النص المفهرس

صفحات 221-240

بذل المجهود
( ٢٢١ )
الجزء السادس
فقال اللهم اسقنا غيثاً مغيشاً مريئاً مريعساً نافعاً غير
أتت النبيِ مَّمِ بواكى] جمع باكية، أى جاءت النبي مَّ نفوس باكية أو نساء
باكيات لانقطاع المطر عنهم ملتجئة إليه وهذه هى الرواية المعتمدة فى سنن أبى داؤد
وقد صحف كثير منهم نسخ السنن بوجوه متعددة لا يظهر لبعضها معنى صحيح(١)
قاله فى فتح الودود .
قلت: وضبطه صاحب المصابيح والمشكاة قال رأيت رسول الله من يقيم يواكى
وأقره على القارئ فى شرحه قال: رأيت رسول اللّه عَّه يواكثى، المواكنة
و التوكؤ والاتكاء الاعتماد والتحامل على الشئى، فى النهاية أى يتحامل على يديه
أى يرفعهما و يمدهما فى الدعاء ومنه التوكؤ على العصا وهو التحامل عليهما، كذا
قاله الخطابى فى معالم السنن، انتهى، وقال القارئ أيضاً فى ختم الحديث :
قال ميرك باسناد صحيح ولفظه أنت النبى معَّم بواك، وفى نسخة بواكى بالباء المؤحدة
جمع باكية ووقع فى شرح الخطابى: رأيت النبي مَّ يواكثى بالياء المثناة من تحت
مضمومة وآخره مهموز قال: ومعناه يتحامل على يديه إذا رفعهما فى الدعاء ، قال
النووى : وهذا الذى ادعاه الخطابى لم تأت به الرواية ولا انحصر الصواب فيه
بل ليس له واضح المعنى، وفى رواية البيهقى أتت النبي عَّ هوازل بدل بواكى
انتهى ، ويمكن الجمع بينهما قاله القارئ [ فقال اللهم اسقنا] بهمزة الوصل والقطع
[ غيثاً] أى مطراً [مغيئاً] بضم أوله من الاغاثة أى معيناً [ مريئاً] بفتح الميم
و المد و يجوز إدغامه أى هنيئاً محمود العاقبة لا ضرر فيه من الغرق والهدم يقال
مرأنى الطعام وأمرأنى، إذا لم يشتمل على المعدة وانحدر عنها طيباً [ مريعاً] بفتح
الميم و يضم ذا مراعة وخصب ويروى مروعاً بالواو وبضم الميم أى منبتاً للربيع
(١) قلت: فلعله نسخة أتيت إلخ ويمكن أن يوجه أتيته وهو بواكثى

بدل المجهود
( ٢٢٢ )
الجزء السادس
ضار عاجلا غير آجل قال فأطبقت عليهم السماء .
حدثنا نصر بن على أنا يزيد بن زريع نا سعيد عن قتادة
عن أنس (١) أن النبى ثة كان لا يرفع يديه فى
شئ من الدعاً إلا فى الاستسقاء فانه كان يرفع يديه حتى
يرى بياض إبطيه .
ويروى مرتعاً بفتح الميم والتاء أى ينبت به ما يرقع الابل ، وقال بعضهم:
مربعاً أى خصيباً فعيل من مرع الأرض بالضم مراعة أى صارت كثيرة الماء والنبات
وقيل غير ذلك [ نافعاً غير ضار عاجلا غير آجل قال] أى جابر [ فأَطبقت]
على بناء الفاعل و قيل بالمفعول [عليهم السماء] يقال أطبق إذا جعل الطبق على
رأس شى وغطاه به أى جعلت عليهم السحاب كطبق قيل أى ظهر السحاب فى ذلك
الوقت وغطاهم السحاب كطبق فوق رؤسهم بحيث لايرون السماء من تراكم السحاب
و عمومه الجوانب .
[ حدثنا نصر بن على أنا يزيد بن زريع نا سعيد ] أى ابن أبى عروبة [عن
قتادة عن أنس أن النبيِ رَّ كان لا يرفع يديه] أى رفعاً بليغاً [فى شئ من الدعاء]
أى من جنس الدعاء [ إلا فى الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه]
قال العينى فى شرح البخارى قال النووى: هذا الحديث ظاهره يوم أنه لميرفع تَّ
يديه إلا فى الاستسقاء وليس الأمر كذلك بل قد ثبت رفع يديه فى الدعاء فى مواطن
غير الاستسقاء وهى أكثر من أن تحصى فيتأول هذا الحديث على أنه لم يرفع الرفع
البليغ بحيث يرى بياض إبطيه إلا فى الاستسقاء أو أن المراد لم أره يرفعٌ وقد رآه
غيره فيقدم رواية المثبتين فيه ، انتهى .
(١) وفى نسخة: أنس بن مالك .

بذل المجهود
( ٢٢٣ )
الجزء السادس
حدثنا الحسن بن محمد الزعفرانى ناعفان نا حماد أنا ثابت
عن أنس أن النبى غ كان يستسقى هكذا يعنى ومد يديه
وجعل (١) بطونهما ممايلى الأرض حتى رأيت بياض إبطيه.
حدثنا مسلم بن إبراهيم نا شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن
محمد بن إبراهيم أخبرنى من رأى النبى # يدعو عند
أحجار الزيت باسطاً كفيه .
[ حدثنا الحسن بن محمد الزعفرانى نا عفان نا حماد أنا ثابت عن أنس أن النبي
عَّ كان يستسقى هكذا ] بين أنس فعله عَّ بفعله [ يعنى] زاد لفظ يعنى لأن
الراوى نسى لفظ الشيخ فقال يريد الشيخ باللفظ الذى بعده [ومد يديه ] أى ومد
رسول اللّه عَلَه يديه [وجعل] رسول اللّه عَبّه [بطونهما ما على الأرض حتى رأيت
بياض إبطيه] حتى غاية لقوله (( و مد يديه، بمعنى رفع يديه قال القارئ": فعل هذا
تفاؤلا بتقلب الحال ظهراً لبطن نحو صنيعه فى تحويل الرداء أو إشارة إلى ما يسأله
وهو أن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصب مافيه من الأمطار كما قال إن الكف
إذا جعل بطنها إلى الأرض انصب ما فيها من الماء ، وقيل من أراد دفع بلاء من
القحط ونحوه فليجعل ظهر كفه إلى السماء و من سأل نعمة من الله فليجعل بطن
کفه إلى السماء .
[ حدثنا مسلم بن إبراهيم نا شعبة عن عبد ربه بن سعيد] بن قيس الأنصارى
أخو يحيى المدنى ثقة [عن محمد بن إبراهيم] التيمى [أخبرنى من رأى النبي ◌َّه]
قال فى التقريب وتهذيب التهذيب: فى المبهمات محمد بن إبراهيم التيمى، أخبرنى من
رأى النبي ◌َُّ عند أحجار الزيت هو عمير مولى آبى اللحم [ يدعو ] أى يستسقى
[عند أحجار الزيت باسطاً كفيه ] أى رافعاً وماداً يديه كما تقدم من روايته فى
(١) وفى نسحة: يجعل.

بذل المجهود
( ٢٢٤ )
الجزء السادس
حدثنا هارون بن سعيد الأيلى نا خالد بن نزار قال حدثنى
القاسم بن مبرور عن يونس عن هشام بن عروة عن
أبيه عن عائشة قالت شكى النساس إلى رسول اللّه ديه
قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له فى المصلى ووعد الناس
يوماً يخرجون فيه قالت عائشة فرج رسول اللّه في حين
بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله عز
أول الباب وهذا يرجح أن الحديث من مرويات عمير لا من مرويات مولاه آبي
اللحم كما تقدم من بعض الروايات .
[ حدثنا هارون بن سعيد الأعلى نا خالد بن نزار] الغسانى الأعلى بفتح الهمزة
وسكون التحتانية صدوق يخطئى [ قال حدثنى القاسم بن مبرور عن يونس ] بن
يزيد الأيلى [ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت شكى الناس إلى رسول
اللّه ◌َعُ قحوط المطر] أى حبسه وفقده وحكى فى المجمع عن الطبي شكى الناس
القحوط هو مصدر أو جمع قط وأضافه إلى المطر يشير إلى عمومه فى بلدان شتى
[فأمر] رسول اللّه مَّه [بمنبر فوضع له فى المصلى] قال القارئ" قال ابن الهمام
و فيه أنه أمر باخراج المنبر، وقال المشايخ : لا يخرج وليس إلا بناء على عدم
حكمهم بصحته [ و وعد الناس يوماً يخرجون فيه ] أى فى ذلك اليوم إلى المصلى
[ قالت عائشة خرج رسول اللّه مَّم حين بدا] بالألف لا بالهزة أى ظهر [حاجب
الشمس ] قال ميرك: الظاهر أن المراد بالحاجب ما طلع أولا من جرم الشمس
مستدقاً مشبهاً بالحاجب ، قال فى المغرب : حاجب الشمس أول مايبدو من الشمس
مستعار من حاجب الوجه [ فقعد على المنبر ] وفيه دلالة على استحباب إخراج
المنبر والصعود عليها ومنعه فقهاء الحنفية ، قال فى البدائع: ولا يخرج المنبر فى
الاستسقاء ولا يصعده لو كان فى موضع الدعاء منير لأنه خلاف السنة وقد عاب

بذل المجهود
(٢٢٥ )
الجزء السادس
وجل ثم قال إنكم شكوتم جدب دياركم واستيخار
الناس على مروان بن الحكم عند إخراجه المنبر فى العيدين ونسبوه إلى خلاف السنة
على ما بينا ، انتهى .
قلت: الحديث و إن صححه الحاكم فى المستدرك لكن قال أبو داود : هذا
حديث غريب، إسناده جيد ، وقال ابن القيم فى زاد المعاد : فلما وافى المصلى صعد
المنبر إن صح و إلا ففى القلب منه شئ ، وكذا حكى الأمير اليمانى عنه فى سبل
السلام ، وقد أخرج البخارى فى صحيحه وقال لنا أبو نعيم عن زهير عن أبى
إسماق خرج عبد الله بن يزيد الأنصارى وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن
أرقم فاستسقى فقام لهم على رجليه على غير منبر فاستغفر ثم صلى ركعتين يجهر بالقراءة
ولم يؤذن ولم يقم فهذا عبد الله بن يزيد استسقى ومعه الصحابة فلم يخرج المنبر
و لم يصعد عليه فلو كان إخراج المتبر سنة لما تركه ولو تركه لأنكر عليه الصحابة
الموجودون إذ ذاك وقد ثبت عنه عَّ أنه لم يخرج المنبر فى العيدين ولم يخطب
فيهما إلا قائماً على الأرض و الاستسقاء فيه زيادة التواضع والتضرع كما فى الحديث
خرج متبذلا متواضعاً متذللا وهذه الحالة ينافيه الترفع على المنبر [ فكبر وحمد الله عز
وجل] قال القارئ": قال مالك والشافعى وأحمد فى الرواية المختارة عند أصحابه تسن
الخطبة و تكون بعد الصلاة خطبتان على المشهور ويستفتحهما بالاستغفار (١) كالتكبير
فى العيد ، وقال أبو حنيفة وأحمد فى الرواية المنصوص عليها لا خطبة لها وإنما
هى دعاء واستغفار، ثم قال قال صاحب الهداية ثم هى كخطبة العيد عند محمد ، قال
ابن الهمام يعنى فتكون خطبتين يفصل بينهما يحلوس و عند أبى يوسف واحدة ولا
صريح فى المرويات يوافق قول محمد أنها خطبتان [ ثم قال إنكم شكوتم ] أى إلى
الله ورسوله [ جدب دياركم] بفتح الجيم وسكون المهملة أي تحطها [واستيخار
(١) وعند نا بالتحميد كما فى الشامى .

بذل المجهود
( ٢٢٦ )
الجزء السادس
المطر عن إبان زمانه عنكم وقد أمركم الله عز وجل أن
تدعوه و وعدكم أن يستجيب لكم ثم قال : الحمد لله رب
العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله
يفعل ما يريد اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغنى ونحن
الفقراء أنزل علينا الغيث و اجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً
إلى خير ثم رفع يديه فلم يزل (١) فى الرفع حتى بدأ
بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره و قلب أو حول
المطر] أى تأخره [ عن إبان زمانه ] بكسر الهمزة وتشديد الباء أى عن أول
زمان المطر والابان أول الشئى ، قيل نونه أصلية فيكون فعالا، وقيل زائدة فيكون
فعلان ، وفى القاموس إبان الشئى بالكسر حينه أو أوله [ عنكم] متعلق باستبخار
[ وقد أمركم الله عز وجل] فى كتابه [ أن تدعوه ] بقوله ادعونى [ و وعدكم
أن يستجيب لكم] بقوله أستجب لكم ولا خلف فى وعده { ثم قال ] رسول الله
عَّة [الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك ] بغير الألف [ يوم الدين]
وفى نسخة المشكاة مالك بالألف فى جميع النسخ قاله القارئ" [ لا إله إلا الله يفعل
ما يريد ، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغنى ونحن الفقراء] المحتاجون إليك فى الايجاد
و الامداد [ أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً ] أى زاداً يبلغنا
[ إلى خير] أى إلى خير الدنيا والآخرة، وفى نسخة المشكاة إلى حين أى
آجالنا و المعنى اجعل الخير الذى أنزلت إلينا لقوتنا نتقوى به على شكرك وعبادتك
وعدداً لنا عدداً طوالا [ ثم رفع يديه ] أى للدعاء [ فلميزل فى الرفع حتى بدا]
أى ظهر[ بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره ] واستقبل القبلة إشارة إلى
(١) وفى نسخة : فلم يترك .

بذل المجهود
( ٢٢٧ )
الجزء السادس
رداءه وهو رافع يديه ثم أقبل على الناس ونزل فصلى
ركعتين فأنشأ اللّه سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت باذن
الله فلميأت مسجده حتى سالت السيول فلما رأى سرعتهم
إلى الكن ضحك ◌َّ حتى بدت نواجذه فقال أشهد أن
الله على كل شئى قدير وأنى عبد الله ورسوله، قال
التبتل إلى الله [ وقلب] بالتشديد و فى نسخة بالتخفيف [ أو حول] شك من
الراوى [ رداءه] للتفاؤل وإرادة تقليب الحال [ وهو رافع يديه ] حال من
قوله (( ثم حول إلى الناس ظهره)، أو من قوله (( و قلب رداءه)) فالحال حينئذ
مقارنة [ ثم أقبل على الناس ] بوجهه [ ونزل] من المنبر [ فصلى ركعتين فأنشأ
اللّه] أى أوجد و أحدث [ سمابة فرعدت وبرقت] بفتح الراء أى ظهر فيه
الرعد والبرق [ ثم أمطرت باذن الله] بالألف وهو دليل للمذهب المختار الذى
عليه الأكثرون و المحققون من أهل اللغة أن مطرت وأمطرت لغتان فى المطر
[ فلم يأت] رسول اللّه مَ له من المحل الذى استسقى فيه من الصحرا" [ مسجده حتى
سالت السيول من جميع الجوانب [ فلما رأى سرعتهم] أى سرعة مشيهم وإلتجائهم"
[ إلى الكن ] بكسر الكاف وتشديد النون وهو ما يرد به الحر والبرد من
المساكن [ضحك معَ ◌ّ حتى بدت نواجذه] أى آخر ضراسه وكان ضحكه تعجباً من
طلبهم المطر اضطراراً ثم طلبهم الكن عنه فراراً ومن عظيم قدرة الله تعالى وإظهار
قربة رسوله وصدقه باجابة دعائه صريحاً و لصدقه أتى بالشهادتين [ فقال أشهد أن
اللّه على كل شئ قدير وإنى عبد الله ورسوله ] قال القارئ: قال ابن الحمام:
و ذلك الكلام السابق هو المراد بالخطبة كما قاله بعضهم ، وأهل الامام أحمد أعله
بهذه الغرابة أو بالاضطراب فان الخطبة (١) فيه مذكورة قبل الصلاة و فيما تقدم
(١) اختلفوا فى الجمع بينهما ومختار الأئمة الذين قالوا بالصلاة فيها أنها تقدم على

بذل المجهود
( ٢٢٨ )
الجزء السادس
أبو داؤد : هذا حديث غريب ، إسناده جيد، أهل المدينة
يقرأون ملك يوم الدين وأن (١) هذا الحديث حجة لهم
حدثنا مسدد ناحماد بن زيد عن عبدالعزيز بن صهيب عن
أنس بن مالك و يونس بن عبيد عن ثابت عن أنس قال
أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول اللّه مبت فبينما
من حديث أبى هريرة بعدها وهذا إنما يتم إذا تم استبعاد أن الاستسقاء وقع حال
حياته بالمدينة أكثر من سنتين السنة التى استسقى فيها بغير صلاة و السنة التى صلى
فيها و إلا فالله سبحانه أعلم [ قال أبو داؤد هذا حديث غريب، إسناده جيد أهل
المدينة يقرأون ملك يوم الدين ] بقصر الميم بلا ألف [ و أن هذا الحديث حجة
لهم ] اختلف القراء فيه فقرأ عاصم و الكسائى بالألف وقرأ الباقون بغير ألف
وكلا القرأتين ثبتتا عن رسول اللّه عَّه تواتراً فلا تحتاج إحداهما إلى الحجة فى
ثبوته خصوصاً بدليل ظنى فقوله هذا الحديث حجة لهم لا محصل له .
[ حدثنا مسدد نا حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك
و يونس بن عيد ] عطف على حماد بن زيد (٢) [ عن ثابت] البنانى [ عن أنس
قال أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول اللّه مَّ فبينما هو يخطبنا يوم جمعة
* الخطبة فقيل رواية أبى داؤد هذه شاذة، وفى البداية عكسه فقال من ذكر الخطبة
ذكر فى على قبل الصلاة ، وقال الطحاوى: رأيت خطبة الاستسقاء أشبه بالعيد
وجمع الحافظ بأنه دعا أولا ثم صلى ثم خطب فذكر كل راو أحدهما ، كذا
فى الأوجز .
(١) وفى نسخة : فان .
(٢) كذا قال صاحب التيسير على البخارى لكن الصحيح أنه عطف على عبد
العزيز لا على حماد ، كذا فى اللامع .

بذل المجهود
( ٢٢٩ )
الجزء السادس
هو يخطبنا يوم جمعة (١) إذ قام رجل فقال يا رسول الله
هلك السكراع هلك الشاء فادع (٢) الله أن يسقينا فد
عديه (٣) ودعا قال أنس وإن السماء لمثل الزجاجة فهاجت
ريح ثم أنشأت سحابة (٤) ثم اجتمعت (٥) ثم أرسلت السماء
عزالها فرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا فلم يزل المطر
إلى الجمعة الأخرى فقام إليه ذلك الرجل أو غيره فقال يا
إذا قام رجل] قال الشوكانى: فى مسند أحمد مايدل على أن هذا المبهم كعب بن مرة
و فى البيهقى من طريق مرسلة ما يدل على أنه خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر
الفزارى و زعم بعضهم أنه أبو سفيان بن حرب ، قال فى الفتح : وفيه نظر لأنه
جاء فى واقعة أخرى، وقال الحافظ : لمأقف على تسميته فقال يارسول الله هذا يدل
على أن السائل كان مسلماً وبه يرد على من قال إنه أبو سفيان لأنه حين سؤاله
بذلك لم يكن قد أسهم [ ملك الكراع] بضم الكاف اسم لجمع الخيل [ ملك الشام]
جمع شاة وأيضاً تجمع على شياه وأصل الشاة شاهة والنسبة شاهى وشاوى وتصغيرها
شويهة وشوية وعينها واو انقلب ياً فى شياه لكسرة ما قبلها ووجه الهلاك
فقدان العلف لأجل القحط [ فادع الله أن يسقينا فمد يديه] أى رفعهما [ ودعا]
اى اللّه تعالى أى استسقى [ قال أنس وأن السماء لمثل الزجاجة] صافية عن السحاب
والغبار [ فهاجت ريح ثم أنشأت] أى الريح [ سحابة ثم اجتمعت] السحابة [ ثم
أرسلت السماء عزاليها ] جمع عزلاء بفتح مهملة ممدودة فم السقاء الذى يفرغ منه
الماء والجمع العزالى بكسر لام وفتحها [ خرجنا] من المسجد [ نخوض الماء حتى
أتينا منازلنا فلم يزل المطر] أى لم ينقطع [ إلى الجمعة الأخرى فقام إليه ذلك الرجل
(١) وفى نسخة: الجمعة.
(٢) و فى نسخة : أنا.
(٣) وفى نسخة: يده (٤) وفى نسخة: سحاباً (٥) وفى نسخة: اجتمع.

بذل المجهود
(٢٣٠ )
الجزء السادس
رسول الله تهدمت البيوت فادع الله أن يحبسه فتبسم رسول
اللّه ◌َبَّ ثم قال حوالينا ولا علينا فنظرت إلى السحاب
يتصدع حول المدينة كانه إكليل .
حدثنا عيسى بن حماد أنا الليث عن سعيد المقبرى عن
شريك بن عبدالله بن أبى نمر عن أنس أنه سمعه يقول (١)
نحو حديث عبد العزيز قال فرفع رسول اللّه في يديه
بحذاء وجهه فقال (٢) اللهم اسقنا وساق نحوه (٣).
أو غيره فقال يا رسول اللّه تهدمت البيوت] لكثرة المطر [ فادع الله أن يحبسه]
أى المطر [ فتبسم رسول اللّه عَّة] لسرعة ضجرهم وملالتهم [ ثم قال حوالينا]
وفى رواية مسلم : حولنا و كلاهما صحيح والحول والحوال بمعنى الجانب ، قال
فى القاموس : وهو حواليه و حوله وحوليه وحواله وأحواله بمعنى ، وقال فى
المجمع : اللهم حوالينا يقال رأيت الناس حوله و حواليه أى مطيفين به من جوانبه
يريد أنزل الغيث فى مواضع النبات لا مواضع الأبنية ، قال النووى: حواليه وحواله
وحوليه و حوله بفتح لام وحا فى جميعها أى جوانبه [ ولا علينا] وهذا من
كمال أدبه مَّ فانه لميدع اللهم احبسه عنا بأنه كان من نعمة اللّه تعالى بل قال اللهم
حوالينا [ فنظرت إلى السحاب يتصدع] أى يتفرق [ حول المدينة كأنه إكليل ]
بكسر الهمزة هو ما أطاف بالرأس من عصابة مزينة بجوهر أو خرز أوان الغيم
بقطع من وسط السماء وصار فى آفاقها كالاكليل .
[ حدثنا عيسى بن حماد أنا الليث عن سعيد المقبرى عن شريك بن عبد الله بن
أبى نمر عن أنس أنه ] أى شريك [سمعه] أى أنساً [يقول نحو حديث عبدالعزيز
(١) وفى نسخة : فذكر .
(٢) و فى نسخة: و قال.
(٣) وفى نسخة : يعنى نحو حديث عبد العزيز بن صهيب.

بذل المجهود
( ٢٣١ )
الجزء السادس
حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن يحيى بن سعيد
عن عمرو بن شعيب أن رسول الله ثم كان يقول ح و
حدثنا سهل بن صالح نا على بن قادم نا سفيان عن يحيى
بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كان
رسول الله (١) ربق اذا استسقى قال اللهم اسق عبادك و
بها ئمك وانشر رحمتك و أحى بلدك الميت (٢) هذا لفظ
قال ] أى شريك فى حديثه عن أنس [ فرفع رسول اللّه عَ به يديه بحذاء وجه
فقال اللهم اسقنا ] غرض المصنف بهذا بيان الفرق بين لفظ شريك وبين لفظ عبد
العزيز فان عبد العزيز قال فى حديثه عن أنس فمد يديه ودعا ، وقال شريك فى
حديثه عن أنس فرفع رسول اللّه عَ له يديه بهذا. وجهه فقال اللهم اسقنا [ وساق
نحوه ] أى وساق شريك بعد ذلك حديثه نحو حديث عبد العزيز .
[ حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب
أن رسول الله عَّه كان يقول ح وحدثنا سهل بن صالح ] بن حكيم الأنطاكى أبو
سعيد البزاز صدوق [ نا على بن قادم ] الخزاعى أبو الحسن الكوفى ، قال ابن
معين : ضعيف ، وقال أبو حاتم محله الصدق ، قال ابن عدى : نقموا عليه أحاديث
رواها عن الثورى غير محفوظة [ نا سفيان] الثورى [عن يحيى بن سعيد] الأنصارى
[ عن عمرو بن شعيب عن أبيه] شعيب [عن جده] عبد الله بن عمرو بن العاص
[ قال كان رسول اللّه مَّه إذا استسقى قال اللهم اسق عبادك وبهائمك] جميع
بهيمة ، قال فى القاموس: البهيمة كل ذات أربع قوائم ولو فى الماء أو كل حتى لا
يميز [ وانشر] أى ابسط [رحمتك وأحمى بلدك الميت] والمراد بالحياة نماؤها
بالخصب ونباتها والموت كناية عن جدبها ويبسها كأنه تلميح إلى قوله تعالى ((والله
(١) و فى نسخة : النبى .
(٢) وفى نسخة: قال أبو داود : هذا ..

بذل المجهود
( ٢٣٢ )
الجزء السادس
حديث مالك .
( باب صلاة الكسوف ) حدثنا عثمان بن أبى شيبة نا
إسماعيل بن علية عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن
الذى أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحينا به الأرض بعد موتها ،
قال أبو داؤد [ هذا لفظ حديث مالك ] لا لفظ حديث سفيان .
[ باب صلاة الكسوف (١) ] قال الحافظ: والكسوف لغة التغير إلى سواد
ومنه كسف وجهه و حاله وكسف الشمس أسودت وذهب شعاعها ، قال العينى
و الأشهر فى ألسن الفقهاء تخصيص الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر، وأدعى
الجوهرى أنه الأفصح ، وقيل هما يستعملان فيهما وقيل الكسوف للقمر والخسوف
للشمس وهو مردود لثبوته بالخاء فى القمر فى القرآن، وقيل الكسوف أوله
والخسوف آخره، انتهى ، قال الحافظ : وقيل بالكاف لذهاب جميع الضوء وبالخاء
لبعضه ، وقيل بالخاء لذهاب كل اللون و بالكاف لتغيره .
[ حدثنا عثمان بن أبى شيبة نا إسماعيل بن علية عن ابن جريج عن عطاء] بن
(١) وشرعيتها على ما فى المرقاة، فى السنة الخامسة و تمامه فى الآوجز، أو
فى سنة ٨٩، سنة ١٠هـ، سنة ٦هـ، سنة ٢هـ، واختلفوا فى الوحدة والتعدد كما
فى الأبحاث العشرة من الأوجز و اختلفوا أيضاً فى وقتها والمرجح عند المالكية
كالعيد و قيل إلى العصر ، وقيل إلى وقت الكراهة ، ولا وقت لها عند الشافعية
إذ هن ذات سبب ، وعندنا والحنابلة تستثنى أوقات الكراهة ، وبسط ابن
العربى الكلام على حقيقة الكسوف ، والاشكال فيه ، وبسط فى الأوجز الكلام
على رد قول أهل الهيئة فى حقيقة الكسوفين ، وأنه لا يكون إلا فى ٢٨-٢٩
من الشهر وبسط أيضاً فى حكم كسوفين و الوحدة و التعدد .

بذل المجهود
( ٢٣٣)
الجزء السادس
عمير أخبرنى من أصدق وظننت (١) أنه يريد عائشة قالت
كسفت الشمس على عهد النبي (٢) ◌َّ فقام النبى في قياماً
شديداً يقوم بالناس ثم يركع ثم يقوم ثم يركع ثم يقوم (٣)
ثم يركع فركع ركعتين فى كل ركعة ثلاث ركعات يركع الثالثة
ثم يسجد حتى أن رجالا يومئذ ليغشى عليهم ما قام بهم
حتى أن سمال الماء لينصب عليهم يقول إذا ركع : الله
أبى رباح [ عن عدد بن عمير ] قال عبيد [ أخبرنى من أصدق ] قال عطاء [ و
ظننت أنه ] أى عبيد بن عمير [ يريد عائشة ] بقوله من أصدق ، قال النووى:
هكذا فى نسخ بلادنا و كذا نقله القاضى عن نسخ الجمهور ، وعن بعض رواتهم
من أصدق حديثه يريد عائشة ومعنى اللفظين متغاير فعلى رواية الجمهور له حكم
المرسل إذا قلنا بمذهب الجمهور أن قوله أخبرنى الثقة ليس بحجة ، انتهى [ قالت
كسفت الشمس على عهد النبى معَّهِ فقام النبيِ مَِّ قياماً شديداً ] أى طويلا [يقوم
بالناس ثم يركمع ] أى الركوع الأولى [ ثم يقوم ] من الركوع ثم يقرأ [ثم
يركع ] أى الركوع الثانى [ ثم يقوم ] من الركوع الثانى ويقرأ [ ثم يركع ]
أى الركوع الثالث [ فركع] أى فصلى رسول اللّه مَ الله [ ركعتين] طويلتين [فى
كل ركعة ثلاث ركعات ] أى ركوعات [ يركع الثالثة ] أى الركوع الثالثة [ثم]
بعد الفراغ منه [ يسجد (٤) حتى أن رجالا يومئذ ليغشى عليهم ] أى يصيبهم الغشى
(١) وفيها نسختان : فظننا، فظننت،
(٢) و فى نسخة : رسول اللّه.
(٣) و فى نسخة : بالناس .
(٤) ولم يذكر فى عامة الروايات تطويل السجود لكنه مجمع عند الأربعة، كذا
فى الأوجز .

بذل الجهود
( ٢٣٤)
الجزء السادس
أكبر وإذا رفع سمع الله لمن حمده حتى تجلت الشمس
ثم قال إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا
لحياته و لكنهما آيتان من آيات الله عز وجل يخوف
بهما عباده فاذا كسفا فافزعوا إلى الصلاة .
[ بما قام بهم ] أى طويلا [ حتى أن سجال الماء ] جمع سجل بفتح فسكون وهو
الدلو [لينصب عليهم] وفى رواية: لتصب عليهم فان قيل كيف يصب عليهم حال الماء
والناس فى صلاة ومن يصب عليهم قلنا يحتمل أنه يصب عليهم بعد الفراغ من الصلاة
ويحتمل أنهم إذا غشى عليهم انتقض طهارتهم وصلاتهم فاذا حصل لهم شى من الافاقة
يصبون على أنفسهم الماء [يقول إذاركع: الله أكبر وإذا رفع (١)] رأسه من الركوع
[سمع الله لمن حمده حتى تجات الشمس] أى صلى كذلك حتى تجلت الشمس [ثم قال
إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ] وفى حديث مسلم فقام
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال [ ولكنهما آيتان من آيات الله عز وجل يخوف
بهما عباده فاذا كسفا فافزعوا إلى الصلاة ] ولفظ مسلم فاذا رأيتم كسوفاً فاذكروا
الله حتى ينجليا، قال النووى: والحكمة فى هذا الكلام أن بعض أهل الجاهلية
الضلال كانوا يعظمون الشمس والقمر فبين أنهما آيتان مخلوقتان لله تعالى لا صنع
لهما بل هما كسائر المخلوقات يطرأ عليهما النقص والتغير كغيرهما ، وكان بعض
الضلال من المنجمين وغيرهم يقول لا ينكسفان إلا لموت عظيم أو نحو ذلك فبين
أن هذا باطل لئلا يغتر بأقوالهم لا سيما وقد صادف موت (٢) إبراهيم - رضى
(١) أنكر الماوردى التسميع فى الاعتدال لأنه ليس باعتدال بل يرفع رأسه ·كبراً
و يسمع فى الاعتدال الثانى ، كما فى الأوجز .
(٢) واختلف أهل السير فى تعيين وفاته على أقوال كثيرة ذكرها الحافظ فى الفتح،
و قال جماهيرهم على أنه مات سنة ١٠هـ ،

بذل المجهود
( ٢٣٥ )
الجزء السادس
الله تعالى عنه - قال الشوكانى فى النيل: وقد اختلف العلماء فى صفتها بعد الاتفاق (١)
على أنها سنة غير واجبة كما حكاه النووى، فذهب مالك والشافعى وأحمد و الجمهور
إلى أنها ركعتان فى كل ركعة ركوعان ، وقال أبو حنيفة و الثورى والنخعى أنها
ركعتان كسائر النوافل فى كل ركعة ركوع واحد، وحكاه التووى عن الكوفين
واستدلوا بحديث النعمان وسمرة ، وقال حذيفة: فى كل ركعة ثلاث ركوعات
واستدل بحديث جابر وابن عباس وعائشة، قال النووى: وقد قال بكل
نوع جماعة من الصحابة ، وحكى النووى عن ابن عبد البر أنه قال: أصح ما فى
الباب وكوعان و ما خالف فمعلل أو ضعيف ، وكذا قال البيهقى ونقل صاحب
الهدى عن الشافعى وأحمد (٢) و البخارى أنهم قالوا يعدون الزيادة على الركوعين
فى كل ركعة غلطاً من بعض الرواة لأن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضتها إلى
بعض و يجمعها أن ذلك كان يوم موت إبراهيم وإذا تحدد القصة تعين الأخذ
بالراجح ، ولا شك أن أحاديث الركوعين أصح، قال فى الفتح ، وجمع بعضهم
بين هذه الأحاديث بتعدد الواقعة و أن الكسوف وقع مراراً فيكون كل من هذه
الأوجه جائزاً، وإلى ذلك ذهب إسماق لكن لم يثبت عنده الزيادة على أربع ركوعات
وقال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابى وغيرهم من الشافعية يجوز العمل بجميع ما
ثمت من ذلك وهو من الاختلاف المباح ، وقواه النووى فى شرح مسلم و الحق
إن صح تعدد الواقعة أن الأحاديث المشتملة على الزيادة الخارجة من مخرج صحيح يتعين
الأخذ بها لعدم منافاتها الزيد وإن كانت الواقعة ليست إلا مرة واحدة فالمصير
إلى الترجيح أمر لابد منه ، و أحاديث الركوعين أرجح ، انتهى ملخصاً
قلت: واختلف علماء الحنفية فى أن صلاة الكسوف واجبة أم سنة فقد ذكر
محمد - رحمه الله تعالى - فى الأصل ما يدل على عدم الوجوب فإنه قال ولا تصلى
(١) وقال أبو عوانة وبعض الحنفية بالوجوب.
(٢) حكى المناوى فى شرح الشمائل مذهب أحمد ثلاث ركوعات فليحرر .

بذل المجهود
( ٢٣٦ )
الجزء السادس
نافلة فى جماعة إلا فى قيام رمضان وصلاة الكسوف، فاستثنى صلاة الكسوف من
الصلوات النافلة والمستثى من جنس المستثنى منه فيدل على كونها نافلة ، وكذا روى
الحسن بن زياد ما يدل عليه فانه روى عن أبى حنيفة أنه قال فى كسوف الشمس إن
شاؤ! صلوا ركعتين وإن شاؤا صلوا أربعاً وإن شاؤا صلوا أكثر من ذلك و
التخيير يكون فى النوافل لا فى الواجبات ، وقال بعض مشائخنا أنها واجبة لما
روى عن ابن مسعود أنه قال كسفت الشمس، وفيه فإذا رأيتم من هذا شيئاً فاحمدوا
الله وكبروه وسبحوه وصلوا حتى تنجلى، وفى رواية أبى مسعود الأنصارى
فإذا رأيتموها فقومو وصلوا و مطلق الأمر للوجوب ، وفى بعض الروايات :
فافزعوا إلى الصلاة ، وتسمية محمد إياها نافلة لا ينفى الوجوب لأن النافلة عبارة
عن الزيادة وكل واجب زيادة على الفرائض الموظفة ، ورواية الحسن لا تنفى
الوجوب لأن التخيير قد يجرى بين الواجبات كما فى قوله تعالى «فكفارته إطعام
عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ..
واختلف فى كيفية صلاة الكسوف فيصلى ركعتين كل ركعة بركوع وسجدتين
كسائر الصلوات عندنا، وعند الشافعى ركعتان كل ركعة بركوعين وقومتين وسودتين
يقرأ ثم يركع ثم يرفع رأسه ثم يقرأ ثم يركع واحتج بما روى عن ابن عباس
وعائشة - رضى الله عنهما - أنهما قالا كسفت الشمس على عهد رسول اللّه عمل له
فقام قياماً طويلا نحو من سورة البقرة ثم ركع ركوعاً طويلا ثم رفع رأسه فقام
قياماً طويلا و هو دون القيام الأول ثم ركع ركوعاً طويلا و هو دون الركوع
الأول واحتج الحنفية فى ذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند الطحاوى
و أخرجه أبو داود والنسائى والترمذى فى الشمائل عن عطاء بن السائب عن أيه
عن عبد الله بن عمرو قال كسفت الشمس على عهد رسول اللّه عَل فقام بالناس
فلم يكد يركع ثم ركع فلم يكد يرفع ثم رفع فلم يكد يسجد ثم سجد فلم يكد يرفع
و فعل فى الثانية مثل ذلك ، هذا لفظ الطحاوى وبحديث أبى بكرة رضى الله عنه

بذل المجهود
( ٢٣٧ )
الجزء السادس
عند النسائى أن النبي ◌َّ صلى ركعتين مثل صلاتكم هذه وبحديث سمرة أخرجه
مسلم و فيه قرأ بسورتين وصلى ركعتين، وبحديث النعمان بن بشير أخرجه أحمد
و أبو داؤد والنسائى والحاكم، وصححه ابن عبد البر ، وبحديث قيصة الهلالى
عنه مَّم قال: إذا رأيتم ذلك فصلوها كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة ،
وأكثر هذه الأحاديث قولية باشتمالها على القول كما فى حديث قبيصة، والقول
أرجح من الفعل وقد علمت أن الفعل إذا اختلف فيه يرد إلى الأصل فترجح
الأحاديث المشتملة على ركوع واحد ، وأيضاً الأحاديث المشتملة على تعدد الركوعات
رواها النساء والصبيان وهم كانوا خلف صفوف الرجال فالحال أوضح للرجال من
الحال التى عليها النساء والصيان، وقد كان الحال أن رسول الله مَ ل قام فى
يوم شديد الحر قياماً طويلا حتى يغشى على بعضهم من طول القيام وقد كشف له
مَيّ أحوال عجيبة فرة يسبح وتارة يكبر وقد كشف له الجنة والنار وقد اسودت
الشمس فلا يبعد أن يخفى حال الصلاة وكيفيتها على الذين كانوا بعيداً من رسول
اللّه وظنوا ما لم يقع واقعاً من تعدد الركوعات للتسبيح والتهليل الواقع فى الصلاة
واقعاً فلهذه الوجوه رجح الحنفية أحاديث وحدة الركوع ولأجل هذا وقع الاختلاف
فى بيان تعدد الركوعات ، ففى بعضها ركوعان فى ركعة ، وفى بعضها ثلاث ركوعات
فى ركعة ، رواه أحمد ومسلم وأبو داؤد من حديث جابر - رضى الله عنه -
والترمذى من حديث ابن عباس وصحه، ورواه أحمد والنسائى ومسلم من
حديث عائشة - رضى الله عنها - قال الشوكانى: وهذه الأحاديث الصحيحة ترد
ما تقدم عن ابن عبد البر و البيهقى من أن ما خالف أحاديث الركوعين معلل أو
ضعيف وما تقدم عن الشافعى وأحمد و البخارى من عدهم لما خالف أحاديث
الركوعين غلطاً، وفى بعضها أربع ركوعات فى ركمة، روى ذلك أحمد ومسلم
والنسائى وأبو داؤد وصححه الترمذى من حديث ابن عباس أن النبى محمد صلى
فى كسوف قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع والأخرى

بذل المجهود
( ٢٣٨ )
الجزء السادس
( باب من قال أربع ركعات ) حدثنا أحمد بن حنبل نا
يحيى عن عبد الملك حدثنى عطاء عن جابر بن عبدالله قال
مثلها ، قال الشوكانى : وروى عن حذيفة نحوه قاله البيهقى ، و فى بعضها خمس
ركوعات فى ركعة، أخرجه أبوداؤد وعبد الله بن أحمد فى المسند من حديث أبى
بن كعب - رضى الله تعالى عنه - قال: كسفت الشمس على عهد رسول اللّه مَ ◌ّه فصلى
بهم فقرأ بسورة من الطوال وركع خمس ركعات بسجدتين ثم قام إلى الثانية فقرأ
بسورة من الطول وركع خمس ركعات بسجدتين ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو
حتى انجلى كسوفها ، قال الشوكانى : وروى عن ابن السكن تصبحح هذا الحديث
وقال الحاكم: رواته صادقون، فى إسناده أبوجعفر عيسى بن عبدالله بن مامان الرازى،
قال الفلاس : سيئى الحفظ، وقال ابن المدينى: يخاط عن المغيرة ، وقال ابن
المعين : ثقة .
قلت : سيأتى ترجمته، فهذا الاختلاف يدل على أن الذين كانوا بعيداً من
رسول اللّه مَّة فى الصلاة لعلهم شغلوا لما حدث من كثرة الوقائع و طول القيام
فاختلفوا فى تحمل كيفيتها وبيانها ، والظاهر أن الواقعة لم تتعدد فإن رسول الله
مَالتّ أقام بالمدينة نحواً من عشر سنين وتعدد الكسوف فى هذه المدة القليلة خلاف
العادة ولم يرو أن واقعة الكسوف تعددت بل أكثر الروايات دالة على أنها وقعت
عند موت إبراهيم بن رسول الله عَّه ولم يصلها إلا ضحى، قال فى الفتح: ولم
أقف على شئ من الطرق مع كثرتها أن النبي ◌َّ صلاما إلا ضحى ثم قد اضطر
القائلون بركوعين فى ركعة بتضعيف الروايات الصحيحة التى فيها ذكر الزيادة على
الركوعين فأولى أن تحمل الروايات التى فيها زيادة على ركوع واحد وهماً، والله أعلم.
[ باب من قال أربع ركعات] أى من قال إن من جملة صفات صلاة
الكسوف وكيفيتها ركوعين فى كل ركعة ففى الركعتين أربع ركوعات .

بذل المجهود
( ٢٣٩ )
الجزء السادس
كسفت الشمس على عهد رسول اللّه يوم وكان ذلك اليوم
الذى مات فيه إبراهيم بن رسول الله في فقال الناس
إنما كسفت لموت إبراهيم فقام النبي عليه فصلى بالناس ست
ركعات فى أربع سيدات كبر ثم قرأ فأطال القراءة ثم ركع
نحواً بماقام ثم رفع رأسه فقرأ دون القراءة الأولى ثم ركع
نحواً ماقام ثم رفع رأسه فقرأ القراءة (١) الثالثة دون القراءة الثانية
ثم ركع نحواً ما قام ثم رفع رأسه فانحدر للسجود فسجد
[ حدثنا أحمد بن حنبل نا يحيى] القطان [ عن عبد الملك ] بن سليمان
[ حدثنى عطاء] بن أبى رباح [ عن جابر بن عبد الله قال كسفت الشمس على
عهد رسول اللّه مَّه وكان ذلك] أى يوم الكسوف [ اليوم الذى مات فيه
إبراهيم بن رسول اللّه مَّل فقال الناس] أى بعض الصحابة على حسب ظنهم القديم
أن الناس كانوا يقولون أن الشمس و القمر ينخسفان لموت عظيم [ إنما كسفت
لموت إبراهيم فقام النبيِ مَّه] إلى الصلاة [ فصلى بالناس] أى فصلى ركعتين
[ست ركمات] أى ركوعات فى ركعة منها ثلاث ركوعات [ فى أربع سجدات]
أى فى كل ركعة منها سمدتين وصفتها أنه [ كبر] للتحريمة [ ثم قرأ فأطال القراءة
ثم ركع نحواً ] أى قريباً [ بما قام] للقراءة [ ثم رفع رأسه] من الركوع
الأول [ فقرأ] ثانياً [دون القراءة الأولى (٢) ] أى أدنى وأقصر منها [ ثم
ركع ] ركوعاً ثانياً [ نحواً ] قريباً [ماقام] فى المرة الثانية [ ثم رفع رأسه ]
من الركوع الثانى [ فقرأ القراءة الثالثة دون القراءة الثانية ثم ركع] ركوعاً ثالثاً
[ نحواً ] قريباً [ ما قام] فى القيام الثالث [ ثم رفع رأسه ] من الركوع الثالث
(١) وفى نسخة : قراءة.
(٢) أنكر محمد بن مسلمة المالكى الفاتحة .

بذل المجهود
(٢٤٠ )
الجزء السادس
سجدتين ثم قام فركع ثلاث ركعات قبل أن يسجد ليس
فيها ركعة إلا التى قبلها أطول من التى بعدها إلا أن
ركوعه نحو من قيامه قال ثم تأخر فى صلاته فتأخرت
الصفوف معه ثم تقدم فقام فى مقامه وتقدمت الصفوف
فقضى الصلاة و قد طلعت الشمس فقال يا أيها الناس
إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل
ولم يذكر فيه أنه عَِّ هل طول (١) ذلك القيام أو لم يطول [ فانحدر ] أى شهر
[ للسجود فسجد سجمدتين (٢) ثم قام ] إلى الركعة الثانية [فركع] أى فصلى فيها
۵
[ ثلاث ركعات] أى ركوعات [قبل أن يسجد] كما صلاها فى الركعة الأولى
[ ليس فيها ركمة] أى ركوع [ إلا التى قبلها ] أى إلا الركوع الذى قبل ذلك
الركوع [ أطول من التى بعدها ] أى أطول من الركوع الذى بعد ذلك الركوع
[ إلا أن ركوعه نحو ] أى قريب [ من قيامه قال] أى جابر [ ثم تأخر ] أى
عن محله [ فى صلاته فتأخرت الصفوف] عن محلها [ معه] رَبّ [ ثم تقدم ]
عَبِّ [فقام فى مقامه] أى الأول ووجه تأخره وتقدمه مثل ما وقع فى رواية
مسلم من حديث عائشة بلفظ ((وقال رسول اللّه مؤ فى رأيت فى مكانى هذا كل شئى
وعدتم حتى لقد رأيتنى أن آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتمونى جعلت أقدم وقد
رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتمونى تأخرت [وتقدمت الصفوف فقضى
الصلاة] أى أتمها [ وقد] الواو للحال [ طلعت] أى تجلت [الشمس فقال
(١) ولذا اختلف فيه العلماء و ظاهر كلامهم عدم التطويل ، قال النووى:
رواية مسلم شاذة كما فى الأوجز .
(٢) لم يذكروا التطويل بين السجدتين، وقال الزرقانى: لايطول إجماعاً ويشكل
عليهم رواية عبد الله بن عمرو الآتية .