هذا الحديث أخرجه الخمسة إلا النسائى وصححه الحاكم وأبو حاتم ، قال فى البدر المنير: ورواه الدارمى وصححه ابن خزيمة وابن حبان انتهى. ( ولا يعرف فى هذا الباب إلا حديث عائشة ) قال النووى فى شرح المهذب: وهو حديث حسن صحيح ، وجاء فى الذى يقال، عقب الخروج من الخلاء أحاديث كثيرة ليس فيها شيء ثابت إلا حديث عائشة المذكور ، قال: وهذا مراد الترمذى بقوله: ((ولا يعرف فى هذا الباب إلا حديث عائشة)) كذا فى قوت المغتذى ، وقال العينى فى شرح البخارى بعد ذكر حديث عائشة المذكور : أخرجه ابن حبان وابن خزيمة وابن الجارود والحاكم فى صحيحهم، وقال أبو حاتم الرازى ٥ . . ١ هو أصح شىء فى هذا الباب . فإن قلت لما أخرجه الترمذى وأبو على الطرطوسى قالا هذا حديث غريب حسن لا يعرف إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبى بردة ، ولا يعرف فى هذا الباب إلا حديث عائشة . قلت : قوله غريب مردود بما ذكرنا من تصحيحه ويمكن أن تكون الغرابة بالنسبة إلى الراوى لا إلى الحديث، إذ الغرابة والحسن فى المتن لا يجتمعان ، فإن قلت : غرابة السند بتفرد إسرائيل وغرابة المتن لكونه لا يعرف غيره قلت: إسرائيل متفق على إخراج حديثه عند الشيخين، والثقة إذا انفرد بحديث ولم يتابع عليه لا ينقص عن درجة الحسن ، وإن لم يرتق إلى درجة الصحة ، وقولهما لا يعرف فى هذا الباب إلا حديث عائشة ليس كذلك ، فإن فيه أحاديث وإن كانت ضعيفة : منها : حديث أنس رضى الله عنه رواه ابن ماجه : قال كان صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذى أذهب عنى الأذى وعافانى . ومنها حديث أبى ذر مثله ، أخرجه النسائى . ومنها حديث ابن عباس ، أخرجه الدار قطنى مرفوعاً : الحمد لله الذى أخرج عنى ما يؤذينى وأمسك على ما ينفعنى . ومنها حديث سهل بن خيثمة نحوه ، وذكره ابن الجوزى فى العلل . ومنها حديث ابن عمر رضى الله عنه مرفوعاً أخرجه الدار قطنى: الحمد لله الذى أذاقنى لذته وأبقى على قوته وأذهب عنى أذاه. انتهى كلام العينى . قلت : المراد بقول الترمذى غريب من جهة السند ، فإنه قال لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل ، ولا منافاة بين أن يكون الحديث غريبا من جهة السند وبين أن يكون حسناً أو صحيحاً كما تقرر فى مقره، فقول العلامة العينى قوله غريب مردود بما ذكرنا من تصحيحه مردود عليه . وأما قول الترمذى لا يعرف فى هذا الباب إلا حديث عائشة ، فقد عرفت ما هو المراد منه . ٥٢ ٦- بَبٌ فِ النَّهِى ◌َن اسْتِقِبَالِ الْقِبْلَةِ بِغَئِطِ أَوْ بَوْلٍ ٨ - حدثنا سعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّْحَنِ المَخْزُوِىُّ، حَدَّثَنَاَ سُفْيَانُ بْنُ عُيِّيْنَةَ، عَنْ عَطَاءِ بنِ يَزَيِدَ الََّيِّ، عَنْ أَبِى أَيُّوبَ الأنْصَارِىِّ ، قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم: ((إِذَا أَتْتُمُ الْغَائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلاَ بَوْل ، باب فى النهى عن استقبال القبلة بغائط أو بول ٨- قوله : (حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومى ) ابن حسان المكى القرشى،روى عن ابن عيينة والحسين بن زيد العلوى ، وعنه الترمذى والنسائى ووثقه ، مات سنة ٢٤٩ تسع وأربعين ومائتين . ( أنا سفيان بن عيينة ) بن أبى عمران ميمون الهلالى أبو محمد الكوفى ثم المكى ، ثقة حافظ فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بآخره ، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، من رؤس الطبقة الثامنة ، وكان أثبت الناس فى عمرو بن دينار ( عن الزهرى ) يأتى اسمه وترجمته فى هذا الباب ( عن عطاء بن يزيد الليثى ) المدنى نزيل الشام ، ثقة من الثالثة ( عن أبى أيوب الأنصارى ) يأتى اسمه وترجمته . قوله : ( إذا أتيتم الغائط ) أى فى موضع قضاء الحاجة، والغائط فى الأصل المطمئن من الأرض ، ثم صار يطلق على كل مكان أعد لقضاء الحاجة ، وعلى النجو نفسه ، أى الخارج من الدبر ، قال الخطابى أصله المطمئن من الأرض كانوا يأتونه للحاجة فكنوا به عن نفس الحدث كراهة لذكره بخاص اسمه ، ومن عادة العرب التعفف فى ألفاظها واستعمال الكناية فى كلامها وصون الألسنة عما تصان الأبصار والأسماع عنه ( فلا تستقبلوا القبلة ) أى جهة الكعبة ( بغائط ولا بول ) الباء متعلقة بمحذوف وهو حال من ضمير لا تستقبلوا أى لا تستقبلوا القبلة حال كونكم مقترنين بغائط أو بول ، ٥٣ وَلاَ تَسْتَدْبُرُوهَا، وَلْكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبوا))، فَقَلَ أبو أَيُّوبَ: فَقَدِنَ الثَّأْمَ فَوَجَدْنَ مَرَاحِيضَ قَدْ يِنِيَتْ مُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ: فَتَنْحَرِفُ عَنْهاَ وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ. قال السيوطى : قال أهل اللغة أصل الغائط المكان المطمئن كانوا يأتونه للحاجة فكنوا به عن نفس الحدث كراهة لاسمه ، قال. وقد اجتمع الأمران فى الحديث ، فالمراد بالغائط فى أوله المكان وفى آخره الخارج ، قال ابن العربى : غلب هذا الاسم على الحاجة حتى صار فيها أعرف منه فى مكانها ، وهو أحد قسمى المجاز انتهى كلام السيوطى ( ولكن شرقوا أو غربوا ) أى توجهوا إلى جهة المشرق أو المغرب ، هذا خطاب لأهل المدينة ومن قبلته على ذلك السمت ممن هو فى جهة الشمال والجنوب ؛ فأما من قبلته الغرب أو الشرق فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال، كذا فى المجمع وشرح السنة ( فوجدنا مراحيض ) بفتح الميم وبالحاء المهملة والضاد المعجمة جمع مر حاض بكسر الميم ، وهو البيت المتخذ لقضاء حاجة الإنسان ، أى التغوط قاله النووى ، وقال ابن العربى المراحيض واحدها مرحاض مفعال من رحض إذا غسل يقال ثوب رحيض أى غسيل ، والرحضاء عرق الحمى والرحضة إناء يتوضأ به انتهى . ( فننحرف عنها ) أى عن جهة القبلة قاله القسطلانى (ونستغفر الله) قال ابن العربى يحتمل ثلاثة وجوه : الأول أن يستغفر الله من الاستقبال الثانى أن يستغفر الله من ذنوبه ، فالذنب يذكر بالذنب ، الثالث أن نستغفر الله لمن بناها فإن الاستغفار للمذنبين سنة ، وقال ابن دقيق العيد : قوله ونستغفر الله قيل يراد به لبانى الكنيف على هذه الصورة الممنوعة عنده ، وإنما حملهم على هذا التأويل أنه إذا انحرف عنها لم يفعل ممنوعاً فلا يحتاج إلى الاستغفار والأقرب أنه استغفار لنفسه ، ولعل ذلك لأنه استقبل واستدبر بسبب موافقته لمقتضى النهى غلطاً أو سهواً فيتذكر فينحرف ويستغفر الله ، فإن قلت فالغالط والساهى لم يفعلا إنما فلا حاجة به إلى الاستغفار ، قلت أهل الورع والمناصب العلية فى التقوى قد يفعلون مثل هذا بناء على نسبتهم التقصير إلى أنفسهم فى عدم التحفظ ابتداء . انتهى كلام ابن دقيق العيد . ٥٤ قَالَ أَبو عِيسَى: وَفِى الْبَابِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ الْخَارِثِ بنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ، وَمَعْقِلٍ بِن أَبِى الْهَِ وَيُقَلُ مَعْقِلُ بنُ أَبى مَعْقِلٍ، وَأبى أُمَامَةَ، وَأَبِى هُرَيْرَةَ ، وَسَهْلِ بنِ حَيْف . قَالَ أَبو عِيسَى: حَدِيثُ أَيُّوبَ أَحْسَنُ شَىْءٍ فِي هُذَا الْبَابِ وَأَصَحُ . قال صاحب بذل المجهود . يعنى كنا نجلس مستقبلى القبلة نسيانا على وفق بناء المراحيض، ثم ننتبه على تلك الهيئة المكروهة فننحرف عنها ونستغفر الله تعالى عنها وتأويل الاستغفار لبانى الكنف بعيد غاية البعد ، قال : وكان بناؤها من الكفار وبعيد. غاية البعد أن يكون بناؤها من المسلمين مستقبلى القبلة انتهى . قلت : يمكن أن يكون بناؤها من بعض المسلمين الذين كان مذهبهم جواز استقبال القبلة واستدبارها فى الكنف والمراحيض كما هو مذهب الجمهور ، فليس فيه بعد غاية البعد والله تعالى أعلم، ثم القول بأن المراد كنا نجلس مستقبلى القبلة نسيانا إلخ فيه أن النسيان يكون مرة أو مرتين ، ولفظ كنا ننحرف كما فى رواية على الاستمرار والتكرار فتفكر قوله ( وفی الباب عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزیدی)، صحابى شهد فتح مصر واختطبها دارا مات سنة ٨٦ ست وثمانين بمصر ، وهو آخر من مات بها من الصحابة ( ومعقل بن أبى الهيتم ويقال معقل بن أبى معقل ) ويقال أيضاً معقل بن أم معقل وكله واحد ، يعد فى أهل المدينة ، روى عنه أبو سلمة وأبو زيد مولاه وأم معقل توفى فى أيام. معاوية رضى الله عنه قاله ابن الأثير ، وقال الحافظ : له ولأبيه صحبة ( وأبى أمامة وأبى هريرة رضى الله عنه وسهل بن حنيف ) أما حديث عبد الله بن الحارث فأخرجه ابن ماجه وابن حبان قاله الحافظ ، وأما حديث معقل فأخرجه أبو داود وابن ماجه وأما حديث أبى هريرة فأخرجه مسلم فى صحيحه مرفوعا بلفظ : إذا جلس أحدكم على حاجة فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها : وأخرجه أيضاً ابن ماجه والدارمى ، وأما حديث سهل. ابن حنيف فأخرجه الدارمى . قوله: (حديث أبى أيوب أحسن شىء فى هذا الباب وأصح) وأخرجه الشيخان . وَأَبُو أَيُّبَ أْمُهُ ((خَالِدُ بنُ زَيْدٍ )). وَالزَّهْرِىُّ أَسْمُهُ ((مُحَمِّدُ بنُ مُسْلٍ بن عُبَيْدِ اللهِ بن شِهَابِ الزُّهْرِىُّ)) وكنيته ((أَبُو ◌َكْرٍ)). قالَ أَبُو الْوَلِيدِ لَكَنَّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بنُ إِدْرِيسَ الشَّافِىُّ: إِنَّا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِىِ صلى الله عليه وسلم ((لاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِقَائِطٍ وَلاَ بِبَوْلٍ وَلاَ تَشْتَدْبِرُوهَا)): إِنََّ هُذَا فِى الْفَيَافِىِ، وَأَمَّا فِ الْكُفِ المْلِيَّةِ لَهُ رُخْصَةٌ فِى أَنْ يَسْتَقِْلَهاَ. وَهْكَذَا قالَ إِسْحُقُ بن إِبْرَاهِيمَ . قوله : ( وأبو أيوب اسمه خالد بن زيد ) قال الحافظ فى التقريب : خالد بن زيد ابن كليب الأنصارى أبو أيوب من كبار الصحابة ، شهد بدرا ونزل النبى صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة عليه ، مات غازيا بالروم سنة ٥٠ خمسين وقيل بعدها انتهى . ( والزهرى اسمه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهرى وكنيته أبو بكر ) هو ** بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشى الزهرى ، متفق على جلالته وإتقانه وهو من رؤوس الطبقة الرابعة ، كذا فى التقريب ، وقال فى الخلاصة هو أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام ، قال الليث : ما رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب ، وقال مالك كان ابن شهاب من أسخى الناس وتقيا ، ما له فى الناس نظير ، مات سنة ١٢٤ أربع وعشرين ومائة انتهى . قوله ( قال أبو الوليد المكى ) هو موسى بن أبى الجارود المكى أبو الوليد صاحب الشافعى ، عن ابن عيينة والبويطى وجماعة ، وعنه الترمذى ، وثقه ابن حبان كذا فى الخلاصة ( قال أبو عبد الله الشافعى) هو الإمام الشافعى أحد الأمة المشهورين اسمه محمد ابن إدريس وتقدم ترجمته فى المقدمة ( إنما هذا فى الفيا فى ) على وزن الصحارى ومعناه، واحدها الفيفاء بمعنى الصحراء ( فأما فى الكنف المبنية ) جمع كنيف أى البيوت المتخذة لقضاء الحاجة ( له رخصة فى أن يستقبلها) جزاء أما أى فائز له أن يستقبل القبلة فيها ( وهكذا قال إسحاق ) هو إسحاق بن راهويه ، ثقة حافظ مجتهد قرين الإمام أحمد بن حنبل تقدم ترجمته فى المقدمة ؛ فمذهب الشافعى وإسحاق أن استقبال القبلة واستدبارها ٥٦ وَقالَ أَُْدُ بنُ حَنْبَلِ رحمه الله: إِنَّمَاَ الرُّخْصَةُ مِنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي اسْتِدْبَارِ الْقِيْلَةِ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَأَمَّا أُسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَلاَ يَسْتَقْبِلُهَا. كَأَنَّهُ لَمْ يَرَ فى الصَّحْرَاءِ وَلاَ فِى الْكُفِ أَنْ يَسْتَغْبِلَ الْقِثْلَةَ. بالغائط والبول حرام فى الصحراء وجائز فى البنيان ؛ ففرقا بين الصحراء والبنيان ؛ قال الحافظ فى الفتح : وبالتفريق بين البنيان والصحراء مطلقا ، قال الجمهور : وهو مذهب مالك والشافعى وإسحاق وهو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة انتهى (وقال أحمد بن حنبل ) هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل أحد الأئمة الأربعة المشهورين ، تقدم ترجمته فى المقدمة ( إنما الرخصة إلخ ) حاصل قوله أنه لا يجوز الاستقبال فى الصحراء ولا فى البنيان ويجوز الاستدبار فيهما ، وعن الإمام أحمد فى هذا روايتان إحداهما هذه التى ذكرها الترمذى . والرواية الثانية عنه كقول الشافعى وإسحاق المذكور وعنه رواية ثالثة كما ستعرف . اعلم أن الترمذى ذكر فى هذا الباب قولین ، قول الشافعى وقول أحمد بن حنبل وههنا أربعة أقوال ؛ فلنا أن نذكرها مع بيان مالها وما عليها : قال النووى فى شرح مسلم : قد اختلف العلماء فى النهى عن استقبال القبلة بالبول والغائط على مذاهب : الأول مذهب مالك والشافعى : أنه يحرم استقبال القبلة فى الصحراء بالبول والغائط ولا يحرم ذلك بالبنيان ، وهذا مروى عن العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر والشعبى وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل فى إحدى الروايتين . والمذهب الثانى : أنه لا يجوز ذلك لا فى الصحراء ولا فى البنيان؛ وهو قول أبى أيوب الأنصارى الصحابى و مجاهد وإبراهيم النخعى وسفيان الثوری وأبى ثور وأحمد فيرواية والمذهب الثالث : جواز ذلك فى الصحراء والبنيان جميعاً؛ وهو مذهب عروة بن الزبير وربيعة شيخ مالك وداود الظاهرى . والمذهب الرابع : لا يجوز له الاستقبال فى الصحراء ولا فى البنيان ؛ ويجوز الاستدبار ٥٧ فيهما وهى إحدى الروايتين عن أبى حنيفة وأحمد . واحتج المانعون مطلقا بالأحاديث الصحيحة الواردة فى النهى مطلقا ؛ كحديث سلمان وأبى أيوب وأبى هريرة وغيرهم . واحتج من أباح مطلقا بحديث ابن عمر المذكور فى الكتاب : يعنى فى صحيح مسلم : أنه رأى النبى صلى الله عليه وسلم مستقبلا بيت القدس مستديرا القبلة وبحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن ناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم فقال النبى صلى الله عليه وسلم أوقد فعلوها ؛ حولوا مقعدى إلى القبلة رواه أحمد وابن ماجه وإسناده حسن . واحتج من أباح الاستدبار دون الاستقبال بحديث سلمان يعنى الذى رواه مسلم بلفظ: لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول أو أن نستنجى باليمين . الحديث . واحتج من حرم الاستقبال والاستدبار فى الصحراء وأباحهما فى البنيان بحديث ان عمر وبحديث عائشة المذكورين وبحديث جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بيول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها ، رواه أبو داود والترمذى وغيرهما، وإسناده حسن ، وبحديث مروان الأصغر قال رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها ، فقلت يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهى عن ذلك ؛ فقال بلى إنما نهى عن ذلك فى الفضاء ، فإذا كان بينك وبين القبلة شىء يستركفلا بأس رواه أبو داود وغيره . فهذه أحاديث صحيحة صريحة بالجواز بين البنيان ، وحديث أبى أيوب وسلمان وأبى هريرة وغيرهم وردت بالنهى ، فتحمل على الصحراء ليجمع بين الأحاديث. ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لايصار إلى ترك بعضها ، بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها وقد أمكن الجمع على ماذكرناه ، فوجب المصبر إليه ، انتهى كلام النووى بتلخيص . ٥٨ قلت : رجح النووى مذهب مالك والشافعى وغيرهما ، ورجحه أيضاً الحافظ ابن حجر حيث قال : هو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة . وعندى : أولى الأقوال وأقواها دليلا هو قول من قال إنه لا يجوز ذلك مطلقا لا فى البنيان ولا فى الصحراء ، فإن القانون الذى وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذا الباب لأمته هو قوله لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ، وهو بإطلاقه شامل للبنيان والصحراء ، ولم يغيره صلى الله عليه وسلم فى حق أمته ؛ لا مطلقا ولا من وجه . فأما حديث عائشة أن النبى صلى الله عليه وسلم بلغه أن ناسا يكرهون استقبال القبلة بفر وجهم إلخ الذى ذكره النووى وقال إسناده حسن . فهو حديث ضعيف منكر لا يصلح للاحتجاج ، قال الحافظ الذهبى فى الميزان : خالد بن أبى الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة حولوا مقعدتى نحو القبلة أو قد فعلوها لا يكاد يعرف ، تفرد عنه خالد الحذاء ، وهذا حديث منكر ، فتارة رواه الحذاء عن عراك ، وتارة يقول عن رجل عن عراك ، وقد روى عن خالد بن أبي الصلت سفيان بن حصين ومبارك بن فضالة وغيرهما ، وذكره ابن حبان فى الثقات ، وما عدت أحدا يعرض إلى لينه ، لكن الخبر منكر انتهى . وقال البخارى : خالد بن أبى الصلت عن عراك مرسل ، كذا فى التهذيب ، وقال ابن حزم في المحلى إنه ساقط لأن راويه خالد الحذاء وهو ثقة عن خالد ابن أبى الصلت وهو مجهول لاندرى من هو ، وأخطأ فيه عبد الرزاق فرواه عن خالد الحذاء عن كثير بن الصلت وهذا أبطل وأبطل ، لأن خالد الحذاء لم يدرك كثير بن الصلت انتهى . ولو صح هذا الحديث لما كانت فيه حجة على تغيير ذلك القانون ونسخه . لأن نصه صلى الله عليه وسلم يبين أنه إنما كان قبل النهى ،لأن من الباطل المحال أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم عن استقبال القبلة بالبول والغائط ثم ينكر عليهم طاعته ، فى ذلك وهذا مالا يظنه مسلم ، ولا ذو عقل ، وفى هذا الخبر إنكار ذلك عليهم، فلو صح لكان منسوخا بلاشك . ٥٩ ۔ وأما حديث جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بيول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها . فهو أيضا ليس بدليل على نسخ ذلك القانون ، قال الحافظ ابن حجر فى التلخيص : فى الاحتجاج به نظر ، لأنها حكاية فعل لا عموم لها ، فيحتمل أن يكون لعذر ويحتمل أن يكون فى بنيان ونحوه انتهى ، وقال القاضى الشوكانى فى النيل: إن فعله صلى الله عليه وسلم لا يعارض القول الخاص بنا ، كما تقرر فى الأصول انتهى . وأما حديث ابن عمر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستقبلا بيت المقدس مستديرا القبلة . فهو أيضا لا يدل على نسخ ذلك القانون لما مر فى حديث جابر آنفا . وأما حديث مروان الأصغر فهو أيضا لايدل على نسخ ذلك القانون ، لأن قول ابن عمر فيه إنما نهى عن ذلك فى الفضاء ، محتمل أنه قد علم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أنه قال ذلك استنادا إلى الفعل الذى شاهده ورواه ، فكأنه لما رأى النبى صلى الله عليه وسلم فى بيت حفصة مستديرا القبلة فهم اختصاص النهى بالبنيان ، فلا يكون هذا الفهم حجة ، فإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال . فالحاصل : أن أولى الأقوال وأقواها عندى - والله أعلم - هو قول من قال إنه لا يجوز الاستقبال والاستدبار مطلقا، قال القاضى الشوكانى فى النيل: الإنصاف الحكم بالمنع مطلقا ، والجزم بالتحريم ، حتى ينتهض دليل يصلح للنسخ أو التخصيص أو المعارضة ولم تقف على شىء من ذلك ؛ انتهى ، وقال ابن العربى فى شرح الترمذى : والمختار - والله الموفق - أنه لا يجوز الاستقبال ولا الاستدبار فى الصحراء ولا فى البنيان ، لأنا إن نظرنا إلى المعانى فقد بينا أن الحرمة للقبلة ، ولا يختلف فى البادية ولا فى الصحراء، وإن نظرنا إلى الآثار فإن حديث أبى أيوب عام فى كل موضع ؛ معلل بحرمة القبلة ، وحديث ابن عمر لايعارضه ولا حديث جابر لأربعة أوجه : ٦٠ ٧- بَبُ مَا جَاء مِنَ الرُّخْصَةِ فِى ذُلِكَ ٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار، وَيُحَمَّدُ بنُ الْمُتَّى أحدها : أنه قول وهذان فعلان ولا معارضة بين القول والفعل . الثانى : أن الفعل لاصيغة له ، وإنما هو حكاية حال ، وحكايات الأحوال معرضة للأعذار والأسباب ، والأقوال لامحتمل فيها من ذلك . الثالث : أن القول شرع مبتدأ وفعله عادة ، والشرع مقدم ، على العادة . الرابع : أن هذا الفعل لو كان شرعا لما تستر به، انتهى . وقد قال ابن العربى قبل هذا : اختلف فى تعليل المنع فى الصحراء ، فقيل ذلك لحرمة المصلين ، وقيل ذلك لحرمة القبلة، ولكن جاز فى الحواضر للضرورة ، والتعليل بحرمة القبلة أولى لخمسة أوجه أحدها : أن الوجه الأول قاله الشعبى ، فلا يلزم الرجوع إليه . الثانى: أنه إخبار عن مغيب ، فلا يثبت إلا عن الشارع . الثالث : أنه لو كان لحرمة المصلين لما جاز التغريب والتشريق أيضا ، لأن العورة لا تخفى معه أيضا عن المصلين، وهذا يعرف باختبار المعاينة . الرابع : أن النبى صلى الله عليه وسلم إنما علل بحرمة القبلة ، فروى أنه قال : من جلس لبول قبالة القبلة ، فذكر فانحرف عنها إجلالا لها لم يقم من مجلسه حتى يغفر له ، أخرجه البزار . الخامس : أن ظاهر الأحاديث يقتضى أن الحرمة إنما هى للقبلة ، لقوله. لا تستقبلوا القبلة ، فذكرها بلفظها فأضاف الاحترام لها انتهى . قلت : الظاهر أن الحرمة إنما هى للقبلة والله تعالى أعلم، ولو صح حديث البزار الذى ذكره ابن العربى لكان قاطعا فى ذلك ؛ لكن لم تقف على سنده ، فالله أعلم بحال إسناده ( باب ماجاء من الرخصة فى ذلك ) أى فى استقبال القبلة بغائط أو بول . ٩ - قوله ( حدثنا محمد بن بشار) هو بندار الحافظ ، ثقة (ومحمد بن المثنى) بن عبيد