النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
الجزء التاسع : كتاب الحج
سعد بسند له أنه تزوجها فى شوال سنة سبع. فإن ثبت صح أنه تزوجها وهو
خلال لأنه إنما أحرم فى ذى القعدة منها. قلت : فصحته غير متيقن عند
الحافظ ، وإن سلم فيمكن أن يحمل على معنى أنه أراد تزوجها فى شوال ،
وأرسل أبا رافع والأنصارى لخطبتها وهو الأقرب ، فروى مالك عن ربيعة
ابن أبى عبد الرحمن ، عن سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث
ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قبل أن يخرج وهذا مرسل ، ومع
ذلك يرد، ما ثبت أنه فوض أمرها إلى العباس وأنكحها فقد قال فى المعتصر
من المختصر لمشكل الآثار للطحاوى، فإن قيل أفيخفى عن ميمونة وقت تزويجها،
قيل له نعم لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أمرها إلى العباس
فزوجها إياه فيحتمل أنه ذهب عنه الوقت الذى عقد عليها عند ما فوضت
إلى العباس أمرها فلم تشعر إلا فى الوقت الذى بنى بها فيه ، وعلمه ابن عباس
لحضوره وغيبتها عنه، ويرده أيضاً ما رواه أبو داود بسنده عن يزيد بن
الأصم عن ميمونة قالت : تزوجنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن
حلالان بسرف ، فعلى هذا معنى قوله فزوجاه ميمونة أى فبلغاه رضى ميمونة
بتزوجها به بالمدينة ، وقال الزرقانى فى شرح هذا الحديث . فظاهر قوله
فزوجاه أنه وكلهما فى قبول النكاح له لكن روى أحمد والنسائى عن ابن عباس
لما خطبها النبى صلى الله عليه وسلم جعلت أمرها إلى العباس فأنكحها النبى
صلى الله عليه وسلم، فظاهره أنه قبل النكاح بنفسه ويقويه رواية ابن سعد
عن سعيد بن المسيب أنه صلى الله عليه وسلم قدم وهو محرم فدما حل تزوجها
فيحمل قوله فزوجاه على معنى خطبا له فقط مجازاً ، ومنها أنه تزوجها بسرف
وهو موضع على عشرة أميال من مكة قرب وادى فاطمة ، وهذا يحتمل أمرين
أحدهما أنه تزوجها جائيا إلى مكة أو تزوجها راجعاً من مكة إلى المدينة،
فإن كان الأول فعلى هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان محرماً قطعاً وإن
زه - بذل المجهود ٩)

٨٢
بذل المجهود فى حل أبى داود
كان الثانى فكان حلالا قطعاً، ويؤيد الأول ما روى الطحاوى من طريق
ابن إسحق قال ثنا أبان بن صالح وعبد الله بن أبى نجيح، عن مجاهد وعطاء،
عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث
وهو حرام ، فأقام بمكة ثلاثا، فأتاه حويطب بن عبد العزى فى نفر من قريش
فى اليوم الثالث ، فقالوا إنه قد انقضى أجلك، فاخرج عنا، فقال وما عليكم
لو تركتمونى فعرست بين أظهركم، فصنعنا لكم طعاماً خضر تموه. فقالوا:
لاحاجة لنا إلى طعامك، فاخرج عنا، فخرج نبى الله صلى الله عليه وسلم وخرج
بميمونة حتى عرس بها بسرف ، فهذا يدل أنه صلى الله عليه وسلم كان "زوجها
قبل ذلك فى طريق مكة حتى أراد أن يصنع الوليمة بمكة ، ويضيف أهل مكة فيها
ويؤيده ما فى سيرة ابن هشام قال ابن إسحق وحدثنى أبان بن صالح وعبد الله
ابن أبى نجيح عن عطاء بن أبى رباح ومجاهد أبى الحجاج عن ابن عباس
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث فى سفره ذلك
وهو حرام ، وكان الذى زوجه إياها العباس بن عبد المطلب ، ومنها أنه تزوجها
فى مكة وهو حلال ، وهو قول ابن حبان حكاه الزيلعى ، قال : قال ابن حبان
ولكن عندى أن معنى قوله تزوج وهو محرم أى داخل فى الحرم كما يقال
أنجد وأنهم إذا دخل نجداً وتهامة ، وذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم عزم على
الخروج إلى مكة فى عمرة القضاء ، فبعث من المدينة أبا رافع ورجلا من
الأنصار إلى مكة ليخطبا ميمونة له ثم خرج، وأحرم، فلما دخل مكة طاف
وسعى وحل من عمرته وتزوج بها، وأقام بمكة ثلاثا ، ثم سأله أهل مكة
الخروج فخرج حتى بلغ سرف فبنى بها وهما حلالان، وقـ أخرج ابن سعد
فى طبقاته أخبر نا محمد بن عمر والفضل بن دكين قالا : حدثنا هشام بن سعد ،
عن عطاء الخراسانى قال. قلت لابن المسيب إن عكرمة يزعم أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم؛ فقال: كذب مخبئاً إذهب إليه
فسبه، سأحدثك، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم، فلما حل
تزوجها ، قلت: ظاهره يدل على أنه بعد الإحلال تزوجها بمكة وقول سعب هذا

٨٣
الجزء التاسع : كتاب الحج
وكذا قول ابن حبان لا يحتج به، ومنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
نزوجها بسرف بعد أن رجع من مكة ، أخرجه الطحاوى ، حدثنا ربيع المؤذن
وربيع الجيزى قالا ثنا أسدح وحدثنا محمد بن خزيمة قال ثنا حجاج قال ثنا
حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد عن ميمونة بنت مهران عن يزيد بن الأصم
قالت : تزوجنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف ونحن حلالان بعد
أن رجع من مكة، ولم يقل ابن خزيمة بعد أن رجع من مكة ، وقد أخرج
هذا الحديث أبو داود من طريق موسى بن إسمعيل ، نا حماد بهذا السند ، عن
ميمونة قالت : تزوجنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف ،
ولم يذكر لفظ بعد أن رجع من مكة ، وهذا القول اختلف فيه فذكره بعضهم
ولم يذكره بعضهم، ومع هذا لو سلم فمعنى قولها تزوجنى أى بنى بى ، فإن ميمونة
رضى الله عنها لم تحضر عقد النكاح لأنها لم تباشره بل باشره وكيلها عباس بن
عبد المطلب فلم تعلم بذلك ، فثبت بما قدمنا أن الثابت بالروايات أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم تزوجها بسرف عند مجيئه من المدينة لعمرة القضاء، وكأن
عباس عند ذلك بمكة ، فلما سمع بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم للعمرة
استقبله ولقيه بسرف ، فهناك زوج ميمونة من رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو حرام ، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فاعتمر وأقام بها
ثلاثا ، ثم خرج منها مع زوجته ميمونة ، والحاصل أن جميع ما تقدم من
الروايات والاستدلالات ترجح قول الحنفية وغيرهم بجواز نكاح المحرم
فى حالة الإحرام ، ومبناه ترجيح رواية ابن عباس على الروايات المخالفة لها
كما تقدم مفصلا على أنه فى هذا الوجه جمع بين جميع الروايات وإعمال بكل
واحد منها، وأما على قول المانعين فلا بد فيها من إيطال بعض الأحاديث
الصحيحة وتضعيفها، ونسبة الغلط إلى ابن عباس رضى الله عنهما كما صدر من سعيد
ابن المسيب وهى جرأة عظيمة لا يقبلها قلب منصف خصوصاً على قاعدة
المحدثين .

٨٤
بذل المجهود فى حل أبى داود
حدثنامسدد، ناحماد بنزيد، عن أيوبعن عكرمة، عن ابن
عباس أن النبى(١) صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونهوهو محرم
حدثنا ابن بشار، ثنا عبد الرحمن بن مهدى ناسفيان عن
إسماعيل بن أمية عن رجل عن سعيد بن المسيب قال : وهم
ابن عباس فى تزويج ميمونة وهو محرم.
( حدثنا مسدد ، نا حماد بن زيد ، عن أيوب عن عكرمة ، عن ابن عباس
أن النبى صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم) وقد أخرج النسائى هذا
الحديث من طريق سعيد عن قتادة ويعلى بن حكيم عن عكرمة عن ابن عباس
تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث وهو محرم، وفى
حديث يعلى بشرف ، قلت : ويعلى ثقة ، وقد روى عن ابن عباس أصحابه
الثقات الحفاظ المتقنون الفقهاء كسعيد بن جبير وطاوس وعطاء ومجاهد وعكرمة
وجابر بن زيد وهكذا فى جميع مراتب السند إلى أن وصل إلى الستة فكيف
يساويه حديث أبى رافع ويزيد بن الأصم وصفية بنت شيبة .
( حدثنا ابن بشار. ثنا عبد الرحمن بن مهدى ، نا سفيان ، عن إسماعيل بن
أميه ، عن رجل) لم أقف على تسميته وهو مجهول (عن سعيد(٢) بن المسيب قال:
وهم ابن عباس فى تزويج ميمونة وهو محرم) قالالشو کانی فی (النیل،: وقول
سعيد بن المسيب أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى وفى إسناده
رجل مجهول، قلت: فلو كان هذا القول صحيحاً ثابتا عن سعيد بن المسيب
لا يكون أيضاً فيه حجة فكيف وفى سنده مجهول .
(١) في نسخة : رسول الله
(٢) وهو تابعى وقال رد عمرو بن دينار التابعى على أبى رافع كما تقدم .

٨٥
الجزء التاسع: كتاب الحج
باب ما يقتل المحرم من الدواب
حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان بن عيينة، عن الزهرى ،
عن سالم عن أبيه سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عما يقتل المحرم من
الدواب، فقال خمس لاجناح فى قتلهن على من قتلهن فى الحل
والحرم: العقرب، والغراب، والفأرة، والحدأة، والكلب العقور.
باب ما يقتل المحرم من الدواب
والمراد من الدواب الصيد البرى سواء كان ما يؤكل لحمه أو مالا يؤكل إلا
ما استثنى منها ، وأما صيد البحر فهو حلال للحرم كما نطق به النص .
( حدثنا أحمد بن حنبل ، نا سفيان بن عيينة ، عن الزهرى ، عن سالم عن
أبيه) عبد الله بن عمر قال(١) ( سئل النبى صلى الله عليه وسلم عما يقتل المحرم من
الدواب) البرى ( فقال خمس )(٢) من الدواب البرى والتقييد بالخمس وإن كان
(١) ولأحمد من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: نادى رجل، ولأبى
عوانة فى المستخرج من هذا الوجه أن أعرابياً نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
مانقتل من الدواب إذا أحرمنا؟ هذا، وقد أخرجه البخارى بطريقين عن ابن عمر عن
النبى صلى الله عليه وسلم وعنه عن حفصة عن النبى صلى الله عليه وسلم ، جمع الحافظ
باحتمال أنه سمع بالواسطة وبدونها .
(٢) وأطلق على هذا الخمس الفواسق، وبسط ابن قتيبة فى التأويل وجه إطلاق
الفواسق عليها واستدل بإطلاق هذا اللفظ على جواز قتل من لجأ إليه من الخارج بعد
ما ارتكب جريمته كما قال به الأئمة الثلاثة لأنه فاسق ولنا قوله تعالى ((ومن دخله كان
"آمنا) والبسط فى ((الأوجز)).

٨٦
بذل المجهود فی حل أبى داود
مفهومه اختصاص المذكورات بذلك لكنه مفهوم عدد وليس بحجة عندالأكثر،
وعلى تقدير اعتباره(١) فيحتمل أن يكون قاله صلى الله عليه وسلم أولا ثم بين بعد
ذلك أن غير الخمس يشترك معها فى الحكم ، فقد ورد فى بعض طرق عائشة
بلفظ أربع ، وفى بعض طرقها بلفظ ست ، وقد وقع فى حديث أبى سعيد عند
أبى داود نحو رواية شيبان، وزاد السبع العادى فصار سبعاً، وفى حديث
أبى هريرة عند ابن خزيمة وابن المنذرى زيادة ذكر الذئب والنمر على الخمس
المشهورة فتصير بهذا الاعتبار تسعاً ، لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلى أن ذكر
الذئب والنمر من نفسير الرأوى للكلب العقور ملحض ما فى الفتح ( لا جناح)
أى لا إثم ولا جزاء (فى قتلهن على من قتلهن فى الحل) أى فى أرضه (و) فى (الحرم)
أى أرضه ( العقرب) وفى معناها الحية بل بالطريق الأولى، قال ابن المنذر:
لا نعلمهم اختلفوا فى جواز قتل العقرب وتعقب بأن شعبة سأل الحكم وحماداً
فقالا: لا يقتل المحرم الحية ولا العقرب لأنهما من هوام الأرض. وهذا
اعتلال لا معنى له نعم عند المالكية خلاف فى قتل صغير الحية والعقرب التى .
لا تتمكن من الأذى (والغراب) الأبقع الأبلق وخرج(٢) الزاغ وهو أسود
محمر المنقار والرجلين ويسمى غراب الزرع (والفأرة) بالهمز ويبدل أى الوحشية
والأهلية لم يختلف العلماء فى جواز قتلها للمحرم إلا ما حكى عن إبراهيم النخعى
ونقل عن المالكية (٣) خلاف فى جواز قتل الصغير منها الذى لا يتمكن من
الأذى (والحدأة) كعنبة وهو طائر والحديا تصغير حد لغة فى الحدأ أو تصغير
حدأة قلبت الهمزة بعد ياء التصغير ياء وأدغم ياء التصغير فيه فصار حدية ثم
(١) واختلف فى إلحاق غير الخمس بها، فقال المالكية كل مؤذ وقال الشافعى
وأحمد كل ما لا يؤكل ، واقتصر الحنفية على الخمس المذكور وألحقوا الذئب والحية
كذا فى (( الأوجز)»
(٢) وهو مجمع عليه كما فى ((الأوجز))
(٣) ولم يحك الخلاف الدردير

٨٧٠
الجزء التاسع : كتاب الحج
حدثنا على بن بحر ناحاتم بن إسماعيل ، حدثنى محمد بن
عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبى صالح، عن أبى هريرة
حذفت ألتاء وعوض عنها الألف لدلالته على التأنيث أيضاً والكلب العقور (١)
وفى حكم الكلب العقور السبع الصائل المبتدىء بالأذى كالأسد والذئب
والفهد والنمر وتفصيل مذهب الحنفية ما فى البدائع وملخصه صيد البر نوعان
مأكول وغير مأكول، أما المأكول فلا يحل للمحرم اصطياده نحو الظبى والأرنب
وحمار الوحش وبقر الوحش والطيور التى يؤكل لحمها برية كانت أو بحرية
لأن الطيور كلها برية لأن توالدها فى البر وإنما يدخل بعضها فى البحر لطلب
الرزق، وأما غير المأكول فنوعان نوع يكون موذياً طبعاً مبتدأ بالأذى غالباً،
ونوع لا يبتدىء بالأذى غالباً، أما الذى يبتدىء بالأذى غالباً فللمحرم أن يقتله
ولا شىء عليه وذلك نحو الذئب والأسد والفهد والنمر وغير ذلك لأن دفع
الأذى من غير سبب موجب للأذى واجب فضلا عن الإباحة ، ولهذا أباح
رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل الخمس الفواسق للمحرم فى الحل، والحرم
وهذا المعنى موجود فى الأسد والذئب والفهد والنمر ، فكان ورود النص فى
تلك الأشياء وروداً فى هذه دلالة ولا يوجد ذلك فى الضبع والثعلب بل من
عادتهما الهرب من بنى آدم، ولا يؤذيان أحداً حتى يبتدئهما بالأذى، وعلى هذا
الضب واليربوع والسمور والدلف والقرد والخنزير لأنها صيد لوجود معنى
الصيد وهو الامتناع والتوحش ولا تبتدى. بالأذى غالباً فتدخل تحت ما تلونا
من الآية الكريمة .
(حدثنا على بن بحر نا حاتم بن إسماعيل حدثنى محمد بن عجلان عن
القعقاع بن حكيم عن أبى صالح عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله
(١) اختلف فى المراد بالكلب العقور، فقالت الأئمة الثلاثة كل عاد مفترس وعندنا
جنس الكلب سواء كان عقوراً أو غيره كذا فى ((الأوجز))

٨٨
بذل المجهود فى حل أبى داود
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خمس قتلهن حلال فى
الحرم : الحية . والعقرب ، والحدأة ، والفأرة والكلب
العقور .
حدثنا أحمد بن حنبل، فاهشيم أنا يزيد بن أبى زياد، ناعبدالرحمن
بن أبى نعم البجلى ، عن أبى سعيد الخدرى أن النبى صلى الله
عليه وسلم قال خمس قتلهن حلال فى الحرم الحية) وهى تشمل جميع أنواعها
والصغار والكبار (والعقرب والحدأة والفارة والكلب العقور) قال الحافظ فى
الفتح واختلف العلماء فى غير العقور ما لم يؤمر باقتنائه فصرح بتحريم قتله
القاضيان الحسين والماوردى وغيرهما ، ووقع فى ((الأم ) للشافعى الجواز،
واختلف كلام النووى فقال فى البيع من ((شرح المهذب، لاخلاف بين أصحا بنا
فى أنه محترم ، لا يجوز قتله، وقال فى ((التيمم والغصب) إِنه غير محترم، وقال
فى الحج يكره قتله كراهة تنزيه وهذا اختلاف شديد .
(حدثنا أحمد بن حنبل نا هشيم أنا يزيد بن أبى زيادنا عبد الرحمن بن أبى
نعم البجلى عن أبى سعيد الخدرى أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل) والسائل
غير معلوم (عما يقتل المحرم) من الدواب البرية (قال الحية والعقرب والفويسقة)
والمراد بالفويسقة هاهنا الفأرة والتصغير للتحقير وأصل الفسق لغة الخروج
منه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وقوله تعالى ((ففسق عن أمر ربه،
أى خرج وسمى الرجل فاسقا لخروجه عن طاعة ربه وأما المعنى فى وصف
الدواب المذكورة فى الفسق فقيل لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان(١) فى
(١) ولا تأثير للاحرام والحرم فى تحريم شىء من الحيوان الأهلى، وليس فيه اختلاف
كذا فى ((المغنى)) وبسط الإختلاف فى صيد البحر

٨٩
الجزء التاسع : كتاب الحج
عليه وسلم سئل عما ، يقتل المحرم ، قال: الحية ، والعقرب ،
والفويسقة، ويرمى الغراب ولا يقتله ، والكلب العقور،
والحدأة، والسبع العادى.
باب لحم الصيد للمحرم
حدثنا محمد بن كثير أناسلمان بن كثير ، عن حميد الطويل
تحريم قتله وقيل فى حل أكله وقيل لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد
وعدم الانتفاع ووقع عند البخارى فى رواية عائشة خمس من الدواب كلهن
فاسق ويرمى الغراب ولا يقتله قال الحافظ فى التلخيص قوله روى أنه صلى الله
عليه وسلم قال يقتل المحرم السبع العادى أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجة
من حديث أبى سعيد وفيه يزيد بن أبى زياد وهو ضعيف وإن حسنه الترمذى
وفيه لفظة منكرة وهى قوله ريرمى الغراب ولا يقتله قال النووى فى شرح
المهذب إن صح هذا الخبر حمل قوله هذا على أنه لا يتأكد ندب قتله كتا كده
فى الحية وغيرها انتهى قلت إن صح فيشبه(١) أن يكون محمولا على غراب
الزرع للجمع بين الروايات ( والكلب العقور والحدأة والسبع العادى ) أى
يعدو على الناس ويصول والمراد منه المبتدى بالأذى .
باب لحم الصيد للمحرم(٣)
هل يجوز أكله أم لا ؟
( حدثنا محمد بن كثير أنا سليمان بن كثير عن حميد الطويل عن إسحق بن عبد الله
(١) وبه جمع الحافظان ابن حجر والعينى
(٢) قال العينى: اختلفوا فيه على مذاهب، الأول المنع مطلقا، وروى هذاعن بعض
السلف، والثانى المنع إن صاده أو صيد لأجله وهو مذهب مالك والشافعى ، والثالث
إن كان باصطياده بأذنه أو بدلالته حرم ، وإليه ذهب أبو حنيفة ، وعزا الترمذى
القول الثانى إلى أحمد وإسحاق ، وحكى عن الشافعى وأحمد موافقة الحنفية كذا فى
« الأوجز )).

٩٠
بذل المجهود فی حل أبى داود
عن إسحق بن عبد الله بن الحارث عن أبيه وكان الحارث
خليفة عثمان رضى الله عنه على الطائف ، فصنع لعثمان طعام)(١)
فيه من الحجل واليعاقيب ولحم الوحش(٢) فبعث إلى على رضى
الله عنه فجاءه الرسول وهو يخبط الأباعر له جاء وهو ينفض
الخبط عن يده فقالوا له كل فقال أطعموه قوما حلالا فإنا
حزم فقال(٣) على رضى الله عنه أنشد الله من كان ههنا من
أشجع تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى إليه
رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله قالوا نعم.
ابن الحارث بن نوفل، قال العجلى: مدنى تابعى ثقة وذكره محمد بن سعد فى الطبقة الثالثة
من أهل المدينة، قلت: وذكره ابن حبان فى ثقاث أتباع التابعين، ومقتضاه عنده
أن روايته عن الصحابة مرسلة ( عن أبيه) عبد الله بن الحارث بن نوفل
ابن الحارث بن عبد المطلب الهاشمى أبو محمد المدنى، وكان يلقبه بموحدتين
مفتوحتين ثانيتهما مشددة، ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنكه النبى صلى
الله عليه وسلم وتحول إلى البصرة واصطلح عليه أهل البصرة حين مات يزيد بن
معاوية ، قال ابن عبد البر: أجمعوا على توثيقه وكان على مكة زمن عثمان ( وكان
الحارث خليفة عثمان رضى الله عنه على الطائف ) قال الحافظ فى الإصابة : قال
ابن سعد : صحب الحارث بن نوفل النبى صلى الله عليه وسلم فاستعمله على بعض
عمله بمكة، وأقره أبو بكر وعمر وعثمان ثم انتقل إلى البصرة واختط بها داراً
(١) زاد فى نسخة: وصنع.
(٢) زاد فى نسخة : قال
(٣) فى نسخة : ثم قال .

٩١
الجزء التاسع: كتاب الحج
ومات بها فى آخر خلافة عثمان رضى الله عنه ( فصفع ) يحتمل أن يكون مرجع
الضمير الحارث بن نوفل ، ويحتمل أن يرجع إلى ابنه عبد الله بن الحارث الراوى
للحديث فإنه كان أميرا بمكة زمن عثمان كما ذكره ابن سعد في الطبقات ( لعثمان
طعاماً) ضيافة ( فيه) أى فى الطعام (من الحجل ) وهو طائر معروف
(واليعاقيب) جمع يعقوب وهو ذكر الحجل يقال له بالفارسية كبك، وفى الهندية
جكور (ولحم الوحش فبعث ) عثمان (إلى على رضى الله تعالى عنه) يدعوه على
الطعام ( جاءه ) أى علياً رضى الله عنه ( الرسول وهو ) أى على ( يخط )
الخبط ضرب الشجرة بالعصا ليتناثر ورقها لعلف الإبل، والخبط بفتحتين الورق
الساقط بمعنى المخبوط ( الأباعر ) جمع بعير ( له جاء ) أى حضر الضيافة (وهو
ينفض الخبط) أى يزيله ويدفعه (عن يده فقالوا) أى عثمان ومن معه ( له
كل فقال ) على رضى الله عنه (أطعموه) أى هذا الطعام (قوماً حلالا فإنا
حرم) فلا يحل لنا أكله ( فقال على رضى الله عنه أنشد الله من كان ههنا من
أشجع ) ولعله كان رضى الله عنه علم قبل ذلك أنهم سمعوه من رسول الله صلى
الله عليه وسلم كما سمعه ( أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى إليه
رجل ) واله صعب بن جثامة ( حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله قالوا)
أى الأشجع ( نعم ) قال الحافظ : استدل بهذا الحديث على تحريم الأكل من
لحم الصيد على المحرم مطلقاً ، لأنه اقتصر فى التحليل على كونه محرماً ، فدل على
أنه سبب الامتناع خاصة ، وهو قول على وابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم
والليث والثورى وإسحق لحديث الصعب هذا، ولما أخرجه أبو داود وغيره
من حديث على أنه قال الناس من أشجع المتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أهدى له رجل حمار وحش هو محرم فأنى أن يأكله قالوا نعم، لكن
يعارض هذا الظاهر ما أخرجه مسلم أيضاً من حديث طلحة أنه أهدى له لحم
طير وهو محرم فوقف من أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وحديث أبي قتادة المذكور فى الباب قبله ، وحديث عمير بن سلمة
أن البهزى أهدى للنبى صلى الله عليه وسلم ظبياً وهو محرم ، فأمر أبا بكر أن

٩٢
بذل المجهود : فی حل أبى داود
حدثنا موسى بن إسماعيل ، نا حماد ، عن قيس، عن عطاء،
عن ابن عباس أنه قال يا زيد بن أرقم هل علمت أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أهدى إليه عضو صيد، فلم يقبله وقال
أنا حرم، قال نعم.
يقسمه بين الرفاق أخرجه مالك وأصحاب السنن ، وصححه ابن خزيمة وغيره،
وبالجواز مطلقا قال الكوفيون وطائفة من السلف، وجمع الجمهور بين ما اختلف
من ذلك بأن أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال بنفسه ثم يهدى منه
للمحرم ، وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم، وجاء عن
مالك تفصيل آخر بين ماصيد للمحرم قبل إحرامه يجوز له الأكل منه أو بعد إحرامه
فلا ، وعن عثمان التفصيل بين ما يصاد لأجله من المحرمين فيمتنع عليه ولا يمتنع
على محرم آخر انتهى ملخصاً، قلت: وأما عندنا فرده صلى الله عليه وسلم حمار وحش
لأنه كان حياً كما أشار إليه البخارى بعقد الباب «إذا أهدى المحرم حماراً وحشياحيا
لم يقبل، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم علم أنه أعان فى قتله محرم آخر من الإشارة
والدلالة وروى يحيى بن سعيد عن جعفر عن عمرو بن أمية الضمرى عن أبيه عن
الصعب أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم عجز حمار وحشى وهو بالجحفة فأكل منه
وأكل القوم ، قال البيهقى : وهذا إسناد صحيح فإن كان فكأنه رد الحى وقبل
اللحم .
( حدثنا موسى بن إسمعيل، ناحماد عن قيس ) بن سعد أبى عبد الملك
( عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال يا زيد بن أرقم هل علمت أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أهدى إليه عضوصيد فلم يقبله، وقال أناحرم قال نعم) هذا
الحديث بظاهره يخالف الحنفية والشافعية ، فتأويله عند الحنفية أنه صلى الله
عليه وسلم رده لعلمه بأنه صيد لإعانة المحرم أو دلالته، وأما عند الشافعية فهم
يقولون لأنه صيد لأجله أو بإعانة المحرم عليه ،

٩٣
الجزء التاسع : كتاب الحج
حدثنا قتيبة بن سعيد ، نا يعقوب يعنى الإسكندرانى(١)
عن عمروعن المطلب عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول.
الله صلى الله عليه وسلم يقول: صيد البرلكم حلال مالم تصيدوه
أو يصاد لكم ، قال أبو داود: إذا تنازع الخبران عن النبى
صلى الله عليه وسلم ينظر بما أخذ به أصحابه.
( حدثنا قتيبة بن سعيد، نا يعقوب) بن عبد الرحمن ( يعنى الإسكندرانى ،
عن عمرو) بن أبى عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب ( عن) مولاه
( المطلب عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم) كذا فى النسخة
المكتوبة والنسخ المطبوعة الهندية وفى المصرية أو يصد لكم ، ففى أكثر نسخ
أبى داود بالألف إلا فى المصرية ، وكذا بالألف فى رواية النسائى والحاكم
والذهبى فى تلخيصه والدار قطنى والطحاوى ، وفى الترمذى: خاصة أو يصد
لكم بغير ألف مجزوم فالأكثر أو يصاد لكم ، وهذا يؤيد الحنفية فلفظة أو
الواقعة ههنا بمعنى إلا أن استثناء من المفهوم المتقدم ، فإن قوله ما لم تصيديه ،
بمعنى الاستثناء ، فكأنه قال : لحم الصيد لكم فى الإحرام حلال إلا أن تصيدوه
إلا أن يصاد لكم، فيكون الاستثناء الثانى من مفهوم الاستثناء الأول ، ثم قال.
الشافعى رضى الله عنه هذا أحسن حديث روى فى هذا الباب، وقال الشوكانى:
عمرو مختلف فيه مع كونه من رجال الصحيحين ومولاه ، قال الترمذى :
لا يعرف له سماع من جابر ، وقال فى موضع آخر : قال محمد: لا أعرف له
سماعاً من أحد من الصحابة إلا قوله : حدثنى من شهد خطبة رسول الله
(١) فى نسخة : القارىء

٩٤
بذل المجهود فى حل أبى داود
صلى الله عليه وسلم، وقد رواه الشافعى عن عمرو عن رجل من الأنصار عن
جابر ، ورواه الطبر انى عن عمرو عن المطلب عن أبى موسى وفى إسناده يوسف
ابن خالد السمتى وهو متروك ، ورواه الخطيب عن مالك عن نافع عن ابن
عمر وفى إسناده عثمان بن خالد المخزومى ، وهو ضعيف جداً ، وهذا الحديث
صريح فى التفرقة بين أن يصيده المحرم أو يصيده غيره له وبين أن لا يصيده
المحرم ولا يصاد له بل يصيده الحلال لنفسه ويطعمه المحرم، فقيد لبقية
الأحاديث المطلقة كحديث الصعب وطلحة وأبى قتادة ، ومخصص لعموم
الآية المتقدمة، انتهى . قلت: والعجب من الشوكانى مع أنه يعترف بأن طرقه.
كلها ضعيفة ومضطربة كيف يحتج به على حجيته لتقييد بقيه الأحاديث
المطلقة وعلى تخصيص عموم الآية المتقدمة ، ومع أنه ذكر قبل ذلك فى حديث
أبى قنادة أنه يقول إنى ذكرت شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت
أنى لم أكن أحرمت، وأنى إنما اصطدته لك الحديث، ثم نقل عن المنتقى بأنه
رواه أحمد وابن ماجة بإسناد جيد كيف يرد الحديث جيد السند بتقليد بعض
أهل الحديث ، ويقبل الحديث الضعيف الذى لا يقبل مثله ، وأما قول صاحب
المنتقى بعد ذكر الحديث قال أبو بكر النيسابورى قوله أنى أصطدته لكوإنه لم يأكل.
منه لا أعلم أحدا قاله فى هذا الحديث غير معمر وقلت ومعمر ثقة فزيادته صحيحة
وقال الشوكانى فى شرح هذا الحديث: أخرجه أيضاً الدار قطنى والبيهقى وابن
خزيمة ، وقد قال بمثل مقالته النيسابورى التى ذكرها المصنف ابن خزيمة
والدار قطنى والجوزقى ، قال ابن خزيمة ، إن كانت هذه الزيادة محفوظة احتمل
أن يكون صلى الله عليه وسلم أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يعلمه أبو قتادة
أنه أصطاده من أجله ، فلما علم امتنع وفيه نظر لأنه لو كان حراماً عليه صلى
الله عليه وسلم ما أقره الله تعالى على الأكل حتى يعلمه أبو قتادة بأنه صاده لأجله،
ثم قال الشوكانى : وقال البيهقى هذه الزيادة غريبة يعنى قوله أفى اصطدته لك
قال : والذى فى الصحيحين أنه أكل منه ، قلت الحديث فيه زيادتان أولهما
قوله أنى إنما أصطدته لك، والثانى قوله ولم يأكل منه حين أخبرته أنى

٩٥
الجزء التاسع : كتاب الحج
اصطدته له ، أما الزيادة الأولى فهو زيادة ثقة ليست بمخالفة لما فى الصحاح
من الروايات فهى مقبولة ، وأما الزيادة الثانية فهى مخالفة لما فى الروايات
الصحيحة فترد لأنها شاذة ، فالظاهر أن التى حكموا بشذوذها هى الزيادة
الثانية لا الأولى ، وإن كان حكمهم بالشذوذ على الزيادتين فهو على خلاف
قواعدهم لنصرة المذهب لا يقبل منهم، وقد قال الشوكانى ، قال ابن حزم
لا يشك أحد بأن أبا قتادة لم يصد الحمار إلا لنفسه ولأصحابه وهم محرمون
فلم يمنعهم النبى صلى الله عليه وسلم من أكله ، وكأنه وهو يقول بأنه يحل صيد
الحلال للمحرم مطلقا ( قال أبو داود. إذا تنازع الخبران عن النبى صلى الله
عليه وسلم ينظر بما أخذ به أصحابه) حاصله أن الأحاديث مختلفة فى قبول
الصيد ورده فيجمع المصنف بينهما باعتبار العمل أنه ينظر فيوخذ بما أخذ
به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا لا يحدى نفعا ، فإن
الصحابة رضى الله عنه اختلفوا فيه أيضاً: قال فى البدائع يحل الحرم أكل
صيد اصطاده الحلال لنفسه عند عامة العلماء ، وقال داود بن على الأصبهافى
لا يحل، والمسألة مختلفة بين الصحابة رضى الله عنهم ، روى عن طلحة بن
عبيد اللّه وقناده وجابر وعثمان فى رواية أنه يحل ، وعن على وابن عباس
وعثمان فى رواية أنه لا يحل ، واحتج هولاء بقوله تعالى ((وحرم عليكم صيد
البر ما دمتم حرما، أخبر أن عميد البر محرم على المحرم مطلقا من غير فصل
بين أن يكون صيد المحرم أو الحلال . وهكذا قال ابن عباس إن الآية مهمة
لا يحل لك أن تصيده ولا أن تأ كله ولنا (١) ما روى عن أبى قتاده رضى الله عنه
أنه كان حلالا وأصحابه محرمون فشد على حمار وحش الحديث ، وعن جابر
(١) قلت . هذا بمقابلة من حرم لحم الصيد مطلقا، وأما بمقابلة الشافعى فيمكن
الاستدلال عندى أن قوله تعالى ((أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير
محلى الصيدوانتم حرم، نص فى أن ما عدا محلى الصيد حلال، فالذى لا يكون فيه للمحرم
دخل من الدلالة والإشارة لا يدخل فى محلى الصيدفتأمل فإنه سنح فى خاطرى الكاسد.

٩٦
بذل المجهود فی حل أبى داود
حدثنا عبد الله بن مسلمه، عن مالك، عن أبى النضر مولى
عمر بن عبيد الله التيمى عن نافع مولى أبي قتادة الأنصارى
عن أبى قتادة أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لحم صيد البرحلال لكم وأنتم حرم
ما لم تصيدوه أو يصاد لكم ، وهذا نص فى الباب ولا حجة لهم فى الآية لأن
فيها تحريم صيد البر لا تحريم لحم الصيد وهذا لحم الصيد وليس بصيد لإنعدام
معنى الصيد ، وهو الامتناع والتوحش ، وأما حديث صعب بن جثامة ، فقد
اختلفت الروايات فيه عن ابن عباس رضى الله عهما روى فى بعضها أنه أهدى
إليه حماراً وحشيا كذا روى مالك وسعيد بن جبير وغيرهما عن ابن عباس
فلا يكون حجة ، وحديث زيد بن أرقم محمول على صيد صاده المحرم بنفسه
أو غيره بأمره أو باعانته أو بإشارته أو بدلالته عملا بالدلائل كلها ، وسواء
صاده الحلال لنفسه أو للمحرم بعد أن لا يكون بأمره عندنا ، وقال الشافعى :
إذا صاده له لا يحل له أكله ، واحتج بما روى عن جابر عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه قال صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم
ولا حجة له فيه لأنه لا يصير مصيدا له إلا بأمره وبه نقول والله أعلم ، انتهى.
قلت : وهذا أحد الجوابين عن الحديث بعد تسليم صحته ، وأما الجواب
الثانى فهو ما أجاب به صاحب الهداية بقوله واللام فيما روى لام تمليك
فيحمل على أن يهدى إليه الصيد دون اللحم .
(حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبى النضر مولى عمر بن عبيد الله
التيمى ، عن نافع) بن عباس بموحدة ومهملة أو ابن عياش بتحتانية ومعجمة
أبو محمد الأقرع المدنى (مولى أبي قتادة الأنصارى) ويقال مولى عقيلة الغفارية،
ويقال إنهما إثنان . وقال ابن حبان فى الثقات : يقال له نافع مولى أبى قتادة

٩٧
الجزء التاسع ؛ كتاب الحج
إذا كان ببعض(١) طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين
وهو غير محرم، فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه ، قال
فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا، فسألهم رمحه فأبوا
فأخذه، ثم شد على الحمار فقتله فأكل منه بعض أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بعضهم ، فلما أدركوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن ذلك، فقال إنما
هى طعمة أطعمكموها اللّه تعالى.
نسب إليه ولم يكن مولاه، قلت: يؤيد قول ابن حبان ما وقع عند أحمد من
طريق مغفل بن إبراهيم سمعت رجلا يقال له مولى أبي قتادة ، ولم يكن مولاه
يحدث عن أبى قنادة فذكر حديث الحمار الوحشى، وفى رواية ابن إسحاق ، عن
عبد الله بن أبى سلمة أن نافعا الأقرع مولى بنى غفار حدثه أن أبا قتادة حدثه
فذكر هذا الحديث ، قال النسائى: ثقة، وقال أحمد بن حنبل : معروف ، قال
أبن سعد: كان قليل الحديث ، قال الحافظ: فيحتمل أنه نسب إليه لكونه كان
زوج مولاته أو للزومه إياه ، أو نحو ذلك كما وقع لمقسم مولى ابن عباس وغيره
والله أعلم .
( عن أبى قتادة أنه) أى أبا قتادة (كان مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم ) أى فى سفر عمرة (٢) الحديية، وفى رواية للبخارى أن رسول الله
(١) فى نسخة : فى بعض
(٢) وبه جزم الحافظ والعينى وابن القيم ، وقال الحافظ هو أصح من رواية الواقدى
أن ذلك كان فى عمرة القضية كذا في ((الأوجز)).
(٢- بذل المجهود ٩)

٩٨
بذل المجهود فى حل أبى داود
صلى الله عليه وسلم خرج حاجا (١) فخرجوا معه. قال الحافظ: قال الإسماعيلى
هذا غلط ، فإن القصة كانت فى عمرة ، ولعل الراوى أراد خرج محرماً فعبر
عن الإحرام بالحج غلطا ، قلت : لا غلط فى ذلك بل هو من المجاز السائغ ،
وأيضاً فالحج فى الأصل قصد البيت فكأنه قال خرج قاصداً للعمرة ولهذا يقال
للعمرة الحج الأصغر ، ثم وجدت الحديث من رواية محمد بن أبى بكر المقدمى
عن أبى عوانة بلفظ خرج حاجاً أو معتمراً أخرجه البهيقى ، فتبين أن الشك
فيه من أبى عوانة ، وقد جزم يحيى بن كثير بأن ذلك كان فى عمرة الحديبية
وهذا هو المعتمد انتهى. ( حتى إذا كان ) أى أبو قتادة، ويحتمل أن يكون
المرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ببعض (٢) طريق مكة تخلف ) أى
أبو قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (مع أصحاب له) أى لأبى قتادة
أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم (محرمين وهو ) أى أبو قتادة (غير محرم )
وفى رواية البخارى فخرجوا معه فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال خذوا
ساحل البحر حتى نلتقى فأخذوا ساحل البحر ، فلما انصرفوا أحرموا كلهم
إلا أبا قتادة لم يحرم ، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش الحديث ، وسياق
حديث البخارى هذا مشكل لأنه يخالف جميع السياقات التى أخرجها البخارى
وغيره فإنه يدل أن أبا قتادة ومن معه من أصحابه خرجوا معه إلى ساحل
البحر وكلهم لم يحرموا ، فلما انصرفوا من ساحل البحر أحر موا كلهم إلا أباقتادة
فإنه لم يحرم، وجميع السياقات يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن
معه من أصحابه كلهم أحرموا من الميقات إلا أبا قادة فإنه لم يحرم ، وتأوله
(١) ولعله منشأ توهم الطبرى إذ ذكره فى حجة الوداعاهـ، وعده ابن القيم
من أوهامه .
(٢) قال الحافظ: إن الروحاء هو المكان الذى ذهب أبو قتادة وأصحابه منه إلى
جهة البحر ثم التقوا بالقاحة وبها وقع له الصيد المذكور وكأنه تأخر هو وأصحابه
للراحة أو غيرها ، وتقدمهم النبى صلى الله عليه وسلم إلى السقياء حتى لحقوه .

:
٩٩
الجزء التاسع : كتاب الحج
القسطلانى بأن قوله فلما انصرفوا شرط ليس جزاءه قوله أحرموا كلهم إلا
أبو قتادة بل جزائه قوله فبينما هم يسيرون إذا رأوا حمر وحش ، وتقدير العبارة
فقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقى فأخذوا ساحل البحر فلما انصرفوا وكانوا
قد أحرموا كلهم من الميقات إلا أبو قتادة، فإنه لم يحرم من ذى الحليفة فيما
هم يسيرون ، قلت: فعلى هذا لم يبق فيه إشكال ولم أر من تعرض لدفع هذا
الإشكال من الشراح إلا القسطلانى جزاه الله خيراً، ولم يحرم هو لأنه إما لم
يجاوز الميقات وإما لم يقصد العمرة، وبهذا يرتفع الإشكال الذي ذكره أبوبكر
الأثرم ، قال: كنت أسمع أصحابنا يتعجبون من هذا الحديث (١) فيقولون
كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات وهو غير محرم ، ولا يدرون ما وجهه،
قال : حتى وجدته فى رواية من حديث أبى سعيد فيها ، وكان النبى صلى الله عليه
وسلم بعثه فى وجه الحديث، قال: فإذا أبو قتادة إنما جاز له ذلك لأنه لم يخرج
يريد مكة ، وهذه الزواية تقتضى أن أبا قتادة لم يخرج مع النبى صلى الله عليه
وسلم من المدينة وليس كذلك، ثم وجدت فى صحيح ابن حبان والبزار قال :
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا قتادة على الصدقة ، وخرج رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا بعفان ، فهذا سبب
آخر ، ويحتمل جمعهما والذى يظهر أن أبا قنادة إنما أخر الإحرام لأنه لم
يتحقق أنه يدخل مكة فساخ له التأخير ، وقيل كانت هذه القصة قبل أن يوقت
النبى صلى الله عليه وسلم المواقيت (فرأى حماراً وحشياً) وقع ههما بالإفراد
وفى رواية بالجمع ( فاستوى على فرسه قال فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه )
وكان سقط عنه ( فأبوا) لأنهم كانوا محرمين وقد علموا قبل ذلك الإعانة على
قتل الصيد منوع لهم (فسألهم رمحه فأبوا) لأجل الإحرام (فأخذه) أى
الرمح ( ثم شد) أى حمل (على الحمار) وكانت أتانا ( فقتله) وكفى هذا الجرح
(١) وأوله ابن قدامة بأنه لعله أخر إحرامه إلى الجحفة لأنه لم يمر على طريق
ذى الخليفة .

١٠٠
بذل المجهود فى حل أبى داود
باب الجراد للمحرم
حدثنا محمد بن عيسى نا حماد عن ميمون بن جابان عن
أبى رافع عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: الجراد
من صيد البحر .
عن الذبج لأنها ذكاة اضطرارية فيكفى فيه الجرح ( فأكل منه بعض أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم ) لأنهم قالوا ما اصطدناها ولا أمرنا باصطيادها
ولا دللنا عليه ولا أشرنا إليه ( وأبى بعضهم ) فتورعوا وعملوا بعموم قوله
تعالى ((وحرم عليكم عيد البر)) أى مصيده ( فلما أدركوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم سألوه عن ذلك) أى عن حل لحم الصيد وحرمته ( فقال: إنما هى
طعمة أطعمكموها اللّه تعالى.
باب الجراد للمحرم
هل يجوز قتله للمحرم أم لا؟
( حدثنا محمد بن عيسى ، نا حماد ، عن ميمون بن جابان ) بجيم وموحدة
أبو الحكم البصرى ذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال العجلى : بصرى ثقة ،
وقال العقيلى: لا يصح حديثه، وقال الأزدى لا يحتج بحديثه، وقال البهيقى:
غير معروف، له فى السنن حديث واحد الجراد من صيد البحر (عن أبى رافع)
الصائغ اسمه تضيع ( عن أبى هريرة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : الجراد
من صيد البحر ) أى فى حكم صيد البحر وهو أنه يحل ميتته ، قال فى الحاشية
عن فتح الودود: قيل الجراد يتولد من الحيتان ، فيطرحها البحر إلى الساحل ،
وأنكر كثير ذلك وقال: هو مستقر فى الأرض ويقوت ما يخرج من الأرض
من نباتها ، ويحتمل أن يكون معنى كونه من صيد البحر أنه فى حكمه يحل