النص المفهرس

صفحات 301-320

- ٢٠١ -
تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنین ؟ فإنه مات سنة ست ومائة ، وقيل
خمس، وقيل أربع، وقيل ثلاث ، وقيل ثمان . وسأل الحاكم محمد بن حاتم
الكسنى عن مولده لما حدث عن عبد بن حميد فقال: سنة ستين ومائتين.
فقال : هذا سمع من عبد بعد موته بثلاث عشرة سنة . قال حفص بن غياث
القاضى : إذا اتهمتم الشيخ حاسبوه بالسنين ، يعنى سنه وسن من كتب
عنه ، انتهى .
.وكثير من الكتب الجامعة لرجال الحديث، يتعرض فى الأكثر لذكر
الوفيات ، وقد أفرد الوفيات بالتأليف جمع من العلماء، فقد ابتدأ أبو سليمان محمد
ابن عبد الله الحافظ بجمع وفيات النقلة من وقت الهجرة فوصل إلى سنة ٣٣٨
ثم ذيل على كتابه الإمام أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الكتانى الدمشقى الصوفى،
المتوفى سنة ست وستين وأربعمائة ، ثم ذيل على الكتانى أبو محمد هبة الله بن
أحمد الأكفانى ذيلاصغيراً يشتمل على نحو عشرين سنة وصل فيه إلىسنة خمس
وثمانين وأربعمائة، ثم ذيل على الأكفانى الحافظ العلامة على بن المفضل المقدسى،
ثم الإسكندرانى المالكى، المتوفى سنة إحدى عشرة وستمائة وصل إلى سنة
إحدى وثمانين وخمسمائة ، ثم ذيل على ابن المفضل عبد العظيم بن عبد القوى
المنذرى ذيلاً كبيراً فى ثلاثة مجلدات سماه ((التكملة لوفيات النقلة)). ثم ذيل على
المنذرى تلميذه الشريف عز الدين أحمد بن محمد الحسينى إلى سنة أربع وسبعين
وستمائة . وذيل على عز الدين المحدث أحمد بن أيبك الدمياطى إلى سنة تسع
وأربعين وسبع مائة ، وذيل على ابن أيبك الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم
العراقى ، والكل مرتب على حسب وفياتهم فى السنين والشهور، لاعلى ترتيب
حروف الهجاء .
ومن الكتب المفردة بوفيات النقلة ، تاريخ الإمام الحافظ القاسم بن محمد
البرزالى الأشبيلى ، ثم الدمشقى الشافعى ، وقد ذيل عليه الحافظ تقى الدين بن

- ٣٠٢ -
رافع من سنة ٧٣٧ إلى ٧٧٤ . وذيل الذيل تقنى الدين بن حجر ، ومنها
((وفيات الشيوخ)) لمبارك بن أحمد الأنصارى، ولإبراهيم بن إسماعيل المعروف
بالحبال كتاب ((الوفيات)).
الفصل الثامن والثلاثون
فى ذكر الكتب المصنفة فى أسماء الصحابة
فأول من يعرف عنه التصنيف فى هذا النوع، أبو محمد عبد الله محمد بن
إسماعيل البخارى ، أفرد أسماء الصحابة فى مؤلف، وجمعها مضمومة إلى من
بعدهم جماعة من طبقة مشائخه ، كخليفة بن الخياط المحدث النسابة ، ومحمد بن
سعد الذى بلغ مؤلفه خمسة عشر مجلداً . ومن قرنائه كالإمام الحافظ أبى يوسف
يعقوب بن سفيان الفارسى الفسوى ، المتوفى سنة سبع وسبعين ومائتين .
والإمام الحافظ أبى بكر أحمد بن أبى خيثمة زهير بن حرب ، المتوفى سنة تسع
وسبعين ومائتين . وصنف فى الصحابة خاصة جمع بعده ، كالحافظ الكبير
أبى القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوى الأصل البغدادى، والحافظ.
الكبير أبى بكر عبد الله بن أبى داود السجستانى، ثم على بن السكن ،
وأبو بكر عمر بن أحمد المعروف بابن شاهين ، المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاث
مائة. وأبو منصور البارودى . والحافظ الإمام أبو القاسم سليمان بن أحمد
الطبر انى ، المتوفى سنة ستين وثلاثمائة .
قال السيوطى فى التدريب : النوع التاسع والثلاثون معرفة الصحابة . هذا
علم كبير جليل عظيم الفائدة ، وبه يعرف المتصل من المرسل ، وفيه كتب كثيرة
مؤلفة، ككتاب ((الصحابة )) لابن حبان ، وهو مختصر فى مجلد . و کتاب
أبى عبد الله بن منده ، وهو كبير جليل ، وذيل عليه أبو موسى المدينى.
وكتاب أبى نعيم الأصبهانى، وكتاب العسكرى . ومن أحسنها وأكثرها

- ٢٠٣ -
فوائد ((الاستيعاب)) لابن عبد البر، لولا ما شانه بذكر ماشجر بين الصحابة
وحكايته عن الإخباريين ، والغالب عليهم الإكثار والتخليط فيما يروونه،
وذيل عليه ابن فتحون .
قال المصنف ( يعنى النووى) زيادة على ابن الصلاح : وقد جمع
أبو الحسن على بن محمد بن الأثير الجزرى فى الصحابة كتاباً حسناً أسماه («أسد
الغابة )) جمع فيه كتباً كثيرة، وهى كتاب ابن منده، وأبى موسى، وأبى
نعيم، وابن عبد البر، وزاد من غيرها أسماء ، وضبط وحقق أشياء حسنة
على ما فيه من التكرار بحسب الاختلاف فى الاسم والسكنية .
قال المصنف : وقد اختصرته بحمد الله ولم يشتهر هذا المختصر ، وقد
اختصره الذهبي أيضاً فى كتاب لطيف سماه ((التجريد)). ولشيخ الإسلام
( يعنى الحافظ ابن حجر) فى ذلك ((الإصابة في تمييز الصحابة)) كتاب حافل ،
وقد اختصرته انتهى . وقد ألف كل من البخارى ومسلم كتاباً فى أسماء الوحدان
أى الصحابة الذين ليس لهم إلا حديث واحد. وكذلك ألف يحيى بن
عبد الوهاب بن منده الأصبهانى ، المتوفى سنة إحدى عشرة وخمسمائة ، كتاباً
فى (( من عاش من الصحابة، عشرين سنة ومائة)).
الفصل التاسع والثلاثون
فى ذكر الكتب المصنفة فى المختلف والمؤتلف والمتفق والمفترق
والمشتبه من الأسماء والألقاب والأنساب ونحوها
قال السيوطى فى التدريب: هو فن جليل يقبح جهله بأهل العلم لاسيما أهل
الحديث ، ومن لم يعرفه يكثر خطأه ويفتضح بين أهله، وهو ما يتفق فى الخط
دون اللفظ ، وفيه مصنفات لجماعة من الحفاظ . وأول من صنف فيه عبد الغنى
ابن سعيد، ثم شيخه الدار قطنى وتلاهما الناس ، ولكن أحسنها وأ كملها

- ٣٠٤ -
((الإكال)) لابن ماكولا. قال ابن الصلاح - على إعواز فيه - قال المصنف
( يعنى النووى): وأتمه الحافظ أبو بكر بن نقطة بذيل مفيد ، ثم ذيل على ابن
نقطة الحافظ ، جمال الدين بن الصابونى ، والحافظ منصور بن سليم ، ثم ذيل
عليها الحافظ علاء الدين مغلطائى بذيل كبير ، وجمع فيه الحافظ أبو عبد الله
الذهبى مجلداً سماه ((مشتبه النسبة)» فأجحف فى الاختصار، واعتمد على ضبط
القلم، جاء شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر فألف ((تبصير المنقبه بتحرير
المشتبه)) فضمنه وحرره وضبطه بالحرف ، واستدرك ما فاته فى مجلد ضخم،
وهو أجل كتب هذا النوع وأتمها ؛ انتهى .
ومن الكتب المؤلفة فى ذلك ((تلقيح الأفهام فى المختلف والمؤتلف))
للحافظ الإمام المؤرخ كمال الدين أبى الفضائل عبد الرزاق بن أحمد بن محمد
الصابونى المعروف بابن الفُوطَى، المتوفى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة .
ومنها: كتاب ((المؤتلف والمختلف)) للعلامة على بن عثمان بن إبراهيم
الماردينى علاء الدين الشهير بابن التركانى ، المتوفى سنة خمس
وأربعين وسبعمائة .
ومنها: كتاب (المؤتلف والمختلف)) لأبى القاسم يحي بن على الحضرمى
ابن الطحان المصرى المؤرخ، المتوفى سنة ست عشرة وأربعمائة.
ومنها: كتاب ((المختلف والمؤتلف)) لأبى أحمد الحسن بن عبد الله بن
سعيد العسكرى صاحب التصانيف المفيدة ، كانت ولادته يوم الخميس لست
عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلاث وتسعين ومائتين ، وتوفى يوم الجمعة
السبع خلون من ذى الحجة سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة .
ومنها: ((كتاب المختلف والمؤتلف)) لأبى المظفر محمد بن أحمد المعاوى(١)
(١) كذا فى الأصل - والصحيح هو ((الأموى)) كذا ورد بقواميس الأعلام ((المصحح))

- ٣٠٥ -
الأبيوردى الشاعر المشهور ، المتوفى سنة سبع وخمسمائة .
وأما (( المتفق والمفترق)) فهو ما يتفق خطه ولفظه، ولكن يفترق شخصه
كالخليل بن أحمد اسم لمدة أشخاص . ومن ألف فيه أبو بكر أحمد بن على بن
ثابت الخطيب كتابه (( المتفق والمفترق)).
وأما المشتبه ، فهو ما تتفق فيه الأسماء خطاً ونطقاً ، وتختلف الآباء أو النسب
نطقاً مع ائتلافها خطاً أو بالعكس ، كمحمد بن عقيل بكسر القاف ، ومحمد بن
عقيل بفتحها، وشريح بن النعمان ، وسريج بن النعمان ، الأول بالشبن المعجمة
والحاء المهملة ، والثانى بالسين المهملة والجيم.
ومن الكتب المصنفة فى ذلك كتاب ((مشتبه النسبة)) للحافظ عبد الغنى
ابن سعيد الأزدى المصرى أوله: الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله
على سيدنا محمد رسوله وعلى أبرار عترته وسلم تسليما ، أما بعد : فإنى لما صنفت
كتابى فى مؤتلف أسماء المحدثين ومختلفها ، فنظرت فإذا من ينسب منهم
إلى قبيلة أو بلدة أو صنيعة قد يقع فيها من التصحيف والتحريف مثل ما يقع
فى الأسماء والكنى التى حواها كتاب ((المؤتلف والمختلف)) الذى تقدم تصنيفى
إياه قبل هذا الكتاب وغيره، فاستخرت الله تعالى وألفت كتاباً فى المنسوب
منهم إلى قبيلة أو بلدة أو صنيعة يشتبه انتسابه فى الخط ويفترق فى اللفظ والمعنى
على من ليس له بذلك علم ولا له به دراية
ومنها ((تلخيص المتشابه)) للخطيب وهو من أحسن كتبه.
(٢٠ - مقدمة تحفة الأحوذي - ١)

- ٣٠٦ -
الفصل الأربعون
فى ذكر بعض الأصول التى ذكرها الحنفية أو غيرهم
لرد الأحاديث الصحيحة والكلام عليها
فمنها: ما قال بعضهم فى مقدمة شرحه الموطإ: إن عمل أحد من الأثمة
المعروفين على حديث يكفى لتصحيح الحديث ، سيما لموافقيه ومقلديه ، بل هو
فوق تصحيح المحدثين انتهى .
قلت : عمل إمام من الأئمة المعروفين على وفق حديث رواه ، لا يكفى
لتصحيح ذلك الحديث البتة ، ولا یکون عمله و فتیاه على وفقه حكماً منه بصحته،
وهذا هو الحق ، وأما عمله وفتياه على وفق حديث لم يروه ، فعدم كفايته
لتصحيح ذلك الحديث ، وعدم كونه حكماً منه بصحته أظهر وأبين ، لاحتمال
أنه لم يبلغه .
قال النووی فی التقریب : وعمل العالم وفتیاه على وفق حديث رواه ، ليس
حكماً بصحته ، ولا مخالفته قدح فى محته ولا فى رواته اتهى .
وقال السيوطى فى التدريب : وعمل العالم وفتياه على وفق حديث رواه،
ليس حكماً منه بصحته ، ولا بتعديل رواته لإمكان أن يكون ذلك منه
احتياطً أو لدليل آخر وفق ذلك الخبر . وصحح الآمدى وغيره من الأصوليين
أنه حكم بذلك. وقال إمام الحرمين: إن لم يكن فى مسالك الاحتياط . وفرق
ابن تيمية بين أن يعمل به فى الترغيب وغيره ، ولا مخالفته له قدح منه فى محته
ولافى رواته ، لإمكان أن يكون ذلك لمانع من معارض أو غيره .
وقد روى مالك حديث الخيار ولم يعمل به لعمل أهل المدينة بخلافه ، ولم
يكن ذلك قدحاً فى نافع راويه . وقال ابن كثير: فى القسم الأول نظر إذا لم

- ٣٠٧ -
يكن فى الباب غير ذلك الحديث ، وتعرض للاحتجاج به فى فتياه أو حكمه ،
واستشهد به عند العمل بمقتضاه .
قال العراقى : والجواب أنه لا يلزم - من كون ذلك الباب ليس فيه غير هذا
الحديث - أن لا يكون ثم دليل آخر من قياس أو إجماع، ولا يلزم المفتى أو
الحاكم أن يذكر جميع أدلته بل ولا بعضها، ولعل له دليلا آخر، واستأنس
بالحديث الوارد فى الباب وربما كان يرى العمل بالضعيف وتقديمه على القياس
كما تقدم، انتهى ما فى التدريب .
ومن ههنا ظهر أن قول الشعرانى فى كشف الغمة: لولا ماصح (أى الحديث)
عنده (أى عند المجتهد) ما استدل به، ولا يقدح فيه تجريح غيره من المحدثين
والمجتهدين من طريق روايتهم انتهى. وكذا قوله فيه فى موضع آخر ، ولم أعز
أحاديثه إلى من خرجها من الأئمة ، لأنى ما ذكرت فيه إلا ما استدل ب: الأئمة
المجتهدون لمذاهبهم، وكفانا صحة لذلك الحديث استدلال مجتهد به انتهى . مجرد
دعوى لا دليل عليها ، ألا ترى أن الإمام أبا حنيفة قد عمل على وفق حديث:
((لامهر أقل من عشرة دراهم)) وقد صرح الحنفية بأنه حديث ضعيف . قال
فى الهداية: ولنا قوله صلى الله عليه وسلم: (( ولا مهر أقل من عشرة)).
. قال الزيلحى الحنفى فى نصب الراية ص ١٩ ج ٢ قال عليه السلام: ((لامهر
أقل من عشرة دراهم))، قلت: تقدم فى الكفاءة حديث مبشر بن عبيد،
حدثنى الحجاج بن أرطاة ، عن عطاء وعمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء،
ولا يزوجهن إلا الأولياء، ولا مهر دون عشرة دراهم» انتهى. وهو حديث
ضعيف تقدم الكلام عليه ، انتهى ما فى نصب الراية بلفظه .
وقال الفاضل اللكنوى فى عمدة الرعاية فى شرح قوله ((أقله عشرة دراهم))
هذا عندنا ، أى تعيين الأقل بعشرة دراهم مذهبنا لأحاديث وردت بذلك ، ثم

- ٣٠٨-
ذكرها، ثم قال: إن هذه الأحاديث كلها أسانيدها مجروحة غير قابلة لأن
يحتج بها . وأجاب عنه العينى فى البناية : بأنه إذا روى الحديث من طرق
مفرداتها ضعيفة يصير حسناً ، ويحتج به . أقول لا يخفى ما فيه ، فإن بكثرة
الطرق إنما يصير الحديث حسناً إذا كان الضعف فيها يسيراً فينجبر بالتعدد ، لا
إذا كانت شديدة الضعف بأن لا يخلو واحد منها عن كذاب أو متهم، والأمر
فيما نحن فيه كذلك انتهى ملخصاً.
ومنها : أنه لو رأى أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام ، وسأله
عن حديث لا يعلم صحته هل هو صحيح أم لا ، فقال: هو حديث صحيح ، فهذا
الحديث يكون صحيحاً قابلا للاحتجاج. وكذا تثبت صحة الحديث بالكشف(١)
والإلهام، ويجوز الاحتجاج به. قال الشيخ محى الدين محمد بن على المعروف
بابن عربى الطائى المالكى ، المتوفى سنة ثمان وثلاثين وستمائة : بلغنى عن النبى
صلى الله عليه وسلم أن من قال لا إله إلا الله سبعين ألفاً غفر له، ومن قيل له
غفر له أيضاً ، فكنت ذكرت التهليلة بالعدد المروى من غير أن أنوى لأحد
بالخصوص ، بل على الوجه الإجمالى ، حضرت طعاماً مع بعض الأصحاب وفيهم
شاب مشهور بالكشف، فإذا هو فى أثناء الأكل أظهر البكاء، فسألته عن
السبب فقال : أرى أمى فى العذاب ، فوهبت فى باطنى ثواب التهليلة المذكورة
لها ، فضحك وقال: إنى أراها الآن فى حسن المآب. قال الشيخ فعرفت صحة
الحديث بصحة كشفه، وصحة كشفه بصحة الحديث انتهى.
وقد عقد الشيخ باباً فى الفتوحات المكية للعارفين والأولياء الآخذين عن
(١) لعمرى إن مجه الأحاديث لا تثبت بالكشف والإلهام والأحلام ، بل إن مدار الصحة
على العلم والصدق والصحو والتنبه والتذكر - وإن أكثر ما ورد من كلام ابن عربى فى
الفتوحات المكية وفصوص الحكم وغيرهما ، لباطل . بل من أبطل الباطل ، فلا يعتد به ،
ولا بعول عليه ولا على كلام أمثاله من الصوفية المغالين . المصجح .

- ٢٠٩ -
باطن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ماخصوا به من طريق معهود فى أخذ
الأحكام عن النبى صلى الله عليه وسلم فقال : إن أحدهم إذا احتاج فى واقعة أو
سؤال عن حديث ، رأى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فینزل عليه جبرائيل
عليه السلام ، فيسأله عما احتاج إليه الولى ، فيجيبه النبى صلى الله تعالى عليه
وسلم، ويسمع هذا الولى، فيتى ما قال صلى الله تعالى عليه وسلم ، قال وهذا
كما سأل جبرائيل عليه السلام من الإيمان وشرائع الإسلام ، فأجابه صلی الله
تعالى عليه وسلم ووعوه. قال ونصحح من هذا الطريق أحاديث النبى صلى الله
تعالى عليه وسلم ، فرب حديث صحيح عند أهل الفن لا يثبت عندنا من هذا
الطريق ، ورب موضوع عندهم يصح بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم، هذا
حديث قلته انتهى .
قلت : إن الحديث الذى لا يعلم صحته لا يكون صحيحاً بتصحيحه صلى الله عليه
وسلم فى المنام ولا بالكشف والإلهام ، فإن أمثال هذا الحكم لا تثبت بقوله
صلى الله عليه وسلم فى المنام ، وإنما تثبت بقوله فى حياته فى الدنيا ، ولأن مدار
تصحيح الحديث على الإسناد . قال القارى فى شرح النخبة: وأما الكشف
والإلهام تخارجان عن المبحث لاحتمال الغلط فيها انتهى .
وقال العينى فى بعض أسئلته وأجوبته ما لفظه: منها ما قيل إن رؤيا النبى
عليه الصلاة والسلام إذا كانت حقاً فهل يطلق عليه الصحابى أم لا . أجيب
بلا ، إذ لا يصدق عليه حد الصحابى ، وهو مسلم رأى النبى عليه الصلاة
والسلام ، إذ المراد منه الرؤية المعهودة الجارية على العادة ، أو الرؤية فى حياته
فى الدنيا ، لأن النبى عليه الصلاة والسلام هو المخبر عن الله ، وهو ما كان
مخبراً عنه الناس فى الدنيا لا فى القبر .
ومنها : ما قيل الحديث المسموع منه فى المنام ، هل هو حجة يستدل به

1
- ٣١٠ -
أم لا ؟ أجيب بلا ، إذ يشترط فى الاستدلال به أن يكون الراوى ضابطاً
عند السماع، والنوم ليس حال الضبط .
ومنها : التقرير الذى نقله بعض الحنفية فى آخر مقدمة شرحه للموطإ عن
بعض مشائخه، وهو أن المشهور على ألسنة العلماء أن صحيح البخارى أصح
الكتب بعد كتاب الله، وهذا صار كالمجمع عليه فيما بينهم ، فإذا عمل أحد
الأئمة بحديث خالف ظاهره حديث البخارى ، قالوا يلزم المخالفة بين المشهور
وبين هذا العمل ، خصوصاً الحنفية ، فإنهم متهمون بهذا أكثر من غيره ،
فلهذا تحتاج المقولة المشهورة إلى التوضيح والتشريح، وطريقته إيضاح معناها
بحيث يزول الاشتباه . وأيضاً قد اشتهر عند المحدثين بناء على المقولة المشهورة
أن أقسام الصحيح سبعة ، أصحها ما اتفق عليه الشيخان ، ثم ما أخرجه البخارى
الخ، فإذا وقع العمل بما يخالف حديث البخارى ألزموا العامل بما لا يلزم . وقد
تكلم صاحب فتح القدير فى هذا المقام فى انحصار أصح الحديث فى البخارى ،
لكن المقام بعد فى خفاء .
وطريق الإيضاح: أن يبين أن المراد بكونه أصح الكتب أن مصنفه فى
هذا الكتاب اشترط فى صحة الحديث مالم يشترط غيره من المحدثين وشدد فيها ،
وإن خالف بعض تلاميذه فى هذا الاشتراط ، كالمسلم على مالا يخفى على القاربين،
ومعناه أن الكتاب بمجموعه أصح من بقية الكتب من حيث المجموع ،
وليس معناه أن كل حديث فى البخارى فهو أصح من كل حديث مما فى غيره
من الكتب كما فهموا، وهذا لا ينافى أن يعمل بحديث خالف حديثاً مما فى
البخارى ، فإن الفرق بين أحكام الكل الإفرادى والمجموعى مما لا يخفى على
الواقف ، فرب موضع يصح الحكم على الكل الإفرادى ولا يصح على المجموعى،
ورب موضع بالعكس، كما يقال كل إنسان يشبعه هذا الرغيف ، فههذا إن أريد أن
هذا الفرد من الرغيف يشبع مجموع أفراد الإنسان فلا يصح وإن أريد أنه يشبع

- ٣١١-
واحداً من أفراد الإنسان أى فرد كان، فهو صحيح لا محالة . ومثال العكس
كل إنسان يحمل هذا الحجر المخصوص إلى غير ذلك من الأمثلة .
والطريق الثانى: أنه لا يخفى أن فى صحيح البخارى من الأحاديث ما هو
صحيح بالانفاق وضعاف بالاتفاق ، ومختلف فيها ، حتى أن البخارى بنفسه صرح
فى الكتاب بالنسبة ببعض الأحاديث أنه لا يصح، فكيف يدعى كل حديث
مما فى البخارى أصح مما فى غيره من الكتب . فلا محالة يضطر إلى التخصيص
ببعض الأحاديث التى ليست فى التراجم .
وقد تكلم الدار قطنى على أحاديث البخارى حديثاً حديثاً ، واعترض
على كثير من أحاديثه ، وإن أجاب عن أكثرها صاحب فتح البارى فى مقدمة
الصحيح، لكن اضطر إلى الاعتراف بكون بعض أحاديثه ضعيفاً وأنصف
وإن كان مولعاً بتصحیح أحاديثه .
والطريق الثالث: بعد تسليم أصحية أحاديثه ، أن العمل على حديث غيره
. لا ينافى أصحيته ، فقد يوجد فى المفوق ما يفوق به الفائق ، ويجعل المفضول فاضلا
بل أفضل ، ونظائره فى الشريعة غير قليلة ، كما أن القياس ظنى ، لكن ما كان
بعلة منصوصة فهو قطعى ، وكذا خبر الواحد ظنى، لكن المحفوف بالقرأن
قد يكون قطعياً، صرح به الشيخ صاحب فتح البارى فى شرح النخبة ، فى
حديث تحويل قبلة أهل قباء. وكذا لا يخفى على من نظر فى كتب الحديث
أن أهل الحديث يصرحون بصحة حديث مع كون العمل على خلافه إجماعاً .
فيهذا التقرير ظهر أن أصحية الحديث لا ينافى العمل على خلافه ، وهذا ليس
بخلافية بل إجماع من العلماء، كما إذا صار الحديث الصحيح منسوخاً فهذا ليس
فيه خلاف أن العمل ههذا متحقق بخلاف المنسوخ مع كونه صحيحاً إجماعاً . فلو
سلمنا أن البخارى أصح الأحاديث لكن فيه المنسوخ والعمل بخلافه لا محالة ،
فقد انحل الإشكال وزال الاشتباه .
:

- ٣١٢ -
والطريق الرابع: أن الحكم بصحة الحديث إنما يكون بالاجتهاد لا بالقطع ،
فيمكن أن يخالف اجتهاده اجتهاد غيره فى تصحيح الأحاديث ، كما هو المشاهد
فيما بين العلماء، فرب حديث ضعيف عند واحد من المحدثين ، وهو محيح
عند غيره انتهى .
قلت : هذا التقرير وإن ذكره هذا البعض مفتخراً به ، وإظهاراً لجلانة شأن
بعض مشائخه ، حيث قال فى أوله تقرير أنيق أفاده بعض مشائخى أدام الله
علوه ، بختم به هذه المقدمة ، وإن جاء بعض معانيه فى الأوراق المتقدمة بمواضع
شتى ، لكن جلالة لكلامه ذكرناه بدون التغيير فى ألفاظه . وقال فى آخره
انتهى بلفظه الشريف ، لكنه مخدوش من جهة اللفظ والمعنى ، أما من جهة
اللفظ فقوله كالمسلم ، بالألف واللام ليس بصحيح، والصحيح كمسلم بغير الألف
واللام ، لأن مسلماً صاحب الصحيح لا يقال له المسلم، بل يقال له مسلم بدون
الألف واللام ، فإن كنت فى شك منه فانظر بلوغ المرام ، ومشكاة المصابيح ،
والمنتقى، والترغيب والترهيب للمنذرى، وتلخيص السنن له، وآثار السنن
للنيموى ، وشرح مسلم للنووى ، وفتح البارى وعمدة القاری ، وغير ذلك من
الكتب التى وقع فيها ذكر الإمام مسلم صاحب الصحيح رحمه الله تعالى ، هل
وقع فيها المسلم بالألف واللام ، أم وقع فيها مسلم بدون الألف واللام . فإن
طالعت هذه الكتب وغيرها من أولها إلى آخرها لا تجد المسلم بالألف واللام
البتة ، فالعجب من صاحب هذا التقرير الأنيق أنه كيف قال كالمسلم .
فإن قال قائل : المسلم كالحارث ويجوز فيه الوجهان دخول اللام عليه ،
وزعها عنه ، فكذا فى مسلم يجوز دخول اللام ونزعها عنه .
قلنا : دخول الألف واللام على مثل الحارث موقوف على السماع . قال ابن
هشام فى مغني اللبيب: أل على ثلاثة أوجه ، ثم قال بعد ذكر الوجهين الأولين :
الوجه الثالث : أن تكون زائدة ، وهى نوعان ، لازمة وغير لازمة ، ثم قال بعد

- ٣١٣ -
ذكر النوع الأول، والثانية نوعان كثيرة واقعة فى الفصيح وغيرها ، فالأولى
الداخلة على علم منقول من مجرد صالح لها مدوح ، أصله كارث ، وعباس ،
وضحاك، فتقول فيها : الحارث والعباس والضحاك ، ويتوقف هذا النوع على
السماع ، ألا ترى أنه لا يقال مثل ذلك فى نحو محمد ومعروف وأحمد انتهى.
ولا شك أنه ليس مسلم من نحو حارث وعباس ، ولم ينقل عن أحد من
المتقدمين إدخال الألف واللام على مسلم ، ولا وقع فى كتاب من كتبهم المسلم
بالألف واللام ، فلا يَصح قول صاحب هذا التقرير كالمسلم بالألف واللام .
وأما قوله: لا يخفى أن فى صحيح البخارى من الأحاديث ما هو صحيح
بالاتفاق وضعاف بالاتفاق ، ففيه أن قوله ضعاف إما معطوف على ما الموصولة
أو على قوله صحيح ، وعلى الأول يجب أن يكون قوله ضعاف بالنصب دون
الرفع ، لأن مافى محل النصب على أنه اسم أن ، وعلى الثانى يجب أن يكون قوله
ضعاف بالإفراد دون الجمع ، وألا يكون تقدير الكلام أن فى صحيح البخارى
من الأحاديث ما هو ضعاف وهو فاسد لعدم المطابقة بين المبتدأ وهو لفظ هو ،
- وبين خبره وهو لفظة ضعاف .
وأما قوله : ومختلف فيها ، فقيه أيضاً أنه إما معطوف على الموصولة وإما
معطوف على قوله صحيح ، وعلى الأول يجب أن يكون مختلفاً فيها بالنصب كما
عرفت ، وعلى الثانى يجب أن يكون مختلف فيه بتذكير الضمير المجرور
لا بتأنيثه .
وأما قوله: حتى أن البخارى بنفسه صرح فى الكتاب ، ففيه أنه لا حاجة
إلى زيادة الباء فى قوله بنفسه بل كان عليه أن يقول حتى أن البخارى نفسه
صرح فى الكتاب ، فإنه لا يقال جاء زيد بنفسه ، بل يقال جاء زيد نفسه .
وأما قوله: ((بالنسبة ببعض الأحاديث )) ففيه أنه كان عليه أن يقول بالنسبة

- ٣١٤ -
إلى بعض الأحاديث، فإن صلة النسبة تأتى إلى لا بالباء ، قال فى المنجد :
يقال بالنسبة إلى كذا أى بالنظر إليه ، وبالقياس عليه .
وأما قوله: «فكيف يدعى كل حديث مما فى البخارى أصح مما فى غيره
من الكتب )) ففيه أنه كان عليه أن يقول فكيف يدعى أن كل حديث
مما فى البخارى أصح مما فى غيره من الكتب بزيادة أن بعد قوله ((فكيف
يدعى )) .
وأما قوله: ((وإن جاب عن أكثرها صاحب فتح البارى فى مقدمة
الصحيح)) ففيه مسامحة ظاهرة ، فإن الحافظ ابن حجر العسقلانى إنما أجاب
عن اعتراض الدار قطنى فى مقدمة فتح البارى لا فى مقدمة الصحيح ، بل ليس
للحافظ ابن حجر مقدمة للصحيح ، فكان لصاحب التقرير أن يقول : وإن
أجاب عن أكثرها صاحب فتح البارى فى مقدمته
وأما قوله: ((وهذا ليس بخلافية بل إجماع من العلماء)) ففيه أن اسم ليس
وهو الضمير المستكن فيه الراجع إلى هذا مذكر وخبره ، وهو قوله بخلافية
مؤنث، فلا مطابقة بينهما ، فكان عليه أن يقول ، وهذا ليس فيه خلاف ،
بل عليه إجماع العلماء أو يقول: هذه المسألة ليست بخلافية، بل عليها إجماع
العلماء ، وفيه خدشات أخرى لا تخفى على المتأمل.
وأماكونه مخدوشاً من جهة المعنى فقوله: ((المشهور أن صحيح البخارى
أصح الكتب بعد كتاب الله وهذا صار كالمجمع عليه فيما بينهم )) ففيه أن قوله
هذا صحيح وبه صرح العلماء الحنفية أيضاً . قال العينى فى شرح البخارى: اتفق
علماء الشرق والغرب على أنه ليس بعد كتاب الله أصح من صحيحى البخارى
ومسلم ، فرجح البعض منهم المغاربة صحيح مسلم على صحيح البخارى ، والجمهور
على ترجيح البخارى على مسلم انتهى.
وقال القارى فى المرقاة ص ١٥ ج ١: اتفقت العلماء على تلقى الصحيحين

- ٣١٥ -
بالقبول، وأنهما أصح الكتب المؤلفة ، ثم الجمهور على أن صحيح البخارى
أرجحهما وأصحهما انتهى .
لكن قوله الآتى ( ومعناه أن الكتاب بمجموعه أصح من بقية الكتب
٠
من حيث المجموع وليس معناه أن كل حديث فى البخارى فهو أصح من كل
حديث مما فى غيره من الكتب كما فهموا) فباطل جداً ، بل الحق والصحيح
هو ما فهموه من أن معناه أن كل حديث مسند فى البخارى أصح من كل
حديث فى غيره من الكتب على سبيل الكل الإفرادى كما فهموا، فتوضيحه
أن المراد بقول العلماء : صحيح البخارى أصح الكتب بعد كتاب الله ، أن كل
حديث مسند فى صحيح البخارى الذى هو على شرطه أصح من كل حديث
فى غيره من الكتب ، وليس معناه أن كل حديث فى صحيح البخارى مطلقاً
مسنداً كان أو معلقاً، وسواء كان على شرطه أو لم يكن ، هو أصح من كل
حديث فى غيره من الكتب .
قال الحافظ فى مقدمة الفتح ص ٤٠١ : الجواب عما يتعلق بالمعلق سهل لأن
موضوع الكتابين إنما هو للمسندات والمعلق ليس بمسند ، ولهذا لم يتعرض
الدار قطنى فيما يتبعه على الصحيحين إلى الأحاديث المعلقة التى لم توصل فى
موضع آخر لعلمه بأنها ليست من موضوع الكتاب ، وإنما ذكرت استيناساً
واستشهاداً انتهى .
والدليل على صحة ما فهموه أن هذا الحكم مبنى على شدة شرط البخارى
صحيحه، واشتراطه فيه ما لم يشترط أحد من أئمة الحديث فى كتابه . وقد
راعى الإمام البخارى شرطه الشديد ، والتزمه فى كل حديث من مسندات
صحيحه على سبيل الكل الإفرادى لافى مجموع أحاديثه من حيث المجموع ،
فظهر بهذا كله أن المراد بقول العلماء أصح الكتب بعد كتاب الله صحيح
البخارى هو أن كل حديث مسند فى صحيح البخارى أصح من غيره على سبيل
أ

- ٣١٦ -
الكل الإفرادى دون الكل المجموعى ، كما فهم صاحب التحرير .
وأما شرط البخارى الذى راعاه فى كل حديث مسند من مسنداته
والتزمه، فقد بينه الحافظ فى مقدمة الفتح ص ١٠ مفصلا . قال : وأما من
حيث التفصيل فقد قررنا أن مدار الحديث الصحيح على الاتصال وإتقان
الرجال وعدم العلل . وعند التأمل يظهر أن كتاب البخارى أتقن رجالا
وأشد اتصالا ، وبيان ذلك من أوجه :
أحدها - أن الذين انفرد البخارى بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة
وبضعة وثلاثون رجلا ، المتكلم فيه بالضعف منهم ثمانون رجلا ، والذين انفرد
مسلم بالإخراج لهم دون البخارى ستمائة وعشرون رجلا ، المتكلم فيه بالضعف
منهم مائة وستون . ولا شك أن التخريج عمن لم يتكلم فيه أصلا أولى من
التخريج عمن تكلم فيه ، وإن لم يكن ذلك الكلام قادحاً .
ثانيها - أن الذين انفرد بهم البخارى ممن تكلم فيه لم يكثر من تخريج
أحاديثهم، وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها كلها أو أكثرها إلا ترجمة
عكرمة عن ابن عباس ، بخلاف مسلم فإنه أخرج أكثر تلك النسخ كأنى الزبير
عن جابر، وسهيل عن أبيه ، والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ، وحماد بن سلمة
عن ثابت وغير ذلك .
ثالثها - أن الذين انفرد بهم البخارى ممن تكلم فيه أكثرهم من شيوخه
الذين لقيهم وجالسهم وعرف أحوالهم ، واطلع على أحاديثهم ، وميز جيدها
من موهونها ، بخلاف مسلم، فإن أكثر من تفرد بتخريج حديثه ممن تكلم
فيه ممن تقدم عن عصره من التابعين ومن بعدهم . ولا شك أن المحدث أعرف
بحديث شيوخه ممن تقدم عنهم .
رابعها - أن البخارى يخرج من أحاديث أهل الطبقة الثانية اتفاقاً، ومسلم
يخرجها أصولاً كما تقدم ذلك من تقرير الحافظ أبى بكر الحازمى . فهذه الأوجه

- ٢١٧ -
الأربعة تتعلق بإتقان الرواة ، وبقى ما يتعلق بالاتصال وهو :
الوجه الخامس - وذلك أن مسلما كان مذهبه على ما صرح به فى مقدمة
صحيحه، وبالغ فى الرد على من خالفه، أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال
إذا تعاصر المعنعن ومن عنعن عنه ، وإن لم يثبت اجتماعهم لا إن كان المعنعن
مدلساً ، والبخارى لا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة .
وقد أظهر البخارى هذا المذهب فى تاريخه وجرى عليه فى صحيحه ، وأكثر منه
حتى أنه ربما خرج الحديث الذى لا تعلق له بالباب جملة إلا ليبين سماع راو من
شيخه لكونه قد أخرج له قبل ذلك شيئاً معنعناً، وهذا مما يرجح به كتابه .
لأنا وإن سلمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال ، فلا يخفى أن شرط البخارى
أوضح فى الاتصال ، وأما ما يتعلق بعدم العلة وهو :
الوجه السادس - فإن الأحاديث التى انتقدت عليها بلغت مائتى حديث
وعشرة أحاديث ، اختص البخارى منها بأقل من ثمانين ، وباقى ذلك مختص
بمسلم . ولاشك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر انتهى مافى مقدمة الفتح .
وأما قوله والطريق الثانى أنه لا يخفى أن فى صحيح البخارى من الأحاديث
ما هو صحيح بالاتفاق وضعاف بالاتفاق ومختلف فيها ، ففيه أنه خلاف لما عليه
جمهور المحدثين ، ولما نقل عن البخارى، فقد روى عنه أنه قال : كنا عند
إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً الصحيح سنة النبى صلى الله
عليه وسلم ، فوقع ذلك فى قلبى ، فأخذت فى جمع الجامع الصحيح . وعن محمد
ابن سليمان بن فارس قال: سمعت البخارى يقول : رأيت النبى صلى الله عليه
وسلم وكأننى واقف بين يديه ، وبيدى مروحة أذب عنه ، فسألت بعض
المعبرين فقال لى : أنت تذب عنه الكذب. فهو الذى حملنى على إخراج
الجامع الصحيح . وروى الإسماعيلى عنه قال: لم أخرج فى هذا الكتاب إلا
صحيحاً، وما تركت من الصحيح أكثر.

- ٣١٨ -
وقال إبراهيم بن معقل النسفى : سمعت البخارى يقول : ما أدخلت
فى كتاب الجامع إلا ماصح، وتركت من الصحيح حتى لا يطول.
وقال أبو جعفر محمد بن عمرو العقيلى . لما ألف البخارى كتاب الصحيح
عرضه على أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلى بن المدينى وغيرهم ،
فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا فى أربعة أحاديث . قال العقيلى: والقول
فيها قول البخارى ، ذكره الحافظ .
فعلم من هذا أن جميع ما فى البخارى صحيح ، وليس فيه حديث ضعيف
ولا مختلف فيه . وأما التعليقات فهى خارجة عن موضوع الكتاب
ومقاصده، ومع ذلك هى محكومة بالصحة إلا ما ورد بصيغة التمريض ، فظهر
بطلان هذا القول(١).
(١) ههنا بياض فى الأصل، وقد أجبت عن الطريق الثالث والرابع فقلت قوله: والطريق
الثالث بعد تسليم أصحية أحاديثه ، أن العمل على حديث غيره لا ينافى أصحيته مخالف الحق والصواب
فإن بين تسليم أصحية أحاديث البخارى وبين العمل بحديث غيره منافاة جداً ، لأنه لما سلم أن
أحاديث البخارى أصح الصحاح مطلقاً وجب تقديم أحاديثه وترجيحها على غيرها عند التعارض
ولزم العمل بها ، ولا يجوز العدول إلى أحاديث غيره بتأويلات واهية محاماة للمذهب كما هو
دأب الحنفية، فإن فى هذا الصغير إباء عن تسليم أصحية أحاديث البخارى وخروجاً عن الإجماع.
قال أبو إسحاق الاسفرائينى : أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التى اشتمل عليها
الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها ، ولا يحصل الخلاف فيها بحال ، وإن حصل فذاك
فى طرقها ورواتها . قال : فمن خالف حكمه خبراً منها وليس له تأويل سائغ للخبر ، نقضنا
حكمه لأن هذه الأخبار تلقتها الأمةفي بالقبول انتهى . والحاصل أنه يؤخذ من حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالأصح فالأصح ، ويعمل به ويتمسك بما هو أقوى وأسند من سننه .
وأما قوله : فقد يوجد فى المفوق مايفوق به الفائق، ويجعل المفضول فاضلا بل أفضل ،
فاصله أن حديث غير البخارى قد يعرضه ما يفوق به حديث البخارى ، ويترجح به عليه .
وفيه أنه لابد حينئذ من أن يكون الحديث المفوق ، أى حديث غير البخارى فى المرتبة العليا
من جميع الجهات ، وحديث البخارى فى المرتبة السفلى من جميع الجهات ، أى لابد بعد وجود
شروط الترجيح وتحققها من أن يوجد فى حديث غير البخارى المرجحات ، باعتبار الإسناد
والمتن والمرجحات بحسب الأمور الخارجية التى اعتبرها المحققون من فقهاء أهل الحديث . =

- ٣١٩ -
ومنها: أن القارى قال فى المرقاة ص ٣٦٤ ج ٢ جهل الراوى المتأخر لايضر
للمجتهد حيث ثبت الحديث عنده وقال به انتهى . وقال بعضهم : إن ضعف
الراوى المتأخر عن المجتهد لا يدل على كون حديثه ضعيفاً عند المجتهد إذا عمل
= قال الحافظ فى شرح النخبة فى ذكر درجات الصحيح : وهذا التفاوت إنما هو بالنظر إلى
الحيثية المذكورة ، أما لو رجح قسم على مافوقه بأمور أخرى تقتضى الترجيح على ما فوقه ، فإنه
يقدم على ما فوقه ، إذ قد يعرض للمفوق ما يجعله فائقاً ، كما لو كان الحديث عند مسلم مثلا وهو
مشهور قاصر عن درجة التواتر ، لكن حفته قرينة صار بها يفيد العلم ، فإنه يقدم على
الحديث الذى يخرجه البخارى إذا كان فرداً مطلقاً ، وكما لو كان الحديث لذى لم يخرجاه من
ترجمة وصفت بكونها أصح الأسانيد ، كمالك عن نافع عن ابن عمر ، فإنه يقدم على ما انفرد به
أحدهما، انتهى .
وحاصل كلامه أنه إنما يحكم بتقديم حديث غير صحيح البخارى ، إذا كان فى المرتبة العليا
من جميع الجهات ، على حديث البخارى إذا كان فى المرتبة السفلى من جميع الجهات . ولاشك
فى أن الأمور التى تجعل حديث غير البخارى فى المرتبة العليا من جميع الجهات ، وتقتضى رجحانه
وتقديمه على حديث البخارى لم توجد فى حديث من الأحاديث التى رجحها الحنفية على أحاديث
البخارى ، ولم يصرح أحد من الأمة النقاد المتقدمين بتحققها فى حديث من أحاديث غيره التى
تمسك بها الحنفية وقدموها ، كما لا يخفى على من له ممارسة بدلائل المسائل الاختلافية ، فمجرد
إمكان وجود الأمور المقتضي للترجيح واحتمال تحققها ، لا يجدى شيئاً ولا يكفى لإثبات مارامه.
صاحب هذا التقرير .
وأما دعوى الحنفية أنهم إنما خالفوا أحاديث البخارى إذا وجدوا فى أحاديث غيره
ما ترجحت به على أحاديث البخارى وفاقتها ، فبطلانها ظاهر على من له خبرة بالمسائل الاختلافية
فقد خالفوا غير قليل من الأحاديث المخرجة فى الصحيحين التى هى صريحة فى مقصودها ومحكمة
غير منسوخة بتأويلات فاسدة ، نصرة لمذهبهم .
وأما قوله: كما أن القياس ظنى ، لكن ما كان بعلة منصوصة فهو قطعي ، ففيه : أن هذا
النوع من القياس أيضاً لم يقل به أحد أنكر القياس مطلقاً كما بين فى محله ، فكيف يكون
قطعياً عنده .
وأما قوله: وكذاخبر الواحد ظنى، لكن المحفوف بالقرآن قد يكون قطعياً، ففيه : أن
كون الخبر المحتف بالقرائن مفيداً للعلم اليقينى مما لا ننكره ، لكن لايلزم منه أن يكون
حدیثغیر البخاری أرجح من حديثه.
قال الحافظ فى النخبة وشرحها : وقد يقع فى أخبار الآحاد المنقسمة إلى مشهور وعزيز
وغريب ما يفيد العلم النظرى بالقرائن على المختار خلافاً لمن أبى ذلك ، والخلاف فى التحقيق =
:

- ٣٢٠ -
به، بل عمله به يدل على كونه صحيحاً عنده، وأمثال هذا الحديث ضعيفة عند
المحدث المتأخر لوقوع الراوى الضعيف بينه وبين النبى صلى الله عليه وسلم هى
= لفظى لأن من جوز إطلاق العلم قيده بكونه نظرياً وهو الحاصل عن الاستدلال ، ومن أبى
الإطلاق خص لفظ العلم بالمتواتر وماعداه عنده ظنى، لكنه لا ينفى أن ما احتف بالقرأن أرجح
مما خلاعنها . والخبر المحتف بالقرائن أنواع، منها ما أخرجه الشيخان فى صحيحهما مما لم يبلغ
حد التواتر ، فإنه احتف به قرأن: منها جلالتهما فى هذا الشأن وتقدمهما فى تميز الصحيح
على غيرهما، وتلقى العلماء لكتابيهما بالقول، وهذا التلقى وحده أقوى فى إفادة العلم من مجرد
كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا يختص بما لم ينتقده (١) أحد من الحفاظ مما فى
الكتابين ، وبما لم يقع التخالف(٢) بين مدلوليه مما وقع فى الكتابين حيث لا ترجيح لاستحالة
أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر وماعدا ذلك فالإجماع على
تسليم صحته . فإن قيل: إنما اتفقوا على وجوب العمل به لاعلى صحته منعناه، وسند المنع أنهم
متفقون على وجوب العمل بكل ماصح ولو لم يخرجه الشيخان ، فلم يبق للصحيحين فيها مزية
والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة . وممن صرح بإفادة ما أخرجه
الشيخان العلم النظرى الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائنى، ومن أئمة الحديث أبو عبد الله الحميدى
وأبو الفضل بن طاهر وغيرهما ؛ ويحتمل أن يقال المزية المذكورة كون أحاديثهما أصح(٣)
الحديث ، انتهى .
(١) قلت الأحاديث المنتقدة أيضاً صحيحة داخلة تحت التلقى والإجماع على صحتها موجود فإن
الانتقاد فى أكثرها وارد على خصوصية السند والمتن وقد أجابوا عن ذلك بما جعلوه هباء منثوراً
حتى حكم المتقنون حكما كلياً أن كل ماضعف من أحاديثهما فهو مبنى على علل ليست بقادحة .
(٢) قلت هذا الاستثناء غير مسلم به ، فإن المتناقضين فى كلام الشارع متناقض عندنا وعدم
الترجيح عند من فرض عدمه عده كائناً من كان لايدل على عدم الترجيح فى نفس الأمر ،
وعدم ظهور الجم عند من لم يظهر له ذلك لا يدل على عدم وجود وجه الجم فى الواقع ، وربما
يظهر كلا الأمرين عند من حكم بامتناعهما بحكم حاله فضلا عن غيره ، وأيضاً الجهل بالتوفيق
والنسخ لا ينافى العلم كما لا يخفى ، فالتناقض فى الظاهر لا ينافى العلم بالمدلول .
(٣) قلت الإجماع على كون أحاديثهما أصح الأحاديث والتلقى لأحاديثهما بالقبول وحده
كاف لكونها مقطوعة الصحة والثبوت، مفيدة للعلم اليقينى. قال الشاه ولى الله المحدث
الدهلوى : أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح
بالقطع، انتهى . وأول من أنكر كون الإجماع مفيداً للعلم ابن الهمام مع تسليمه الإجماع على
أصحية أحاديث الصحيحين ، ولما لم يكن هذا واضحاً مال تلميذه شارح التحرير إلى إنكار
التاقى فقال لم يقع الإجماع على أن أحاديثهما أصح الصحاح ، وهو أول من خرق هذا الإجماع
وسبه مخالفة أحاديثها للمذهب الحنفى. وقد بسط للرد على ابن الهام وتلميذه صاحب دراسات
اللبيب فعليك أن تراجعه .