النص المفهرس
صفحات 241-260
- ٢٤١ - الأحكام المسندة. وشطر أحاديثها أخرجه الشيخان . وهو أعلى ما أخرجه ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر . ثم يليه ما كان إسناده صالحاً وقبله العلماء. ثم يليه ما ضعف إسناده إلى آخر ما قاله الذهبى فى ((سير النبلاء، كماحكاه الكوثرى. ٥ - يقول ابن الأعرابي: إن حصل لأحد علم كتاب الله وسنن أبى داود يكفيه ذلك فى مقدمات الدين . ويقول : لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف وثم كتاب أبى داود لم يحتج معهما إلى شىء من العلم اهـ. ٦ - ويقول الإمام حجة الإسلام الغرالى كما يحكيه ابن كثير : يكفى المجتهد معرفتها من الأحاديث النبوية اهـ. ٧ - وأوفى ما قاله هو نفسه فى كتابه - وأهل مكة أدرى بشعابها - وهناك ما نلتقطه من كلماته عن بعض رواته وما فى رسالته إلى أهل مكة وهى رسالة لا يستغنى عنها باحث فى مراتب أحاديث كتاب أبى داود كما يقوله شيخنا الكوثرى. فيقول : ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموا من هذا الكتاب ويقول : والأحاديث التى وضعتها فى كتاب السنن أكثرها مشاهير. ويقول : وإن من الأحاديث فى كتاب السنن ما ليس بمتصل وهو مرسل ومدلس وهو إذا لم توجد الصحاح عند خاصة أهل الحديث على معنى أنه متصل - إلى أن قال: وأما ما فى كتاب السنن من هذا النحو فقليل. ويقول أبو بكر بن داسة : سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول اللّه صَّ الله خمسمائة ألف حديث. وانتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب (السنن) جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث. ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه الخ. حكاه الخطيب فى تاريخه، ويزيد عليه أبو داود نفسه فى رسالته إلى أهل مكة (( ونحو ستمائة حديث من المراسيل الخ. - ٢٤٢ - ويقول فى رسالته: ولم أكتب فى الباب إلا حديثاً أو حديثين وإن كان فى الباب أحاديث صحاح لأنه يكثر. وإنما أردت قرب منفعته. ويقول : ليس فى كتاب السنن الذى صنفته عن رجل متروك الحديث شىء. وإذا كان فيه حديث بينت أنه منكر اهـ. قال الراقم : ويقول الحافظ ابن رجب فى شرح علل الترمذى - كما حكاه الكوثرى -: مراده أنه لم يخرج لمتروك الحديث عنده على ما ظهر له ، أو لمتروك متفق على تركه ، فإنه قد أخرج لمن قد قيل فيه إنه متروك الخ. يقول الراقم : وربما انتقى من روايته فليس كل متروك يروى دائما متروكا أو يكون جميع ما يرويه متروكا دائما . وربما يروى ما يكون صحيحا أو على الأقل متحملا. وهناك نظائر ، إن كثيراً من المحدثين ربما يختارون وينتقون من روايات الضعيف ما يتحمل على حسب أذواقهم وبصائرهم . وبصيرتهم تفصل بين الضعيف وغيره. وليس المدار دائما على الراوى وإنما دخل فى البين الذوق والبصيرة والقرائن والشواهد وما إلى ذلك. والله يقول الحق وهو يهدى السبيل. ويقول أبو داود: وليس ثلث هذه الكتب ( أى الكتب فى السنن) فيما أحسبه فى كتب جميعهم أعنى مصنفات مالك بن أنس وحماد بن سلمة وعبد الرزاق . وقال : ولا أعرف أحداً جمع على الإستقصاء غيرى . ويقول: ولم أصنف فى كتاب السنن إلا الأحكام. ولم أصنف كتاب الزهد وفضائل الأعمال وغيرها . فهذه الأربعة الآلاف والثمانمائة كلها فى الأحكام اهـ. فقد تلخص من كلمات الإمام ابى داود وعيره أمور: الأول -. إن كتاب السنن يحوى خمسة آلاف حديث من المرفوعات - ٢٤٣ - إلا مانتين منتخبة من خمسمائة ألف حديث وبضم المراسيل الستمائة يكون ما تضمنه ٥٤٠٠ حديثا . الثانى - إنه لا يضاهيه كتاب فى أحاديث الأحكام فى كثرة الجمع لا كتاب مالك ولا كتاب سفيان ولا كتاب حماد وغيرهم . الثالث - إن هذا الكتاب وحده أكثر حمعا من سائر الكتب المؤلفة ٠ فى الأحكام بل ثلثه يفوق على تلك الكتب كلها . الرابع - إن شطر الكتاب اتفق الشيخان أو أحدهما على تخريجه . الخامس - إن ثلثى الكتاب أحاديث صحاح وما عداها حسان وضعاف ضعفاً يسيراً . السادس - إن كتابه أكثر فقها من كتاب البخارى وإن مؤلفه فاق جميع أرباب الصحاح تفقها . السابع - إنه أو فى كتاب فى أحاديث الأحكام ولا يحتاج أحد بعده إلى كتاب غيره فى الأحاديث المتعلقة بمذاهب الفقهاء والأئمة اللهم إلا أن يكون كتاب « شرح معاني الآثار» للإمام أبى جعفر الطحاوى نابغة عصره فى الحديث والفقه والتوحيد ومشكلات الآثار. ومن أجل هذا تراه من أنفع كتب الحديث لمن يعنى بأحاديث الأحكام فى الحلال والحرام . ولذا ترى الإمام أبا بكر أحمد بن على الرازى الجصاص عظيم الاهتمام به وجيد الاستحضار لأحاديثه خاصة فى شرحيه على نسختى الجامع الكبير وشرحيه على مختصر الطحاوى ومختصر الكرخى وفى أحكام القرآن وغيرها من مؤلفاته، بحيث تجمد أحاديثه على طرف لسانه يسوقها بسنده كلما لزم مع سعة دائرة روايته فى أحاديث الأحكام من سائردواوين الحديث، قاله الكوثرى. أرى فى هذا القدر كفاية للباحث الخبير . كلمة فى المؤلف الامام وخصائص شرحه إن هذه الأمة المحمدية تباهى بأفرادها وأفذاذها دائما لا يخلو قرن من القرون الإسلامية إلا ونجد هناك رجالا من علمائها وصالحيها تتباهى بهم الملائكة . كل منهم إمام أمة يدعى فى ملكوت السماوات عظيما تفتخر به أهل السماء وأهل الأرض. وكل عصر من العصور الإسلامية وكل بلد من البلاد الإسلامية تجد هناك منهم رجالا فينا تظهر عبقريتهم فى حقائق إلهية وحينا فى العلوم النبوية وحينا فى العلوم الإسلامية وتارة فى عبادة وتقوى وخشية إلهية وتارة فى ورع وزهد وتعب ونصب وترك الشهوات والملذات وتارة فى إصلاح نفوس وتزکیة قلوب وتربية أرواح . ومرة فى حب جهاد ونشر دعوة فى ربوع العالم وأقطار البسيطة . ومرة أخرى فى إيثار وحب خمول واستقامة ومواجيد عرفانية وذوفية من علوم العرفاء. وحينا فى تدريس وتأليف ووعظ وإرشاد. وحينا تجتمع فضائل من هذه الخصائل المتضادة فى بعض أفرادها . وما إلى ذلك من كمالات علمية وعرفانية يتلألأ فيها النبوغ الخارق والعبقرية الفذة. وتتجلى فيهم كمالات النبوة وورائتها وإن لم يكونوا أنبياء . وهناك شاهد ما قاله صَّ الله: ( مثل أمتى كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره) فلكون هؤلاء الأفذاذ أصبحوا منابع للخير والرشد كأنه وقع الذهول عن أول الأمة وبركاتها وخيراتها فجاء هذا التعبير وإن كان أول هذه الأمة أبرها قلوبا وأعمقها علوما وأقربهم إلى الله زلفى. ويحدثنا التاريخ أن هذه البلاد الهندية وإن كان حظها ضئيلا فى نشأة الأمر فى الرجال والأفذاذ ولكن يرى أن سحب الرحمة الإلهية قد جادت من أول الألف الثانى جوداً غزيراً فنشأت شخصيات وعبقريات لا يماثلها - ٢٤٥ - البلاد الإسلامية الأخرى. فالإمام الربانى الشيخ أحمد السرهندى وأنجاله البررة الأتقياء وخلفاؤه الأصفياء، ثم الشيخ الشاه ولى الله الدهلوى وأنجاله خصوصا الحجة عبد العزيز الإمام وابن أخيه الشيخ إسماعيل الشهيد وشيخه السيد أحمد البريلوى الشهيد ثم قطب العصر الحاج إمداد الله التهانوى المهاجر المكى والشيخ الحجة محمد قاسم النانوتوى . ومحدث هذه العصور وفقيها الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى ورجالات من النابغين فى كاندهلة وديوبند وتهاله بهون وسهار نفور وكنكوه نبغوا فى هذه العصور الأخيرة فأصبحوا محل إعجاب وتقدير الأمة الإسلامية. وقد تفع الله الأمة أنفاسهم القدسية الطاهرة علما وعملا ، ظاهراً وباطنا . وأرى أن الشيخ المحدث الفقيه الأصولى الشيخ خليل أحمد بن مجيد على الأنصارى شارح سنن أبى داود كان من هؤلاء النوابغ فى عصره . تلقى مبادئ العلوم ثم العلوم النقلية والعقلية من المشايخ الذين كانوا غرر عصرهم وكانوا كشامة فى محيا الدهر من علماء وفقهاء ومحدثين ربانيين أصفيا. أرباب التقى والإخلاص كالشيخ يعقوب بن ملوك العلى النانوقوى والشيخ محمد مظهر النانوتوى والشيخ فيض الحسن السهار تمورى وغيرهم من مشايخ ديوبند وسهار نفور. واستجاز فى رحلاته عن مشايخ الحرمين كالشيخ عبد الغنى الفاروقى العمرى المجددى والشيخ أحمد زينى دحلان والشيخ السيد أحمد البرزنجى وغيرهم . وفاز بإجازة إرشاد ولبس الخرقة من حضرة العارف المحقق الشيخ إمداد الله التهانوى ثم المكى - قدس الله سره - وألبسه عمامته إشارة إلى خلافته وكونه أهلا لنيابته هداية وإرشاداً . فترعرع شابا فاضلا يشار إليه بالأصابع فى إبان شبابه وريعان عمره . ثم بايع على يد قطب عصره فقيه هذه الأمة بعصره لم يأت بعد حجة العصر الشاه عبد العزيز الدهلوى بن الشاه ولى الله الدهلوى مثله فى الجمع بين علوم الظاهر والباطن ونفقه النفس والتفانى فى إتباع السنة وترويجها وإماتة البدع المنكرة. ومن - ٢٤٦ - وضع له القبول فى الأرض بعد ما وضع له القبول فى ملائكة السماوات وجاب العقبات وارتاض بالمجاهدات وبأذكار وأشغال على طريقة أهلها فوصل إلى ما وصل من معارف إلهية ومواجيد عرفانية جمع إلى كمالاته العلمية هذه المزايا العرفانية فكسته بيعة الشيخ وصحبته وتوجهاته الروحية القلبية أناسا نقية وأخلاقا ذكية وأعمالا رضية وإخلاصا عظيما . حتى أصبح عارفا بعد ما كان عالما وأصبح خير خلف لسلفه فى إخلاص وتقوى ورد بدع ونشر سنة وبقى عاكفا على تدريس علوم شتى فى شتى المراكز العلمية فى بهوفال وسكندر آباد وبها ولفور وبريلى ثم ديو بند ثم سهار نفور نحو خمسين عاما يدرس ويؤلف ويرشد ويخدم العلم والدين بشتى الوسائل فأصبح عالما عارفا فقيها محدثا . وكان وسيم الطلعة جميل المحيا يملأ العين جمالا والقلب سروراً . وكان لطيف الروح خفيف الجسم ربعا من الرجال خفيف اللحية. قد تشرفت بزيارته المغتبطة نحو ساعة فى مجلس بدیوبند حينما زار ديو بند مستودعا الشيخ الحافظ أحمد بن الشيخ القاسم النانوتوى والشيخ حبيب الرحمن الديوبندى قبل رحلته الأخيرة إلى الحرمين الشريفين . وتشرفت بالمصافحة وتقبيل يديه الكريمتين وكأن الشيخ ماثل أمامى أنظر إليه بعينى. وذلك فى شعبان سنة ١٣٤٤ قبل خمسين عاما إلا عاما. فقد جمع الله سبحانه مع هذا الجمال الظاهر جمال الباطن وجمع له مع علوم الظاهر علوم الباطن مع توفيق إلهى دائم مستمر بإخلاص ونشاط حتى كان آخر حياته المباركة فى خير بقاع الأرض طيبة النبى - عليه صلوات الله وسلامه - وهناك توفى رحمه الله فى ربيع الآخر سنة ١٦٤٦ ٨ عن سبع وسبعين سنة ودفن بالبقيع فى جوار سيدنا ذى النورين عثمان بن عفان رضى الله عنه بجنب شيخه الشيخ عبد الغنى المجددى المهاجر المدنى. ففاز بحياة طيبة ملؤها علم ودين ومعرفة وإرشاد. تدريس وتأليف أذ كار وأشغال وذب عن الدين وإحياء للسنة وإماتة للبدع. وغضب فى الله وحمية - ٢٤٧ - دينية لله. لا يخاف فى الله لومة لائم مجتهداً فى خدمة العلم والدين بطرف غير نائم وفكر مستمر دائم فيراه الله عنا وعن سائر أهل العلم خير ما جزى عباده المحسنين والعلماء الربانيين ويكفى نباهة لمثله بما أثنى عليه مثل شيخه القطب الربانى فقيه هذه الأمة وحكيمها ، وعارف هذه الملة وزعيمها الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى المتوفى سنة ١٣٢٣ هـ قدس الله سره فى مكانيه. ما ترجمته بالعربية : المولوى خليل أحمد - مد الله فيوضهم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصل خطابكم وكشف أحوالكم . . إن تلك الواردات - القلبية الغيبية - من الإنابة إلى الله من بواعث الفرح والسرور تستوجب حمد الله سبحانه . فإنها أكبر نعمة، وآلاف آلاف من نعم الدنيا لا تعدل جناح بعوضة فى مقابلة هذه النعمة ، وهذه الحالة مفخرة لى ومن بواعث الحمد والشكر . وإنى وإن كنت محروما عن مثل هذه العطايا والمزايا ولكن - والحمد لله - إن أحبابى تواترت عليهم أمثال هذه العطيات الإلهية. وأتمثل بيت من الفارسية ما معناه : أحب أن آخذ شعرة من رأسك معى فى القبر لكى أستظل بها يوم .. والسلام. ( مكاتيب رشيدية ص ٤٠ رقم ٤٣). القيامة . وكتب مرة: وصل خطابكم وذكر نى عبد الوداد . إنى أراكم ذخيرة خيرات. فلا أنساكم أبداً واستم ممن ينسون وأرجو دعواتكم . والسلام . ( مكاتيب رشيدية ص ٣٨ رقم ٤٠) فياسبحان الله. إمام كبير وشيخ عظيم مثل القطب الكنكوهى يخاطبه بهذه الطيبة ليست هى من رجل عامى أو شاعر إسلامى يكون من دأبه المبالغة والإطراء، ولا من صاحب له يثنى على شيخه ، ولا من مسترشد يطريه، وإنما هو من بلغ فى كمالاته الذروة العليا، لا يضاهيه عالم من معاصريه فى علمه وتقواه ومن شرح الله صدره بنوره وتجلى على قلبه بالإرشادات الغيبية. -٢٤٨ - وكما أنشد شيخنا إمام العصر مولانا الشيخ محمد أنور شاه الكشميرى رحمه الله فى قصيدة طويلة فى مناقبه ومفاخره : ونور مستبين كالهار إمام قدوة عدل أمين كصبح مستنير هدى سار فقيه حافظ علم شهير وأضحى فى الرواية كالمدار إليه المنتهى حفظاً وفقهاً وفى الأخبا_ عمدة كل قارى ففى التحديث رحلة كل راو فقيه النفس مجتهد مطاع وأحيى سنة كانت أميقت وأصبح فى الورى صدراً وبدراً وأصبح مفرداً علما رفيعا وغرة دهره علا ودينا وكوثر علمه بالخير جارى وإذ وضح النهار فلا تمار منيراً دارتاً حلك التوارى كرفع المفرد العلم المنار طراز زمانه مثل النضار ففرد فيه لا أحد يجارى وأما فضله ذوقا وحالا فضيل زمانه ورعا وزهداً وحاتم عصره عند امتيار كلمة فى شرح سنن أبى داود قد ظهر مما بتثنا خصائص سنن أبى داود ومكانته بين الأمهات الست واحتوائه على أحاديث الأحكام وكونه أو فى كتاب فى الموضوع. ولا ريب أن الأمهات الست القدر المشترك فى الجميع شرح الأحاديث وشرح كلام النبوة غير أن الكتابين منها يختصان بمشكلات كتابية خاصة ليست هى فى آخر . لأول - صحيح البخارى والثانى - سنن أبي داود . ففى الأول الأعنى والأهم شرح التراجم وبيان أغراض الإمام فى ما أودعه من العلوم فى تراجم الأبواب ووضع تراجم خاصة لم يتعرض لمثلها المحدثون فى كتبهم قاطبة. ولا تقل هذه المشكلات عن شرح الأحاديث . وربما يصرف أكثر جهود الشارحين - ٢٤٩ - والمدرسين فى بيانها وتفهيمها . وقد تضاربت الأقوال والأبحاث من أقدم العصور إلى اليوم ولا يزال كثير منها إلى اليوم روضاً أنفاً لم يرتع فى حماه أحد ولم تطمئن القلوب الصادية بالبيان الشافى . ولم تشف غلة الباحث . وهكذا الثانى فيه من أغراض الإمام المؤلف فى تعليقاته وبيانها الشافى وتخريجها . فتراجم الإمام فى الأبواب وإن كانت واضحة غير أن أغراضها فى تعليقاته ربما تخفى وتحتاج إلى بحث وكشف. وأبواب الاستحاضة أشد إغلاقاً وأكثر إشكالا من جهة غرض المؤلف. ولا يزال قدر كثير منها فى خفاء وغموض ودقة، قل من ينتهض بأعبائها بما يشفى الغليل فلا ريب أن كمال كل شرح إنما يبدو فى حل تلك المشكلات وبيان تلك المعضلات. فأقدم شرح وأول شرح هو شرح معالم السنن للإمام الخطابی وبينه و بين أبى داود نحو ثمانين عاماً . فقد شرح الأحاديث شرحا فقهيا لا حديثيا وإن كان أبرع شرح من جهة المسائل الفقهية وأعلاها . لم يتعرض لحل التعليقات ما تحتاج إليه الأجيال المتأخرة. وكل شرح له خصائص لا تغتى عن الآخر وشروح المتأخرين من أهل الهند فيها فوائد ولكن من جهة الحل الصائب المقنع لا تسمن ولا تغني من جوع. وأحسن شرح من كثير من الجهات هو كتاب ((المنهل العذب المورود)) للشيخ محمود الخطاب المرحوم من أهل العصر ولكن سرعان ما تغيرت خطته فى الجزء الثانى والثالث فلم يكن على منوال واحد. ثم لم يتم ومن قام لتكملته وهو ابنه لم يفر فريه. ( وغاية المقصود ، من شروح الهند ولم يؤلف منه إلا جزء واحد ولو تم لكان شرحاً جيداً لولا فيه إساءة أدب بأئمة الدين . و((عون المعبود)) مع عدم إصابته فى كثير من المشكلات نصب عينيه الرد على الحنفية . و((أنوار المحمود)) يا ليت لو لم ينسبه إلى الاستفادة من الأكابر - ففيه من المغامر وقد أساء بنسبه إلى إمام العصر الشيخ محمد أنور شاه رحمه الله. - ٢٥٠ - ويقول الشيخ محمد زاهد الكوثرى شيخى بالإجازة والإفادة: ومن أحسن الشروح ((سنن أبي داود، شرح الشهاب ابن أرسلان أحمد بن محمد المقدسى تلميذ المزى ويقول: هو محفوظ فى مكتبة ( لاله لى) فى الآستانة فى أربعة مجلدات تحت رقم (٤٩٨ - ٥٠١) ويقول وفى شروح المتأخرين مجازفات توجب التحرى البالغ والتحرز الشديد اهـ. وشرح ابن أرسلان كان تيسرت نسخته لصاحب ((بذل المجهود)) بالمدينة بعد إنجازه الشرح فاشتراه وأرسله إلى مكتبة ((مظاهر العلوم) بسهار نفور ولا أدرى هل هو نسخة كاملة أو ناقصة وهل هو نسخة جيدة أو غير جيدة. . ولست أريد المقارنة ولا التنبيه على أقذاتها ، إنما أقول: كانت هناك فجوة لحل أبى داود وأغراضه وشرح كل حديث لفظا لفظا . فقام الشيخ الإمام الشيخ خليل أحمد الأنصارى نزيل المدينة المنورة زادها الله نوراً فسد هذا الفراغ وملأ هذه الفجوة وجاء بشرح يحتاج إليه كل من حاول تدريس الكتاب من حل الأغراض وشرح الألفاظ واستنباط فقه الحديث من مواضعه والكلام الملخص المنقح فى الرجال وشرح المتن بما تقر العيون ومن أعظم خصائص هذا الشرح إيراد توجيهات صدرية انشرح لها صدر مثل الشيخ الفقيه الكنكوهى، فإن الله سبحانه قد خصه بنور فى قلبه كان تنقشع به ظلمات حلت فى البين من مقاصد المؤلف أو كانت مشكلة من جهة أغراض المشار فى الحديث ولولا مخافة طول البحث لجئت بغرر النقول فى الأبحاث المشكلة من كل ناحية من شرح الأحاديث . أو غرض المؤلف حتى تتجلى مكانته العليا ويقول شيخنا إمام العصر مولانا محمد أنور شاه الكشميرى محدث هذه العصور ونابغتها فى التقريظ على هذا الشرح ما أفظه : ( وإن كتاب السنن للإمام أبى داود سليمان بن الأشعث السجزى رحمه الله تعالى ثالث الكتب الستة ولا يخفى رتبته ودرجته فى الحديث فى القديم - ٢٥١ - والحديث لم يطبع إلى الآن تعليق عليه واف وبحله وحقه كاف وقد وجه اللّه تعالى المولى العلامة العارف الفقيه المحدث شيخنا وشيخ الفقه والحديث مسند الوقت مولانا خليل أحمد السهار نفورى خليفة شيخنا وشيخ مشايخنا مولا نارشيد أحمد الكنكوهى رحمه الله تعالى لخدمته فوفى كل حق لها . كما شفى وكفى مافى الصدور فلم يدع لذى اربة فى القول جدا ولا هزلا فشرح المتن وأقوال المصنف وقد كانت مستورة نجلاها ، وصعبة قسمهلها وألانها كما ألين لأبى داود الحديث وضبط التراجم وميز بين المفترق والمتفق وبين المؤتلف والمختلف واستخرج الفقه ووجه لأصحابنا الحنفية فجاء تعليقا يشرح الصدور وينور القلوب ويكون وديعة له عند الله تعالى ومنة فى رقاب الناس وصنيعة إلى العلماء جزاه الله تعالى عنا وعن سائر المسلمين . وبالجملة نلخص القول فى شىء من خصائصه : أما أولا : فإنه شرح مروج، الكتاب ينتفع به التلميذ والشيخ والغبى والذکی فی آن واحد . أما ثانيا : إنه لخص البيان فى رجال الإسناد من تهذيب التهذيب والميزان وغيرهما حتى يتلألأ أمام الباحث حال الإسناد . أما ثالثا : فإنه جاء بالضبط للأسماء فى كل مؤتلف ومختلف لكى يزول الاشتباه للناظر . أما رابعا : فإنه شرح المتن شرحاً وافياً بالمقصود فإن كانت هناك رواية أوضح منه فى الصحاح أو السنن يذكره أو يشير إليه . أما خامسا : فإنه يستوفى بيان المذاهب من مصادر موثوقة مع أدلتها وكثيرا ما يستوفى أقوال الصحابة والتابعين . أما سادسا: فإنه يأتى بأقوال المشايخ من أرباب العلم فإذا كان هناك - ٢٥٢ - شرح خاص أو حل الشكل من أكابر مشايخ هذه البلاد ولا سيما قطب عصره الکنکوهی فإنه یذ کره وقد جاءت غرر أقوال منه فى كثير من المواضع. أما سابعا : فإنه ينبه على اختلاف الرواية فى اللفظ واختلاف الرواة فى الأسانيد إن كان هناك اختلاف مع ترجيح بعضها على بعض . أما ثامنا : فإنه ذكر المباحث الفقهية والمباحث الحديثية على حدسواء تشفى غلة الفقيه والمحدث معا . هذا ما بدالى فى غاية الارتجال لم أنتهز فرصة للقيام بحق كل ما امتاز به الشرح من إبداء خفاياه وما بقى فى زواياه لم تکن فى الوقت فسحة ولا فى الطبيعة نشاط غير أنى قمت بما تيسر نزولا على رغبة بعض الأكابر سعادة للراقم والله سبحانه ولى كل توفيق ونعمة. وصلى الله على صفوة البرية سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . كتبــ محمد يوسف بن السيد . زكريا الحسينى البنورى يوم الخميس ٩ رجب ١٣٩٣ هـ بْنْ الله الرحمن الرحيم كلمة عن الكتاب بقلم: محدث الديار المصرية العلامة المحقق والعارف بالله والمصلح الكبير فضيلة الشيخ محمد الحافظ التيجانى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعو الرسول وأولى الأمر منكم)(١) وطاعة الله عز وجل ، العمل بما فى كتابه . وطاعه الرسول، فَ له، امتثال ما أمر به. وحيث أنه معَّه هو الذى عهد إليه ربه تبارك وتعالى بأن يبين الكتاب ، فقال عز شأنه : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)(٢). والبيان يشمل إبلاغه لمن أنزل إليهم من الإنس والجن، وشرحه وإيضاحه. وقد قال عز شأنه: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً ما قضيت ويسلموا تسليما.)(٣). وقال عز شأنه: ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.)(٤). وروى الحاكم فى المستدرك (٥) عن الحسن قال: بينما عمران بن حصين يحدث عن سنة نبينا صَّ اللّه ، إذ قال له رجل: يا أبا نحيد، حدثنا بالقرآن، فقال له عمران: أنت وأصحابك تقرءون القرآن أ كنت محدثى عن الصلاة وما فيها ، وحدودها ؟ أ كنت محدثى عن الزكاة فى الذهب والإبل والبقر وأصناف المال؟ ولكن قد شهدت وغيت أنت. ثم قال: فرض علينا (١) النساء ٥٨ (٣) النساء ٦٥ (٢) النحل ٤٤ (٤) الأحزاب ٣٦ (٥) المستدرك جـ ١ص ١٠٩ كتاب العلم - ٢٥٤ - رسول الله صَّ له فى الزكاة كذا وكذا. فقال الرجل: أحييتى أحياك الله. قال الحسن: فما مات ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين. وقد صححه الحاكم وأقره الذهبي . وقـ ذكر الحافظ ابن القيم فى كتاب - أعلام الموقعین - فی باب الاجتهاد فيما لم يوجد فيه نص: قال شعبة بسنده ، عن معاذ: إن رسول اللّه صَ لّ لما بعثه إلى اليمن، قال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟)) قال: أقضى بما فى كتاب الله. قال: (( فإن لم يكن فى كتاب الله ؟)) قال: فبسنة رسول اللّه مَ له. قال: (( فإن لم يكن فى سنة رسول اللّه صَ لّهِ؟)) قال: أجتهد رأى ولا آلو. قال: فضرب رسول اللّه مَ له صدرى، ثم قال: ((الحمد لله الذى وفق رسول رسول اللّه عَ له لما يرضى رسول اللّه صَلّه)) قد صحيح ابن القيم هذه الرواية . وهذا الحديث فى المسند وفى السنن بإسناد جيد. وقد صححه الحافظ ابن كثير فى تفسيره كذلك . وأفقه الناس؛ فى كتاب الله أصحاب رسول اللّه مَ له ، الذين تلقوا عنه التنزيل مباشرة، وبينه لهم مح له، وفقهم فيه. روى البخارى عن أبى جحيفة قال قلت لعلى : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا، إلا كتاب الله. أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما فى هذه الصحيفة، قال: قلت: فما فى هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير ، ولا يقتل مسلم بكافر .(١) وروى ابن جرير عن مسروق(٢) قال: قال عبد الله - يعنى ابن مسعود والذى لا إله غيره مانزلت آية من كتاب الله، إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله منى تناله المطايا لأتتيه. (١) فتح البارى ج ١ ص ١٦٥ باب كتابة العلم (٢) ابن كثير جـ ١ ص ٣. - ٢٥٥ - وقوله تعالى: (وأولى الأمر منكم) . هم أهل الفقه فى الدين ، الذين عرفوا استنباط الأحكام من الكتاب والسنة ، واستجلاء الغوامض منها، وحل مشكلاتها، مع ثبوت القدم فى لغة التنزيل لغة رسول اللّه صَ اله وعن على بن أبى صلحة عن ابن عباس : أولى الأمر منكم ، يعنى أهل الفقه والدين(١). ومن أولى الأمر، الأمراء الذين يحكمون بما أنزل الله، لقوله تعالى: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون). (ومن لم يحكم بما أنزل الله (أولئك هم الفاسقون)(٢). وما أنزل الله شامل لما قضى به رسول الله صَلّه ، وقضى به الفقهاء على قدر اجتهادهم : وقد قال ◌َله: إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران . وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر . رواه الشيخان وأبو داود عن عمرو بن العاص رضى الله عنه . وقد درج السلف على أن يج تهد كل فى العمل بالكتاب والسنة بقدر ما أراه الله، وما منحه من فهم فى الكتاب والسنة. وكانوا يختلفون وهم أحباب. لا يفرض أحد رأيه على الآخرين. ولكن يتفاهمون فيما بينهم، ويرجع بعضهم إلى بعض ، ويتراجعون فيما بينهم . ذلك لأن الله نزههم عن العصبية للنفس ، والإعجاب بالرأى . وقد قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)(٣) وحفظ كتاب الله تعالى، تكفل الله به عز شأنه. تكفل بحفظه كما أنزل لم يتغير منه حرف ، ولم يتطرق إليه زيادة أو نقص. وحفظه بحفظ مقاصده والمعانى المرادة منه . وذلك بسنة رسول (١) ابن كثير جـ١ص ٥١٨ ( (٣) الحجر : ٩ (٢ ) المائدة : ٤٤، ٤٥، ٤٧ 3 ١ - ٢٥٦- اللّه مَّ المبينة له. فإنه لو ترك بلا بيان منه مَ له لقال فيه أهل الدعاوى الكاذبة كل ما شاء بما شاء. والكتاب حمال ذو وجوه ، وإنما تحدد السنة المراد منه . حفظ الله عز وجل الكتاب بلفظه ومعناه المراد منه، بيان رسول اللّهُ مَ له. وما استنبطه أهل الحق. الأئمة المجتهدون راجع إلى القواعد والأصول التى أصلها الله عز وجل فى كتابه ، وأصلها على لسان رسول وقد انتدب الله عز وجل السباقين من حملة العلم - حملة الكتاب والسنة - تحرروا أقواله ستي، وأفعاله وأحواله، وتقريراته . جمعوا المسانيد والسنن . وأبعدوا عن السنن الصحيحة مادسه المزيفون ، الذين افتروا على رسول اللّه عَ لّه وهم يعلمون أو يجهلون. ولكل كتاب من كتب السنة مزية خاصة . فالموطأ مرية. ولمسند الإمام أحمد مزية . وللصحيحيين مزية. ولكل من السنن مزية . قال الخطابي : لم يصنف فى علم الدين مثل كتاب السنن لأبى داود. وقد رزق القبول من كافة الناس على اختلاف مذاهبهم . وقال ابن الأعرابى: لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف وهذا الكتاب - يعنى سنن أبي داود - لم يحتج معهما إلى شىء من العلم . أى يكفيه فى السنة . وقد صنف علماء الحديث قبله الجوامع والمسانيد ونحوها . فتجمع تلك الكتب إلى مافيها من السنن والأحكام أخبارا وقصصا ومواعظ وآدابا. فأما السنن المحضة فلم يقصد أحد منهم إفرادها واستخلاصها ولا اتفق له ما اتفق لأبى داود . وقد وفق الله عز وجل العالم الربانى، خريت طرق السنة ، الجامع الأصول والفروع، الذى نور الله قلبه وباطنه وظاهره، مولانا الإمام - ٢٥٧ - أبا إبراهيم خليل أحمد الأيوبى الأنصارى نسبا ومحتدا ، والحنفى الرشيدى مشربا ومذهبا ، والجشتى القادرى النقشبندى السهر وردى طريقة ومسلمكا - المولود بنانوته فى كورة من نواحى سهار نفور بالهند فى أواخر صفر سنة تسع وستين ومائتين وألف والمتوفى سنة ست وأربعين وثلاثمائة والف من من الهجرة بالمدينة المنورة حيث دفن بالبقيع بجوار أهل البيت مجاورا لرسول اللّه صَ لّه - وفقه لشرحه سنن أبي داود. وإذا كان الخط الجميل يدل بوضعه دلالة واقعية بينة على مهارة كاتبه وإتقانه لفنه ، دلالة هى أقوى من الشهادات القولية ، فالغوص فى بحار معانى السنن، وإخراج مكنوناتها، وبسط مقاصدها ، وتوضيح دقائقها ، وتقريب فهمها ، وجمع المتفرق منها ، يدل هذا كله دلالة عملية على نبوغ وثبوت فى ميدان المعرفة لمن وفقه الله لذلك ، وأولئك الذين بينوا سنة رسول عّ لّهِ المبينة للقرآن، هم فى حقيقة الأمر رسل رسول اللّه عَّ له، الذين دعا لهم رسول اللّه عَ ظ له بالنضارة. لا نضارة الظاهر فحسب ، بل نضارة الظاهر والباطن . نورهم الله . تجعل لهم نورا فى باطنهم يكشفون به حقائق التنزيل ، وحقائق البيان والتأويل. ولقد بات الشافعى رضى الله عنه ليلة يفكر فى حديث: يا أبا عمير ما فعل النغير ؟ ) ففهم من هاتين الجملتين الكثير من الأحكام. منها تكنية الصبى الصغير تيمنا بأنه سيكبر ويكون له ولد يلاطفه بخطابه بالتصغير . فهو عمر، ولكنه يناديه بعمير. وأن تمكين الصبى من اللهو البرىء الذى لاضرر فيه أمر تسوعه الشريعة . وأن الرفق بالحيوان ما يحض عليه الشرع. وأن تمهيد أطفال المسلمين للصيد بالطير وغيره من غير إضرار به ما يحسن شرعا ليتعودوا على الشجاعة من صغرهم . وغير ذلك ما بينه العلماء . وقد من الله عز وجل ، على أولى العلم فى عصرنا بهذا الجهيد الموهوب فكان شافعى زمانه فى استنباط المعانى . فأبدى الله على يديه شتى المعانى - ٢٥٨ - الدقيقة فى الحلل الأنيقة من ألفاظ لغة الكتاب والسنة ، ذلك الشرح الدال بوضعه على فيض من شآبيب الفضل الإلهى ، خصه الله به ، فزكاه وزكى عقله وزكى بيانه ، فوفقه سبحانه لإزالة ما يبدو لغير المدققين من تعارض فى السنة، وإزالة ما يشتبه عليهم من مقاصد النبوة . مع قوة الحجة، والإنصاف، وأدب العلماء . بعيدا عن العصبية التى يجنح إليها بعض من حكمت عليهم البيئه أو قيدهم به التقليد بطريق لا يشعرون بها . فهو - جزاه الله عن نفسه وعن المسلمين خيرا .- إذا سلك مسلك التوفيق بين المتعارضات كان موفقا. وإذا سلك مسلك الترجيح كان موفقا مستمسكا بالقواعد الأصولية . سباقا فى التأصيل والتفريع . فشرحه وبيانه مثال لوضوح الحق لمن أراد التحقيق والتحرير والإنصاف . كما أجرى الله سبحانه على يدى وارثه وخليفته مولانا شيخ الحديث حضرة العلامة محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوى - العلامة الفاضل المدقق المحقق ، جمع هذا الكنز وحمله للمسلمين ، غذاء لعقولهم وقلوبهم وأرواحهم جامعا لنور العقل عما ويقينا، والصراط المستقيم عملا، والأرواح حالا وفرقانا. ( وأما الجدار فكان لغلامين ينيمين فى المدينة وكان تحته كنزلها وكان أبوهما صالحا ). فهذا الشرح لسنن أبي داود زينة الشروح. وصاحبه زينة الشراح وهو آية العلم والإخلاص وثمرة التقوى ((واتقوا الله ويعلمكم الله )) وفى هذا الشرح ترى مسلك مالك فى السنن. وروح أبى حنيفة فى الاستنباط. وعلم الشافعى فى التأصيل والتفريع. وورع أحمد فى الاحتياط. وقد من الله علينا بوجود هذا الكتاب فى مكتبتنا من طبعته الأولى الحجرية نعتز به ونرجع إليه وإخواننا وأهل العلم من الأزهر الشريف وغيره . . - ٢٥٩ - وإن أمثالنا يتشرفون بالاعتراف لذوى الفضل بالفضل . وما كان دليله من نفسه فهو أرفع من أن يحتاج إلى دليل . وإخواننا الذين قاموا بطبع هذا الكتاب وتقديمه للعالم الإسلامى، فى أبهى الحلل وأبهجها ، ثمارا دانية قطوفها ، لهم حق الشكر على كل من انتفع بهذا الشرح الذى هو بيان من البيان. وروض جمع الثمار والأزهار وحجة واضحة وآية من آيات الله التى يظهرها على يد من اصطفاهم من عباده . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. محمد الحافظ التيجانى القاهرة يوم الخميس ٩ شعبان سنة ١١٣٩٣ ـ ٦ سبتمبر سنة ١٩٧٣