النص المفهرس

صفحات 341-360

- ٣٤١ -
وله كتاب جليل فى التفسير .
وله من التصانيف التاريخ والزهد والأسماء والكنى كما فى التدريب . قال
ابن خلكان قال السمعانى : توفى بقرية بوغ فى سنة ٢٧٩ تسع وسبعين
ومائتين، وذكره فى كتاب الأنساب فى نسبة البوغى ، وبوغ بضم الياء الموحدة
وسكون الواو وبعدها غين معجمة : وهى قرية من قرى ترمذ على ستة
فراخ منها انتهى.
وقال فى ترجمة أبى جعفر بن محمد بن أحمد بن نصر الترمذى الفقيه الشافعى ،
قال السمعانى فى نسبة الترمذى : هذه النسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر باخ
الذى يقال له جيحون ، والناس يختلفون فى كيفية هذه النسبة ، بعضهم يقول
بفتح التاء ، وبعضهم يقول بضمها ، وبعضهم يقول بكسرها ، والمتداول على
لسان أهل تلك المدينة بفتح التاء وكسر الميم ، والذى كنا نعرفه قديماً كسر
الناء والميم جميعاً. والذى يقوله المتفوقون وأهل المعرفة بضم التاء والميم ، وكل
واحد يقول معنى لما يدعيه. هذا كله كلام السمعانى. وسألت من رآها هل
هى فى ناحية خوارزم أم فى ناحية ما وراء النهر ؟ فقال : بل هى فى حساب
ماوراء النهر من ذلك الجانب ، انتهى كلام ابن خلكان .
وفى بستان المحدثين : والمراد بلفظما وراء النهر هو نهر بلخ انتهى.
وقال الحافظ الذهبى فى تذكرة الحفاظ ، قال شيخنا ابن دقيق العيد: وترمذ
بالكسر : هو المستفيض حتى يكون كالمتواتر. وقال مؤتمن الساجى ، سمعت
محمد بن عبد الله الأنصارى يقول: هو بضم التاء انتهى . والسلمى نسبة إلى بنى
سليم بالتصغير قبيلة من عيلان ، ذكره ابن عساكر ، وسورة بفتح السين
وسكون الواو بعدها راء مهملة : اسم جد الترمذى .
﴿تنبيه) اعلم أن الإمام أباعيسى الترمذى، إمام مشهور ثقة، حافظ متقن
متفق عليه . قال الحافظ فى التقريب: أحد الأئمة ثقة حافظ انتهى. وقال الحافظ

- ٢٤٢ -
أبو يعلى : محمد بن عيسى بن سورة بن شداد ، الحافظ ثقة متفق عليه ، له كتاب
فى السنن ، وكلام فى الجرح والتعديل . روى عنه ابن محبوب وأجلاء بمرو .
وسمعنا سلفه من بعض المراوزة عن ابن محبوب عنه، وهو إمام مشهور بالأمانة
والعلم والديانة انتهى
والعجب من ابن حزم أنه لم يعرف الترمذى وقال هو مجهول ، فرد عليه
المحققون من أهل العلم بالحديث . قال الحافظ الذهبى فى ميزان الاعتدال : محمد
إبن عيسى بن سورة الحافظ العلم، أبو عيسى الترمذى صاحب الجامع ، ثقة مجمع
عليه، ولا التفات إلى قول أبى محمد بن حزم فيه فى الفرائض من كتاب ((الاتصال)»
إنه مجهول ، فإنه ماعرف ولا درى بوجود الجامع والعلل التى له انتهى . وقال
فى ((سير النبلاء)) فى ترجمة الحافظ ابن حزم بعد ماذكر مناقبه ومعائبه مالفظه:
وإنى أنا أميل إلى محبة أبى محمد لمحبته بالحديث الصحيح ومعرفته به، وإن كنت
لاأوافقه فى كثير مما يقوله فى الرجال والملل والمسائل البشعة فى الأصول والفروع،
وأقطع بخطئه فى غير مسألة، ولكن لا أكفره ولا أضلله ، وأرجو له العفو
والمسامحة ، وأخضع لفرط ذكائه وسعة علمه. ورأيته ذكر قول من يقول أجل
المصنفات الموطأ، فقال بل أولى الكتب بالتعظيم محيحا البخارى ومسلم، ومصحيح
ابن السكن ، ومنتقى ابن الجارود ، والمنتقى لقاسم بن أصبغ، ثم بعدها كتاب
أبى داود ، وكتاب النسائى. ومصنف القاسم بن أصبغ ، ومصنف أبى جعفر
الطحاوى ، قلت ماذكر سنن ابن ماجه ولا جامع أبى عيسى الترمذى ، فإنه
مارآهما ولا أدخلا إلى الأندلس إلا بعد موته، انتهى ما فى سير النبلاء.
قلت: ولم يكن عند الحافظ أبى بكر البيهقى ، أيضًا جامع الترمذى . قال
الذهبى فى تذكرة الحفاظ فى ترجمته مالفظه: ولم يكن عنده سنن النسائى، ولا
جامع الترمذى ، ولاسنن ابن ماجه ، بلى كان عنده الحاكم فأكثر عنه انتهى.
وقال الحافظ فى تهذيب التهذيب : قال الخليلى ثقة متفق عليه. وأما أبو محمد

- ٣٤٣ -
بن حزم فإنه نادى على نفسه بعدم الاطلاع فقال فى كتاب ((الفرائض من
الاتصال)) محمد بن عيسى بن سورة مجهول، ولا يقولن قائل لعله ما عرف
الترمذى ولا اطلع الترمذى على حفظه ولا على تصانيفه ، فإن هذا الرجل قد
أطلق هذه العبارة فى خلق من المشهورين من الثقات الحفاظ : كأبى القاسم
البغوى، وإسماعيل بن محمد الصفار، وأبى العباس الأصم وغيرهم. والعجب أن
الحافظ ابن الفرضى ذكره فى كتابه ((المؤتلف والمختلف)) ونبه على قدره ،
فکیف فات ابن حزم الوقوف عليه فيه ، انتهى .
﴿فاْدة) كان أبو عيسى الترمذى فى آخر عمره ضريراً لا اختلاف فيه ،
وإنما الاختلاف فى أنه هل ولد أ كمه، أو صار ضريراً بعد أن كان بصيراً ،
فقيل: إنه ولد أ كمه، وقيل: لا، بل أضر فى آخر عمره، والحق الثانى. قال
الحافظ فى تهذيب التهذيب: قال يوسف بن أحمد البغدادى الحافظ: أضر أبو عيسى
فى آخر عمره، وقال وهذا مع الحكاية المتقدمة عن الترمذى ( يعنى فى حفظه)
يرد على من زعم أنه ولد أ كمه انتهى. قلت ويرده أيضاً ماقال العلامة الشاه
عبد العزيز فى البستان : تورع وزهد بحدی داشت که فوق ان متصور نيست
بخوف الهى بسياركريه وزارى كردونا بيناشد. ويرده أيضاً ماقال الحاكم
عن عمر بن علك : بكى حتى عمى وبقى ضريراً سنين .
فائدة أخرى: قد عرفت أن اسم الترمذى محمد ، وكنيته أبو عيسى ، وقد
اختار الترمذى كنيته على اسمه فإنه لا يعبر عن نفسه إلا بأبى عيسى. وقد كره
بعض العلماء التكنى بأبى عيسى لما أخرج ابن أبى شيبة فى مصنفه فى باب مايكره
للرجل أن يكتنى بأبى عيسى ، حدثنا الفضل بن دكين ، عن موسى بن على،
عن أبيه : أن رجلاا كتنى بأبى عيسى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن عیسی لا أب له .
وأخرج أيضًا : حدثنا الفضل بن دكين ، عن عبد الله بن عمر بن حفص

- ٣٤٤ -
عن زيد بن أسلم، عن أبيه . أن عمر بن الخطاب ضرب ابناً له ا كتنى بأبى
عيسى ، فقال: إن عيسى ليس له أب .
وقد أجاب عنه بعض الأعلام بأن الحديث الأول مرسل والثانى موقوف
وعلى فرض صحة الحديث المرفوع فليس فيه النهى عن الاكتناء بأبى عيسى ، بل
فيه بيان الأمر الواقع بأن عيسى لا أب له ، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ذلك له مزاحاً . كما قال لرجل استحمله: إنى حاملك على ولد الناقة ، فقال
يارسول الله ما أصنع بولد الناقة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هل
تلد الإبل إلا النوق ، أخرجه الترمذى فى باب المزاح . وأخرج أيضاً عن
أبى هريرة قال: قالوا يارسول الله إنك تداعبئا، قال: ((إنى لا أقول إلا حقاً))
وقوله تداعبنا : يعنى تمازحنا .
ويؤيد الجواز ما أخرجه أبو داود فى (( كتاب الأدب )) فى باب من يتکتی
بأبى عيسى ، من طريق هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه: أن عمر
ابن الخطاب ضرب ابناً له تكنى أبا عيسى . وأن المغيرة بن شعبة تكنى بأبى
عيسى ، فقال له عمر: أما يكفيك أن تكنى بأبى عبد الله ؟ فقال: إن رسول
الله صلى الله عليه وسلم كنانى، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غفر
له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وإنا فى جلجتنا ، فلم يزل يكنى بأبى عبد الله
حتى هلك. وقوله ((فى جلجتنا )) أى فى عدد من أمثالنا لاندرى ما يصنع بنا .
وفى (الإصابة في تمييز الصحابة)) للحافظ ابن حجر ذكر البغوى من طريق
زيد بن أسلم أن المغيرة استأذن على عمر ، فقال أبو عيسى ، قال من أبو عيسى ؟
قال المغيرة بن شعبة . قال هل لعيسى من أب ؟ فشهد له بعض الصحابة أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكنيه بها ، فقال: إن النبى صلى الله عليه
وسلم غفر له ، وإنا لاندرى ما يفعل بنا ، وكناه أبو عبد الله انتهى .
فأخبر المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفاه بأبى عيسى
۔۔

- ٣٤٥ -
وشهد له بعض الصحابة، فأى دليل يكون أعظم من هذا للجواز؟ وأما عمر بن
الخطاب رضى الله عنه، ففهم الكراهة من قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن
عيسى لاأب له )) ولذا ضرب ابنه وأنكر على المغيرة بن شعبة بتكنيتهما به،
و ټول تکنی رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبی عیسی وقال : ما کناه به بل
إنما دعاه به بعض الأحيان ، وهذا لا يستدل به على الجواز ، لأن النبي صلى الله
عليه وسلم ربما فعل شيئً وإن كان خلافه أولى ، ويكون هذا فى حقه مسلوب
الكراهة . وهذا معنى قوله : غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .
قلت : ليس فى النهى عن التكنى بأبى عيسى حديث مرفوع متصل صحيح
صريح، فالظاهر هو الجواز. وأما أثر عمر رضى الله عنه فليس فى حكم المرفوع
كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.
فائدة أخرى: قال العلامة الشاه عبد العزيز فى ((بستان المحدثين)) الحكيم
الترمذى صاحب نوادر الأصول ، غير أبى عيسى الترمذى صاحب الجامع ،
وهو يعنى جامع الترمذى ، معدود فى الصحاح الستة ، وأما نوادر الأصول
فأكثر أحاديثه ضعاف غير معتبرة ، وأكثر الجهال يظنون أن الحكيم
الترمذى هو أبو عيسى الترمذى ، فينسبون الأحاديث الواهية إلى أبى عيسى
الترمذى ، ويزعمون أنها فى جامع الترمذى . ثم ذكر ترجمة الحكيم الترمذى
وترجمة كتابه ((نوادر الأصول)).
قلت : المشهور بالترمذى من أئمة الحديث ثلاثة :
الأول - أبو عيسى الترمذى صاحب الجامع .
والثانى - أبو الحسن أحمد بن الحسن المشهور بالترمذى الكبير. قال
الحافظ الذهبى فى (( تذكرة الحفاظ)): الترمذى الكبير، هو الحافظ العلم أبو
الحسن أحمد بن الحسن بن جنيدب الترمذى ، سمع يعلى بن عبيد، وأبا النضر ،
وعبد الله بن موسى ، وسعيد بن أبى ميم ، وطبقتهم فأكثر ؛ وأكثر

- ٣٤٦ -
الترحال ، حدث عنه البخارى وأبو عيسى الترمذى وابن ماجه وغيرهم ، وسألوه
عن العلل والرجال والفقه ، وكان من أصحاب أحمد بن حنبل، ورواية البخارى
عنه عن أحمد بن حنبل فى المغازى من صحيحه . توفى سنة بضع وأربعين وما ئتين
انتهى. وقال الحافظ فى ((تهذيب التهذيب)): قال الحاكم: ورد نيسابور سنة
إحدى وأربعين ومائتين،، فحدث فى ميدان الحسين ، ثم حج وانصرف
إلى نيسابور، فكتب عنه كافة مشائخنا ، وسألوه عن علل الحديث والجرح
والتعديل. وقال ابن خزيمة : كان أحد أوعية الحديث. قال وقال أبو حاتم :
صدوق . وذكره ابن حبان فى النقات انتهى .
والثالث - الحكيم الترمذى أبو عبد الله محمد بن على بن الحسن بن بشر،
الزاهد الحافظ المؤذن ، صاحب التصانيف ، وهو مشهور بالحكيم الترمذى .
قال الذهبي: فى ((تذكرة الحفاظ)) فى ترجمته: روى عن أبيه، وقتيبة
ابن سعيد، والحسن بن عمر بن شقيق، وصالح بن عبد الله الترمذى ، ويحيى
ابن موسى بن خت ، وعتبة بن عبد الله المروزى، وعباد بن يعقوب الزواجنى
وطبقتهم. وعنى بهذا الشأن ، ورحل فيه وروى عنه يحيى بن منصور القاضى،
والحسن بن على، وعلماء نيسابور، فإِنه قدمها فى سنة خمس وثمانين ومائتين.
قال السلمى: نفوه من ترمذ بسبب تأليفه كتاب ((ختم الولاية)) وكتاب
((علل الشريعة)). وقالوا: زعم أن للأولياء خاتمة، وأنه يفضل الولاية.
واحتج بقوله عليه السلام (( يغبطهم النبيون والشهداء)) وقال: لو لم يكونوا
أفضل لما غبطوهم ، فجاء إلى بلخ فأ كرموه لموافقته إياهم فى المذهب ، قلت :
عاش نحواً من ثمانين سنة ، انتهى كلام الذهبى .
وأما كتابه ((نوادر الأصول)) فقد رتبه على ثلاثمائة أصل، إلا اثنى عشر،
وهو الملقب ((بلوة العارفين وبستان الموحدين)). روى أنه قال: ما وضعت
حرفاً لينقل عنى، ولا لينسب إلىّ شيء منه، ولكن كان إذا اشتد علىّ وقتى

- ٣٤٧-
أتسلى به . وفى تصانيفه يلوح صدق ما يقول ، لا سيما فى هذا الكتاب ، حيث
لم يقدم خطبة ولا ترتيباً ، وهى ثمان وثمانون ومائتى أصل . وقد قيل : إن
الأصول ثلاثمائة وستون ، وهو موجود فى كتب ورثة الشرف الطوسى
بالرى ، كذا قال القشيرى فى فهرست هذا الكتاب ، وله مختصر على قدر
ثلاثة، قاله فى كشف الظنون ص ٦١٥ ج ٢.
فائدة أخرى : اعلم أن الإمام أبا عيسى الترمذى مع إمامته وجلالته فى
علوم الحديث ، وكونه من أئمة هذا الشأن ، متساهل فى تصحيح الأحاديث
وتحسينها. قال الذهبى فى ((ميزان الاعتدال)) فى ترجمة كثير بن عبد الله بن
عمرو بن عوف المزنى ، قال أابن معين: ليس بشىء، وقال الشافعى وأبو داود:
ركن من أركان الكذب . وضرب أحمد على حديثه. وقال الدار قطنى وغيره
متروك. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين . وقال النسائى: ليس بثقة. وقال
مطرف بن عبد الله المدنى: رأيته وكان ڪڪثير الخصومة ، لم يكن أحد من
أصحابنا يأخذ عنه ( إلى قوله) وأما الترمذى فروى من حديثه : الصلح جائز
بين المسلمين ، وصححه ، فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذى انتهى .
وقال فى ترجمة يحيى بن يمان بعد ذكر حديث ابن عباس : إن النبى صلى الله
عليه وسلم دخل قبراً ليلا، فأسرج له سراج، حسنه الترمذى مع ضعف ثلاثة
فیه ، فلا يغتر بتحسين الترمذى انتهى .
وقال فى ترجمة محمد الحسن بن أبى يزيد الهمدانى الكوفى ، قال ابن معين :
قد سمعنا منه ، ولم يكن بثقة، وقال مرة كان يكذب . وقال أحمد: ما أراه
يسوى شيئاً . وقال النسائى: متروك ، وقال أبو داود ضعيف ، وقال مرة :
كذاب . ثم قال بعد ذكر حديث أبى سعيد، قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم، يقول الرب تبارك وتعالى: ((من شغله القرآن عن ذكرى ومسألتى،
أعطيته أفضل ما أعطى السائلين)) الحديث، حسنه الترمذى فلم يحسن. وقال

- ٣٤٨ -
الحافظ الزيلعى فى ((نصب الراية)) ص ٣٦٣ ج ١: روى الترمذى من
حديث المنهال, بن خليفة ، عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء بن أبى رباح عن
ابن عباس : أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل قبراً ليلا فأسرج له سراج ،
الحديث . قال حديث حسن ، وأنكر عليه لأن مداره على الحجاج بن أرطاة
وهو مدلس ولم يذكر سماعاً . قال ابن القطان ومنهال بن خليفة : ضعفه ابن
معين . وقال البخارى رحمه الله: فيه نظر انتهى .
قلت : عدم اعتمادهم على تصحيح الترمذى وتحسينه، إنما هو إذا تفرد
بالتصحيح أو التحسين ، وأما إذا وافقه فى ذلك غيره من أئمة الحديث فلا ..
فائدة أخرى: اعلم أن أبا عبد الله الحاكم أيضاً متساهل فى تصحيح الحديث
وتحسينه، كما أن الترمذى متساهل فيها لكنها ليا بمتساويين فى ذلك ،
ففى تخريج الهداية وتوثيق الحاكم لا يعارض ما ثبت فى الصحيح خلافه ، ما
عرف من تساهله ، حتى قيل إن تصحيحه دون تصحيح الترمذى والدار قطنى،
بل تصحيحه كتحسين الترمذى ، وأحياناً يكون دونه ، وأما ابن خزيمة وابن
حبان : فتصحيحهما أرجح من تصحيح الحاكم بلا نزاع ، فكيف تصحيح
البخارى ومسلم انتهى .
فائدة أخرى : قال القارى فى أوائل المرقاة شرح المشكاة ، أعلى أسانيد
الترمذى : ما يكون واسطتان بينه وبين النبى صلى الله عليه وسلم ، وله حديث
واحد فى سننه بهذا الطريق، وهو: (( يأتى على الناس زمان الصابر فيهم
على دينه كالقابض على الجمر)) فإسناده أقرب من إسناد البخارى ومسلم وأبى
داود ، فإن لهم ثلاثیات انتهى .
قلت : ليس الأمر كما قال القارى ، فإن الترمذى روى هذا الحديث فى
جامعه فى كتاب (( الفتن)) هكذا حدثنا إسماعيل بن موسى الفزارى ابن ابنة
السدى الكوفى ، حدثنا عمر بن شاكر عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله

- ٢٤٩ -
صلى الله عليه وسلم: (( يأتى على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض
على الجمر )) هذا حديث غريب من هذا الوجه انتهى . فليس بين الترمذى
وبين الغبى صلى الله عليه وسلم فى إسناد هذا الحديث واسطتان ، بل فيه ثلاث
وسائط: إسماعيل بن موسى ، وعمر بن شاكر ، وأنس بن مالك . فهذا
الحديث ثلاثى، وليس إسناده أقرب من إسناد البخارى ومسلم وأبى داود كما
زعم القارى .
فائدة أخرى : اعلم أنه ليس فى جامع الترمذى ثلاثى غير حديث أنس
المذكور ، وأما فى صحيح البخارى فاثنان وعشرون ثلاثياً قد أفرزها العلماء
بالتأليف، كعلى القارى الهروى وغيره. قال صاحب (( كشف الظنون)):
!
وتنحصر الثلاثيات فى صحيح البخارى فى اثنين وعشرين حديثاً ، الغالب عن
مكى بن إبراهيم ، وهو من حدثه عن التابعين وهم فى الطبقة الأولى من شيوخه،
مثل : محمد بن عبد الله الأنصارى ، وأبى عاصم النبیل ، وأبى نعيم ، وخلاد بن
يحيى، وعلى بن عباس ، وعليه شرح لطيف لمحمد شاه بن حاج حسن ، المتوفى
سنة تسع وثلاثين وتسعمائة انتهى. وأما صحيح مسلم ، فليس فيه ثلاثى. وكذا
أبو داود والنسائى ليس فيهما أيضاً ثلاثى. وأما ابن ماجه ففيه عدة ثلاثيات ،
وهذه الثلاثيات من طريق جبارة بن المغلس . وأما الدارمى : فثلاثياته أكثر
من ثلاثيات البخارى، كذا فى ((الحطة)) ص ١١٣. وقال فى ((كشف
الظنون)): ثلاثيات الدارمى، هى خمسة عشر حديثاً، وقعت فى مسنده بسنده
انتهى ، فلينظر :
وأما مسند أحمد : فثلاثياته تزيد على ثلاثمائة حديث. وليعلم أن بينى وبين
رَسول الله صلى الله عليه وسلم فى إسناد ثلاثى الترمذى المذكور ، اثنين
وعشرين واسطة شيخنا .
(١) السيد محمد نذير حسين.

- ٢٥٠ -
(٢) الشاه محمد إسحاق.
(٣) الشاه عبد العزيز.
(٤) الشاه ولى الله ... الدهلويون .
(٥) الشيخ أبو طاهر المدنى.
(٦) الشيخ إبراهيم الكردى.
(٧) الشيخ المزاحى.
(٨) الشهاب أحمد السبلى.
(٩) الشيخ النجم الغيطى.
(١٠) الزين زكريا .
(١١) العز عبد الرحيم.
(١٢) الشيخ عمر المراغى .
(١٣) الفخر بن البخارى .
(١٤) عمر بن طبرزد البغدادى.
(١٥) أبو الفتح عبد الملك.
(١٦) أبو عامر محمود بن القاسم .
(١٧) أبو محمد عبد الجبار الجراحى المروزى.
(١٨) أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبى المروزى .
(١٩) أبو عيسى الترمذى .
(٢٠) إسماعيل بن موسى الفزارى .
(٢١) عمر بن شاكر.
(٢٢) أنس بن مالك رضى الله عنه وعن جميعهم.
فائدة أخرى: اعلم أن بعض العلماء الحنفية، زعموا أن الإمام أبا عيسى

- ٣٥١ -
الترمذى كان شافعى المذهب ، وبعضهم قالوا إنه كان حنبلى المذهب ، وهذا
قولهم بأفواههم وباطل ما يزعمون . والحق أنه لم يكن شافعياً ولا حنبلياً ، كما
أنه لم يكن مالكياً ولا حنفياً، بل كان هو رحمه الله تعالى من أصحاب الحديث
متبعاً للسنة عاملا بها ، مجتهداً غير مقلد لأحد من الرجال ، وهذا ظاهر لمن قرأ
جامعه وأمعن النظر وتدبر فيه .
والعجب أنهم كيف زعموا أنه كان شافعياً أو حنبلياً . ألم يعلموا أنه لو
كان شافعيًاً مقلداً للإمام الشافعى، لرجح مذهب إمامه الشافعى فى جميع
المواضع المختلف فيها أو أكثرها على مذهب غيره ، وحماه ونصره وأيده كماهو
شأن المقلدين ، لكنه لم يفعل ذلك ، بل رد فى بعض المواضع من كتابه قول
الشافعى ، ألا ترى أنه قال فى باب تأخير الظهر فى شدة الحر ، بعد رواية
حديث الإبراد : وقد اختار قوم من أهل العلم تأخير صلاة الظهر فى شدة الحر
وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق . وقال الشافعى: إنما الإبراد بصلاة
الظهر إذا كان مسجداً ينتاب أهله من البعد ، فأما المصلى وحده والذى يصلى
فى مسجد قومه ، فالذى أحب له أن لا يؤخر الصلاة فى شدة الحر . ومعنى
من ذهب إلى تأخير الظهر فى شدة الحر ، وهو أولى وأشبه بالاتباع .
وأما ماذهب إليه الشافعى أن الرخصة لمن ينتاب من البعد وللمشقة على
الناس ، فإن فى حديث أبى ذر ما يدل على خلاف ما قال الشافعى . قال أبو
ذر: كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم فى سفر فأذن بلال بصلاة الظهر ، فقال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((يا بلال أبرد ثم أبرد)»، فلو كان الأمر على
ما ذهب إليه الشافعى لم يكن للإيراد فى ذلك الوقت معنى لاجتماعهم فى
السفر، وكانوا لايحتاجون أن ينتابوا من البعد ، انتهى كلام الترمذى .
وأليس لهم علم بأنه قال فى باب الذى يصلى الفريضة ، ثم يؤم الناس بعد
ذلك ، والعمل على هذا عند أصحابنا الشافعى وأحمد وإسحاق انتهى .

- ٣٥٢ -
وقال فى باب الرجل يسلم وعنده عشر نسوة ، والعمل على حديث غيلان
عند أصحابنا، منهم الشافعى وأحمد وإسحاق انتهى .
وقال فى باب النهى عن المحاقلة والمزابنة ، وهو قول الشافعى وأصحابنا انتهى.
وقال فى باب ما جاء فى الصلاة فى مرابض الغنم وأعطان الإبل ، وعليه
العمل عند أصحابنا ، وبه يقول أحمد وإسحاق، فأقوال الترمذى هذه تنادى
بأعلى نداء أنه لم يكن شافعياً ولا حنبلياً، وتبطل قول من زعم خلاف ذلك
إبطالاً بيناً.
فإن قلت : فما المراد بقوله أصحابنا؟
قلت : كان أبو عيسى الترمذى من أهل الحديث ، وكان مذهبه مذهب
أهل الحديث، والمراد بقوله أصحابنا: أهل الحديث. قال القارى فى ((المرقاة
شرح المشكاة)) فى شرح قول الترمذى فى خارجة الراوى : وهو ليس بالقوى
عند أصحابنا ، أى أهل الحديث ، قاله الطيبى انتهى .
قلت : وهذا هو الحق وعليه يدل أقوال الترمذى المذكورة .
وقال : بعض الحنفية فى تعليقه على جامع الترمذى : أما مذاهب أرباب
الصحاح ، فقيل إن البخارى شافعى ، ولكن الحق أن البخارى مجتهد .
وأما مسلم: فلا أعلم مذهبه بالتحقيق . وأما ابن ماجه فلعله شافعى ، والترمذى
شافعى . وأما أبو داود والنسائى: فالمشهور أنهما شافعيان، ولكن الحق أنهما
حنبليان. وقد شحنت كتب الحنابلة بروايات أبى داود عن أحمد انتهى كلامه .
قلت : كما أن البخارى رحمه الله تعالى كان متبعاً للسنة عاملا بها ،
مجتهداً غير مقلد لأحد من الأئمة الأربعة وغيرهم . كذلك مسلم والترمذى
وأبو داود والنسائى وابن ماجه ، كلهم كانوا متبعين للسنة عاملين بها ،
مجتهدين غير مقلدين لأحد .

- ٣٥٣ -
وأما الاستدلال على أن الحق أن أبا داود والنسائى حنبليان ، بدليل أن
کتب الحنابلة مشحونة بروايات أبى داود عن أحمد فباطل جداً ، لأنه لو سلم
أن كتب الحنابلة مشحونة برواية أبى داود، ولا يستلزم كونه حنبلياً ، فضلا
أن يكونا خنبليين. ألا ترى أن كتب الحنفية مشحونة ومملوءة بروايات
الإمام أبى يوسف وبروايات الإمام محمد ، ومع ذلك لم يكونا حنفيين مقلدين
للإمام أبى حنيفة .
واعلم أن هذا البعض قد ادعى أن الإمام أبى داود والنسائى كانا حنبايين
يعنى مقلدين الإمام أحمد بن حنبل مطلقاً من غير تقييد ، ثم تنبه فتنزل فقال
فى موضع آخر من تعليقه على الترمذى ما لفظه: يحيى بن سعيد حنفى مذهباً
كما فى تاريخ ابن خلكان ، إلا أن تقليد السلف كان التقليد فى الاجتهاديات
التى لم يثبت فيها المرفوع والموقوف ، لا کتقلیدنا ، وهذا ظنی انتهى .
قلت : لم يثبت أيضاً بدليل صحيح كون الإمام أبى داود والنسائى مقلدين
للإمام أحمد بن حنبل فى الاجتهاديات ، وإنما هو ظن من هذا البعض ، وإن
الظن لايغنى من الحق شيئاً. وقوله : وأما ابن ماجه فلعله شافعى يدل على أنه
لم يكن عند هذا البعض دايل على كون ابن ماجه شافعياً. قال بعض الحنفية فى
مقدمة شرحه لصحيح مسلم نقلا عن توجيه النظر مالفظه: قال بعض البارعين
فى علم الأثر: أما البخارى وأبو داود: فإمامان فى الفقه ، وكانا من أهل
الاجتهاد . وأما مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه وابن خزيمة وأبو يعلى
والبزار ونحوهم: فهم على مذهب أهل الحديث ، ليسوا مقلدين لواحد بعينه
من العلماء، ولا هم من الأئمة المجتهدين على الإطلاق ، بل يميلون إلى قول أئمة
الحديث ، كالشافعى وأحمد وإسحاق وأبى عبيد وأمثالهم، وهم إلى مذاهب أهل
الحجاز أميل منهم إلى مذاهب أهل العراق . وأما أبو داود الطيالسى ؛ فأقدم
من هؤلاء كلهم من طبقة يحيى بن سعيد القطان ، ويزيد بن هارون الواسطى ،
(٢٣ - مقدمة الأحوذي ١ )

- ٣٥٤ -
وعبد الرحمن بن مهدى ، وأمثال هؤلاء من طبقة شيوخ الإمام أحمد، وهؤلاء
كلهم لا يألون جهداً فى اتباع السنة. غير أن منهم من يميل إلى مذهب العراقيين
كوكيع ويحيى بن سعيد ومنهم من يميل إلى مذهب المدنيين كعبد الرحمن بن
مهدى . وأما الدار قطنى: فإنه كان يميل إلى مذهب الشافعى، إلا أن له اجتهاداً
وكان من أئمة الحديث والسنة ، ولم يكن حاله كحال أحد من كبار المحدثين،
ممن جاء على أثره ، فالتزم التقليد فى عامة الأقوال ، إلا فى قليل منها مما يعد
ويحصر ، فإن الدار قطنى كان أقوى فى الاجتهاد منه ، وكان أفقه وأعلم منه
انتهى. وقال: والظاهر أن أبا داود أقرب إلى الحنبلية؛ فإن كتب الحنابلة
مشحونة برواياته عن أحمد، نقله عن العرف الشذى ، وقد عرفت جوابه .
فإن قلت : فإذا لم يكن الإمام البخارى شافعياً مقلداً للإمام الشافعى ؛ فلم
عدوه من الشافعية؟ ولم يذكره أهل الطبقات الشافعية فى طبقاتهم ؟
قلت: قال العلامة الشاه ولى الله الدهلوى فى ((حجة الله البالغة ص١٢٢ ج ١:
وكان أصحاب الحديث قد ينسب إلى أحد المذاهب لكثرة موافقته له ، كالنسائى
والبيهقى، ينسبان إلى الشافعى)) انتهى بلفظه. وقال فى رسالته ((الإنصاف)):
ومعنى انتسابه إلى الشافعى، أنه جرى على طريقته فى الاجتهاد واستقراء الأدلة،
وترتيب بعضها على بعض وافق اجتهاده اجتهاده، وإذا خالف أحياناً لم يبال
بالمخالفة ، ولم يخرج عن طريقته إلا فى مسائل ، وذلك لا يقدح فى دخوله
فى مذهب الشافعى . ومن هذا القبيل محمد بن إسماعيل البخارى ، فإنه معدود
فى طبقات الشافعية للشيخ تاج الدين السبكى . وقال: إنه تفقه بالحميدى ، والحمیدی
تفقه بالشافعى انتهى بلفظه . وقال العلامة الشيخ إسماعيل العجلونى فى كتابه
((الفوائد الدرارى)): تنبيه ما تقدم آنفاً من أخذ البخارى عن الكرابيسى
والزعفرانى وأبى نور أن يكون شافعياً . وقد اختلف فى مذهبه ، فقيل إنه.
شافعى المذهب ، وجرى عليه التاج السبكى فى طبقاته فقال: وذكره أبو عاصم
فى طبقات الشافعية ، وقال : إنه سمع من الكرابيسى وأبى ثور والزعفرانى ،

- ٣٥٥ -
وتفقه على الحميدى ، وكلهم من أصحاب الشافعى انتهى . وقيل: إنه حنبلى ،
وذكره أبو الحسن بن العراقى فى أصحاب الإمام أحمد بن حنبل ، وأسند
عن البخارى أنه قال: دخلت بغداد ثمان مرات وفى كل ذلك أجالس أحمد
ابن حنبل؟ فقال لى آخر ما ودعته: يا أبا عبد الله أنترك العلم والناس وتصير
إلى خراسان؟ فقال البخارى: فأنا الآن أذكر قوله ، وقال : وقيل كان مجتهداً
مطلقاً ، واختاره السخاوى . قال: وأميل بكونه مجتهداً . صرح به تقى الدين
ابن تيمية فقال: إنه إمام فى الفقه من أجل الاجتهاد انتهى .
الفصل الثّاِنى
فى فضائل جامع الترمذى ومحاسنه
قال الحافظ الذهبى فى «تذكرة الحفاظ))، عن أبى على منصور بن عبد الله
الخالدى ، قال قال أبو عيسى الترمذى: أصنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء
الحجاز فرضوا به ، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء
خراسان فرضوا به ، ومن كان فى بيته هذا الكتاب فكأنما فى بيته
ہی بتكلم ، اتہی .
قال الحافظ ابن الأثير فى (( جامع الأصول)): كتابه الصحيح أحسن
الكتب وأكثرها فائدة ، وأحسنها ترتيباً وأقلها تكراراً ، وفيه ماليس فى غيره
من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال ، وتبيين أحوال الحديث من الصحيح
والسقيم والغريب ، وفيه جرح وتعديل انتهى .
وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروى : كتاب أبى عيسى الترمذى عندنا
أفيد من كتاب البخارى ومسلم . قيل ولم ذلك؟ قال كان كتابه ما لا يصل
إلى الفائدة منهما لا يكون من أهل المعرفة التامة ، وهذا كتاب قد شرح
أحاديثه وبينها ، فيصل إلى الفائدة كل أحد من الناس من الفقهاء والمحدثين
وغیرھا انتهى .

- ٣٥٦ -
وقال السيوطى فى ((قوت المغتذى)): قال الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر
ابن رشيد: الذى عندى أن الأقرب إلى التحقيق ، والأحرى على واضح
الطريق أن يقال: إن كتاب الترمذى يضمن الحديث مصفاً على الأبواب
وهو علم برأسه . والفقه علم ثان ، وعلل الحديث ويشتمل على بيان الصحيح
من السقيم وما بينهما من المراتب علم ثالث، والأسماء والكنى رابع، والتعديل
والتجريح خامس ، ومن أدرك النبى صلى الله عليه وسلم ممن لم يدركه ومن أسند
عنه فى كتابه سادس ، وتعديد من روى ذلك الحديث سابع ، هذه علومه
المجملة . وأما التفصيلية متعدية وبالجملة فمنفعته كثيرة وفوائده غزيرة ، انتهى.
قال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس : ومما لم يذكره ما تضمنه من الشذوذ
وهو نوع ثامن ، ومن الموقوف وهو تاسع، ومن المدرج وهو عاشر، وهذه
الأنواع مما يكثر فوائده . وأما ما يقل فيه وجوده من الوفيات، والتنبيه
على معرفة الطبقات أو ما يجرى مجرى ذلك ، فداخل فيما أشار إليه من فوائده
التفصيلية انتهى .
وقال فيهقال القاضى أبو بكر بن العربى فى أول شرح الترمذى: اعلموا أنار
الله أفئدتكم أن كتاب الجعفى هو الأصل الثانى فى هذا الباب، والموطأ هو
الأول ، وعليهما بنی الجميع ، کالقشیری والترمذى ، وليس فى قدر کتاب أبی
عيسى مثله حلاوة مقطع ، ونفاسة منزع ، وعذوبة مشرع . وفيه أربعة عشر
علماً على فوائد : صنف وذلك أقرب إلى العمل، وأسند وصحح، وأسقم ، وعدد
الطرق، وجرح ، وعدل ، وأسى ، وأكنى، ووصل ، وقطع ، وأوضح
والمعمول به والمتروك، وبين اختلاف العلماء فى الرد والقبول لآثاره، وذكر
اختلافهم فى تأويله .
و کل من هذه العلوم أصل فى بابه ، وفرد فی نصابه ، فالقارى, له لایزال
فى رياض موقة، وعلوم متدفقة انتهى.
٤

- ٣٥٧ -
وقال الشيخ إبراهيم البيجورى فى ((المواهب اللدنية على الشمائل المحمدية)):
وناهيك بجامعه الصحيح الجامع للفوائد الحديثية والفقهية ، والمذاهب السلفية
والخلفية، فهو كاف للمجتهدين ، معن للمقلدين، انتهى.
وقال العلامة الشاه ولى الله محدث الهند فى (( حجة الله البالغة)): وكان
أوسعهم علماً عندى وأنفعهم تصنيفاً، وأشهرهم ذكراً، رجال أربعة متقاربون
فى العصر .
أولهم: أبو عبد الله البخارى: وكان غرضه تجريد الأحاديث الصحاح
المستفيضة المتصلة من غيرها ، واستنباط الفقه والسيرة والتفسير منها ، فصنف
جامعه الصحيح، ووفى بما شرط . ولعمرى إنه نال من الشهرة والقبول درجة
لا يرام فوقها .
وثانيهم : مسلم النيسابورى: توخى تجريد الصحاح المجمع عليها بين المحدثين
المتصلة المرفوعة مما يستنبط منها السنة، وأراد تقريبها إلى الأذهان ، وتسهيل
الاستنباط منها فرتب ترتيباً جيداً ، وجمع طرق كل حديث فى موضع واحد
ليتضح اختلاف المتون، وتشعب الأسانيد أصرح ما يكون .
وثالثهم: أبو داود السجستانى: وكان همته جمع الأحاديث التى استدل بها
الفقهاء، ودارت فيهم وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار. فصنف سننه ، "
وجمع فيها الصحيح والحسن ، واللين الصالح للعمل. قال أبو داود: ما ذكرت
فى كتابى حديثاً أجمع الناس على تركه ، وما كان منها ضعيفاً صرح بضعفه،
وما كان فيه علة بينها بوجه الخائض فى هذا الشأن ، وترجم على كل حديث
بما قد استنبط منه عالم، وذهب إليه ذاهب .
ورابعهم : أبو عيسى الترمذى : وكأنه استحسن طريقة الشيخين ، حيث
بينا وما أبهما . وطريقة أبى داود حيث جمع كل ماذهب إليه ذاهب ، فجمع كلتا
الطريقتين ، وزاد عليهما بيان مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، جمع

- ٣٥٨ -
كتاباً جامعاً، واختصر طرق الحديث اختصاراً لطيفاً. فذكر واحداً وأوماً
إلى ما عداه ؛ وبين أمر كل حديث من أنه صحيح أو حسن أو ضعيف أو منكر،
وبين وجه الضعيف ليكون الطالب على بصيرة، فيعرف ما يصلح للاعتبار عما
دونه وذكرأنه مستفيض أوغريب، وذكر مذاهب الصحابة وفقهاء الأمصار
لمن وسمى من يحتاج إلى التسمية، وكنى من يحتاج إلى الكنية ، ولم يدع خفاء
هو من رجال العلم ، ولذلك يقال: إنه كاف للمجتهد مغن المقلد ، انتهى .
وقال العلامة الشاه عبد العزيز فى ((بستان المحدثين)»: تصانيف الترمذى
فى هذا الفن كثيرة، وأحسنها هذا الجامع ، بل هو أحسن من جميع كتب
الحديث من وجوه .
الأول : من جهة حسن الترتيب وعدم التكرار .
والثانى: من جهة ذكر مذاهب الفقهاء ووجوه الاستدلال لكل أحد
من أهل المذاهب .
والثالث: من جهة بيان أنواع الحديث عن الصحيح والحسن ، والضعيف
والغريب ، والمعلل .
والرابع: من جهة بيان أسماء الرواة وألقابهم وكناهم. والفوائد الأخرى
المتعلقة بعلم الرجال انتهى .
وقال الحافظ قطب الدين القسطلانى :
أحاديث الرسول جلا الهموم. وبرء المرء من ألم الكلوم
وعرف بالصحيح من السقيم
فلا تبغ بها أبداً بديلا
لعلم الشرع مغن عن علوم
وأن الترمذى لقد تصدى
فأضحى روضه عطر الشميم
غدا خضراً نضيراً فى المعانى
ومن علل ومن فقه قويم
فمن جرح وتعديل حواه
ومن أثر ومن أسماء قوم ومن ذكر الكنى لصد فهيم

- ٣٥٩ -
ومن قول الصحاب وتابعيهم
ومن نقل إلى الفقهاء يغرى
ومن طبقات أعصار تقضت
وقسم ما روى حسناً صحيحاً
ففاق مصنفات الناس قدماً
وجاء كأنه بدر تلالا
فنافس فى اقتباس من نفيس
فإن الحق أبلج ليس يخفى
وفضل العلم يظهر حين يأتى
فقارى المسلم يرقى للثريا
وليس العلم ينفع من حواه
كتاب الترمذى غدا كتاباً
وإسنادى له فى العصر يغلف
فربى الله أحمد كل حين
وصل مدی الزمان على رسول
وقال بعضهم :
ومن نسخ ومشتبه الأسامى ومن فرق ومن جمع فهيم
بحل أو بتحريم عميم
ومن معنى بديع مستقيم
ومن حل لمنعقد عقيم
غريباً فارتضاه ذوو الفهوم
وراق فكان كالعقد النظيم
يغير غياهب الجهل العظيم
بأنفاس ودع قول الخصوم
طلاوته على الذهن السليم
عن الأرواح مألوف الجسوم
ويبقى بالثرى أثر الرسوم
بلا عمل يعين على القدوم
يعطر نشره فى النسيم
أساوى فيه ذا سن قديم
على إيلاء أفضال عيم
يفوح لذكره أرج النسيم
جلت أزهاره زهر النجوم
بألقاب أقيمت كالرسوم
نجوم للخصوص والعموم
وقد بأن الصحيح من القيم
معالمه لطلاب العلوم
كتاب الترمذى رياض علم
به الآثار واضحة أبينت
فأعلاها الصحاح وقد أنارت
ومن حسن يليها أو غريب
فعلله أبو عيسى مبيناً
وطرزه بآثار صحاح تخيرها أولو النظر السليم
(١) الحسن والبهجة .

- ٣٦٠ -
من العلماء والفقهاء قدماً وأهل الفضل والنهج القويم
تنافس فيه أرباب العلوم
نجاء كتابه علقاً نفياً
ويقتبسون منه نفيس علم
كتبناه رويناه لنروى
وغاص الفكر فى بحر المعانى
فأخرج جوهراً يلتاح نوراً
ليصعد بالمعانى للمعالى
محمل العلم لا يأوى تراباً
فمن قرأ العلوم ومن رواها
فإن الروح تألف كل روح
تحلى من عقائده عقوداً
وتدرك نفسه أسنى ضياء
ويحيى جسمه أحلى لذاذ
جزى الرحمن خيراً بعد خير
وألحقه بصالح من حواه
يفيد نفوسهم أسنى الرسوم
من التسليم فى دار النعيم
فأدرك كل معنى مستقيم
فقلا عقده أهل الفهوم
بسعد بعد توديع الجسوم
ولا يبلى على الزمن القديم
لتنقله إلى المعنى المقيم
وريحاً منه عاطرة النسيم
منظمة بياقوت وثوم
من العلم النفيس لدى العليم
محياه(١) على الخير الجسيم
أبا عيسى على الفعل الكريم
مصنفه من الجمل (٢) العظيم
محمد المسمى بالرحيم
وكان سميه فيه شفيعاً
فإن لذكره أزكى النسيم
صلاة الله تورثه علاء
الفصل الثالث
فی ذ کر رواة جامع الترمذى
قال الحافظ أبو جعفر بن الزبير فى برنامجه : روى هذا الكتاب عن
الترمذى ستة رجال فيما علمته: أبو العباس محمد بن أحمد محبوب ، وأبوسعيد
الهيثم بن كليب الشاشى، وأبو ذر محمد بن إبراهيم، وأبو محمد الحسن بن إبراهيم
(٢) الجمل : الجماعة من الناس.
(١) المحيا : الوجه .