النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
الجزء التاسع : كتاب الحج
باب فى المحرمة تغطى وجهها
حدثنا أحمد بن حنبل، فاهشيم، نا يزيد بن أبى زياد ، عن
مجاهد، عن عائشة رضى الله عنها قالت : كان الركبان يمرون
بنا ونحن (١) محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا
حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها ، فإذا
حاذونا كشفذه.
باب فى المحرمة(٣) تغطى وجهها
هل يجوز لها ذلك
( حدثنا أحمد بن حنبل ، نا هشيم ، نا يزيد بن أبى زياد ، عن مجاهد ، عن
عائشة رضى الله عنها قالت: كان الركبان) جمع راكب (يمرون بنا ونحن
محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حاذوا بنا) هكذا فى جميع
النسخ الموجودة عندنا بالحاء المهملة والذال المعجمة بعد الألف وبالباء الجارة
الداخلة على ضمير الجمع المتكلم ، وقال الشوكانى فى النيل: قوله فإذا حاذوا بنا أهـ
(١) فى نسخة: ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات.
(٢) بوب بالمرأة لأن المحرم يجوز له عندهم تغطية الوجه خلافا للحفية والمالكية
كما سيأتى فى ((باب كيف يصنع بالمحرم إذا مات، وأما المرأة فيجب كشفهما الوجه
للاحرام إجماعا إلا أنهم اختلفوا إذا تعارض بوجوب التستر للحجاب عن الأجانب
فالحنفية والشافعية قالوا يجب أن لا يلاصق بوجهها شىء بل تبعد الغطاء بالخشبة وغيرها
وقالت الحنابلة والمالكية لا بأس بأن يلاصقه شىء من الغطاء للضرورة هكذا يظهر
من فروعهم كما بسط فى الأوجزاهـ ظاهر ما (عمدة القارى)) أن تغطيتها رأسها وكشفها
الوجه عليه إجماع فتأمل .

٦٢
بذل المجهود فی حل أبی داؤد
فى نسخ المصنف هكذا فإذا حاذوا بنا ولفظ أنى داود ,فإذا جازوا بنا بالزاى
مكان الذال، وفى ((التلخيص) وغيره فاذا حاذونا اهـ
قلت: لعل النسخة التى عند الشوكانى فيها كما قاله وما رأيناه فى شىء من النسخ
معناه ، فإذا جاءوا فى محاذاتنا بحيث يحتمل أن يقع نظرهم علينا (سدات أحدانا)
أى علقت وأرسلت ( جلبابها) أى ملحفتها ( من رأسها على وجها ) لئلا يقع
نظرهم علينا ( فإذا جاوزنا ) وفى نسخة على الحاشية جازونا ( كشفناه)
أى أزلنا الجلباب عن وجوهنا ، قال الشوكانى تمسك به أحمد فقال إنما لها أن
تسدل على وجها من فوق رأسها ، واستدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة
إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريباً منها، فإنها تسدل الثوب من فوق
رأسها على وجهها لأن المرأة تحتاج إلى ستر وجها فلم يحرم عليها ستره مطلقاً كالعورة،
لكن إذا سدلت يكون الثوب متجافياً عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة هكذا
قال أصحاب الشافعى وغيرهم ، وظاهر الحديث خلافهم لأن الثوب المسدول
لا يكاد يسلم من إصابة البشرة ، فلو كان التجافى شرطاً لنبيه صلى الله عليه وسلم اهـ
قال فى اللباب وشرحه : وتغطى رأسها أى لا وجهها إلا إن غطت وجها بشىء
متجاف جاز ، وفى النهاية إن سدل الشىء على وجهها واجب عليها ، وفى الفتح
قالوا والمستحب أن تسدل على وجها شيئا وتجافيه اه ، قلت : قول الشوكانى
فلو كان التجافى شرطاً لبينه صلى الله عليه وسلم وقع منه من غير روئة وتدبر
وإنه صلى الله عليه وسلم نهى المرأة عن الانتقاب وقال ولا تنتقب المرأة المحرمة
فلما تعارضت الروايتان جمعنا بينهما بأنها لا تنتقب متصلا بوجهها وتسدل
متجافياً عنها فتكون كالرجل المستظل بالبيت وبالشمسية ، وأما قوله لأن التوب
المذكور لا يكاد يسلم من إصابة البشرة كلام سخيف ، فإنه ليس بمحال .
ولا مشكل خصوصاً فى قليل من الزمان عند مرور الرجال ، وروى البيهقى
والدار قطنى من حديث ابن عمر رضى الله عنه مرفوعاً أن إحرام الرجل
فى رأسه وإحرام المرأة فى وجهها فلو جاز لها أن تغطى وجهها للغا حديث
النهى عن الانتقاب وهذا الحديث جمعنا بينهما وعلمنا بهما .

٦٣
الجزء التاسع : كتاب الحج
باب فى المحرم يظلل
حدثنا أحمد بن حنبل، ذ محمد بن سلمة، عن أى عبد الرحيم،
عن زيد بن أبى أنيسة ، عن يحمى بن حصين ، عن أم الحصين
حدثته قالت: حججنا مع النبى (١) صلى الله عليه وسلم حجة
الوداع، فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبى(٢)
صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى
رمى جمرة العقبة .
باب فى المحرم يظلل
هل يجوز له ذلك؟
( حدثنا أحمد بن حنبل، نا محمد بن سلمة، عن أبى عبد الرحيم)، خالد بن أبى
يزيد بن سماك بن رستم الحرانى خال محمد بن سلمة ( عن زيد بن أبى أنية عن
يحي بن حصين ) الأحمسى البجلى ، قال ابن معين والنسائى ثقة ، وقال أبو حاتم
صدوق . وذكره ابن حبان فى الثقات، قلت: وقال العجلي كوفى ثقة (عن )
جدته ( أم الحصين ) بنت إسحق الأحمسية ، وحكى الحافظ فى الإصابة عن
أبى عمر أنه سمى أباها إسحق وقال لم أره لغيره شهدت خطبة حجة الوداع ،
وروتها عن النبى صلى الله عليه وسلم وغير ذلك وعنها ابن ابنها يحيى بن الحصين
والعيزار بن حريث ( حدثته قالت: حججنا مع النبى صلى الله عليه وسلم
حجة الوداع ) وإنما سمى حجه حجة الوداع لأنه صلى اللّه عليه وسلم ودع
الناس فيها وأوصاهم وعلمهم أمر دينهم ولم يحج بعد الهجرة غيرها ، وعلم أنه
لا يتفق له بعد هذا وقفة أخرى ولاا جتماع له آخر مثله(فرأيت أسامه) بنزيد
(١) فى نسخة : رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(٢) فى نسخة : رسول الله .

٦٤
بذل المجهود فى حل أبو داود
(وبلالا وأحدهما آخذ لخطام ) أى زمام ( ناقة النبى صلى الله عليه وسلم
والآخر رافع ثوبه) على رأسه ، ووقع فى رواية النسائى من حديث عمرو
ابن هشام قال ثنا محمد بن سلمة بهذا السند قالت: حججت فى حجة النبى
صلى الله عليه وسلم فرأيت بلالا يقود بخطام راحلته وإسامة بن زيدرافع عليه
ثوبه ( يستره من الحر ) أى الشمس كما فى مسلم ( حتى رمي جمرة العقبة ) أى
الجمرة التى عند العقبة وهى الجمرة الأولى من جانب مكة والكبرى، قال الشوكانى
فيه جواز تظليل الحرم على رأسه بثوب محمل وغيره ، وإلى ذلك ذهب الجمهور
وقال مالك وأحمد لا يجوز ، والحديث يرد عليهما ، وأجاب عنه بعض
أصحاب مالك بأن هذا المقدار لا يكاد يدوم فهو كما أجاز مالك للمحرم بأن
يستظل بيده. فإن فعل لزمته الفدية عند مالك وأحمد(١) وأجمعوا على أنه لو قعد
تحت خيمة وسقف جاز، وقد احتج مالك وأحمد على منع التظلل بما رواه
البيهقى بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه أبصر رجلا على بعيره وهو محرم قد
أستظل بينه وبين الشمس، فقال اضح لمن أحرمت له وبما أخرجه البيهقى أيضاً بإسناد
ضعيف عن جابر مرفوعا ما من محرم يضحى للشمس حتى تغرب إلا غربت بذنو به
حتى يعود كما ولدته أمه ويجاب بأن قول ابن عمر رضى الله عنه لا حجةفيه ، وبأن
حديث جابر مع كونه ضعيفا لا يدل على المطلوب وهو المنع من التظلل ووجوب
الكشف لأن غاية ما فيه أنه أفضل على أنه يبعد منه صلى الله عليه وسلم أن يفعل
المفضول ويدع الأفضل مقام التبليغ، قلت: هذا ليس ببعيد لأنه صلى الله عليه وسلم
فعل بعض الأفعال المفضولة لبيان الجواز وتيسيراً على الأمة ، وقد أخرج
هذا الحديث مسلم من طريق معقل عن زيد بن أبى أنيسة بهذا السند قال ،
سمعتها تقول : حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيته
حين رمى جمرة العقية وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما
يقود براحلته والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم
من الشمس قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا كثير الحديث.
(١) وذكر ابن القيم فيه ثلاث روايات لأحمد وفيه تفصيل عند المالكية كما
فى الدردير .

٦٥
الجزء التاسع: كتاب الحج
باب المحرم يحتجم
حدثنا أحمد بن حنبل ، نا سفيان ، عن عمرو بن دينار،
عن عطاء وطاوس ، عن ابن عباس أن النى صلى الله عليه
وسلم احتجم وهو محرم.
(باب المحرم) هل (يحتجم)
(حدثنا أحمدبن حنبل ، نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء وطاوس،
عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم احتجم(١) وهو محرم ) قال العينى=
دل الحديث على جواز الحجامة للمحرم مطلقا وبه قال عطاء ومسروق وإبراهيم
وطاوس والشعبى والثورى وأبو حنيفة، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحق.
وأخذوا بظاهر هذا الحديث ، وقالوا : ما لم يقطع الشعر وقال قوم: لا يحتجم
المحرم إلا من ضرورة ، وروى ذلك عن ابن عمر ، وبه قال مالك ، وحجة
هذا القول أن بعض الرواة يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم لضرر
كان به ولا خلاف بين العلماء ، أنه لا يجوز له حلق شىء من شعر رأسه (٢)
حتى يرمى جمرة العقبة يوم النحر إلا من ضرورة ، فإنه إن حلقه من ضرورة
فعليه الفدية التى قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على كعب بن عجرة،
فإن لم يحلق المحتجم شعرا فهو كالعرق يقطعه أو الدمل يطه أو القرحة ينكأها
(١) والاحتجام فى الرأس كان فى حجة الوداع بموضع يقال له لحى جمل والاحتجام
فى القدم كان بموضع ململ فى حجة أو عمرة كذا فى ((الأوجز)).
(٢) وعند الحنابلة فى الشعر تفصيل كما فى المغنى والاحتجام مباح
( ٥ - بذل المجهود 4)

٦٦
بذل المجهود : فى حل أبى داود
حدثنا عثمان بن أبى شيبة، نايزيد بن هرون، أنا هشام ،
عن عكرمة ، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
احتجم وهو محرم فی رأسه من داء کان به .
حدثنا أحمد بن حنبل ، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن قتادة،
عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم
علی ظهر القدم من وجع كان به(١) .
ولا يضره ذلك ولا شىء عليه عند جماعة العلماء ، وعند الحسن البصرى عليه
الفدية ، قال عبد الملك فى المبسوط ، شعر الرأس والجسد سواء وبه قال أبو
حنيفة والشافعى ، وقال أهل الظاهر لافدية عليه إلا أن يحلق رأسه .
( حدثنا عثمان بن أبى شيبة نا يزيد بن هارون ، أنا هشام ، عن عكرمة ،
عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم فى رأسه)
متعلق باحتجم ( من ) أجلية أى بسبب ( داء كان به ) صلى الله عليه وسلم
أو بالرأس .
( حدثنا أحمد بن حنبل أنا عبد الرزاق ، نا معمر ، عن قتادة ، عن أنس
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع
كان به) ولعل(٢) هذا قصة أخرى غير الواقعة التى فى رواية ابن عباس وعبد
الله بن بحينة .
(١) زاد فى نسخة: قال أبو داود سمعت أحمد قال أبن أبى عروبة أرسله يعنى عن.
قتاده .
(٢) بل هو المتعين كما أشار إليه الحافظ، وفى ((الأوجز)) يدل عليه أن قصة أنس
بموضع ململ كما هو مصرح فى حديث الشمائل والاحتجام فى حديث جابر غير هذين
كما سيأتى فى آخر السنن .

٦٧
الجزء التاسع : كتاب الحج
باب (١) يكتحل المحرم
حدثنا أحمد بن حنبل ، ناسفيان، عن أيوب بن موسى ،
عن ذبيه بن وهب قال: اشتكى عمر بن عبيد الله بن معمر عينيه،
فأرسل إلى أبان بن عثمان، قال سفيان وهو أمير الموسم ما
يصنع بهما؟ قال : أضمدهما بالصر ، فإنى سمعت عثمان محدث
ذلك عن رسول الله صلی الله عليه وسلم.
(باب) هل (يكتحل المحرم)
( حدثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان ، عن أيوب بن موسى، عن نبيه) بالتصغير
( إن وهب ) بن عثمان بن أبي طلحة العبدرى المدنى ، قال النسائى ثقة . وقال
ابن سعد ليس به بأس وكان ثقة قليل الحديث ، أحاديثه حسان . وذكره ابن
حبان فى الثقات ، وحكى ابن عبد البر عن ابن معين ثقة ( قال اشتكى عمر بن
عبيد الله(٢) بن معمر عينيه) أى رمد عينيه ( فأرسل) أى عمر بن عبيد الله
( إلى أبان بن عثمان ) بن عفان الأموى أبو سعيد، ويقال أبو عبد الله، قال
عمرو بن شعيب ما رأيت أعلم بحديث ولا فقه منه ، وعده يحيى القطان فى
فقهاء المدينة ، وقال العجلى: ثقة. من كبار التابعين وقال ابن سعد: مدنى
تابعى ثقة . وذكره ابن حبان فى الثقات ( قال سفيان وهو) أى أبان بن عثمان
( أمير الموسم) أى الحج يسأله ( ما يصنع بهما) أى بعينيه (قال) أبان (اضمدهما)
ولو ( بالصبر ) قال فى القاموس ، والصبر ككتف ولا يسكن إلا فى ضرورة
الشعر ، عصارة شجر مر ( فإنى سمعت عثمان يحدث ذلك عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم) .
(١) فى نسخة: باب المحرم يكتحل
(٢) بسط ترجمته فى ((التعجيل)) وذكر فى الأوجز مختصراً.

٦٨
بذل المجهود فی حل أبى داود
حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن
نافع، عن نبيه بن وهب بهذا الحديث (١)
باب المحرم يغتسل
حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم ، عن
( حدثنا عثمان بن أبى شيبة، حدثنا ابن علية، عن أيوب ، عن نافع ، عن
نبيه بن وهب بهذا الحديث) المتقدم أخرج الإمام أحمد هذا الحديث بهذا السند
فى مسنده، ولكن لم أدر أن أيوب المذكور فى هذا السند هل هو أيوب
السختيانى أو أيوب بن موسى المذكور فى السند المتقدم؟ روى عن نبيه بن
وهب فى السند المقدم بلا واسطة وهنا بالواسطة وكذا نافع هل هو مولى ابن
عمر أو ابن عاصم؟ ومذهب الحنفية فى الاكتحال أنه لا بأس به إن لم يكن
فى الكحل طيب ، ولا شىء عليه من الدم والصدقة ، ولو من غير عذر ، لكن
الأولى تركه لما فيه من الزينة إلا إذا كان عن ضرورة ، وأما إذا كان الكحل
مطيبا فإن اكتحل به فإن كان ثلاث مرات فعليه دم ، وإن كان مرة أو مرتين
فعليه صدقة وأما عند الشافعية ، فقال فى شرح الخطيب المسمى بالإقناع
وحاشيته ، ولا يكره غسل بدنه ورأسه بخطمى ونحوه كسدر من غير نتفه
شعر لأن ذلك لإزالة الوسخ لا للتزيين والتنمية، لكن الأولى تركه وترك
الاكتحال الذى لا طيب فيه ، قال المحشى أما ما فيه طيب فرام انتهى.
( باب المحرم)
هل (يغتسل )(٢)
حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله
(١) فى نسخة: بإسناده.
(٢) أجمعوا على أن له الغسل من الجنابة واختلفوا فيما عدا ذلك، وأجازه الجمهور ،
وحكى عن مالك كراهته وحكى كراهة غسل الرأس وعللت الكراهة بقتل الدواب أو =

٦٩
الجزء التاسع : كتاب الحج
إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه أن عبد الله بن عباس
والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء، فقال ابن عباس : يغسل
المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه ، فارسله
عبد الله بن عباس إلى أبى أيوب الأنصارى ، فوجده يغتسل
بين القرنين وهو يستر بثوب، قال: فسلمت عليه، فقال من
هذا؟ قلت: أنا عبد الله بن حنين أرسلنى إليك عبد الله بن
عباس أسألك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل
رأسه وهو محرم ؟ قال: فوضع أبو أيوب يده على الثوب،
فطأطأه(١) حتى بدالى رأسه، ثم قال الإنسان يصب عليه: أصبب
قال : فصب على رأسه، ثم حرك أبو أيوب رأسه بيديه ، فاقبل
بهما وأدبر ، ثم قال: هكذا رأيته يفعل(٢).
ابن حنين ) الهاشمى مولاهم المدنى أبو إسحق ، قال محمد بن سعد ، كان ثقة
كثير الحديث ، وقال النسائى ثقة، قلت: وذكره ابن حبان فى الثقات ، كذا
فى جميع الموطئات عن زيد بن أسلم عن إبراهيم وأغرب يحيى بن يحيى الأندلسى،
فأدخل بين زيد وإبراهيم نافعا ، قال ابن عبد البر : وذلك معدود من خطائه
( عن أبيه) وهو عبد الله بن حنين الهاشمى مولى العباس، ويقال مولى على،
ذكره ابن حبان فى النقات ، وقال العجلى : مدنى تابعى ثقة، والمشهور أن حنينا
= تغطية الرأس ((أوجز)) واختلفوا فى الاغتسال بماء وسدر كما سيأتى فى هامش
«باب كيف يصنع بالمحرم إذا مات.
(١) فى نسخة: وطأطأه.
(٢) وزاد فى نسخة : صلى الله عليه وسلم .

٧٠
بذل المجهود فى حل أبى داود
كان مولى للعباس وهبه له النبى صلى الله عليه وسلم فأولاده موال له ( أن عبد
اللّه بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا)(١) فى الغل للمحرم رأسه (بالأبواء)
بالفتح ثم السكون وواو وألف مدودة سميت بها لتبوأ السيول بها وقيل لأنهم
تبوأوا بها منزلا وهى قرية من أعمال الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة ما
إلى المدينة ثلاثة وعشرون ميلا ، وقيل الأبواء جبل على يمين آرة ويمين الطريق
للمصعد إلى مكة من المدينة .
وقدجاء ذكره فى حديث الصعب بن جامة وغيره وبالأبواء قبر آمنة بنت وهب
أم النبى صلى الله عليه وسلم، وكان السبب فى دفنها هناك أن عبد الله والد رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان قد خرج إلى المدينة يمتار تمراً، فمات بالمدينة،
فكانت زوجته آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة تخرج فى كل عام إلى
المدينه تزور قبره ، فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين
خرجت زائرة لقبره ومعها عبد المطلب وأم أيمن حاضنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فلما صارت بالأبواء منصرفة إلى مكة ماتت بها . ويقال إن
أبا طالب زار أخواله بنى النجار بالمدينة ، وحمل معه آمنة أم رسول الله صلى
الله عليه وسلم فلما رجع منصرفاً إلى مكة ماتت آمنة بالابواه ( فقال ابن عباس
يغسل المحرم رأسه وقال المسورلا يغسل المحرم رأسه فأرسله) أى عبد الله بن حنين
( عبد الله بن عباس إلى أبى أيوب الأنصارى) يسأله عن غسل المحرم رأسه
ولعله عنده علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لعله سمعه منه قبل ذلك
(فوجده ) أى وجد عبد الله بن حنين أنا أيوب (يغتسل بين القرنين ) أى بين
قرنى البئر وهما العودان أى العمودان المنتصبان لأجل عود البكرة (وهو يستتر
بثوب قال: فسلمت(٢) عليه، فقال من هذا، قلت: أنا عبد اللّه بن حنين ،
(١) قال الباجى: اختلافهما يحتمل المذاكرة فى العلم. ويحتمل أنه فعل أحدهما
وأنكره الآخر، قال الأبى والظن بهما أنهما لا يختلفان إلا ولكل منهما مستند فمستند
المسور الاجتهاد ولذا رجع عنه .
(٢) فيه السلام على المتطهر وتعقب بأنه لم يرد الجواب لفاء التعقيب على قوله ((من =

٧١
الجزء التاسع : كتاب الحج
أرسلنى إليك عبد الله بن عباس أسألك) أى لأسألك (كيف(١) كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم قال) عبد الله بن حنين ( فوضع
أبو أيوب يده على الثوب ) الذى يستره ( فطأطأه) أى خفضه وأزاله عن
رأسه ( حتى بدالى رأسه ثم قال لإنسان ) لم أقف على تسميته ( يصب(٢) عليه)
الماء ( أصبب قال) عبد الله بن حنين ( فصب) الماء ( على رأسه ثم حرك
أبو أيوب رأسه) أى شعر رأسه (بيديه فأقبل بهما وأدبر) وفيه جواز تحريك
شعر المحرم بيده إذا أمن تناثره ( ثم قال ) أبو أيوب ( هكذا رأيته) صلى الله
عليه وسلم يفعل وزاد ابن عيينة فرجعت إليهما فأخبرتهما ، فقال المسور
لابن عباس لا أماريك أبداً ، قال العينى، وقد اختلف العلماء فى غسل المحرم
رأسه: فذهب أبو حنيفة والثورى والأوزاعى والشافعى، وأحمد وإسحق
إلى أنه لا بأس بذلك . وردت الرخصة بذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس.
وجابر وعليه الجمهور وحجتهم حديث الباب ، وكان مالك يكره ذلك المحرم،
وذكر أن عبد الله بن عمر كان لا يغسل رأسه إلا من احتلام، ومطابقة الحديث
بالباب بأنه لما جاز غسل الرأس وهو موضع الإشكال فى هذه المسألة لأنها
محل الشعر الذي، يخشى أنتتافه فغسل بقية البدن أولى بالجواز.
- هذا) ووجه بأنه لم يذكره لظهوره كقوله تعالى ((أن اضرب بعصاك الحجر فانفجر))
أى فضرب فانفجر ((أوجز)) .
(١) اختلفا فى الغسل وهو سأل عن الكيفية فقيل اختلافهما كان فى ذلك لا فى
نفس الغسل إذ يبعد بل لا يمكن أن يقول المسور إنه لا يغتسل جنباً ، وقال الحافظ أمله
تصرف فى السؤال إذ رأى أبا أيوب تفتسل فأراد أن لا يرجع إلا بفائدة ((أوجر)).
(٢) فيه الاستعانة فى الطهارة وكره، وفى الشامى لا يكره بالعب ويكره بالدلك
((أوجز)).
مے

٧٢
بذل المجهود فىحل أبى داود
باب المحرم يتزوج
حدثنا القعنی عن مالك، عن نافع عن نبیه بن وهب أخی
بنى عبدالدار أن عمر بن عبيد اللّه أرسل إلى أبان بن عثمان بن
عفان يساله وأبان يومئذ أمير الحاج وهما محرمان، إنى أردت
أن أنكح طلحة بن عمر ابنة شيبة بن جبير فأردت(١) أن تحضر
ذلك ، فأنكر عليه أبان، وقال إنى سمعت أبى عثمان بن عفان
يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينكح المحرم
ولا ينكح
(باب المحرم)
هل ( يتزوج)
(حدثنا القعنبى ، عن مالك عن نافع عن نبيه بن وهب أخى بنى عبدالدار
أن عمر بن عبيد الله أرسل) إنساناً (٢) ( إلى أبان بن عثمان بن عفان يسأله:
عن تزويج المحرم (وأبان يومئذ أمير الحاج وهما) أى عمر بن عبيد اللّه وأبان
ابن عثمان ( محرمان إنى أردت أن أنكح طلحة بن عمر ابنة شيبة بن جبير(٣)،
(١) فى نسخة : وأردت .
(٢) وهو نبيه الراوى كما فى رواية مسلم .
(٣) حكى النووى عن أبى داود أنه قال: وهم فيه مالك ، والصواب ابنة شيبة بن
عثمان كما فى رواية مسلم وغيره ثم حكى عن العياض أنهما محيحان فإنها بنت شيبه بن
جبير بن عثمان نسبه بعضهم إلى جده .

٧٣
الجزء التاسع: كتاب الحج
حدثنا قتيبة بن سعيد أن محمد بن جعفر حدثهم ناسعيد، عن
مطر ويعلى بن حكيم ، عن نافع عن نبيه بن وهب ، عن أبان
ابن عثمان ، عن عثمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر
مثله زاد ولا يخطب
فأردت أن تحضر ذلك ) فهل يجوز لنا ذلك (فأنكر ) أبان ( ذلك ) أى
التزويج فى حالة الإحرام (عليه) أى على عمر بن عبيد الله ( أبان وقال )
أبان ( إنى سمعت أبى عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا ينكح المحرم) بفتح الياء وكسر الكاف وتحريك الخاء بالكسر على الأصح
من النسخ من نكح أى لا يتزوج لنفسه امرأة ( ولا ينكح ) بضم الياء وكسر
الكاف مجزوماً أى لا يزوج الرجل امرأة إما بالولاية أو بالوكالة من أنكح
ولا يخطب بضم الطاء من الخطبة بكسر الخاء أى لا يطلب امرأة لفكاح،
.وروى الكلمات الثلاث بالنفى والنهى ، وذكر الخطابى أنها على صيغة النهى
أصح على أن النفى بمعنى النهى أيضا بل أبلغ والأولان للتحريم والثالث للتنزيه
عند الشافعى فلا يصح نكاح المحرم ولا إنكاحه عنده ، والكل للتنزيه عند
أبى حنيفة رحمه الله قاله القارى .
( حدثنا قتيبة بن سعيد أن محمد بن جعفر حدثهم نا سعيد ) بن أبى عروبة
( عن مطر ويعلى بن حكيم ) التقفى مولاهم المكى سكن البصرة وكان صديقا
لأيوب ، قال أحمد وابن معين وأبو زرعة والنسائى ثقة، وقال أبو حاتم
لا بأس به ، وقال يعقوب بن سفيان مستقيم الحديث، وقال ابن خراش كان
صدوقا وذكره ابن حبان فى الثقات ( عن نافع) عن نبيه بن وهب عن أبان
ابن عثمان عن عنمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر) قتيبة أو كل واحد
من مطر ويعلى (مثله) أى مثل الحديث المتقدم (زاد) قنية أو كل واحد من مطر

٧٤
بذل المجهود فی حل أبى داود
حدثنا موسى بن إسمعيل ، ناحماد ، عن حبيب بن الشهيد ،
عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم ابن أخى ميمونة،
عن ميمونة قالت : تزوجنى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ونحن حلالان بسرف
ويعلى ( ولا يخطب(!)) وقد أخرج البيهقى هذا الحديث من طريق القعنى
فيما قرأ على مالك عن نافع بهذا السند. ولفظه ولا يفكح المحرم ولا ينكج
ولا يخطب .
وكذلك أخرج مسلم هذا الحديث فى صحيحه من طريق يحي بن يحيى قال:
قرأت على مالك عن نافع بهذه الزيادة وفيه أيضاً ولا يخطب .
فيسياق كلام أبى داود المؤلف يدل على أن رواية القعنى عن مالك عن نافع
ليس فيه لفظ ولا يخطب ، وسياق البيهقى يدل على أن فى رواية الفعنى عن
مالك عن نافع ولا يخطب ويؤيد البيهقى رواية مسلم ، فان فى رواية يحي بن يحي
عن مالك ولا يخطب فليتأمل .
( حدثنا موسى بن إسماعيل ، ناحماد عن حبيب بن الشهيد ) الجزرى
أبو أيوب الرقى الفقيه نشأ بالكوفة ثم نزل الرقة كان على خراج الجزيرة
وقضائها لعمر بن عبد العزيز ثقة فقيه وكان يرسل ( عن ميمون بن مهران عن
يزيد بن الأصم أبن أخى ميمونة) كذا فى جميع النسخ الموجودة عندنا ،
والصواب ابن أخت ميمونة ( عن ميمونة قالت: تزوجنى رسول الله صلى الله
(١) لم يقل أحد ببطلان النكاح بالخطبة كما فى ((الأوجز)).

٧٥
الجزء التاسع : كتاب الحج
عليه وسلم ونحن حلالان بسرف) اختلف العلماء فى نكاح المحرم هل يجوز أو لا
يجوز؟ فقال سعيد بن المسيب وسالم والقاسم وسليمان بن يسار والليث والأوزاعى
ومالك والشافعي وأحمد وإسحق لا يجوز للمحرم أن ينكح ولا ينكح غيره،
فإن فعل ذلك فالنكاح باطل ، وهو قول عمر وعلى رضى الله عنه وقال إبراهيم
النخعى والثورى وعطاء بن أبي رباح والحكم بن عتبة وحماد بن أبى سليمان
وعكرمة ومسروق وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد قالوا لا بأس بالمحرم أن ينكج
ولكنه لا يدخل بها حتى يحل وهو قول ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنه،
وتحقيق هذه المسئلة موقوف على نكاح ميمونة رضى الله عنها نكحها رسول
الله صلى الله عليه وسلم وهو حلال أو نكحها وهو محرم ، فرجح الفريقان
ما يوافقهما .
واستدل الأولون بحديث أبى رافع : تزوجها حلالا وكنت الرسول
بينهما ، وقالوا قول أبى رافع أرجع على قول ابن عباس تزوجها محرماً لعدة
أوجه ، أحدها: أن أبا رافع إذ ذاك كان رجلا بالغاً وابن عباس لم يكن حينئذ
من بلغ الحلم بل كان له نحو العشرة سنين فأبو رافع إذ ذاك كان أحفظ منه ،
الثانى : أنه كان الرسول بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينها وعلى يده
دار الحديث فهو أعلم منه بلا شك ، الثالث أن ابن عباس لم يكن معه فى تلك
العمرة فإنها كانت عمرة القضية وكان ابن عباس إذ ذاك من المستضعفين الذين
أعذرهم الله من الولدان وإنما سمع القصة من غير حضور لها، الرابع أنه صلى الله
عليه وسلم حين دخل مكة بدأ بالطواف بالبيت ثم سعى بين الصفا والمروة
وحلق ثم حل ، ومن المعلوم أنه لم يتزوج بها ولابدأ بالتزوج قبل الطواف
بالبيت ولا تزوج فى حال طوافه هذا ، من المعلوم أنه لم يقع فصح قول أبى
رافع ، الخامس أن الصحابة رضى الله عنهم غلطوا ابن عباس ولم يغلطوا أبا
رافع ، السادس أن قول أبى رافع موافق لنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح
المحرم وقول ابن عباس يخالفه وهو مستلزم لأحد أمرين إما نسخه وإما تخصيص
النبي صلى الله عليه وسلم بجواز النكاح محرما، وكلا الأمرين مخالف للأصل

٧٦
بذل المجهود فی حل أبى داود
ليس عليه دليل فلا يقبل السابع أن ابن اختها يزيد ابن الأصم شهد أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالا قال:
وكانت خالتى وخالة ابن عباس ، ذكرها ابن القيم فى الهدى ، قلت : وكل
واحد من وجوه الترجيح مردود ، أما الأول فلأن هذا القول فى ترجيح حفظ
أبى رافع على حفظ ابن عباس لم يقل به أحد من أهل العلم من الصحابة والتابعين
ولا يساعده رواية ولا دراية ، فإن الحفظ أمر فطرى لا دخل فيه أكبر العمر
ولا لصغره، ألا ترى أن مرتبة البخارى فى حفظه فى الصغر ، هل يدانيه أحد
غيره فى كبره، فما لابن عباس من العلم والفقه والحفظ والإتقان مع صغره
لا يدانيه أبورافع، وإن كان فى الصحبة سواء، ألا ترى أن عبدالرحمن بن عوف
لما اعترض على عمر بن الخطاب بأنه كان يدنيه فى مجلسه مع الأشياخ ، وقال:
وكيف تدنيه ولنا أبناء مثله، فأجاب . إنكم تعلمون ما مرتبته فى العلم والفقه ،
ثم سألهم عن معنى قوله ((إذا جاء نصر الله والفتح، فسكتوا، وأجاب ابن عباس
بأن المراد أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد حدث بهذا الحديث فى
حال كبره ، ولم يعتريه شك وشهة ، فروى عنه أصحابه المتقنون إلى أن
أخرجه الستة فى كتبهم ، فكيف يرجع قول أبى رافع على قول ابن عباس ،
وأما الثانى سلمنا أن أبا رافع كان الرسول بين رسول الله صلى الله عليه وسلم
وبينهما وعلى يده دار حديث الخطبة والرسالة ، ولكن لا نسلم أنه أعلم من
ابن عباس ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع إلى مكة ليخطبها
له ففوضت أمرها إلى أختها أم الفضل زوجة عباس بن عبد المطلب ، وفوضت
أم الفضل أمرها إلى زوجها عباس بن عبد المطلب ، فلم يكن أبا رافع إلا أنه
بلغ رسالة لخطبته ، ولم يكن له دخل فى النكاح ، ولا نعلم فى رواية أنه باشر
النكاح، أو كان حاضرا فى مجلس النكاح ، بل باشر النكاح عباس بن عبد المطلب
رضى الله عنه، ولهذا استدل بأن ابن عباس أعلم بحال النكاح فإنه ابنه ،
وأما الثالث فلا نسلم أن ابن عباس رضى الله عنه لم يكن معه صلى الله عليه وسلم
فى تلك العمرة ولا رأيناه فى رواية أنه لم يكن معه صلى الله عليه وسلم فى عمرة

٧٧
الجزء التاسع: كتاب الحج
القضاء ، ولو سلم فإنه إنما سمع القصة مع غير حضور منه لها من العارفين بالقصة
حتى تيقن به وبلغها أصحابه المتقنين ، وأما الرابع فإنه حقيق بأن يضحك عليه
الصبيان وقد ثبت فى الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها فى
طريق مكة حتى أنه وقع فى حديث يزيد بن الأصم أنه تزوجها بسرف ، وقد
أخرج النسائى فى مجتباه بسنده عن ابن عباس قال : تزوج رسول الله صلى الله
عليه وسلم ميمونة بنت الحارث وهو محرم ، وفى حديث يعلى بسرف ((قلت:
ويعلى ثقة، فاتفق الفريقان على أن التزوج وقع فى سرف فكيف يقال صح
قول أبى رافع يقينا ، وأما الخامس بجوابه أنه غلط محض لم يغلط أحد من
الصحابة فيما بلغنا من روايات ابن عباس إلا ما روى عن سعيد بن المسيب
عند أبى داود وغيره ، قال وهم ابن عباس فى تزويح ميمونة وهو محرم ،
ولو سلم فتغليط أحد من الصحابة حديث ابن عباس لا يساوى شيئا . فكيف
بتغليط سعيد بن المسيب، وأما السادس حديث النهى عن نكاح المحرم محتمل
أحد الأمرين : إما أن يكون النهى على التحريم أو على التنزيه ، فعلى الأول
نسلم أنه يوافقه ، ولكن لا دليل عليه وعلى الثانى فلا يوافقه ، والدليل عليه
قوله ((ولا يخطب ، فإن الخطبة غير منهى عنه نهى التحريم على الاتفاق، وعلى
الاحتمال لا يجوز الاحتجاج به ، وأما السابع فسلمنا أن يزيد بن الأصم
ابن أخت ميمونة روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالا وكانت
ميمونة خالته ، ولكن قوله لا يساوى قول ابن عباس رضى الله عنه، وقد
رده عمرو بن دينار على ابن شهاب الزهرى وجرحه ، أخرج البيهقى فى سننه
من طريق الحميدى ، ثنا سفيان ، ثنا عمرو بن دينار قال قلت لابن شهاب
أخبرنى أبو الشعشاء عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم نكح وهو محرم
فقال ابن شهاب أخبر نى يزيد بن الأصم أن النبى صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة
وهو حلال وهى خالته ، قال فقلت لابن شهاب أتجعل أعرابيا بوالا على عقبيه
إلى ابن عباس رضى الله عنه وهى خالة (١) ابن عباس أيضا قال الزيلعى ورجح
(١) كما بسط فى ((تلخيص البذل)) بل ابن عباس أقرب فى ذلك لأنه كما هو
ابن اختها كذلك ابن عمه صلى الله عليه وسلم وصاحب قرابة الزوجين أعرف بالقصة
كذا فى (( حاشية مسند الإمام أبي حنيفة))

٧٨
بذل المجهود فى حل أبى داود
بعضهم بدليل غير الذى قمنا وقال وهو أقواها هو أنه قدروت ميمونة وهى
صاحبة القصة أنها تزوجهارسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حلال، وفى رواية
تزوجنى ونحن حلالان بسرف ، فالجواب عنه أولا أن ميمونة رضى الله عنها
لم تقل لنا بنفسها الشرينة بل رواها عنه يزيد بن الأصم وقد تقدم الجواب عنه
وثانيا أن ميمونة رضى الله عنها لم تعقد نكاحها بنفسها بل فوضت أمرها إلى
العباس بن عبد المطلب فأنكحها ولم يحضرها ميمونة فكيف يقال بأنها صاحب
القصة ، وهى أعلم من الجميع بها، فلا تكون روايتها مرجحة ، بل معنى قولها
تزوجنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف أى بنى فى،
وأما وجوه ترجيح حديث ابن عباس على حديث أبى رافع ويزيد بن الأصم
فكثيرة ، منها أن ابن عباس فى مرتبة من العلم والفقه والإتقان والحفظ
لا يدانيه فيها أحد، وقد حكى الزيلعى فى نصب الراية عن ابن حبان. وقال
قال ابن حبان ؛ وليس فى الأخبار تعارض ولا أن ابن عباس وهم لأنه أحفظ
وأعلم من غيره. انتهى ، والثانى أن حديث ابن عباس اتفق عليه الستة بل أجمع
المحدثون على تخريجه وتصحيحه ، وحديث يزيد لم يخرجه البخارى ولا النسائى
وكذا حديث أبي رافع لم يخرجه فى واحد من الصحيحين ولم يبلغ درجة الصحة
ولذا قال الترمذى: فيه ولا نعلم أحداً أسنده غير حماد عن مطر، والثالث أن
حديث أبى رافع مختلف فى إسناده وانقطاعه ، وقد أشار إليه الترمذى فى
صحيحه فقال ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة
وروى مالك بن أنس ، عن ربيعة عن سليمان بن يسار أن النبى صلى الله عليه
وسلم تزوج ميمونة وهو حلال ، ورواه مالك مرسلا ، ورواه أيضا سليمان
بن بلال عن ربيعة مرسلا وكذلك اختلف فى حديث يزيدين الأصم فروى
بعضهم عن يزيد بن الأصم عن ميمونة قالت تزوجنى رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهو حلال ، وروى بعضهم عن يزيد بن الأصم أن النبى صلى الله عليه
وسلم تزوج ميمونة وهو حلال مرسلا ، ولم يذكر عن ميمونة اهـ، ثم قال
الترمذى فى آخر الباب بعد أن أخرج حديث يزيد بن الأصم بسنده عن ميمونة

٧٩
الجزء التاسع: كتاب الحج
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال وبنى بها حلالا، وماتت
بسرف ودفناها فى الظلة التى بنى بها فيها ، قال أبو عيسى. هذا حديث غريب؛
وروى غير واحد هذا الحديث عن يزيد الأصم مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم
تزوج ميمونة وهو حلال ، الرابع أنه يؤ يده حديث عائشة وأبى هريرة ،
فأما حديث عائشة فأخرجه الطحاوى : حدثنا محمد بن خزيمة قال ثنا يعلى بن
أسد قال ثنا أبو عرانة عن مغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة رضى
الله عنها قالت: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض نسائه وهو محرم
وأما حديث أبى هريرة فأخرجه الطحاوى أيضاً، حدثنا سليمان بن شعيب
قال ثنا خالد بن عبد الرحمن قال ثنا كامل أبو العلاء عن أبى صالح عن
أبى هريرة قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم، وفى
الحديثين وإن لم تسم ميمونة رضى الله عنها ولكنها متعينة، فإنها لم يثبت أنه
عليه السلام نكح غيرها محرماً، ثم أقول إن الدارقطنى أخرج من طريق
تضعيف عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم
فسماها فيها ، قاله الزيلعي ، ثم قال : قال سهيل فى الروض الأنب بعد ذكر
حديث عائشة إنما أرادت نكاح ميمرنة ولكنها لم تسمها، وقال الشوكانى :
قوله تزوج ميمونة وهو محرم أجيب عن هذا بأنه مخالف لرواية أكثر
الصحابة ولم يروه كذلك إلا ابن عباس كما قال عياض، ولكنه متعقب بأنه
قد صح من رواية عائشة وأبى هريرة نحوه كما صرح بذلك فى الفتح ، والخامس
أن حديث ابن عباس مؤيد بالقياس فإنه لو اشترى جارية للوطى أو باشر
عقدا من عقود الدنيوية يجوز بالإنفاق فالنكاح أيضا عقد من العقود الدنيوية
والدينية فيجوز مباشرتها أيضاً، والسادس أن حديث ابن عباس محكم فى معناه
لا يحتمل تأويلا قريباً، وأما حديث أبى رافع ويزيد بن الأصم فمحتملان
لأن فيه تأويلات قريبة ، فأما ما أولوا فى حديث ابن عباس بأن معنى قوله
وهو محرم داخل فى الحرم فيبطله لفظ البخارى أنه عليه السلام تزوجها وهو
محرم وبنى بها وهو حلال ، فالتقابل الذى وقع بين قوله تزوجها وهو محرم

٨٠
بذل المجهود فى حل أبى داود
وبنى بها وهو حلال يدفع هذا التأويل، وأما الإشهاد بقول الشاعر :
«قتلو! ابن عفان الخليفة محرماً هرده الأصمعى، قال الأضمعى: فى جواب الرشيد
كل من لم يأت شيئاً يوجب عليه عقوبة فهو محرم لا يحل منه شىء ، وتأويلهم فى لفظ
التزوج بمعنى ظهر أمر تزويجه وهو محرم فهو أيضاً غير صحيح، أما أولا فإنه
لم يظهر أمر تزوجه إياها فى حالة الإحرام، بل تقولون أنتم لم يروه إلا ابن
عباس، وحمله سعيد بن المسيب على وهم ابن عباس ، فكيف يقال انه ظهر
أمر التزوج فى حالة الإحرام . وثانياً أنه لم يثبت تزوجه إياها قبل الإحرام،
فإن إحرامه على اللّه عليه وسلم كان بذى الحليفة، فهذه التأويلات كلها باطلة ،
وأما التأويلات التى قالوا فى حديث أبى رافع ويزيد بن الأصم كلها تأويلات
قريبة فإنه يأول أولا بأنه ظهر أمر تزوجها وهو حلال. وثانيا يقال معنى
التزوج البناء أى بنى بها وهو حلال ، وثالثا أن تزوجها بمعنى خطبها كما يدل
عليه ما أخرجه ابن سعد فى الطبقات، أخبرنا يزيد بن هارون عن عمرو بن
ميمون بن مهران كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبى أن سل يزيد بن الأصم
حراماً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج ميمونة أم حلالا ،
فدعاه أبى فأقرأه الكتاب فقال: خطبها. وهو حلال وبنى بها وهو حلال
وأنا أسمع يزيد يقول ذلك ، والسابع أن حديث ابن عباس مثبت لأمر زائد
على أصل الحال، وحديث أبى رافع ويزيد بن الأصم ناف لها ، فان ابن
عباس يثبت النكاح فى حالة الإحرام وهو أمر زائد على الحالة الأصلية،
وأما أبو رافع ويزيد بن الأصم فثبتان النكاح فى الحالة الأصلية، وينفيان
هذه الحالة، وهذا مختص بمن قال: إن النكاح وقع قبل الإحرام . قلت :
وتنقيح البحث فى المسألة موقوف على أن نكاح ميمونة رضى الله عنها مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم أين وقع، واختلفت الروايات فيه فأخرج
ابن سعد أخبرنا محمد بن عمر حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قالت :
تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شوال وهو حلال عام القضية
وأعرس بها بسرف ، وتوفيت بسرف ، قال الحافظ فى الإصابة: وذكر ابن
٠
مك