النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
الجزء الحادى عشر : كتاب الصيام
أن الحسين بن واقد ، نا مروان يعنى ابن سالم المفقع
قال : رأيت ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع ما زادت(١)
على الكف ، وقال: كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا
أفطر قال : ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر
إنشاء الله .
حدثنا مسدد ، نا هشم ، عن حصين ، عن معاذ بن
تصحيف من الكاتب، (قال رأيت ابن عمر يقبض (٢) على لحيته فيقطع ما زادت)
اللحية (على السكنف) والغرض من ذكر هذا الفعل إثبات أنه تابعى لقى ابن عمر
وحكى من فعله (وقال) ابن عمر (وكان النبى صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال)
بعد الإفطار (ذهب الظمأ ) بفتحتين بلا العطش ( وابتلت العروق وثبت
الأجر إنشاء الله) متعلق بالأجر على سبيل التبرك، ويصح التعليق لعدم وجوب
الأجر عليه تعالى رداً على المعتزلة .
(حدثنا مسدد ، نا هشيم، عن حصين) بن عبد الرحمن السلمى ، أبو الهزيل
ابن عم منصور بن المعتمر ( عن معاذ بن زهيرة ) الضبى ، تابعى أرسل عن
النبى صلى الله عليه وسلم فى القول عند الإفطار، ولكن وقع عند أبى داود فى
السنن ، وفى المراسيل عن معاذ بن زهرة أنه بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم
ذكره ابن حبان فى الثقات(٢) ( أنه بلغه أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا
(١ ) فى نسخة : ما زاد
(٢) ولفظ البخارى برواية نافع عن ابن عمر: إن حج أو اعتمر قبض على لحيتة
فما فضل أخذه .
(٣) قال القارى : ليس له إلا هذا الحديث الواحد . كذا فى الفتح .
(١١٢ - بذل الجهود في جل أبى داود)

١٦٢
بذل المجهود فى حل أبى داود
زهيرة أنه بلغه أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر
قال : اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت .
(١) الفطر قبل غروب الشمس
حدثنا هارون بن عبد الله ، ومحمد بن العلاء المعنى ،
أفطر قال) أى دعا ( اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت (١)) قال القارى:
قال الطيبي قدم الجار والمجرور فى القرينتين على العامل ، دلالة على الاختصاص
إظهاراً للاختصاص فى الافتاح، وإيماء لشكر الصنيع المختص به فى الاختتام
باب الفطر قبل غروب الشمس
( حدثنا هارون بن عبد الله، ومحمد بن العلاء المعنى ) أى معنى حديثهما
واحد ( قالا : نا أبو أسامة ، نا هشام بن عروة ، عن فاطمة بنت المنذر ، عن
أسماء بنت أبى بكر قالت أفطرنا يوماً فى رمضان فى غيم فى عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم ثم طلعت ) أى ظهرت (الشمس قال أبو أسامة: قلت لهشام:
أمروا بالقضاء) بحذف حرف الاستفهام ( قال ) هشام فى جواب أبى أسامة
(١) فى نسخة : باب
(٢) ويظهر من ((روضة المحتاجين) أن الزيادة فى رواية أخرى وقال أيضاً:
ما اشتهر على الألسنة من زيادة ((وبك آمنت)) كذا زيادة (وعليك توكلت، لا أصل لها
وإن كان معناها صحيحاً. اهـ ويظهر من ((روضة المحتاجين)) أن الزيادة فى رواية
أخری وقلت : وزید فى الأذكار للنووى على رواية أبى داود من رواية ابن عباس
(( فتقبل منا إنك أنت السميع العليم)).

١٦٣
الجزء الحادى عشر : كتاب الصيام
قالا : نا أبو أسامة ، نا هشام بن عروة ، عن فاطمة
بنت المنذر ، عن أسماء بنت أبى بكر قالت: أفطرنا يوماً
فى رمضان فى غيم فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم طلعت الشمس قال أبو أسامة : قلت لهشام أمروا
بالقضاء؟ قال وبد(١) من ذلك.
(٢)فی الوصال
(وبد من(٣) ذلك) بتقدير حرف الاستفهام، أى وهل بد من القضاء يعنى
أن قضاء الصوم الذى أفطر نهاراً غلطا لازم وهو مذهب الأئمة الأربعة (٤)
لأنه إذا أفطر غلطاً فى غيم ثم بدت الشمس يقضى يوماً مكانه ولا يلزم الكفارة ،
ولكن يلزم عليه أن لا يأكل ولا يشرب بعد بدو الشمس إلى الغروب ،
فى (٥) الوصال
هو تتابع الصيام فى يومين أو أكثر من غير إفطار بالليل .
(١) فى نسخة: لابد من ذلك.
(٢) فى نسخة : باب
(٣) وروى عنه فى البخارى لا أدرى أقضوا أم لا؟ وجمع بينهما الحافظ بأن
جزمه بالقضاء محمول على أنه استند فيه إلى دليل آخر ، وأما حديث أسماء فلا يحفظ
فيه إثبات القضاء ولانفيه .
(٤) والجمهور خلافا فالطائفة إذ قالوا لا قضاء لرواية عن عمر رضى الله عنه،
والجمهور غلطوها وضعفوها، وهذا الاختلاف فيما أفطر بعد الغروب ، فإن أفطرت
شاكا فى الغروب فعليه الكفارة عند الحنفية وراجع الأوجز .
(٥) قيل: فى تفسيره إنه صوم الدهر. كذا فى البدائع وشرح الإقناع.

١٦٤
بذل المجهود فى حل أبى داود
حدثنا عبد الله بن مسلمة القعى ، عن مالك، عن
نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى
عن الوصال ، قالوا : فانك تواصل يا رسول الله ؟
قال(١): إنى لست كهيئتكم إنى أطعم وأسقى .
(حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبى ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال) قال القارى: والحكمة فى
النهى أنه يورث الضعف والسآمة والقصور عن أداء غيره من الطاعات ، فقيل
النهى للتحريم ، وقيل للتنزيه ، قال القاضى: والظاهر الأول اهـ ويؤيد الثانى
ما روته عائشة أنه صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الوصال رحمة لهم ، وقيل هو
صوم السنة من غير أن يفطر الأيام المنهية ، ويرده ما ورد عليه من السؤال ،
وقال فى ((البحر الرائق)): ومن المكروه صوم يوم الشك على ما سنذكره
إنشاء الله تعالى، ومنه صوم الوصال وقد فسره أبو يوسف ومحمد بصوم يومين
لافطر بينهما (٢) ( قالوا فإنك تواصل يا رسول الله قال إنى لست كهينتكم) وفى
(١) فى نسخة : فقال
(٢) وقال النووى : أتفق أصحابنا على النهى عن الوصال وهو صوم يومين
فصاعداً من غير أكل وشرب بينهما ، ونص الشافعى على الكراهية، وفيه وجهان
أصحهما أنه كراهة تحريم ، والثانى تنزيه ، قال عياض: واختلفوا فيه، فقيل النهى
رحمة فيمن قدر فلا حرج؛ وأباح إلى السحر أحمد وإسحاق، وعن الأكثرين الكراهة
إلخ . وقال الأبى فى شرح مسلم: كرمه مالك ولو إلى السحر والأصح أن النهى
على التحريم .

١٦٥
الجزء الحادى عشر : كتاب الصيام
حدثنا قتيبة بن سعيد ، أن بكر بن مضر ، حدثهم عن
رواية وأيكم مثلى (إنى أطعم وأسقى) ولفظ رواية أخرى إنى أبات يطعمنى
ربى ويسقينى ، قال القاضى: أراد بقوله وأيكم مثلى، الفرق بينه وبين غيره
لأنه تعالى يفيض(١) عليه ما يسد مسد طعامه وشرابه من حيث أنه يشغله عن
الإحساس بالجوع والعطش ، ويقويه على الطاعة ويحرسه عن الخلل المفضى
إلى ضعف القوى وكلال الأعضاء ، قال الطبيبى : هذا أحد قولى الخطابى .
والقول الآخر ذكر فى شرح السنة وهو أن يحمل على الظاهر بأن يرزقه الله
تعالى طعاماً وشراباً ليالى صيامه فيكون ذلك كرامة له ، والقول الأول أرجح
لأن الاستفهام فى قوله أيكم مثلى يفيد التوبيخ المؤذن بالبعد البعيد ، وكذلك
لفظة مثلى لأن معناه من هو على صفتى ومنزاتى وقربى من الله تعالى، ومن ثمة
اتبعه بقوله أبيت اهـ، وهو ظاهر ، وحاصله أن الحمل على أن يأتيه طعام
وشراب من عنده تعالى كرامة له عليه الصلوة والسلام يدفعه قوله وأيكم مثلى،
كما أنه يضعفه أيضاً قولهم: إنك تواصل؛ فإن الوصال مع تناول الطعام والشراب
من المحال .
(حدثنا قتيبة بن سعيد ، أن بكر بن مضر حدثهم) أى قتيبة وغيره ( عن
ابن الهاد ) يزيد بن عبد الله ( عن عبد الله بن خباب (٢)) الأنصارى النجارى
مولاهم، قال أبو حاتم والنسائى: ثقة، وذكره ابن حبان فى الثقات (عن
(١) وحاصل ما بسطه الحافظ أن الاستغراق فى الجمال كان يغنى عنه . وفى التقرير
الظاهر أن المراد بذلك بقاء القوة ، فقد ورد مثل ذلك فى المرضى أو يمكن أن يراد
الحقيقة ولا ينتقض به الصوم لتفاوت الأحكام فيما هناك أو الاطعام فى الليل .
(٢) ورد بعضهم بأحاديث الوصال ما ورد من أحاديث ربط الحجر وقال ابن
حجر فى الفتاوى الحديثية: الجمع ممكن إلخ.

١٦٩
بذل المجهود فی حل أبى داود
ابن الهاد ، عن عبد الله بن خباب ، عن أبى سعيد الخدرى
أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تواصلوا
أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر ، قالوا:
كـ
أبى سعيد الخدرى أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تواصلوا
فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر ، قالوا فإنك تواصل ؟ قال إنى
لست كهيتتكم إن لى مطعما يطعمنى) ولفظ البخارى إنى أبيت لى مطعم يطعمنى
( وساقيا يسقينى) بإثبات الياء، ولفظ البخارى (( وساق)) بحذفها، قال
الحافظ: وقع عند ابن خزيمة فى حديث أبى صالح، عن أبى هريرة من طريق
عبيدة بن حميد، عن الأعمش عنه تقييد وصال النبى صلى الله عليه وسلم بأنه
إلى السحر، ولفظه كان صلى الله عليه وسلم يواصل إلى السحر، ففعل بعض أصحابه
ذلك فنهاه، فقال يارسول الله إنك تفعل ذلك، الحديث، وظاهره يعارض
حديث أبى سعيد هذا، فإن مقتضى حديث أبى صالح النهى عن الوصال إلى
السحر، وصريح حديث أبى سعيد الإذن بالوصال إلى السحر ، والمحفوظ فى
حديث أبى صالح إطلاق النهى عن الوصال بغير تقييد بالسحر ، ولذلك أتفق
عليه جميع الرواة عن أبى هريرة ، فرواية عبيدة بن حميد هذه شاذة ، وقد
خالفه أبو معاوية وهو أضبط أصحاب الأعش فلم يذكر ذلك ، أخرجه
أحمد وغيره عن أبى معاوية ، وتابعه عبد الله بن نمير عن الأعمش كما تقدم،
وعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة بن حميد محفوظة ، فقد أشار ابن خزيمة
إلى الجمع بينهما ، بأنه يحتمل أن يكون نهيه صلى الله عليه وسلم عن الوصال أولا
مطلقا سواء جميع الليل أو بعضه، وعلى هذا يحمل حديث أبى صالح، ثم خص
النهى بجميع الليل، فأباح الوصال إلى السحر ، وعلى هذا يحمل حديث

١٦٧
الجزء الحادى عشر : كتاب الصيام
فانك تواصل. قال: إنى است كهيئتكم إن لى مطعما يطعمنى
وساقياً يسقينى.
(١) الغيبة للصائم
حدثنا أحمد بن يونس ، ثنا ابن أبى ذئب، عن المقبرى،
أبى سعيد ، أو يحمل النهى فى حديث أبى صالح على كراهة التنزيه ، والنهى فى
حديث أبى سعيد على ما فوق السحر على كراهة التحريم .
الغيبة(٢) للصائم
( حدثنا أحمد بن يونس ثنا ابن أبى ذئب ، عن المقبرى ، عن أبيه ، عن
أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم (٣) يدع قول
الزور ) أى الباطل ، وهو ما فيه إثم ، والإضافة بيانية ، وقال الطبى:
الزور الكذب والبهتان ، أمى من لم يترك القول الباطل من قول الكفر،
وشهادة الزور ، والافتراء، والغيبة، والبهتان، والقذف ، والسب ، والشتم ،
واللعن، وأمثالها مما يجب على الإنسان اجتنابها ويحرم عليه ارتكابها (والعمل
(١) فى نسخة : باب فى .
(٢) قال الشعرانى فى ميزانه: ومن ذلك إبطال الاوزاعى الصوم بالغيبة والكذب
مح قول الأئمة بصحة الصوم مع النقص إلخ. وفى ((نفع المفتى والسائل، حكى
الإجماع على عدم النقص، وقال: الروايات فيها كلها مدخولة أو مؤولة بفساد الثواب،
أو بأن الصوم له ثلاث مراتب: صوم العوام والخواص والمقربين . فهذا يفسد غير ؟
الأول . وكذا جعل الصيام ثلاثة أنواع شارح الإحياء .
(٣) استدل به ابن حزم على أن الصوم يبطله كل معصية. كذا فى الفتح.

١٦٨
بذل المجهود فى حل أبى داود
عن أبيه ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله
حاجة أن يدع طعامه وشرابه ، قال أحمد : فهمت إسناده
من ابن أبى ذئب ، وأفهمنى الحديث رجل إلى جنبه
أراه ابن أخيه .
به ) أى بالزور، يعنى الفواحش من الأعمال، لأنها فى الإثم كالزور (فليس
لله حاجه ) أى التفات، ومبالاة ، وهو مجاز عن عدم القبول بنفى السبب ،
وإرادة نفى المسبب فى ( أن يدع) أى يترك (طعامه وشرابه ) فإنها مباحان
فى الجملة فإذا تركهما وارتكب أمراً حراماً من أصله استحق المقت ، وعدم
قبول طاعته فى الوقت ، فإن المطلوب منه ترك المعاصى مطلقاً ، قال الحافظ :
قال ابن بطال ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه ، وإنما معناه التحذير من
قول الزور ، وماذكره معه، وهو مثل قوله من باع الخمر فليشقص الخنازير ،
أى يذبحها ، ولم يأمره بذبحها ولكنه على التحذير والتعظيم لإ ثم بائع الخمر، وأما
قوله فليس لله حاجة فلا مفهوم له، فإن الله لا يحتاج إلى شىء وإنما معناه فليس
اللّه إرادة فى صيامه، فوضع الحاجة موضع الإرادة (قال أحمد ) شيخ المنصف
(فهمت(١) إسناده) أى الحديث (من) شيخى (ابن أبى ذئب) ولم أفهم متن الحديث
عنه ( وأفهمنى الحديث رجل إلى جنبه) أى ابن أبى ذئب ( أراه ابن أخيه)
أى ابن أخى ابن أبى ذئب، فلت لم أقف على تسمية (٢) ابن أخى ابن أبى
ذب ولا على حاله .
(١) هذا بخلاف ما فى البخارى أنه فهم المتن عن الشيخ ورجل أفهمه إسناده،
بسطه الحافظ .
(٢) قال الحافظ: كان له إخوان مغيرة وطالوت ولم أقف على تعيين ابن الأخ هذا. إلخ

١٦٩
الجزء الحادى عشر : كتاب الصيام
حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنى، عن مالك ، عن
أبى الزناد ، عن الأعرج ، عن أبى هريرة أن النبى(١) صلى
الله عليه وسلم قال(٢): إذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث
( حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنى، عن مالك، عن أبى الزناد، عن الأعرج،
عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث) أى
لا يفحش فى الكلام(٣) (ولا يجهل) أى لا يعمل فعل الجهل كالصخب والسخرية،
أو لا يسفه، قال القرطبى: لا يفهم من هذا أن غير يوم الصوم يباح فيه ماذكر،
وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم ( فإن امرأ قاتله أو شاتمه فليقل
إنى صائم ) قال الحافظ: واتفقت الروايات كلها على أنه يقول إنى صائم ،
فمنهم من ذكرها مرتين ، ومنهم من اقتصر على واحدة ، وقد استشكل ظاهره
بأن المفاعلة تقتضى وقوع الفعل من الجانبين والصائم لا تصدر منه الأفعال التى
رتب عليه الجواب خصوصا المقاتلة، والجواب عن ذلك أن المراد بالمفاعلة التهيئو
لها ، أى إن تهيأ أحد لمقاتلته أو مشاتمته فليقل إنى صائم، فإنه إذا قال ذلك أمكن
أن يكف عنه ، فإن أصر دفعه بالأخف فالأخف كالصائل ، واختلف فى المراد
بقوله إنى صائم هل يخاطب بها الذى يكلمه بذلك ، أو يقولها فى نفسه وبالثانى
جزم المتولى، ونقله الرافعى عن الأئمة ، ورجح النووى الأول فى الأذكار ،
وقال فى شرح المهذب كل منهما حسن ، والقول باللسان أقوى ولو جمعهما
لكان حسنا ، وقال الرؤيانى إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره فليقل
(١) زاد فى نسحة : رسول الله .
(٢) زادفى نسخة : قال : الصيام جنة فإذا كان .
(٣) قال ابن رشد فى البداية: الرفث يفسد الصوم عند أهل الظاهر.

١٧٠
بذل المجهود فى حل أبى داود
ولا يجهل فان امرء قاتله وشاتمه فليقل إنى صائم .
باب السواك للصائم
حدثنا محمد بن الصباح ، ناشريك ، ح ونا مدد ، نا
يحمى ، عن سفيان ، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله
فى نفسه وأدعى ابن العربى أن موضع الخلاف فى التطوع ، وأما فى الفرض
فيقوله بلسانه قطعا (١) وأما تكرير قوله إنى صائم فليتأكد الانزجار عنه،
أو ممن يخاطبه بذلك .
باب السواك
أى استعماله ( للصائم)
(حدثنا محمد بن الصباح، نا شریك ، ح ونا مسدد، نا یحی)، كلاهما رویا
(عن سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بنربيعة) العنزى، أبو
محمد المدنى حليف بنى عدى ، ولد فى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان له
أخ أكبر منه اسمه أيضاً عبد الله استشهد يوم الطلاق، وأم عبد الله ليل بنت أبى
خيثمة، قال ابن منده: أدرك النبى صلى الله عليه وسلم ومات وهو ابن خمس،
(١) إذ قال: لم يختلف أحد أن يقول ذلك مصرحاً فى صوم الفرض كان رمضان
أو غير ذلك من أنواع الفرض ، واختلفوا فى التطوع، والأصح أنه لا يصرح به
وليقل بنفسه إنى صائم ، فكيف أقول الرفث ، ويؤيد القول باللسان قوله فى آخر
الحديث عند النسائى فيما ذكره القاضى ينهى ذلك عن مراجعة الصائم . كذا فى
شرح الإحياء . وصرح بسنيته جهره فى رمضان وسره فى غيره صاحب نيل المآدب .
والله أعلم .
٤

١٧١
الجزء الحادى عشر: كتاب الصيام
ابن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال : رأيت رسول الله صلى
وقيل أربع سنين ، وقال ابن معين : لم يسمع من النبى صلى الله عليه وسلم ، قال
الترمذى : فى الصحابة رأى النبى صلى الله عليه وسلم، ورأوا حرفاً عنه، وإنما
روايتهعن أصحاب محمد صلى الله عليهوسلم، وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر ما أرى
هذا الحديث محفوظً، يعنى الحديث الذى رواه أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل
بيتهم، فقالت له أمه : يا عبد الله تعالى أعطك ، الحديث كذا قال ، ويحتمل أن
يكون أمه : أخبرته بذلك فأرسله هو ، قال الواقدى : وكان عبد الله ثقة قليل
الحديث ، وقال أبو زرعة : مدنى أدرك النبى صلى الله عليه وسلم وهو ثقة ،
وقال العجلى : مدنى تابعى ثقة من كبار التابعين ، وقال أبو حاتم : رأى النبى
صلى الله عليه وسلم لما دخل على أمه وهو صغير ، وقال ابن حبان: فى الصحابة
أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فى بيتهم وهو غلام (عن أبيه) عامر بن ربيعة
ابن كعب بن مالك العنزى ، بسكون النون ، حليف بنى عدى ، ثم آل الخطاب،
صحابى مشهور أسلم قديماً ، وهاجر إلى الحبشة ومعه أمرأته ليلى بنت أبى خيثمة،
ثم هاجر إلى المدينة أيضاً ، وشهد بدراً وما بعدها ، قال ابن سعد: كان الخطاب
والد عمر رضى الله تعالى عنه قد تبنى عامراً فكان يقال له عامر بن الخطاب،
حتى نزات أددوهم لآ بائهم ( قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك
وهو صائم زاد مسدد) بعد قوله رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم (مالا
أعد ولا أحصى) أى هذا اللفظ، وقد أخرجه الترمذى ثم قال: قال أبو عيسى:
حديث عامر بن ربيعة حديث حسن ، والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون
بالسواك للصائم بأساً إلا أن بعض أهل العلم كرهوا السواك للصائم بالعود
الرطب ، وكرهوا له السواك آخر النهار ، ولم ير الشافعى (١) بالسواك بأساً
(١: قال العراقى: هذا قول غريب للشافعى لا يوجد إلا فى كلام الترمذى، وفى
المسئلة سبعة مذاهب للعلماء. كذا فى شرح الإحياء.

١٧٢
:...
بذل المجهود فی حل أبى داود
الله عليه وسلم يستاك وهو صائم، زاد مسدد (١) مالا أعد
ولا أحصى .
أول النهار وآخره ، وكره أحمد وإسحاق السواك آخر النهار ، وقال الشوكانى :
وقال الحافظ. أيضاً إسناده حسن ، والحديث يدل على استحباب السواك للصائم
من غير تقييد بوقت دون وقت ، وهو يرد على الشافعى قوله بالكراهة بعد
الزوال للصائم مستدلا بحديث الخلوف ، وقد نقل الترمذى أن الشافعى قال :
لا بأس بالسواك للصائم أول النهار وآخره، واختاره جماعة من أصحابه ،
منهم أبو شامة، وابن عبدالسلام ، والنووى ، والمزنى، قال الحافظ فى التلخيص
استدلال أصحابنا بحديث خلوف فم الصائم على كراهة الاستياك بعد الزوال
لمن يكون صائما فيه نظر ، قال الشوكانى : فالحق أنه يستحب السواك للصائم
أول النهار وآخره ، وهو مذهب جمهور الأئمة، انتهى ، وقال فى البدائع : ولا
بأس للصائم أن يستاك سواء كان السواك يابساً أو رطباً (٢) مبلولا أو غير
مبلول ، وقال أبو يوسف: إذا كان مبلولا يكره ، وقال الشافعى : يكره
السواك آخر النهار كيف ما كان، واحتج بما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: لخلوف (٢) فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، والاستياك يزيل
الخلوف فيكره ، وجه قول أبى يوسف : أن الاستياك بالمبلول من السواك
(١) فى نسخة : فى حديثه
(٢) قال القسطلانى: كره مالك الاستياك بالرطب للصائم، والشافعى وأحمد بعد
الزوال إلخ
(٣) اختلف فى معناه على ستة أقوال ذكرت فى شرح الإحياء وفى الأوجز
ثمانية، وفى كتاب (( الوابل الصيب) لابن القيم مناظرة أبى محمد وأبى عمرو فى
أن الخلوف فى الدنيا أو فى القيامة مع ذكر دلائلهما. وكذا فى ((حياة الحيوان))

١٧٣
الجزء الحادى عشر: كتاب الصيام
باب الصائم يصب عليه الماء من العطش
ويبالغ فى الاستنشاق
حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنى ، عن مالك ، عن
إدخال الماء فى الفم من غير حاجة ، ولنا ما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم
قال: ((خير خلال الصائم السواك)) والحديث حجة على أبى يوسف والشافعى
لأنه وصف الاستياك بالخيرية مطلقاً من غير فصل بين المبلول وغير المبلول
وبين أن يكون فى أول النهار وآخره ، لأن المقصود منه تطهير الفم فيستوى فيه
المبلول وغيره ، وأول النهار وآخره كالمضمضة، وأما الحديث فالمراد منه
تفخيم شأن الصائم والترغيب فى الصوم والتنبيه على كونه محبوباً لله تعالى
ومرضيه، ونحن به نقول ، أو يحمل على أنهم كانوا يتحرجون عن الكلام مع
الصائم لتغير ثمه بالصوم، فمنعهم عن ذلك ودعاهم إلى الكلام .
باب الصائم يصب عليه الماء من العطش
ويبالغ فى الاستنشاق
(حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنى، عن مالك. عن سمى مولى أبى بكر عن أبى
بكر بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) وإبهام الصحابى
لا يضر لأنهم كلهم عدول ( قال رأيت النبى صلى الله عليه وسلم أمر الناس فى
سفره ) إلى مكة (عام الفتح بالفطر، وقال: تقووا لعدوكم) بمنزلة التعليل للأمر
كأنه قيل: لأجل أن تقووا لملاقاة عدوكم ( وصام رسول الله صلى الله عليه
وسلم) لأنه لا يخاف عليه الضعف من الصوم، بل يزيده الصوم قوة ونشاطاً أو
لأن الصوم فى السفر أفضل لقوله تعالى (( وأن تصوموا خير لكم)) ( قال أبو بكر

١٧٤
بذل المجهود فی حل أبى داود
سمى مولى أبى بكر ، عن أبى بكر بن عبد الرحمن ، عن
بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت النبى
صلى الله عليه وسلم أمر الناس فى سفره عام الفتح بالفطر
وقال: تقووا لعدوكم، وصام رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، قال أبو بكر : قال الذى حدثنى لقد رأيت رسول
قال الذى حدثنى) أى الصحابى الذى حدثنى هذا الحديث ( لقد رأيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم بالعرج) بفتح العين وسكون الراء المهملتين، وبالجيم،
قرية جامعة على نحو ثلاث مراحل من المدينة (يصب على رأسه الماء وهو صائم
من العطش أو من الحرأ) لفظ أو الشك من الراوى أى قال هذا اللفظ أو ذاك
ويحتمل التنويع ، قال فى البدائع: وأما الاستنشاق والاغتسال وصب الماء على
الرأس والتلفف بالثوب المبلول ، فقد قال أبو حنيفة (١) إنه يسكره، وقال
أبو يوسف: لا يكره، واحتج بما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
صب على رأسه ماءاً من شدة الحر وهو صائم ، وعن ابن عمر رضى الله عنه،
أنه كان يبل الثوب ويتلفف به وهو صائم، ولأنه ليس فيه إلا دفع أذى الحر
فلا يكره كما لو استظل، ولأبى حنيفة أن فيه إظهار الضجر من العبادة
والامتناع عن تحمل مشقتها، وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم محمول على
حال مخصوصة ، وهى حال خوف الإفطار من شدة الحر ، وكذا فعل ابن عمر
رضى اللّه تعالى عنه محمول على مثل هذه الحالة، ولا كلام فى هذه الحالة، قلت:
(١) قال العينى : هذا رواية عن أبى حنيفة غير معتمد عليها، والمذهب المختار أنه
لا يكره، ذكره الحسن عن أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه.
٠٠
۔

١٧٥
الجزء الحادى عشر: كتاب الصيام
اللّه صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب على رأسه الماء وهو
صائم من العطش أو من الحر .
حدثنا قتيبة بن سعيد، نا يحيى بن سليم ، عن إسماعيل
وقول أبى يوسف هو المفتى به، قال فى ((الدر المختار)) وكذا لا تكره
حجامة وتلفف بثوب مبتل ، ومضمضة واستنشاق أو اغتسال للتبرد عند الثانى
وبه يفتى شرنبلالية عن البرهان .
(حدثنا قتيبة ابن سعيد ، نا يحيى بن سليم ، عن كثير بن كثير ، عن عاصم
ابن لقيط بن صبرة ، عن أبيه لقيط بن صبرة ، قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم ( بالغ فى الاستنشاق (١) إلا أن تكون صائماً ) وقد تقدم هذا الحديث
مطولا فى باب الاستنثار ، فالحديث الأول يناسب الجزء الأول من الترجمة
وهو جواز صب الماء عليه ، والحديث الثانى يناسب الجزء الثانى ، وهو عدم
جواز المبالغة فى الاستنشاق ، قال الترمذى بعد تخريج حديث لقيط بن صبرة:
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، وقد كره أهل العلم السعوط. للصائم ،
ورأوا أن ذلك يفطره(٢)، وفى الحديث ما يقوى قولهم اهـ. قلت: وكذلك
(١) وفى التقرير بيانا للجوز أو ضروره العطش والذين كرهوه كرهوه لعلة
أخرى .
(٢) قال ابن رسلان : الأصحاب قاطبة يقيسون المضمضة على الاستنشاق، وقال
الماوردى: يبالغ فيها دونه للرواية، وفرق بينهما بأن المضمضة يمكن رده بإطباق الحلق
بخلاف الاستنشاق، وفى رواية الحافظ أبى بشر الدولانى بحديث الثورى ((إذا
توضأت فبالغ فى المضمضة والاستنشاق ما لم تكن صائما ، قال ابن العربى : إسناده
صحيح. انتهى مختصراً، قلت : لكنه يحتمل أن يكون القيد مع الأخير وتقدم فى
الطهارة ذكر المضمضة فى هذا الحديث أيضاً:

١٧٦
بذل المجهود فى حل أبى داود
ابن كثير ، عن عاصم بن لقيط بن صبرة ، عن أبيه لقيط
ابن صبرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغ
فى الاستنشاق إلا أن تكون صائماً .
(١) فى الصائم يحتجم
حدثنا مسدد ، نا يحيى ، عن هشام ح ، ونا أحمد بن
قول الحنفية أن الصائم إذا استعط فوصل إلى دماغه أفطر، فلأجل ذلك نهى
النبي صلى الله عليه وسلم عن المبالغة فى الاستنشاق ، وقال الشوكانى فى النيل:
وإنما كره المبالغة للصائم خشية أن ينزل إلى حلقه ما يفطره أهـ وهذا يوهم
أن الوصول إلى الدماغ غير مفطر ما لم ينزل إلى الحلق
فى الصائم يحتجم
(حدثنا مسدد، نا يحيي عن هشام ، ح ونا أحمد بن حنبل، ناحسن بن موسى)
الأشيب بمعجمة ثم تحتانية أبو على البغدادى قاضى طبرستان والموصل والخمص
ثقة ذكره ابن حبان فى الثقات، وذكره مسلم فى رجال شعبة الثقات فى الطبقة الثالثة
(نا شيبان جميعا) أى هشام وشيبان (عن يحيى) بن أبى كثير عن أبى قلابة عن
أبى أسماء يعنى الرحبى (عن ثوبان عن النبى صلى الله عليه وسلم) قال: أفطر الحاجم
والمحجوم (قال شيبان: قال) يحيى (أخبرنى أبو قلابة أن أبا أسماء الرحبى حدثه
أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره أنه سمع النبى صلى الله عليه
(١) فى نسخة : باب فى الصائم يحتجم .

١٧٧
الجزء الحادى عشر : كتاب الصيام
حنبل، نا حسن بن موسى ، نا شيبان جميعاً ، عن يحيى ،
عن أبى قلابة، عن أبى أسماء يعنى الرحبى ، عن ثوبان
وسلم) وغرض المصنف من إعادة سندشيبان وتكريره أن سند هشام معنعن،
وأما سند شيبان فهو بلفظ الإخبار والتحديث .
وقد اختلف السلف فى الحجامة للصائم ، فالجمهور على عدم الفطر بها مطلقاً
وعن على وعطاء والأوزاعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور يفطر الحاجم والمحجوم
وأوجبوا عليهم القضاء، وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضا، وقال بقول أحمد
من الشافعية، ابن خزيمة وابن المنذر، وأبو اليد النيسابورى وابن حبان ، ونقل
الترمذى عن الزعفرانى أن الشافعى علق القول على صحة الحديث وبذلك قال
الداؤدى من المالكية، وفى ((بداية المجتهد)) أن الحجامة فيها ثلاثه مذاهب(١)
قوم قالوا: إنها تفطر وإن الإمساك عنها واجب وبه قال أحمد وداود والأوزاعى
وإسحاق بن راهويه، وقوم قالوا إنها مكروهة للصائم وليست تفطر"وبه قال
مالك والشافعى والثورى ، وقوم قالوا إنها غير مكروهة ولا مفطرة وبه قال
(((أبو حنيفة)) وأصحابه .
وسبب اختلافهم تعارض الآثار الواردة فى ذلك ، وذلك أنه ورد فى
ذلك حديثان أحدهما ما روى من طريق ثوبان ، ومن طريق رافع بن خديج
أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، وحديث ثوبان هذا كان
يصححه أحمد ، والحديث الثانى حديث عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله
(١) لكن التفريق بين المذهب الثانى والثالث لا يوافق الفروع فإن الحنفية
صرحوا بالكراهة عند الخوف ، والمالكية صرحوا بلا بأس عند الأمن، نعم عند
الشافعية تركها أفضل مطلقاً . كذا فى الأوجز
(١٢٠ - بذل المجهود فى - ل أبى داود)

١٧٨
بذل المجهود فی حل أبى داود
عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: أفطر الحاجم والمحجوم،
قال شيبان(١): قال أخبرنى أبو قلابة أن أبا أسماء الرحى حدثه
صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم، وحديث ابن عباس بهذا صحيح، فذهب
العلماء هذين الحديثين ثلاثة مذاهب، أحدهما مذهب الترجيح ، والثانى مذهب
الجمع، والثالث مذهب الإسقاط عند التعارض والرجوع إلى البراءة الأصلية
إذا لم يعلم الناسخ من المنسوخ، فمن ذهب مذهب الترجيح قال بحديث ثوبان ،
وذلك أن هذا موجب حكماً ، وحديث ابن عباس رافعه، والموجب مرجح
عند كثير من العلماء على الرافع ؛ لأن الحكم إذا ثبت بطريق يوجب العمل لم
يرتفع إلا بطريق يوجب العمل برفعه ، وحديث ثوبان قد وجب
العمل به ، وحديث ابن عباس يحتمل أن يكون ناسخاً ويحتمل
أن يكون منسوخاً ، وذلك شك ، والشك لا يوجب عملا ولا يرفع
العلم الموجب للعمل، وهذا على طريقة من لا يرى الشك مؤثرافى العلم ، ومن
رام الجمع بينهما حمل حديث النهى على الكراهية، وحديث الاحتجام على رفع
الخطر ومن أسقطهما للتعارض قال: ياباحة الاحتجام للصائم انتهى ، قلت ،
والذين رجحوا حديث ابن عباس وعملوا به أولوا حديث ((أفطر الحاجم
والمحجوم)) بأن المراد به أنهما سيفطران كقوله تعالى ((إنى أرانى أعصر خمرا)
أى ما يؤول إليه ، وكذا قال البغوى فى شرح السنة: معنى قوله أفطر الحاجم
والمحجوم أى تعرضا للإفطار ، أما الحاجم فلأنه لا يأمن وصول شىء من الدم
إلى جوفه من المص ، وأما المحجوم فإنه لا يأمن ضعف قوته فيؤول أمره إلى
أن يفطر، وقيل : معنى أفطر فعلا مكروهاً وهو الحجامة، فصارا كأنهما
(١) زاد فى نسخة : فى حديثه

١٧٩
الجزء الحادى عشر : كتاب الصيام
أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره أنه
سمع النبي صلى الله عليه وسلم.
غير متلبسين بالعبادة وقيل: إنه صلى اللّه عليه وسلم إنما قال: أفطر الحاجم
والمحجوم لأنهما كان يغتابان ، وقال ابن حزم : صح حديث أفطر الحاجم
والمحجوم بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبى سعيد أرخص النبى صلى الله
عليه وسلم فى الحجامة للصائم ، وإسناده صحيح، فيجب الأخذ به لأن الرخصة
إنما تكون بعد العزيمة فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو
محجوماً ، والحديث المذكور أخرجه النسائى وابن خزيمة والدارة لنى ورجاله
ثقات، ولكن اختلف فى رفعه ووقفه وله شاهد من حديث أنس أخرجه
الدار قطنى ، ولفظه أول ماكرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبى طالب
احتجم وهو صائم، فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفطر هذان ثم
رخص النبى صلى الله عليه وسلم بعد فى الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو
صائم ، ورجاله كلهم من رجال البخارى إلا أن فى المتن ما ينكر لأن فيه أن
ذلك كان فى الفتح ، وجعفر كان قتل قبل ذلك ، وقيل : إنما نهى عن الحجامة
لأجل الضعف ، فروى عبد الرزاق وأبو داود من طريق عبد الرحمن بن
عابس عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الججامة للصائم، وعن المواصلة
ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه قوله إبقاء على أصحابه يتعلق بقوله نهى ، وقد
رواه ابن أبى شيبة عن وكيع عن الثورى بإسناده هذا ولفظه عن أصحاب
محمد صلى الله عليه سلم قالوا: إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة للصائم
وكرهها للضعف ، أى لئلايضعف .

١٨٠
بذل المجهود فى حل أبى داود
حدثنا أحمد بن حنبل، نا حسن بن موسى ، نا شيبان
عن يحيى حدثنى أبو قلابة الجرمى أنه أخبره أن شداد
أبن أوس بينما هو يمشى مع النبي(١) صلى الله عليه وسلم
فذكر نحوه .
حدثنا موسى بن إسماعيل ، نا وهيب ، نا أيوب ،
(حدثنا أحمد بن حنبل ، نا حسن بنموسى ، نا شيبان ، عن يحيى حدثنى
أبو قلابة الجرمى أنه ) أى أبا قلابة ( أخبره ) أى يحيى ( أن شداد بن أوس
بينما هو يمشى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه) قال الحافظ :
ونقل الترمذى عن البخارى أنه قال : ليس فى هذا الباب أصح من حديث
شداد وثوبان ، قلت : فكيف بما فيهما من الاختلاف يعنى عن أبى تلابة قال
کلاهما عندی صحیح ، لأن يحی بن أبی کثیر روى عن أبى قلابة ، عن أبى
أسماء عن ثوبان وعن أبى قلابة ، عن أبى الأشعث عن شداد ، روى الحديثين
جميعاً يعنى فانتفى الاضطراب ، وتعين الجمع بذلك ، وقال المروزى : قلت
لأحمد إن يحيى بن معين قال : ليس فيه شىء يثبت ، فقال : هذا مجازفة ، قلت:
ولم يذكر فيه بين أبى قلابة وبين شداد بن أوس أبا الأشعث وهكذا رواه
ابن ماجة فلم يذكر أبا الأشعث فالظاهر أن فيه انقطاعا .
( حدثنا موسى بن إسماعيل، ناوهيب ، ناأيوب عن أبى قلابة عن أبى الأشعث،
عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على رجل بالبقيع(٢))
(١) فى نسخة: رسول الله
(٢) قال ابن رسلان : هو معقل بن سنان كما فى ابن أبى شيبة .