النص المفهرس

صفحات 461-480

- ٤٦١ -
حدث عنه خلق لا يحصون من أهل الأقاليم ، فإنه من صباه مافتر عن السفر .
منهم: عبد الرحمن بن مهدى ويحيى بن معين وحيان بن موسى وأبو بكر بن أبى
شيبة وأخوه عثمان وأحمد بن منيع وأحمد بن حنبل المروزى والحسن بن عيسى
ابن ماسرجس والحسين بن الحسن المروزى والحسن بن عرفة .
قال ابن مهدى: الأيمه أربعة مالك والثورى وحماد بن زيد وابن المبارك،
وفضله ابن مهدى أيضاً على الثورى . وقال مرة حدثنا ابن المبارك وكان نسيج
وحده . قال أحمد بن حنبل: لم يكن فى زمان ابن المبارك، أطلب العلم منه .
وعن شعيب بن حرب قال: مالقى ابن المبارك مثل نفسه. وقال شعبة : ماقدم
علينا مثل ابن المبارك . وقال أبو إسحاق الفزارى: ابن المبارك إمام المسلمين.
وقال ابن معين: وكان ثقة متثبتاً، وكانت كتبه التى حدث بها نحواً من
عشرين ألف حديث . قال يحيى بن آدم : إِذا طلب الدقيق من المسائل فلم
أجده فى كتب ابن المبارك أيست فيه .
قال عباس بن مصعب : جمع ابن المبارك الحديث والفقه والعربية وأيام
الناس والشجاعة والسخاء ومحبة الفرق له . وقال شعيب بن حرب : لو جهدت
جهدى أن أكون فى السنة ثلاثة أيام مثل ابن المبارك لم أقدر. وقال أبو أسامة:
هو أمير المؤمنين فى الحديث. قال الحسن بن عيسى بن ماسرجس : اجتمع
جماعة من أصحاب ابن المبارك فقالوا : عدوا خصال ابن المبارك ، فقالوا : جمع
العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزهد ، والشجاعة، والسعة ،
والفصاحة، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو ، والفروسية، وترك
الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف على أصحابه .
روى العباس بن مصعب فى تاريخه: عن إبراهيم بن إسحاق، عن ابن
المبارك قال : حملت عن أربعة آلاف شيخ ، فرويت عن ألف منهم . قال
العباس: وقع لى من شيوخه ثمانمائة. نعيم بن حماد : سمعت عبد الله يقول :

- ٤٦٢ -
قال لى أبى: لئن وجدت كتبك حرقتها ، فقلت: وماعلى ، هى فى صدرى .
على ابن الحسن بن شقيق : قمت مع ابن المبارك ليلة باردة ليخرج من المسجد ،
فذا کرنى عند الباب بحديث وذا كرته، فما زال يذكرنى حتى جاء المؤذن
فأذن للفجر . أحمد بن أبى الحوارى قال : جاء رجل من بنى هاشم ليسمع من
ابن المبارك فامتنع ، فقال الهاشمى لغلامه : قم بنا ، فلما أراد الركوب جاء ابن
المبارك ليمسك بركابه ، فقال يا أبا عبد الرحمن ، لا ترى أن تحدثنى وتمسك
بر كابى؟ قال: رأيت أن أذل لك بدنى ولا أذل لك الحديث.
مات ابن المبارك بهيت فى رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة . قال الذهبي :
مناقب هذا السيد جمة فى تاريخ دمشق وفى تاريخ نيسابور وفى الخلية وفى تاريخ
الخطيب انتهى . وقال ابن خلكان: كان قد جمع بين العلم والزهد ، وتفقه
على سفيان الثورى ومالك بن أنس رضى الله عنهما، وروى عنه الموطأ، وكان
كثير الانقطاع محباً للخلوة شديد التورع، وكذلك كان أبوه. ويحكى عن أبيه
أنه كان يعمل فى بستان لمولاه وأقام فيه زماناً، ثم إن مولاه جاءه يوماً وقال:
أريد رماناً حلواً فمضى إلى بعض الشجر وأحضر منها رماناً فكسره فوجده
حامضاً ، فرد عليه وقال: أطلب الحلو فتحضر لى الحامض ، هات حلواً، فمضى
وقطع من شجرة أخرى ، فلما كسره وجده أيضاً حامضاً ، فاشتد حرده عليه،
وفعل ذلك دفعة ثالثة ، فقال له بعد ذلك : أنت ما تعرف الخلو من الحامض ؟
فقال . لا. فقال: كيف ذلك ؟ قال لأنى ماأ كلت منه شيئاً حتى أعرفه، فقال ولم
لم تأكل؟ قال : لأنك ما أذنت لى، فكشف عن ذلك فوجده حقاً، فعظم فى
عينه وزوجه ابنته . ويقال: إن عبد الله رزقه من تلك الابنة فنمت بركة ابنه.
و نقل أبو على الغسانی الجیانی أن عبد الله بن المبارك المذ کور، سئل أيما
أفضل : معاوية بن أبى سفيان، أم عمر بن عبد العزيز ؟ فقال: والله إن الغبار
الذى دخل فى أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أفضل من عمر
:

-٤٦٢-
بألف مرة ، صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمع الله لمن
حمده، فقال معاوية : ربنا ولك الحمد ، فما بعد هذا . قال : وقفت فى كتاب
النصوص على مراتب أهل الخصوص عن أشعث بن شعبة المصيصى قال : قدم
هارون الرشيد الرقة ، فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك ، وتقطعت الفعال
وارتفعت الغبرة ، فأشرفت أم ولد أمير المؤمنين من برج الخشب، فلما رأت
الناس قالت : ما هذا؟ قالوا عالم أهل خراسان قدم الرقة ، يقال له عبد الله بن
المبارك، فقالت: هذا والله الملك ، لاملك هارون الذى لا يجمع الناس إلا بشرط
وأعوان ، انتهى .
ومنهم الأوزاعى: وهو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْدَ أبو عمرو الدمشقى.
قال ابن خلكان: إمام أهل الشام ، لم يكن بالشام أعلم منه . قيل إنه أجاب
فى سبعين ألف مسألة ، وكان يسكن بيروت . روى أن سفيان الثورى بلغه
مقدم الأوزاعى ، خرج حتى لقيه بذى طوى فحل سفيان رأس بعيره من القطار
ووضعه على رقبته، فكان إذا مر بجماعة قال: الطريق للشيخ . سمع من الزهرى
وعطاء، وروى عنه الثورى ، وأخذ عنه عبد الله بن المبارك وجماعة كثيرة .
وكانت ولادته ببعلبك سنة ثمان وثمانين للهجرة . وقيل سنة ثلاث وتسعين ،
ومنشأه بالبقاع ، ثم نقلته إلى بيروت ، وكان فوق الربعة خفيف اللحية به
سمرة ، وكان يخضب بالحناء . وتوفى سنة سبع وخمسين ومائة يوم الأحد لليلتين
بقيتا من صفر . وقيل فى شهر ربيع الأول بمدينة بيروت رحمه الله تعالى ،
وقبره فى قرية على باب بیروت يقال لما حنتوس وأهلها مسلمون ، وهومدفون
فى قبلة المسجد، وأهل القرية لا يعرفون ، بل يقولون ههنا رجل صالح ينزل
عليه النور ، ولا يعرفه إلا الخواص من الناس ، ورثاه بعضهم بقوله :
قبراً تضمن لحده الأوزاعى
جاد الحيا بالشام كل عشية
سقياً له ، من عالم نفاع
قبراً تضمن فيه طود شريعة

- ٤٦٤-
عرضت له الدنيا فأعرض مقدماً عنها بزهد أيما إقلاع
ذكر الحافظ ابن عساكر فى تاريخ دمشق: أن الأوزاعى دخل الحمام
ببيروت، وكان لصاحب الحمام شغل فأغلق الحمام عليه وذهب، ثم جاء ففتح
الباب فوجده ميتاً قد وضع يده اليمين تحت خده وهو مستقبل القبلة . وقيل
إن امرأته فعلت ذلك ولم تكن عامدة لذلك ، فأمرها سعيد بن عبد العزيز
بعتق رقبة . ويحمد: بضم الياء المثناة من تحتها وسكون الجاء المهملة وكسر الميم
وبعدها دال مهملة. والأوزاعى: بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الزاى
وبعد الألف عين مهملة، هذه النسبة إلى أوزاع، وهى بطن من ذى الكلاع
من اليمن . وقيل بطن من همدان ، واسمه مرتد بن زيد. وقيل الأوزاع قرية
بدمشق على طريق باب الفراديس ، ولم يكن أبو عمرو منهم ، وإنما نزل فيهم
فنسب إليهم، وهو من سبى اليمن . وبيروت: بفتح الباء الموحدة وسكون
الياء المثناة من تحتها وضم الراء وسكون الواو وفى آخرها تاء مثناة من فوقها ،
وهى بليدة بساحل الشام أخذها الفرنج من المسلمين يوم الجمعة عاشر ذى الحجة
سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. وحدتوس: بفتح الحاء المهملة وسكون النون
وضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواوثم سين مهملة، انتهى .
وقال الحافظ: فقال أبو زرعة الدمشقى كان اسم الأوزاعى عبد العزيز فسمى
نفسه عبد الرحمن، وكان أصله من سبى السند، وكان ينزل الأوزاع فغلب
ذلك عليه وإليه فتوى الفقه لأهل الشام لفضله فيهم وكثرة روايته ، وبلغ
سبعين سنة، وكان فصيحاً ورسائله تؤثر . وقال عمرو بن على عن ابن مهدى:
الأمة فى الحديث أربعة : الأوزاعى ، ومالك ، والنورى ، وحماد بنزيد. وقال
أبو عبيد عن ابن مهدى : ما كان بالشام أعلم بالسنة منه . وقال عثمان الدارمى
عن ابن معين: ثقة، ما أقل ماروى عن الزهرى . وقال أبو حاتم: إِمام متبع لما
سمع . وقال أبو مسهر عن حقل بن زياد : أجاب الأوزاعى فى سبعين ألف.

- ٠٠٤٦٥
ومنهم: عبد الرحمن بن مهدى حسان بن عبد الرحمن العنبرى ، وقيل
الأزدى، مولاهم أبو سعيد البصرى اللؤلؤى الحافظ الإمام العلم .
قال الذهبي: مولده سنة خمس وثلاثين ومائة ، سمع أيمن ابن نابل وهشاماً
الدستوائى ومعاوية بن صالح وأبا خلدة وشعبة وسفيان وأمما ، حدث عنه ابن
المبارك وأحمد وإسحاق وابن المدينى وبندار وعبد الرحمن بن رسته ومحمد بن
يحيي وعبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثى وخلق سواهم . قال أحمد بن
حنبل: هو أفقه من يحيى القطان، وهو أثبت من وكيع، لأنه أقرب عهداً
بالكتاب ، اختلفا فى نحو من خمسين حديثاً للنورى ، فنظرنا فإذا عامة
الصواب مع عبد الرحمن . وقال أيوب بن المتوكل: كنا إذا أردنا أن ننظر
إلی الدین والدنیا ، ذهبنا إلى دار عبد الرحمن بن مهدی . قال محمد بن أبى
بكر المقدمى : ما رأيت أحداً أتقن لما سمع ولما لم يسمع ولحديث الناس من
عبد الرحمن بن مهدى ، إمام ثبت أثبت من يحيى بن سعيد وكان عرض حديثه
على سفيان. قال القواريرى: أملى علىّ ابن مهدى عشرين ألف حديث حفظاً.
وقال إبراهيم بن زياد سبلان ، قال لى ابن مهدى: لو كان لى سلطان لألقيت
من يقول إن القرآن مخلوق فى دجلة بعد أن أضرب عنقه .
قال أحمد بن حنبل: عبد الرحمن أكثر حديثاً من يحيى القطان . قال
نعيم بن حماد: قلت لابن مهدى كيف تعرف الكذاب قال: كما يعرف الطبيب
المجنون . وكان عبد الرحمن فقيهاً بصيراً بالفتوى، عظيم الشأن . قال أحمد بن
سنان: كان عبد الرحمن لا يتحدث فى مجلسه، ولا يبرى فلما ولا يقوم ، كأنما
على رؤوسهم الطير أو كأنهم فى صلاة . قال ابن المدينى: لو حلفت بين الركن
والمقام ، لحلفت أنى لم أر مثل عبد الرحمن بن مهدى، وكان يقول : علم الناس
بقول الفقهاء السبعة : الزهرى ، ثم بعده مالك ثم بعده ابن مهدى وكان ورده
كل ليلة نصف القرآن. وقال الذهلى : ما رأيت فى يد عبد الرحمن بن مهدى
( - ٣٠ مقدمة تحفة الأحوذي - ١ )

- ٤٦٦-
كتاباً قط . قال ابن نمير سمعت ابن مهدى يقول: معرفة الحديث إلهام. مات
فى جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائة انتهى.
وقال الحافظ ، قال على بن المدينى: إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبدالرحمن
ابن مهدى على ترك رجل ، لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن
لأنه أقصدها . وكان فى يحيى تشدد . وقال على بن نصر ، عن على بن المدينى :
كان يحيى بن سعيد أعلم الرجال، وكان عبد الرحمن أعلم بالحديث، وما شبهت
علم عبد الرحمن بالحديث إلا بالسحر . قال وذكره بن حبان فى الثقات وقال :
كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع فى الدين ، ممن حفظ وجمع ، وتفقه
وصنف، وحدث، وأبى الرواية إلا عن الثقات. وقال الشافعى : لا أعرف
له نظيراً فی الدنیا انتهى .
ومنهم : أبو زرعة الرازى عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ
القرشى مولاهم ، سمع أبانعيم وقبيصة وخلاد بن يحي ومسلم بن إبراهيم والقعنبى
ومحمد بن سابق ، وطبقتهم بالحرمين والعراق والشام والجزيرة وخراسان ومصر
وكان من أفراد الدهر ، حفظً وذكاء، وديناً وإخلاصاً ، وعلماً وعملا. حدث
عنه من شيوخه حرملة وأبو حفص الفلاس وجماعة ، ومسلم وابن خالته الحافظ
أبو حاتم والترمذى وابن ماجه والنسائى وابن أبى داود وأبو عوانة وسعيد
ابن عمرو البرذعى وابن أبى حاتم ومحمد بن الحسين القطان وآخرون . وفى
السابق واللاحق رواية إبراهيم بن أورمة الحافظ عن الفلاس عن أبى زرعة الرازى.
قال البخارى : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: نزل أبو زرعة
عندنا فقال لى أبى: يابنى قد اعتضت عن نوافلى بمذاكرة هذا الشيخ. قال
صالح بن محمد سمعت أبا زرعة يقول كتبت عن ابن أبى شيبة مائة ألف حديث .
وعن إبراهيم بن موسى الرازى: مائة ألف، قلت: تقدر أن تملى علىّ ألف
حديث من حفظك ؟ قال لا، ولكنى إذا ألقى علىّ عرفت . وعن أبى زرعة :

- ٤٦٧ -
أن رجلا استفتاه أن حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث، فقال: تمك
بامرأتك ابن عقدة. أخبرنا مطين عن أبى بكر بن أبى شيبة قال : مارأيت
أحفظ من أبى زرعة . وعن الصنعانى : أبو زرعة عندنا يشبه بأحمد بن حنبل
وقال على بن الجنيد: مارأيت أعلم من أبى زرعة . وقال أبو يعلى الموصلى :
كان أبو زرعة مشاهدته أكبر من اسمه ، يحفظ الأبواب والشيوخ والتفسير.
وقال صالح جزرة: سمعت أبا زرعة يقول: أحفظ فى القراءات عشرة آلاف
حديث . وقال يونس بن عبد الأعلى: مارأيت أكثر تواضعاً من أبى زرعة .
وقال عبد الواحد لابن غياث : ما رأى أبو زرعة مثل نفسه .
وقال أبو حاتم: ما خلف أبو زرعة بعده مثله، ولا أعلم من كان يفهم
هذا الشأن مثله، وقل من رأيت فى زهده، كذا فى التذكرة . وقال الحافظ،
قال النسائى: ثقة. وقال أبو حاتم: إِمام. وقال الخطيب: كان إماماً ربانياً
حافظً مكثراً صادقاً . قال عبد الله بن أحمد : لما قدم أبو زرعة نزل عند أبى ،
وكان كثير المذاكرة له ، فسمعت أبى يقول يوماً : ماصليت غير الفرض،
استأثرت بمذاكرة أبى زرعة. وقال عبد الله بن أحمد سمعته يقول: ماجازنى
الجسر أَفقه من إسحاق ، ولا أحفظ من أبى زرعة. وقال ابن وارة : سمعت
إسحاق بن راهويه يقول: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة ليس له أصل . وقال
أبو جعفر التسترى سمعت أبا زرعة يقول: ماسمعت أذنى شيئاً من العلم إلا وعاه
قلبى ، وإن كنت لأمشى فى سوق بغداد فأسمع من الغرف صوت المغنيات
فأضع أصبحى فى أذنى مخافة أن يعيه قلبى .
وقال أبو حاتم : حدثنى أبو زرعة وما خلف بعده مثله علماً وفقهاً وفهما
وصيانة وصدقاً ، ولا أعلم فى المشرق والمغرب من كان يفهم هذا الشأن مثله .
وروى البيهقى عن ابن وارة قال: كنا عند إسحاق بنيسابور ، فقال رجل :
سمعت أحمد يقول: صح من الحديث سبعمائة ألف حديث وكسر، وهذا الفتى

١ -٤٦٨ -
- يعنى أبا زرعة - قد حفظ ستمائة ألف حديث. قال البيهقى وإنما أراد ماصح
من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأقاويل الصحابة ، وفتاوى
من أخذ عنهم من التابعين . وقال محمد بن جعفر بن حمكويه ، قال أبو زرعة:
أحفظ مائة ألف حديث كما يحفظ الإنسان قل هو الله أحد. وقال أبو جعفر
الذسترى، سمعت أبازرعة يقول: إن فى بيتى ما كتبته ولم أطالعه منذ كتبته ،
وإنى أعلم فى أى كتاب هو، فى أى ورقة هو، فى أى صفح هو ، فى أى
سطر هو .
وقال عبد الرحمن بن أبى حاتم : حضر عند أبى زرعة محمد بن مسلم -
يعنى ابن وارة والفضل بن العباس المعروف بفضلك - جرى بينهم مذاكرة،
فذكر محمد بن مسلم حديثاً ، فأنكر فضلك الصائغ، فقال : يا أبا عبد الله
ليس هكذا هو . فقال: كيف هو ؟ فذكر رواية أخرى فقال محمد بن مسلم لأبى
زرعة : إيش تقول ؟ فسكت فألح فقال: هاتوا أبا القاسم ابن أخى، فدعى به
فقال : اذهب فأدخل بيت الكتب ، فدع القمطر الأول والثانى والثالث وعد
ستة عشر جزءاً وأثنى بالجزء السابع عشر ، فذهب فجاء بالدفتر ، فتصفح أبو
زرعة وأخرج الحديث ، فدفعه إلى محمد بن مسلم فقر أه، وقال : نعم غلطنا .
قال أبو سعيد بن يونس : مات بالرى آخر يوم من ذى الحجة سنة أربع
وستين ومائتين . وقال ابن المنادى: كان مولده سنة مثتين انتهى .
ومنهم عطاء بن أبي رباح : مفتى أهل مكة ومحدثهم ، القدوة العلم أبو
محمد بن أسلم القرشى، مولاهم المكى الأسود . قال ابن خلكان : كان من
أجلاء الفقهاء وتابعى مكة وزهادها، سمع جابر بن عبد الله الأنصارى وعبد
الله ابن عباس وعبد الله بن الزبير وخلقاً كثيراً من الصحابة رضوان الله عليهم.
وروى عنه عمرو بن دينار والزهرى وقتادة ومالك بن دينار والأعمش
والأوزاعى وخلق كثير رحمهم الله تعالى ، وإليه وإلى مجاهد انتهت فتوى مكة

- ٤٦٩-
فى زمانهما . وقال قتادة: أعلم الناس بالمناسك عطاء. وقال إبراهيم بن كيسان
أذكرهم فى زمان بنى أمية يأمرون فى الحج صائحاً يصيح لا يفتى الناس إلا عطاء
ابن أبى رباح ، وإياه عنى الشاعر بقوله :
سل المفتى المكى هل فى تزاور وضمة مشتاق الفؤاد جناح
فقال معاذ الله أن يذهب التقى تلاصق أكباد بهن جراح
فلما بلغه البيتان قال : والله ما قلت شيئاً من هذا ، كان أسود أعور
أفطس أشل أعرج ، ثم عى ، مغلل الشعر. قال سليمان بن رفيع دخلت المسجد
الحرام والناس مجتمعون على رجل، فاطلعت فإذا عطاء بن أبى رباح جالس
كأنه غراب أسود. وحكى وكيع قال : قال لى أبو حنيفة النعمان بن ثابت :
أخطأت فى خمسة أبواب من المناسك بمكة ، فعلمنيها حجام ، وذلك أنى أردت
أن أحلق رأسى، قال لى: أعرابى أنت ؟ قلت: نعم، وكنت قد قلت له بكم
تحلق رأسى . فقال: النسك لا يشارط فيه اجلس، جلست منحرفاً عن القبلة،
فأومأ إلىّ باستقبال القبلة، وأردت أن أحلق رأسى من الجانب الأيسر ، فقال
أدر شقك الأيمن من رأسك ، فأدرته ، وجعل يحلق رأسى وأناساكت ، فقال
لى: كبر، فجعلت أكبر حتى قمت لأذهب ، فقال: أين تريد ؟ قلت : رحلى ،
فقال صلى ركعتين ثم أمض ، فقلت ما ينبغى أن يكون هذا من مثل هذا الحجام
إلا ومعه على، فقلت : من أين لك ما رأيتك أمرتنى به ؟ فقال: رأيت عطاء
ابن أبى رباح يفعل هذا. توفى سنة خمس عشرة ومائة . وقيل أربع عشرة
ومائة ، وعمره ثمان وثمانون سنة رضى الله عنه انتهى .
وقال الذهبي : ولد فى خلافة عثمان، وقيل فى خلافة عمر ، وهو أشبه ،
سمع عائشة وأبا هريرة وابن عباس وأبا سعيد وأم سلمة وطائفة: وعنه أيوب
وحسين المعلم وابن جريج وابن إسحاق والأوزاعى وأبو حنيفة وهام بن يحيى

- ٤٧٠ -
وجرير بن حازم وخلق كثير . قال : مناقب عطاء فى العلم والزهد والتأله
كثيرة ، انتهى .
وقال الحافظ ، قال خالد بن أبى نوف عن عطاء: أدركت مائتين من
الصحابة. وعن ابن عباس أنه كان يقول: تجتمعون إلىّ يا أهل مكة وعندكم
عطاء؟ وكذا روى عن ابن عمر. وقال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يطيل
الصمت ، فإذا تكلم يخيل إلينا أنه يؤيد . وقال عبد الحميد الحمانى ، عن أبى
حنيفة: مارأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء ، ولا لقيب فيمن لقيت أكذب
من جابر الجعفى . وقال الديباج: ما رأيت مفتياً خيراً من عطاء . وقال
الأوزاعى: مات عطاء يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس . وقال
يحيى بن سعيد عن ابن جريج: كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة، وكان
من أحسن الناس صلاة . وقال عبد العزيز بن رفيع: سئل عطاء عن مسألة
فقال لا أدرى ، فقيل له: ألا تقول فيها برأيك قال؟ إنى أستحيى من الله أن
يدان فى الأرض برایی ؛ انتهى .
ومنهم ابن المدينى : قال الذهبي : على بن المدينى حافظ العصر ، وقدوة
أرباب هذا الشأن ، أبو الحسن على بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدى ،
مولاهم المدينى ثم البصرى ، صاحب التصانيف ، ولد سنة إحدى وستين ومائة ،
سمع أباه وحماد بن زيد وهشيما وابن عيينة وطبقتهم ، وعنه الذهلى والبخارى
وأبو داود وإسماعيل القاضى وأبو يعلى والبغوى وأمم .
قال أبو حاتم : كان ابن المدينى علماً فى الناس ، فى معرفة الحديث والعلل ،
وما سمعت أحمد بن حنبل سماه قط ، إنما كان يكنيه تبجيلا له . وعن ابن عيينة
قال: يلوموننى على حب على بن المدينى، والله لما أتعلم منه أكثر مما يتعلم منى.
وقال أحمد بن سيار: كان ابن عيينة يسمى علياً حية الواى. قال روح بن
عبد المؤمن ، سمعت عبد الرحمن مهدى يقول : على بن المدينى أعلم الناس بحديث

- ٤٧١ -
رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال القواريرى، سمعت يحيى القطان يقول :
أنا أتعلم من على أكثر مما يتعلم منى. قال النسائى: كأن على بن المدينى خلق
لهذا الشأن. وقال إبراهيم بن معقل: سمعت البخارى يقول: ما استصغرت
نفسى عند أحد إلا عند على بن المدينى . وقال أبو داود : ابن المدينى أعلم
من أخمد باختلاف الحديث ، انتهى.
ومنهم: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم: الإمام أمير المؤمنين
أبو حفص الأموى القرشى ، مولده بالمدينة زمن يزيد ، ونشأ فى مصر فى
ولاية أبيه عليها، وحدث عن عبد الله بن جعفر وأنس بن مالك وأبى بكر
ابن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وطائفة ،
وكان إماماً فقيها مجتهداً، عارفاً بالسنن كبير الشأن ، ثبتاً حجة حافظًاً فانتاً لله
أواها منيبًا . حدث عند ابناه عبد الله وعبد العزيز والزهرى وأيوب وحميد
وإبراهيم بن أبى عبلة وأبو بكر بن حزم وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وها من
شيوخه. وأمه هى أم عاصم بنت عمر بن الخطاب ، وكان مليحاً أبيض جميل
الشكل حسن اللحية ، بجبهته أثر حافر فرس شجه فى صغره، ولذا كان يقال
له أشج بنى أمية. وفى آخرأيامه وخطه الشيب. عاش أربعين سنة، وبعدله
وزهده يضرب المثل رضى الله .
قال الشافعى الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر وعثمان وعلى وعمر بن عبد العزيز.
وقد ولى أولا إمرة المدينة فى خلافة الوليد ، وبنى المسجد وزخرفه، وكان إذ ذاك
لا يذكر بكثير عدل ولا زهد ، ولكن تجدد له لما استخلف وقلبه الله فصار بعد
فى حسن السيرة والقيام بالقسط ، مع جده لأمه عمر. وفى الزهد مع الحسن
البصرى ، وفى العلم مع الزهرى، ولكن موته قرب من موت شيوخة فهم
ينتشر علمه. عن أبى جعفر الباقر قال: إن نجيب بنى أمية عمر بن عبد العزيز
إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده . وقال مجاهد : أتيناه لتعلمه فما برحنا حتى

٠- ٤٧٢ -
تعلمنا منه . وقال ميمون بن مهران: ما كانت العلماء عند عمر بن عبد العزيز
إلا تلامذة . وقال غيره : استخلف عمر بن عبد العزيز فانقشع عنه الشعراء
والخطباء، وثبت معه الزهاد والعلماء وقالوا: ما وسعنا فراقه حتى يخالف فعله
قوله ، ذكره الذهبي .
وقال الحافظ فى تهذيب التهذيب فى ترجمته : روى عن أنس والسائب
ابن يزيد وعبد الله بن جعفر ويوسف بن عبد الله بن سلام وخولة بنت حكيم
مرسل ، وعقبة بن عامر الجهنى يقال مرسل ، واستوهب من سهل بن سعد
قدحاً شرب منه النبى صلى الله عليه وآله وسلم. وروى أيضاً عن عبد الله بن
إبراهيم بن قارظ ويقال إبراهيم بن عبد الله بن قارظ والربيع بن سبرة الجهنى
وعروة بن الزبير وأبى سلمة بن عبد الرحمن وأبى بكر بن الحارث بن هشام
وعدة ، وعنه أبو سلمة بن عبد الرحمن وهو من شيوخة ، وابناه عبد الله
وعبد العزيز ابنا عمر بن عبد العزيز ، وأخوه زبان بن عبد العزيز وابن عمه
مسلمة بن عبد الملك بن مروان وأبو بكر محمد بن عمرو بن حزم والزهرى
وعنبسة بن سعيد بن العاص وتمام بن نجيح وتوبة العنبرى وعمرو بن عبد
مهاجر وغيلان بن أنس وليث بن أبى رقية الثقفی کاتبه ، ومحمد بن قيس
قاصه والنضر بن عربى ونعيم بن عبد الله القينى وهلال أبو طعمة مولى عمر
ابن عبد العزيز ويعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس ومحمد بن الزبير
الحنظلى وأيوب السختيانى وإبراهيم بن أبى عبلة وعبد الملك ابن الطفيل
الجزرى فيما كتب إليه، وآخرون .
قال ابن سعد قالوا: ولد سنة ٦٣ ، وكان ثقة مأمونً له فقه وعلم وورع ،
وروى حديثاً كثيراً ، وكان إمام عدل . وقال عمرو بن على ، سمعت عبد الله بن
داود يقول: ولد مقتل الحسين سنة (٦١). وذكر سعيد بن عفير أنه كان أسمر
دقيق الوجه نحيف الجسم حسن اللحية ، بجبهته أثر نفخة دابة، قد وخطه الشيب .

- ٤٧٣-
وقال مالك بن أنس : كان سعيد بن المسيب لا يأتى أحداً من الأمراء غيره .
وقال نوح بن قيس ، سمعت أيوب يقول : لا نعلم أحداً ممن أدر كنا كان أخذ
عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم منه، وقال أنس : ما رأيت أحداً أشبه صلاة
برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى. وقال سعيد بن عامر الضبعى ،
عن ابن عون : لما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة قام على المنبر فقال : يا أيها
الناس إن كرهتمونى لم أقم عليكم؟ فقالوا : رضينا رضينا. فقال ابن عون:
الآن حين طاب الأمر . وقال يحيى بن حمزة: حدثنا سليمان بن داود أنَّ عبدة
ابن أبى لبابة بعث معه بدراهم يفرقها فى فقراء الأمصار ، قال فأتيت ابن
الماجشون فسألته فقال: ما أعلم أن فيهم اليوم محتاجاً أغناهم عمر بن عبد العزيز.
وقال جعفر بن سليمان، عن هشام بن حسان : لما جاء نى عمر بن عبد العزيز
قال الحسن : مات خير الناس ، انتهى . وقال الذهبي : سيرته تحتمل مجلداً ،
ومات بدير سمعان وقبره هناك يزار ، ومات فى رجب سنة إحدى ومائة، وله
أربعون سنة سوی ستة أشهر رحمه الله .
ومنهم ابن سيرين: وهو الإمام الربانى محمد بن سيرين ، مولى أنس بن
مالك، وأصل سيرين من جرجرايا ، قال أنس بن سيرين: ولد أخى لسنتين
بقيتا من خلافة عثمان، وولدت بعده بسنة . سمع محمد أبا هريرة وعمران بن
حصين وابن عباس وابن عمر وطائفة ، وعنه أيوب وابن عون وقرة بن خالد
وأبو هلال محمد بن سليم وعوف وهشام بن حسان وبونس ومهدى بن ميمون
وجرير بن حازم وخلق كثير . وكان فقيها إماماً غزير العلم ، ثقة ثبتاً ، علامة
فى التعبير ، ورأساً فى الورع، وأمه صفية مولاة لأبى بكر الصديق . قال مورق
العجلى : مارأيت أحداً أفقه فى ورعه ، ولا أورع فى فقهه ، من ابن سيرين .
وقال أبو قلابة : من يطيق مثل ما يطيق محمد ، يركب مثل حد السنان .
قال شعيب بن الحبحاب ، قال لى الشعبى: عليك بذاك الأصم، يعنى ابن

- ٤٧٤ -
سيرين . وقال ابن عون: لم ترعيناى مثل ابن سيرين والقاسم ورجاء بن
حيوة. وقال أبو عوانةٌ رأيت ابن سيرين، فما رآه أحد إلا ذكر الله تعالى.
وذكر الثورى عن زهير الأقطع قال : كان ابن سيرين إذا ذكر الموت ،
مات كل عضو منه. وقال يونس: كان ابن سيرين صاحب ضحك ومزاح . توفى
بعد محمد بن الحسن بمائة يوم فى شوال سنة عشر ومائة ، وهو أثبت من الحسن ،
كذا فى التذكرة. وقال الحافظ فى تهذيب التهذيب، قال الأنصارى عن ابن
عون: كان ابن سيرين يحدث بالحديث على حروفه. وقال ابن سعد: سألت
محمد بن عبد الله الأنصارى عن السبب الذى حبس محمد لأجله ، فقال : كان
اشترى طعاماً بأربعين ألفاً، فأخبر عن أصله بشىء كرهه، فتصدق به، وبقى
المال عليه، خميس، حبسته امرأة انتهى. وقال ابن خلكان: كان محمد
المذكور صاحب الحسن البصرى، ثم تهاجرا فى آخر الأمر ، فلما مات الحسن
لم يشهد ابن سيرين جنازته ، وكان بزازاً، وحبس بدين كان عليه .
ومنهم ابن أبى ليلى: وهو الإمام العلم مفتى الكوفة وقاضيها ، أبو عبد
الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، الفقيه المقرئ*، حدث عن الشعبى
وعطاء والحكم ونافع وعمرو بن مرة وطائفة ، وكان أبوه من كبار التابعين
فلم يدرك الأخذ عنه ، حدث عنه شعبه والسفيانان وزائدة ووكيع والحربنى
وأبو نعيم وخلائق . قال أحمد بن يونس : كان ابن أبى ليلى أفقه أهل الدنيا .
وقال العجلى : كان فقيها صدوقاً صاحب سنة جائز الحديث ، قارئاً عالماً
بالقرآن ، قرأ عليه حمزة . وقال أبو زرعة: ليس هو بأقوى ما يكون. وقال
أحمد: مضطرب الحديث. قال الذهبي : حديثه فى وزن الحسن ولا يرتقى إلى
الصحة لأنه ليس بالمتقن عندهم ، ومناقبه كثيرة . مات فى شهر رمضان سنة
ثمان وأربعين ومائة .
وقال أبو حفص الأبار عنه : قال دخلت على عطاء فجعل يسألنى، وكأن

- ٤٧٥-
أصحابه أنكروا ذلك، فقال: وما تفكرون؟ هو أعلم منى، انتهى . وقال
ابن خلكان: كان محمد المذكور من أصحاب الرأى ، وتولى القضاء بالكوفة ،
وأقام حا كماً ثلاثاً وثلاثين سنة ، ولى لبنى أمية ثم لبنى العباس ، وكان فقيهاً
مفتياً . وقال لا أعقل من شأن أبى شيئاً ، غير أنى أعرف أنه كانت له امرأتان
وكان له حبان أخضران ، فينبذ عند هذه يوماً ، وعند هذه يوماً . وتفقه محمد
بالشعبى ، وأخذ عنه سفيان الثورى . وقال الثورى : فقهاؤنا ابنأبى ليلى وابن
شبرمة، وكانت بينه وبين أبى حنيفة وحشة يسيرة ، وكان يجلس للحكم فى
مسجد الكوفة، انتهى. وقال الحافظ فى الفتح ص ٩٥٣ ج ٢٩: اتفقوا
على ضعف حديثه من قبل سوء حفظه . وقال الساجى: كان يمدح فی قضائه ،
فأما فى الحديث فليس بحجة . وقال أحمد : فقه ابن أبى ليلى أحب إلى من
حديثه ، وحديثه فى السنن الأربعة، انتهى .
ومنهم. مجاهد بن جبر، يأتى ترجمته فى تراجم الأئمة المفسرين .
ومنهم: الزهرى وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب
ابن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشى ، أبو بكر الحافظ المدنى ،
أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام . ولد سنة خمسين وحدث عن ابن عمر
وسهل بن سعد وأفس ن مالك ومحمود بن الربيع وسعيد بن المسيب وأبى أمامة
ابن سهل، وطبقتهم من صغار الصحابة وكبار التابعين . وعن عقيل ويونس
والزبيدى وصالح بن كيسان ومعمر وشعيب بن أبى جمرة والأوزاعى والليث
ومالك وابن أبى ذئب وعمرو بن الحارث وإبراهيم بن سعد وسفيان بن عيينة
وأمم سواهم. قال أبو داود . حديثه ألفان ومائتان النصف فيها مسند . وقال
معمر : سمع الزهرى من ابن عمر حديثين : قال الزهرى: جالست ابن المسيب
ثمان سنين. قال أبو الزناد : كنا نطوف مع الزهرى على العلماء ومعه الألواح
والصحف يكتب كلما سمع.
٠

- ٤٧٦-
روى أبو صالح عن الليث قال: مارأيت عالماً قط أجمع من الزهرى
يحدث فى الترغيب فنقول: لا يحسن إلاهذا، وإن حدث عن العرب والأنساب
قلت : لا يحسن إلا هذا ، وإن حدث عن القرآن والسنة فكذلك . روى
إسحاق المسيبى عن نافع : أنه عرض القرآن على الزهرى . قال الليث ،
قال الزهرى : ما صبر أحد على العلم صبرى ، ولا نشره أحد نشرى . قال
عمر بن عبد العزيز: لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية من الزهرى . روى الليث
عنه قال: ما استودعت قلبى علماً فنسيته. قال مالك : بقى ابن شهاب وماله
فى الدنيا نظير. قال أيوب السختيانى: مارأيت أعلم منه. وقال عمرو بن
دينار : مارأيت الدينار والدرهم عند أحد أهون منه عند الزهرى ، كأنها
بمنزلة البعر . قال الليث : كان من أسخى الناس ، وقال غيره : كان الزهرى :
جندياً جليلا، وكان يخضب بحناء وكتم . قال سعيد بن عبد العزيز : أدى
هشام عن الزهرى سبعة آلاف دينار ديناً، وكان يؤدب ولده ويجالسه ، ومن
حفظ الزهرى أنه حفظ القرآن فى ثمانين ليلة ، روى ذلك عنه ابن أخيه محمد
ابن عبد الله .
وعن الزهرى قال: ما استعدت عالماً قط . عقيل عن ابن شهاب قال :
من سبة الصلاة أن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم فاتحة الكتاب، ثم
بسم الله الرحمن الرحيم، ثم سورة، وكان يقول: أول من قرأ بسم الله الرحمن
الرحيم سراً بالمدينة عمرو بن سعيد بن العاص . وقال الليث : كان ابن شهاب
يكثر شرب العسل ولا يأ كل التفاح . قال ابن المدينى: دار على الثقات على
الزهرى ، وعمرو بن ديكار بالحجاز ، وقتادة ويحيى بن أبى كثير بالبصرة ،
وأبى إسحاق والأعمش بالكوفة ؛ يعنى أن غالب الأحاديث الصحاح لا
يخرج عن هؤلاء الستة . قال محمد بن العزيز، قلت للوليد بن محمد الموقرى :
صف لى الزهرى ، قال: كان قصيراً أعمش ، له جمة وفصاحة ، قلت له يوماً:

- ٤٧٧-
يا أبا بكر لا أعرف لك عيباً إلا الدين ، قال: وما علىّ من الدَّين ، علىّ أربعون
ألف دينار ولى أربعة أعين ، كل عين خير من أربعين ألف دينار ، ولا
يرثنى إلا ابن ابن، ووددت ألا يرثنى أحد. عن إسماعيل المكى عن الزهرى
قال: من سره أن يحفظ الحديث فليا كل الزبيب . توفى فى رمضان سنة أربع
وعشرين ومائة .
ومنهم مكحول الشامى : وهو أبو عبد الله بن أبى مسلم الهذلى ، الفقيه
الحافظ ، مولى امرأة من هذيل، وأصله من كابل ، وقيل هو من أولاد
کسری ، وداره بدمشق بطرف سوق الأحد ، يرسل کثیراً ، ویدلس عن
أبي بن كعب وعبادة بن الصامت وعائشة والكبار. وروى عن أبى أمامة
الباهلى وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك ومحمود بن الربيع وعبد الرحمن بن
غنم وأبى إدريس الخولانى وأبى سلام ممطور وخلق . وعنه أيوب بن موسى
والعلاء بن الحارث وثور بن يزيد وحجاج بن أرطاة والأوزاعى وآخرون
كثيرون. قال ابن إسحاق ، سمعت مكحولا يقول: طفت الأرض فى طلب
العلم . وروى أبو وهب عن مكحول قال : عتقت بمصر فلم أدع بها علماً إلا
حويته فيما أرى، ثم أتيت العراق، ثم المدينة ، فلم أدع بهما علماً إلا حويت
عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها .
وقال الزهرى : العلماء ثلاثة، فذكر منهم مكحولا . وقال أبو حاتم :
ما أعلم أفقه من مكحول . قال ابن زرير ، سمعت مكحولا يقول: كنت عبداً
لسعيد بن العاص فوهبنى لامرأة من هذيل بمصر ، فما خرجت من مصر حتى
ظننت أن ليس بها علم إلا وقد سمعته، ولم أر مثل الشعبى. قال سعيد بن عبد
العزيز، قال مُكحول : ما استودعت صدرى شيئاً إلا وجدته حين أريد ، ثم
قال سعيد: كان مكحول أفقه من الزهرى ، وكان بريئاً من القدر . وقال
سعيد بن عبد العريز: أعطى مكحول عشرة آلاف دينار ، فكان يعطى

- ٤٧٨-
الرجل خمسين ديناراً ثمن الفرس ، وقيل كان فى لسانه لكنة ، يجعل القاف
كافاً. قال أبو مسهر وجماعة: توفى مكحول سنة ثلاث عشرة ومائة. وقال
أبو نعيم ودحيم : سنة اثنتى عشرة . وقيل غير ذلك ، كذا فى التذكرة .
وقال ابن خلكان ، قال ابن عائشة: كان مولى لامرأة من قيس ، وكان
سندياً لا يفصح . وقال الواقدى : كان مولى لامرأة من هذيل ، وقيل هو
مولى سعيد بن العاص ، وقيل مولى لبنى ليث . قال الخطيب : كان جده ساول
من أهل هراة ، فتزوج ابنة لملك من ملوك كابل، ثم هلك عنها وهى حامل ،
فانصرفت إلى أهلها فولدت سهراز(١) ، فلم يزل فی أخو اله بكابل حتى ولد
له مكحول، فلما ترعرع سبى، ثم وقع إلى سعيد بن العاص فوهبه لامرأة
من هذيل فأعتقته ، وكان معلم الأوزاعى المقدم ذكره فى حرف الهمزة ، وسعيد
ابن عبدالعزيز . قال الزهرى: العلماء أربعة سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبى
بالكوفة ، والحسن البصرى بالبصرة ومكحول بالشام ، ولم يكن فى زمنه
أبصر منه بالفتيا، وكان لا يفتى حتى يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلى
العظيم ، هذا رأى، والرأى يخطئ ويصيب .
وسمع أنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وأبا هند الرازى وغيرهم ، وكان
مقامه بدمشق ، وكان فى لسانه مجمة ظاهرة ويبدل بعض الحروف بغيره . قال
نوح بن قيس : سأله بعض الأمراء عن القدر فقال : أساهر أنا ؟ يريد
أساحر أنا؟. وكان يقول بالقدر ورجع عنه . وقال معقل بن عبد الأعلى
القرشى ، سمعته يقول لرجل : ما فعلت تلك الحاجة ؟ يريد الحاجة - وهذه
تغلب على أهل السند ، انتهى .
ومنهم: وكيع بن الجراح بن مليح، الإمام الحافظ الثبت ، محدث
(١) وفى تهذيب التهذيب ص ٢٩١ ج ١٠ يقال : كان اسم أبيه سهراب

- ٤٧٩ -
العراق أبو سفيان الرواسى الكوفى، ورواس: بطن من قيس عيلان. ولد
سته تسع وعشرين ومائة ، سمع هشام بن عروة والأعمش وإسماعيل بن أبى
خالد وابن عون وابن جريج وسفيان والأودى وخلائق . وعنه ابن المبارك
مع تقدمه، وأحمد وابن المدينى ويحيى وإسحاق وزهير وأبناء أبى شيبة
وأبو كريب وعبيد الله بن هاشم وإبراهيم بن عبد الله القصار وأمم سواهم .
وكان أبوه على بيت المال وأراد الرشيد أن يولى وكيماً قضاء الكوفة ،
فامتنع . قال يحيى بن يمان : لما مات سفيان جلس وكيع موضعه . وقال
القعنى: كنا عند حماد بن زيد ، فلما خرج وكيع قالوا : هذا راوية سفيان ،
فقال : هذا إن شئتم أرجح من سفيان. وعن يحيى بن أيوب المقابرى قال :
ورث وكيع من أمه مائة ألف درهم . والفضل ابن محمد الشعر انى ، سمعت يحيى
ابن أكثم قال: صحبت وكيماً فى السفر والحضر، فكان يصوم الدهر ويختم
القرآن كل ليلة .
قال يحيى بن معين . وكيع فى زمانه كالأوزاعى فى زمانه . وقال أحمد:
مارأيت أوعى للعلم ولاأحفظ من وكيع. وقال يحيى: مارأيت أفضل منه،
يقوم الليل ويسرد الصوم ويفتى (١) بقول أبى حنيفة: وكان يحيى القطان يفتى
بقول أبى حنيفة أيضاً . قال سلم بن جنادة: جالست وكيماً سبع سنين ، فما
(١) قيل: قول يحى هذا يدل على أن وكيماً كان حنفياً، وأجاب عنه شيخنا رحمه الله
تعالى فى شرح الترمذى ص ١٠٦ جـ ٢ بأن المراد بقوله: ويفتى بقول أبى حنيفة هو الإفتاء
بجواز شرب نبيذ الكوفيين، فإن وكيماً كان يشربه ويفتى بجوازه على قول أبى حنيفة كما
يدل عليه قول الذهبى مافيه ( أى وكيع) إلا شربه نبيذ الكوفيين الخ. والحاصل أن المراد
بقوله يفتى بقول أبى حنيفة الخصوص لا العموم ، ولو سلم أن المراد به العموم، فلا شك أن
المراد أنه كان يفتى بقول أبى حنيفة الذى ليس مخالفاً للحديث، والدليل عليه قول وكيع فى
الإشعار لاتنظروا إلى قول أهل الرأى فى هذا ،فإن الإشعار سنة وقولهم بدعة وقوله أشعر
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول أبو حنيفة هو مثلة على سبيل الإنكار على أبى
حنيفة رحمه الله .

- ٤٨٠ -
رأيته بزق ولا مس حصاة ولا جلس مجلسه فتحرك، ولا رأيته إلا مستقبل
القبلة ، وما رأيته يحلف بالله كذا ذكره الذهبي . وقال مافيه إلا شربه النبيذ
الكوفيين وملازمته له ، جاء ذلك من غير وجه عنه . قال إبراهيم بن
شماس : لو تمنيت كنت أتمنى عقل ابن المبارك وورعه، وزهد ابن فضيل
ورقته ، وعبادة و کیم وحفظه ، و خشوع عيسى بن يونس ، وصبر حسين
الجعفى، ثم قال : كان وكيع أفقه الناس، وقال مروان بن محمد الطاطرى :
مارأيت أخشع من وكيع، وماوصف لى أحد إلا رأيته دون الصفة إلا وكيع،
فإنى رأيته فوق ماوصف لى . قال سعيد بن منصور : قدم وكيع مسكة وكان
سميناً ، فقال له الفضيل بن عياض: ماهذا السمن وأنت راهب العراق ؟ قال :
هذا من فرحى بالإسلام فأخيه ، قال ابن عمار: ما كان بالكوفة فى زمان
وكيع أفقه ولا أعلم بالحديث منه . وقال أبو داود : مارئی لوكيع كتاب قط .
قال أحمد بن حنبل : مارأت عينى مثل وكيع قط ، يحفظ الحديث ويذاكر
بالفقه فيحسن ، مع ورع واجتهاد، ولا يتكلم فى أحد . توفى وكيع بفيد
راجعاً من الحج سنة ١٩٧ سبع وتسعين ومائة يوم عاشوراء. قال وكيع: الجهر
بالبسملة بدعة ، سمعه منه أبو سعيد الأشج .
ومنهم: يحيى بن سعيد بن فروخ ، الإمام العلم سيد الحفاظ أبو سعيد
التميمى مولاهم البصرى القطان . ولد سنة عشرين ومائه، سمع هشام بن عروة
وعطاء بن السائب وحسيناً المعلم وخيثمة بن عراك وحميد الطويل وسليمان
التيمى ويحيى بن سعيد الأنصارى والأعمش وطبقتهم فأكثر جداً. وعنه
ابن مهدى وعفان ومسدد وأحمد وإسحاق ويحيى وعلى والفلاس وبندار
وإسحاق الكوسج ومحمد بن شداد المسمعى وأمم سواهم. قال أحمد: مارأيت
بعينى مثل يحيى بن سعيد القطان. وقال ابن معين: لا ترى بعينك مثل يحيي
القطان . وقال ابن المدينى: مارأيت أحداً أعلم بالرجال منه . وقال بندار : هو