النص المفهرس

صفحات 201-220

- ٢٠١ -
رحمه الله تعالى من بدء أيامه وأوائل عهده ، دقيق النظر صحيح الرأى صائب
الفكر، غواصاً فى المصمبات والمشكلات ، خواضاً فى الغوامض والخفيات،
لم يُرُ مثله ولم يسمع نظيره ، يخوض فى حقائق الأمور حتى يدرك كنهها،
ويُجيل الفكر فى الدقائق فيقتنص به البدائع واللطائف ، ويسرح النظر فى
ساحة الحكمة فيظفر بالنفائس والرغائب ، ويغوص فى لجة البيان فيستخرج
كبار اللآلىء من البحر العميق . فطالع تواليفه وتأمل فيها كيف وشحها
بالدلائل القوية الواضحة ، وشحنها بالحجج النيرة القاطعة ، جرى فيها جرى
المتبحر لا يتلعثم ولا يتوقف، وأتى فيها بالمباحث الجليلة التى تدهش الآراء
والأفكار، وتحير العقول والأنظار، وتبصر ذوى الألباب والأبصار . عمل
فى علم الرواية عملا لم يبلغ أحد شأوه فى هذه الأعصار ، وهو برهان واضح
على كمال تبحره وبصيرته فى العلوم والفنون ، وسعة اطلاعه على اختلاف
المذاهب، ومأخذ استدلالات القوم وطرقها ، وكفى ذلك فضلا وشرفاً وهو
فى الحقيقة مصداق لهذا القول .
لا يعمل القول المكرر منه والرأى المردد
ظن يصيب به الغيوب إذا توخى أو أحمد
مثل الحسام إذا تأنق والشهاب إذا توقد
كالسيف يقطع وهو مساول ويرهب حين يغمد
وقد بلغ شيخنا رحمه الله تعالى فى تبحر العلوم العقلية والنقلية النهاية وأقصى
الغاية ، وكانت له فيها يد طولى يتعجب الفضلاء منه ، ويخضعون لديه
ويتواضعون له . وقد ألقن العلوم وأحكم الفنون بحيث صارت له الغذاء
الروحانى، لا يمل منها ولا يشبع ، وكان له بالكتب مهارة ومزاولة ، يجيب
عن المسائل بالصواب من غير تأمل ولا روية ، من أى موضع سئل، ومن
١,٠

- ٢٠٢ -
أى كتاب سئل ، يعترف له بذلك كل من اتفق له الكلام معه من الدانى
والثانى ، ويشهد به كل من جالسه من الموافق والمخالف ، وصار لكثرة
مطالعته للكتب وإمرار النظر عليها كرة بعد مرة كأنما أشربت فى قلبه ومُلى
منها وخلطت بدمه ولحمه ، ويحضر الشوارد والأوابد، كما يحضر المشهورات،
وإن أردت أن تقف على مايشهد بما قلنا فلتطالع كتابه ( أبكار المنن) ،
(وتحفة الأحوذي) و(تحقيق الكلام)، وغيرها من مصنفاته القيمة بالتأمل ،
سما المواضع التى هى من مزال الأقدام ومعارك الآراء ، تجده فوق ما وصفنا،
ويطول تعجبك و تندهش من تبحره وتوقده .
وأما تبحره فى العلوم العقلية من المنطق والفلسفة والهندسة والحساب
والهيئة وغيرها وكونه محققاً فيها خبيراً بزواياها وخباياها مطلعاً على مشكلاتها
غير محتاج فى حل عويصاتها إلى تدبر وتفكر، ومطالعة وغور. فهو ظاهر
على كل من استفاد منه من الأصاغر والأكابر وعلى من تمتع بعلومه من
الأفاضل والأماثل ، فإنه رحمه الله كان إذا سئل عن مشكل من مشكلات
العلوم العقلية لا يحتاج إلى التأمل ، بل يجيب على الفور كأن جوابه على طرف
لسانه، ومقوله يحقق المسألة بحيث يقع السائل فى الحيرة ، ولولا ضيق النطاق
لأوردنا على ذلك أمثلة تحير العقول .
الشيخ وعلوم الحديث
كان الشيخ رحمه الله تعالى وحيداً فى جميع العلوم العقلية والنقلية ، متضلعاً
منها وماهراً بها ، ولكن كانت له مزية واختصاص بالحديث وفنونه من
التمييز بين الصحيح والضعيف ، والراجح والمرجوح، والمرفوع والموقوف،
ومعرفة المحفوظ والمعلول ، والمتصل والمنقطع وسائر أنواع الحديث، وبمعرفة
معانى الحديث وفقهه ودقائق الاستباط منه ، بمرتبة لم يكن أحد من معاصريه

- ٢٠٣ -
يقاربه ويدانيه ، وكانت له خبرة تامة بالرجال وجرحهم، وتعديلهم وطبقاتهم،
وحظ وافر وقدرة واسعة فى شرح الحديث وكشف العبارات ، كما لا يخفى على
من طالع مصنفاته العربية ، وتأمل فيها . ومن المواضع التى تحير فى حلها
وكشف معانيها كثير من العلماء وخبطوا خبط عشواء ولم يهتدوا إلى الصواب.
الجملة التى وقعت فى أوائل جامع الترمذى وهى قوله: ((فأقر به الشيخ الثقة
الأمين ) فأوضح الشيخ معناها بحيث يطمئن به القلب ويشفى غليل الصدر ،
ولا يبقى لأحد فيه شبهة ولا اعتراض ، وهو فى غاية الصحة والصواب،
وكذلك هو متفرد فى تحقيقات كثيرة وتدقيقات عديدة ، وكذلك هو يتكلم
فى جميع المواضع المعضلة، والعبارات المغلقة ، بما تستحسنه العارفون ويرتضيه
العاقلون ، ويتعجبون من دقة رأيه وجودة بيانه ، وحسن تقريره ومقاله .
وهذا المعنى موجود فى جميع تصانيفه وكتبه ، وكان إذا تكلم فى شىء من
العلوم الحديثية فى فن منها جرى فيه كأن السكتاب بين عينيه، وهو ينظر فيه
ولا يخفى ذلك على من طالع مؤلفاته ، فلا نطيل الكلام بذكر شواهد ماقلنا .
أسانيده فى الحديث
اعلم أن لشيخنا رحمه الله إسنادان فى الحديث أحببت أن أشير إليها ،
فإن الإسناد من خصائص هذه الأمة، فلا توجد أمة من الأمم على بسيطة الأرض
بهذه المنزلة ، فأهل العلم فى كل زمان بذلوا مساعيهم بل أرواحهم لهذه المزية
. (١) وفضله أظهر من أن يقام عليه دليل وبرهان ، ولذلك
العالية وا .
ترى أصحاب الحديث أنهم شرقوا للأسانيد وغربوا ، وكان قصارى أمانيهم
ومنتهى آمالهم أن يفوزوا بسند عال، فيجب علينا أن نحفظه ونبقيه .
(الإسناد الأول) يروى رحمه الله تعالى عن شيخه وشيخ الكل فى
الكل، السيد محمد نذير حسين ؛ المحدث الدهلوى عن الشيخ المكرم الأروع
(١) هكذا بياض بالأصل.

- ٢٠٤ -
البارع فى الآفاق محمد إسحاق المحدث الدهلوى عن الشيخ الأجل مسند الوقت
الشاه عبد العزيز المحدث الدهلوى ، عن الشيخ الإمام الشاه ولى الله الدهلوى
رحمهم الله تعالى. وأسانيد الشاه عبدالعزيز مذكورة فى رسالته العجالة النافعة.
(الإسناد الثانى) يروى رحمه الله جميع ما حواه إتحاف الأكابر بإسناد
الدفاتر ، للإمام الشوكانى من الكتب الحديثية وغيرها المذكورة بأسانيدها
المتصلة إلى مؤلفيها المذكورة فيه مع بيان كل إسناد إلى مؤلفه عن شيخه وشيخ
العرب والعجم القاضى حسين بن محسن الأنصارى ، عن شيخه الشريف محمد
ابن ناصر الحسنى الحازمى ، والقاضى العلامة أحمد بن الإمام محمد بن على
الشوكانى كلاهما عن الإمام الحافظ الربانى محمد بن على الشوكانى رحمهم
الله تعالى .
انظر صورة ما ما كتبه الشيخ السيد محمد نذير حسين الدهلوى ، وصورة
ما كتبه الشيخ القاضى حسين محسن الأنصارى إجازة له بخطهما الشريف فى
بدء تحفة الأحوذي شرح جامع التر مذى لشيخنا رحمه الله تعالى.
ويروى رحمه الله تعالى الحديث المسلسل بالأولية عن شيخه العلامة محمد(١)
ابن عبد العزيز ، المدعو بشيخ محمد الهاشمى الجعفرى ، عن شيخه مسند الوقت
أبى الفضل عبد الحق المحمدى عن إمام المحدثين القاضى محمد بن على الشوكانى
رحمهم الله تعالى .
انظر باقى السند وصورة ما كتبه الشيخ الهاشمى الجعفرى إجازة له بخطه
الشريف فى الفصل الخامس عشر من الباب الأول من مقدمة تحفة الأحوذي .
(١) أنظر ترجمته فى تراجم علماء حديث هند ١٣.
٠

- ٢٠٥ -
ذكر مؤلفاته القيمة
اشيخنا رحمه الله تصانيف مفيدة ممتعة فى بعض المسائل الاختلافية بين
أرباب المذاهب ، جمعها وألفها للحاجة الدينية والخدمة الإسلامية ذباً عن السنة
النبوية، دفعاً لطعن الجمال وكشفاً عن دسائس المقلدين وإزاحة لتلبيساتهم، وله
تآليف أخرى بديعة حسنة ، حافلة بمباحث نادرة طارت إلى الآفاق ، وسارت
بها الركبان ، ورزقت حسن القبول قد بث فى كل مؤلف .. علوماً ومعارف
وحكماً وحقائق ما ينشط القلوب والأذهان ، ويطرب المسامع والآذان ، أنى
فيها ببدائع وفوائد شريفة وحقائق مضنونة ، ومعارف سامية تطمئن بها النفس
وينشرح بها الصدر. ونحن نذكرها المشتاقين إليها مع الإِشارة إلى مواضعها
على سبيل الإجمال .
(١) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذى - فى أربع مجلدات ضخام -
هى أعز شرح برز على بسيطة الأرض لم تر العيون مثله، أكب عليه
العلماء فى المالك الإسلامية ، قد التزم الشيخ فى شرحه هذا أموراً نشير إليها
على سبيل الإجمال .
الأول : كتب ترجمة كل راو من رواة جامع الترمذى بقدر الضرورة
والحاجة ، وبسط ترجمة بعضهم فى بعض المواضع.
الثانى: خرج الأحاديث التى رواها الترمذى وأوردها فى أبواب جامعه
أعنى ذكر أسماء من وافق الترمذى من المحدثين فى تخريج أحاديثه وإيرادها
فی مؤلفاتهم و کتبهم .
الثالث: بذل غاية جهده فى إيضاح الإشكالات الإسنادية والمتنية وحلها .
الرابع: ذكر فى توضيح الأحاديث وحلها وشرحها ، الأقوال المعتبرة ،

- ٢٠٦ -
والمباحث المعتمدة ، عند فقهاء المحدثين والسلف الصالح، واحترز عن ذكر
الأقوال المحتملة الغير المرضية .
الخامس: خرج الأحاديث التى أشار إليها التر مذى فى كل باب بقوله :
وفى الباب عن فلان وفلان ، وذكر ألفاظها مهما أمكن ، وتكلم فى بعضها
وأظهر ما فيه من الكلام للأئمة النقاد من المحدثين .
السادس: لم يشر الترمذى فى كثير من الأبواب إلى أحاديث أخرى
توافق أصل حدیث الباب خلاف عادته ، فأشار الشيخ إليها بقوله : وفى الباب
عن فلان وفلان وخرجها .
السابع: زاد على ما أشار إليه الترمذى بقوله: وفى الباب ، أعنى أضاف
إلى الأحاديث التى أشار إليها الترمذى بقوله : وفى الباب أحاديث أخرى اطلع
عليها الشيخ بقوله ، وفى الباب عن فلان وفلان أيضاً وخرجها وأظهر مواقعها
من كتب الحديث .
الثامن: لا يذكر الترمذى فى بيان مذاهب العلماء إلا عدة من الفقهاء
وبعضهم ، فيوسع الشيخ فى بيان الاختلاف ويذكر أقوال غير واحد من العلماء
ممن لم يذكرهم الترمذى .
التاسع: الترمذى مشهور بالتساهل فى تحسين الحديث وتصحيحه ،
فيذكر الشيح عقب تحسينه أو تصحيحه تصحيح غير واحد من أهل الحديث
غير الترمذى أو تحسينهم ، ليطمئن القلب وينشرح الصدر .
العاشر : نبه على المواضع التى وقع فيها التساهل والتسامح من الترمذى
فی تحسین الحديث وتصحيحه .
الحادى عشر: يذكر الترمذى فى كثير من المواضع اختلاف أهل العلم
ولا يذكر الراجح من المرجوح، بل يكتفى بذكر الاختلاف ، ففى أمثال هذه
المواضع يظهر الراجح من المرجوح .

- ٢٠٧ -
الثانى عشر: يذكر الترمذى مذاهب الفقهاء وأقوالهم، ويسكت عن دلائل
أكثر هذه الأقوال والمذاهب ، فيذكر الشيخ دلائل هذه المذاهب التىسكت
الترمذى عن بيانهم ، ثم يزيف دلائل الأقوال المرجوحة، ويحقق القول الراجح
المنصور عنده، ويؤيده بالأحاديث والآثار ، ويحتاط غاية الاحتياط
فی ترجيح الأقوال .
الثالث عشر: قد يذكر الترمذى فى بيان مذاهب العلماء لفظ القوم مجملا
فيقول : وقد ذهب قوم من أهل العلم إلى كذا ، فيعينهم الشيخ ويبين من أرادهم.
الترمذى بلفظ القوم .
الرابع عشر: وقع من الترمذى التساهل فى نقل مذاهب العلماء فى بعض
المواضع، فبين الشيخ هذه المواضع ونبه على تساهله إلا فى مواضع قليلة.
الخامس عشر : قد اختبر الشيخ تحسين الترمذى وتصحيحه فى كل مقام
أولا ، وحقق بنفسه من غير أن يعتمد على أقوال أئمة المحدثين فقط ، ثم بعد
التحقيق وافق الترمذى أو خالفه .
إلى غير ذلك من أمور راعاها فى الشرح لا تخفى على من طالعه
من الأفاضل بالإمعان .
(٢) مقدمة تحفة الأحوذي:
وهى بين يديك فلا حاجة إلى التنبيه على ما أودعها من بدائع الفوائد،
وأفكاره الأبكار التى لم تكحل بمثلها الأنظار ، فالعيان أصدق شاهد .
(٣) أبكار المنن فى تنقيد آثار السنن :
اعلم أنه قد ألف الشيخ ظهير أحسن النيموى كتاباً على نهج بلوغ المرام،
سماه: آثار السنن ، جمع فيه أحاديث المسائل الاختلافية بين أرباب المذاهب

1
- ٢٠٨ -
وهن فيه وزيف أحاديث تخالف المذهب الحنفى ، وإن كانت صحيحة ثابتة عند
الأئمة النقاد المتقدمين من أصحاب الحديث، وأجاب عنها، وقوى الأحاديث
التى تؤيد المذهب الحنفى فى زعمه ولو بتأويل بعيد بارد وإن كانت ضعيفة غير
ثابتة ، هذا هو ديدنه فيه. وقد استفاد فى تأليفه كتاب آثار السنن من الشيخ
محمد أنور شاه الكشميرى، ثم الديوبندى، واستعان منه ، فكان يعرض عليه
ما يؤلفه قطعة قطعة حتى كان الشيخ محمد أنور كان مرافقاً فيه . ولما كان فى
صنيع الشيخ القيموى هذا منابذة السنة الصحيحة وإماتتها ، ومخالفة للحق
والصواب ورفعهما، ألف شيخنا أبكار المنن، انتقد فيه آثار السنن ذباً عن
حريم السنة النبوية، ورفعاً لما رامه المستعين الشيخ النيموى، والمستعان منه
الشيخ محمد أنور الكشميرى ، أظهر فيه الحق والصواب ، وأيده بدلائل
لا ترد ولا تدفع .
قال فيه بعد الحمد والصلاة : هذه فوائد علقتها على آثار السنن ، وعلى
تعليقه المسمى بالتعليق الحسن ، وعلى تعليق تعليقه المسمى بتعليق التعليق ، كلها
للمولوى ظهير أحسن النيموى أكثرها اعتراضات عليه ، ومناقشات أو مباحثات
معه، انتهى. وهو كتاب حافل كمل فى ص ٢٦٤، انتقد فيه الجزء الأول من
آثار السنن، يضطر من طالعه إلى الاعتراف بأن شيخنا بحر فى علوم الحديث
ليس له من ساحل ، كأنه ذهبى زمانه فى نقد الرجال، وبخارى أوانه فى معرفة
عِلل الحديث ، وابن تيمية عصره فى الاستبحار وشدة المعارضة والبحث .
(٤) تحقيق الكلام فى وجوب القراءة خلف الإمام :
(بالأردوية) جزءان كبيران. كمل الجزء الأول فى ص ١٠٨ وطبع سنة
١٣٢٠ من الهجرة أفرزه الشيخ بذكر دلائل القائلين بوجوب القراءة خلف .
الإمام ، من الأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة والتابعين ، رضوان الله عليهم

- ٢٠٩-
أجمعين، وهو أول كتاب بالأردية ، جمع فيه مستدلات من ذهب إلى وجوب
القراءة بأجمعها بالبسط والتفصيل ، لا يوجد له نظير .
وتم الجزء الثانى فى ص ٢٢٨ وطبع مرتين: الأولى فى سنة ١٣٣٥ من الهجرة
والثانية فى سنة ١٣٥٥، ذكر فيه جميع دلائل عدم وجوب القراءة خلف
الإمام ، ظفر به بعض العلماء الذيوبندية ، ويعرضه الحنفية مفتخرين به
ومتبجحين ، ثم أجاب عن دليلهم هذا بستة وجوه كلها شافية كافية ، ثم أجاب
عن استدلال الحنفية بقوله تعالى: ((وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا»
بأحد عشر وجهاً ثم ذكر احتجاجهم بقوله عليه السلام: وإذا قرأ فأنصتوا ،
وأجاب عنه بخمسة وجوه .
ثم أجاب عن تمسكهم بقوله عليه الصلاة والسلام. ((من كان له إمام
فقراءة الإمام قراءة له )) بعشرة وجوه. وهكذا عن كل دليل يذكره الحنفية
فى مؤلفاتهم أو فى مناظراته ورسائلهم، ثم ذكر آثار الصحابة والتابعين التى
تذكرها الحنفية لتقوية ما ذهبوا إليه، ثم انتقدها، وأجاب عن جميع هذه
الآثار، ثم أبطل ما ادعاه صاحب الهداية من الإجماع على عدم القراءة خلف
الإمام، ثم أجاب عن دلائلهم العقلية والقياسات الواهية المزخرفة لمنع القراءة
خلف الإمام بأجوبة تحير العقول ، ولا يبقى بعدها شك فى فساد ما ذهب
إليه الحنفية . :
(٥) خير الماعون فى منع الفرار من الطاعون:
(بالأردية) جزءان متوسطان، ذكر فى الجزء الأول الأحاديث والآثار
التى تدل على عدم جواز الفرار والخروج حمن الموضع الذى وقع فيه وباء
الطاعون، وأفرد الجزء الثانى بذكر الأجوبة عن دلائل القائلين بجواز الفرار
ورفع شبهاتهم وأعذارهم .
( ١٤ - مقدمة تحفة الأحوذي ٢ )

- ٢١٠ -
(٦) المقالة الحسنى فى سنية المصافحة باليد اليمنى :
( بالأردية ) جزء متوسط موضوعها ظاهر من اسمها ، وهى عديم النظير
فى هذه المسألة .
(٧) كتاب الجنائز:
( بالأردية) جزء متوسط استوعب فيه أحكام الجنازة ومسائلها .
(٨) نور الأبصار:
(بالأردية ) جزء لطيف أثبت فيه وجوب الجمعة فى القرى ، ورد على من
ينكر وجوبها على أهل القرى رداً حسناً .
(٩) ضياء الأبصار:
( بالأردية ) رسالة لطيفة .
(١٠) تنوير الأبصار بتأييد نور الإبصار:
(بالأردية ) جزء لطيف .
(١١) القول السديد فيما يتعلق بتكبيرات العيد:
رسالة لطيفة (بالأردوية)
هذا ولشيخنا رحمه الله رسائل أخرى خطية فى مسائل أخرى لم تطبع إلى
الآن ، وبعضها لم يتم ، فمنها : الدر المكنون فى تأييد خير الماعون . ومنها:
((الوشاح الإبريزى فى حكم الدواء الإنكليزى)). و((إرشاد الهائم إلى منع
خصاء البهائم)) و((الكلمة الحسنى، فى المصافحة باليد اليميني))، لم تتم. ورسالة فى
رفع اليدين للدعاء بعد الصلوات المكتوبة، لم تتم. ورسالة فى مسائل العشر؛ لم
تم كلها بالأردية . وجمع شيخنا الفتاوى المتفرقة لشيخه العلامة السيد نذير حسين.
المحدث الدحلوى بأمر الشيخ العلامة أبى الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادى ،
٦

- ٢١١ -
وأضاف إليها فتاواه فى بعض المواضع ، ورتبها بشكل تأليف فى مجلدين كبيرين
وكتب هو فتاوى أخرى كثيرة مابين مطول ومتوسط ومختصر يعسر عدها ،
وجمع فى أواخر عمره فتاوى شيخه ألغازيفورى ورتبها على الأبواب الفقهية ،
لم تطبع إلى الآن. وكان رحمه الله ماهراً بالفرائض وعلى المواريث، فكتب
فيها فتاوى لا تعد ولا تحصى، وأنه عزم فى آخر عمره على شرح مبسوط على
موطإ الإمام مالك . وقد سمعت منه غير مرة أنه يريد الرد على الجوهر النقى.
وقد علق فى برنامجه مذكرة ومباحث تتعلق بالرد على صاحب الجوهر النقى ،
غير أنه لم يمهله مجوم الأمراض وقلة الفرص ، حتى اخترمته المنية فدفنت أمنيته
فى حدث الثرى، حال الأجل دون الأمل ؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون .
هديه و شمائله وأخلاقه
لشيخنا رحمه الله مآثر سامية ، وشمائل جليلة ، وخصائل محمودة ، وسجايا
جميلة، قلما يتحلى بها المرء فى هذه القرون الماحلة، وتجتمع فى أحد فى هذه
العصور المجدبة ، غير ما سلف ذكرها من الملكات العلمية . فكان رحمه الله
إماماً فى الزهد ، عرضت عليه الأموال وهو يرد ذلك بتعقف وتعلل وتقلل .
فن زهده أنه وصلت إليه الدعوة من المدرسة الرحمانية بدهلى ، التى هى أكبر
وأشهر مدارس أهل الحديث بساهرة الهند، لشعبة رياسة الأساتذة وصدارتهم ،
براتب خطير وشهرية عظيمة فلم يقبلها. ثم وصلت إليه الدعوة من ملك الحكومة
السعودية ( وسعها الله وأدامها) لتدريس علوم الحديث براتب يليق بجلالة
شأن الشيخ وجلالة ملك الحكومة السعودية ، فلميجب دعوته وقال : يكفينى
ما يحصل لى من الكفاف .
وكان إماماً فى الورع ، إماماً فى السنة ، أوذى فى الله كثيراً فصبر
ولكتابه نصر، ولسنة رسوله عليه الصلاة والسلام انتصر. اتفقت عليه الألسنة

- ٢١٢-
بالصلاح والفلاح ، فإذا ذكر بحضرة من الناس على اختلاف مذاهبهم فى
مجالسهم، قالوا هو رجل من أهل الحديث صالح . كان شديد التواضع لم نر
أحداً من العلماء والمشائخ مثله فى التواضع ، فانتهت إليه الإمامة فيه. يحب
العلماء والطلبة، لا يمل ولا يتضجر من أسئلة ترد عليه من العلماء والطلبة ،
لتحقيق المسائل وحل المشكلات والمستصعبات، بل كان ينبسط بسؤ الهم وتسقدير
جبهته ويتهلل جبينه وتبرق أسارير وجهه إذا سئل عن مسألة دقيقة لطيفة ،
ثم يجيبهم بمسرة وعناية تامة. وكان من دأبه أنه يطرح ويقدم على تلامذته
وأصحابه المسائل العلمية، يختبرهم ويستخرج ما عندهم، ويمرنهم على تحقيق
المسائل، ثم يفيدهم بما كانت تسمح به أفكاره من النكات اللطيفة والفوائد
البدبعة، والشواهد الغزيرة والنظم بين المعقول والمنقول، والجمع بين الفروع
والأصول. وكان ينقضى أوقاته فى المطالعة والتصنيف والتأليف، والتفكر
والتدبر فى كلام الله تعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لاستنباط المعارف
والحقائق، والحكم والنكات وحل المشكلات، وكشف المغلقات ، وفى ذكر
الله، فيكون لسانه رطباً بذكره إذا ترك المطالعة والتصنيف ، لا يشغله عن
ذلك شىء من شئون البيت . وكان حسن السمت والهدى والدل والمجلس ،
ذا وقار وهيبة وسكينة ، مخموم القلب من البغض والإحنة ، نقى الصدر من الغل
والحقد، سليم اللسان من الكذب والغيبة تمويل إذا اغتاب أحد فى مجلسه ظهر
فى وجهه الكراهة، ومنعه من هذه الشنيعة ..
كان لصحبته ومجلسه تأثير عجيب فى قلوب الناس من الرغبة إلى الله ،
والإعراض عن ما سواه. وقد بايعه بيده جمع كثير من العلماء وغيرم فى
مديريات بستى وكوندة وبلرامفور وغيرها . كان أحسن الناس منطقاً وألينهم
كلاماً . وكان فيه لطافة عقل وظرافة طبع، مع مهابة وجلالة ، يتكلم مع الناس
على قدر عقولهم . وكان كثير الصمت دائم الفكرة ، يعظ الناس موعظة بليغة

=
-٢١٣ -
مؤثرة مزعجة، ترق لها القلوب وتذرف منها العيون. كان يتهافت الناس على
وعظه. وكان بكاء يبكى ويبكى الناس، وقافاً عند حدودالله وأوامره ونواهيه
آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر ، منيباً إلى الله مخبتاً له، ذا كراً له فى البؤس
والرخاء صابراً شاكراً معظماً لحرمات الله ، شديد الغضب عند انتهاكها ،
لا يخاف فى الله لومة لائم، ملىء قلبه بالخشية الإلهية . لا يحب من يحب ولا
یبغض من يبغض إلا فى الله . و کان له حب فی صدور الناس وود فى قلوبهم،
وقبول حسن تام لم يحصل لغيره من أهل زمانه. كان كثير الأدب مع السلف
الصالحين ، كثير الاحتياط والتوقى والتأنى فى الإفتاء . ذا تدبر غائر وإمعان
عميق فى المسائل الواردة عليه، وكثيراً ما يعرضها على أصحابه والعلماء الواردين
عليه للزيارة ويباحثهم فيها ، ويغوص ويخوض فى جميع شعبها وغضونها ،
سعى فى خدمة السنن النبوية ، وكشف دسائس جهلة المقلدين، وإزاحة تلبيساتهم
وإحياء السنن التى أمينت، وإماتة البدع التي راجت ولفقت سعياً لا يرام .
كان مذهبه فى العبادات التمسك بالقرآن والسنة والقياس الصحيح من غير
أن يقلد أحداً من الأئمة ، فكان يقف عند السنة الصحيحة ولا يبالى من خالفها
منهم ، وفى الاعتقاد التمسك بكتاب الله عز وجل واتباع نبيه صلى الله عليه
وسلم، ثم ما روى عن الصحابة رضى الله عنهم، ثم ما روى عن التابعين لهم
من علماء المسلمين، وهو الإيمان والتصديق بما وصف الله تعالى به نفسه ، أو
وصفه به رسوله مع ترك البحث . والتسليم لذلك من غير تعطيل ولا تشبيه
ولا تكييف ولا تفسير ولا تأويل ، وإن جميع صفات الله عز وجل مثل
الاستواء على العرش وكونه فى عماء وكونه سميعاً بصيراً متكلماً وغير ذلك
من الصفات المتشابهة ... تمر على ظاهرها كما جاءت ، وصفاته تعالى حقيقة
فى علمه لم يطلع أحداً على معرفة كنهها ، وأنها لا تشبه صفات البرية ، ولا
تدرك حقيقة علمها .

- ٢١٤-
هذا وقد صرح بمختاره فى صفات الله تعالى فى عدة مواضع من شرح
الترمذى . كان شديد التنفر والإنكار على أهل البدع لاسيما المتفر نجين المتنورين
والفرقة النيجرية ، حتى كان يحض الطلبة على الاجتناب عن ملابسهم وآدابهم .
وبالجملة كان رحمه الله إماماً فى الحديث وفى الفقه .. والصلاح والزهد
والورع والتقوى ، والعفاف والقناعة بالكفاف ، والصبر على المكاره،
والتواضع والحلم، والأناة والصدق والأمانة ، وحسن القصد والإخلاص ،
والإنابة إلى الله تعالى وشدة الخوف منه، والتمسك بآثار النبى عليه الصلاة
والسلام قولا وفعلا وعملا واعتقاداً، فى السر والعلانية، وحسن الأخلاق
ونفع الخلق والإحسان إليهم ومواساتهم والاستغناء عنهم ، واختيار الخلوة
والعزلة ، لقد اعترف باجتماع هذه الخصال المحمودة والملكات الفاضلة فيه
كل من جالسه ولازمه أو صحبه ؛ ولقد صدق القائل :
وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم فى واحد
مرضه ووفاته
قد صار شيخنا رحمه الله فى آخر عمره ضريراً ، أذهب الله حبيبتيه
وكريمتيه فصبر واحتب ولم يتضجر ، راجياً لما وعد الله تعالى على لسان نبيه
صلى الله عليه وسلم من الأجر والثواب على ذلك ، وكمل المجلدين الأخيرين
من شرح جامع الترمذى فى حالة الضرارة بمساعدة تلميذيه الشيخ عبيد الله،
والشيخ عبد الصمد المباركفوريين ، فكان يلقى عليهما ما يريد أن يكتب
فى شرح الأحاديث من المباحث السامية والفوائد البديعية الإسنادية والمتنية ،
حتى كمل هذا السفر المبارك فى حياته الميمونة السعيدة .
هذا وقد عرض أهله عليه فى هذه المدة غير مرة أن يذهب إلى دهلى أو
لكنو أو بلدة أخرى حتى يرى عينيه دكتوراً حاذقاً ماهراً فى معالجة العين
١

- ٢١٥-
ومداواة أمراضها ليقدح عينيه إن كان له أمل قوى فى نجاح العمل . وكان
الشيخ يرد مقترحهم ولا يلتفت إلى ما عرضوا عليه، وإن كان ضرارة البصر
بلاء عظيما سيما فى حق من هو مشتغل بالتصنيف والتأليف من أهل العلم ، وهذا
لأنه استأثر على هذه النعمة العاجلة ما وعد الله من الأجر الكامل والثواب
الوافر فى الآخرة. ثم إنه أراد أن يسافر إلى دهلى لطبع المجلد الرابع من شرح
الترمذى فألح أهله عليه أن يرى هناك عينه فى مستشفى يختص بمداواة أمراض
العين وقدحها ، وقد أشار عليه بذلك أصحابه ومعارفه من العلماء أيضاً لما رأوا
أن الضرارة تخل فى التصنيف والتأليف غاية الإخلال، فدخل مستعيناً بالله،
ومتوكلا عليه فى مستشفى كبير مختص بمعالجة العين . وقال الدكتور بعد
الملاحظة والمعاينة ، إن له أملا عظيما فى نجاح العمل ، فقدح فى إحدى عينيه
فى رجب سنة ١٣٥٣ هـ، وبعد زمان يسير عاد بصره إلى ما كان قبل
الضرارة ، ولا نستطيع أن نقدر ما حصل له ولأهله ولمعارفه وغيرهم من الفرح
والسرور على عود بصره .
ثم إنه أخذه مرض ضعف القلب واضطرابه واختلاجه، وغلب عليه
هذا الداء حتى مضى نصف شعبان وأكثر رمضان فى غاية الكرب من أجل
هذا المرض، فكان يغشى عليه غشيات بيأس أهله من حياته ، وأخذته الخى
أيضاً ، وكان كذلك إلى أن حان أجله المحتوم، وغلب القضاء والقدر ، وأحب
لقاء الله، فانتقل إلى الرفيق الأعلى فى وطنه مباركفور فى ثلث الليل الأخير
السادس عشر من شوال سنة ١٣٥٣ من الهجرة ( الثانى والعشرين من يناير
سنة ١٩٣٥) إنا لله وإنا إليه راجعون - اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف
عنه وأ كرم نزله ووسع مدخله ونور ضريحه ، وأفض علیه شآبيب رحمتك
وأدخله الفردوس الأعلى .

-٢١٦ -
وصل نعيه بالتغراف إلى ما يجاوره من القرى والأمصار فورد كثير من
أهلها للصلاة عليه. وقد تنافس فى الصلاة عليه العلماء والكبراء والأغنياء
والفقراء والصلحاء والزهاد ، وبلغنا عن الثقات الأثبات أنه لم ير مثل
الازدحام والاجتماع على جنازته فى مباركفور ، ولم يكن المسلمين فى مباركفور
جمع أكثر منهم على جنازته .
هذا وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين ..
كتبها أبو الفضل عبد السميع المباركفورى عفا الله عنه
يوم الأربعاء للعاشر من جمادى الأخرى
سنة ١٣٥٣ من الهجرة

- ٢١٧ -
كلمة الناشر(١)
بِسِِةِ اللَّهِالَّالعَمُ
الحمد لله الذى جلت ذاته وتقدست أسماؤه وتعالت صفاته وتواترت آلاؤه
وتسلسلت نعماؤه واتصلت بركاته ، والصلاة والسلام على صفوة البرية وخيرة
الخليقة وخاتم النبوة محمد المصطفى وآله المقتبسين من أنواره ما كفى وشفى .
أما بعد : فإن الاشتغال بعلم الحديث بجميع أنواعه ، لما كان من أفضل
الأعمال وأعظمها بركة ، وأولى الأشغال وأكثرها نفعاً، وأسنى المقاصد
وأعلاها مرتبة ، وأهم المطالب وأرفعها درجة ، لم يزل يخدمه العلماء قديماً
وحديثاً ، ويسعون إليه فى كل عصر سعياً حثيثاً، وقد ندب النبى عليه الصلاة
والسلام إلى الأخذ منه والتبليغ عنه ، لكون أحاديثه بياناً لكتاب الله
عز وجل، ومفسراً لمجمله ، وموضحاً لمبهمه، وفاتحاً لمغلقه ؛ فقال صلى الله عليه
وسلم: (( نضر الله امرأ سمع منى حديثاً فأداه كما سمعه، فرب حامل فقه غير فقيه
ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) .
فمن العلماء الذين اشتغلوا بعلم الحديث ، وبذلوا أنفسهم فى نشر السنة
المطهرة وإحيائها ، وسعوا فى نصرة الملة القيمة الحنيفية السمحة وإعانتها،
وأفرغوا مجهوداتهم فى حماية بيضة الإسلام وصونها، إمام العصر ، مسند
الوقت الحدث الكبير عمنا وشيخنا أبو العلى محمد عبد الرحمن المباركفورى ،
تغمده الله بغفرانه ، وأمطر عليه شآبيب رحمته ورضوانه ؛ فقد صنف لجامع
الإمام الهمام أبى عيسى الترمذى شرحاً مبسوطاً فى أربع مجلدات ضخام ، سماه
( تحفة الأحوذي)، وهو أعز شرح ظهر على وجه الأرض ، ما رأت العيون
(١) الكلمة لناشر الطبعة الأولى الهندية غفر الله لنا وله والمسلمين.
( المصحح )

- ٢١٨ -
مثله، قد طار إلى الآفاق فى أيام قليلة، وأكب عليه العلماء فى بلاد الهند
والشام والحجاز واليمن والعراق ومصر وغير ذلك من البلاد الإسلامية ،
وقدم شيخنا على هذا الشرح مقدمة جامعة وجيزة دون الإسهاب وفوق
القصور ، مشتملة على أبحاث سامية تستغنى عن وصفها ، ومحتوية على فوائد
مهمة لم توجد مجتمعة فى غيرها، وحافلة بغرر النقول فى جملة الفصول .
ثم إنه لما فرغ عن إتمام الشرح وسمع مباحث المقدمة وعناوينها ومواضيعها
من بعض تلامذته، لأنه كان ضرير البصر إذ ذاك، رأى أنه قد ترك أشياء
مهمة ينبغى إلحاقها بها ، فأودعها فى مواضع تليق بها من بطون الكتب
والأسفار حتى كاد أن يتم ويكمل هذا الكتاب المبارك على يديه لكن أعجلته
المنية فلحق بالأبرار ، ووصل إلى دار القرار ، وقد بقى فيها بياضات فى عدة
مواضع وعلامات وإشارات على الهامش فى مواضع أخرى تدل على أن الشيخ
كان يريد أن يضع هناك ما يناسب المقام وبقى أيضاً بعض العناوين من غير أن
يكتب عليه شىء مثل الفصل فى دفع شبهات متكرى الحديث ومطاعنهم ،
والجواب عن دلائلهم المموهة المزخرفة.
والفصل فى بيان أن مدار الشريعة على الكتاب والسنة الصحيحة كليهما.
والفصل فى بيان أن قواعد علم أصول الحديث ليست ظنية وتخمينية .
والفصل فى سر قواعد مصطلح الحديث مختصراً ، لكن جف القلم بما
هو كائن فغلب القضاء والقدر واختطفته المنية ووافاه الأجل قبل أن يكملها بيده
الشريفة ، فطارت قلوبنا شعاعاً؛ وصرنا كالحيارى فى الصحارى ؛ لا ندرى
ما نفعل خطورة الأمر وجلالة الخطب. ولم نكن ممن سلك فى هذا الملك
الوعى، وخاض فى لجة هذا البحر ؛ فكنا فى غاية القنوط من جهة تكميلها
وطبعها . وكان أهل العلم فى غاية الاشتياق إليها ، وعيونهم فى شدة الانتظار
لرؤيتها . فبقى الأمر كذلك بضع سنين إذقضى الله سبحانه وتعالى أن يثمر

- ٢١٩-
شجره فالتمسنا من هو من كبار تلامذة الشيخ وخواص أصحابه - أعنى به ۔
الفاضل الجليل التقى الورع الزاهد مولانا عبد الصمد المباركفورى المدرس
بالمدرسة العالية ببلدة مؤ (من مضافات أعظم كده) أن يتمها ويكملها فأحجم
عن هذا الأمر الخطير الصعب المحتاج إلى ملكة باهرة وقوة راسخة ، واطلاع
واسع على كتب القوم من هذا الفن . معتذراً بقصور باعه فى علوم الحديث
وضعف نفسه عن حمل هذا العبء الثقيل ، وعدم الفراغ وضيق الوقت لأجل
شواغل التدريس . فألححنا عليه أن يسرح فيها نظره لأنه كان أهلا لذلك ،
فأسعفنا بمأمولنا فأتم ما أمكن له وأ كمل حسب ما تيسر له ، فى عدة أشهر مع
ما به من شواغل التدريس وشئون المدرسة . ولم يأل جهداً فى تحريرها وتبييضها.
نعم حذف الفصول والعناوين التى أشرنا إليها لما لم يحصل له الظروف التى
تساعده فى تكميلها .
واعلم أن ما زاده لإتمام مبحث أو سد بياض فى الأصل وما ذكره على
الهامش وما زاد من العناوين مع مباحثها فى بعض المواضع جعله بين القوسين
اثلا يدخل كلامه فى كلام الشيخ إلا فى مواضع قليلة جداً حصلت المقدمة
بمساعيه الجميلة كما ترى، فمن الختم عليها أن نشكره على اجتهاده فى تكميل
هذا السفر المبارك وتوفية شأنه وخدمته بإخلاص ونشاط .
ثم نشكر الفاضل البارع المحقق الأستاذ عبيد الله المباركفورى الرحمانى
أحد أساتذة الحديث بمدرسة دار الحديث الرحمانية بدهلى وتلميذ المؤلف .
حيث سرح فيه نظره قبل الطبع فطالع الباب الثانى من المقدمة مستوعباً ومن
الباب الأول مواضع متفرقة فصار مجهودها البالغ وسيلة لطبعها ونشرها بين
الناس. فجزاهما الله أحسن الجزاء والحمد لله على ما اختصنا بهذا الشرف ووفقنا
لهذه الخدمة الدينية العظيمة؛ إنه ولى التوفيق يختص برحمته من بشاء والله
ذو الفضل العظيم .

- ٢٢٠ ٠
اللهم اجعل عملنا خالصاً لوجهك الكريم، واجز شيخنا المؤلف أفضل
ما جازيت عبادك المخلصين . اللهم تقبل كتابه هذا بقبول حسن واجعل
النفع عميما بكتابه هذا وسائر مصنفاته ..
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
أبو الفضل عبد السميع المباركفورى وإخوانه
الخميس سلخ شهر ربيع الأول سنة ١٣٥٩
؛