النص المفهرس
صفحات 1-20
بَذلُ المَجْهُود
في
حَلّ أبيْ دَاوُد
تأليف
العلاَّمَة الْحَدِّث الكبير الشيخ خليل أحمَد السّهَار نفوري
رَئيس الجامعَة الشهيرة بمظاهِرِ العُلوم - سَهَار نفُور بالِهِنْد
المتوفى ٣٤٦ ١ هجريَّة
مَع تَعَلِيقِ شَيخِ الحَديثِ حَضَرَة العَلامة مَد ذكَرّيا بن يَحْيَى الْكَانْد هُلوي
الجزء السّادِسْ
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان
(
بذل المجهود
( ٣ )
الجزء السادس
يح الف الرمزارج
( باب تفريع أبواب الجمعة ) حدثنا القعنبى عن مالك عن
[ باب تفريع أبواب الجمعة ] التفريع لغة التفريق والتفصيل ، والمراد ههنا
بيان الفصول المتعلقة بالجمعة، وفى نسخة العون: بعد هذا «باب فضل يوم الجمعة وليلة
الجمعة)، والجمعة بضم الميم على المشهور ، وحكى الواحدى إسكان (١) الميم وفتحها
وقرى بها فى الشواذ قاله الزمخشرى، وقال الزجاج: قرى بكسرها أيضاً، وقال
الفراء: خففها الأعمش وثقلها عاصم وأهل الحجاز، وفى الموعب: من قال بالتسكين
قال فى جمعه جمع ، ومن قال بالتثقيل قال فى جمعه جمعات ، ثم اختلفوا فى تسمية
هذا اليوم بالجمعة فروى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال: إنما سمى يوم
الجمعة لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم عليه الصلاة والسلام، وكذلك روى ابن
خزيمة عن سلمان رضى الله عنه مرفوعاً، وفى الأمالى الثعلب، إنما سمى يوم الجمعة
لأن قريشاً كانت تجتمع إلى قصى فى دار الندوة، وقيل لأن كعب بن لؤى كان يجمع
فيه قومه فيذكرهم و يأمرهم بتعظيم الحرم، ويخبرهم بأنه سيبعث منه نبى . وقال
ابن حزم : هو اسم إسلامى ولم يكن فى الجاهلية إنما كانت تسمى فى الجاهلية العروبة
فسميت فى الاسلام الجمعة، لأنه يجتمع فيه للصلاة ، اسماً ماخوذاً من الجمع ، وفى
تفسير عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال :
جمع أهل المدينة قبل أن يقدم رسول الله مؤلّم المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة وهم
(١) ثم قيل بالسكون لغة فى الضم، وقيل مصدر مبالغة و بالضم بمعنى المفعول
وبالفتح بمعنى الفاعل أى جامع الناس أو المجموع فيه الناس، كذا فى تفسير الجمل .
بدل المجهود
(٤)
الجزء السادس
الذين سموها الجمعة وذلك لأن الأنصار قالوا لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام
وكذا للنصارى : فيلم فلنجعل يوماً تجتمع فيه، ونذكر الله ونصلى ونشكره،
فاجعلوه يوم الجمعة وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد فصلى
بهم ركعتين وذكرهم فسموا الجمعة حين اجتمعوا إليه، وذبح لهم أسعد شاة فتغدوا
وتعشوا من شاة، وذلك لقلتهم، فأنزل الله فى ذلك بعد «إذا نودي للصلاة من
يوم الجمعة، الآية، انتهى .
و قال الزجاج والفراء و أبو عبيدة و أبو عمرو : كانت العربة العارية تقول
ليوم السبت شبار وليوم الأحد أول، وليوم الاثنين أهون، وليوم الثلاث جبار،
والاربعاء دبار ، و الخميس مؤنس ، وليوم الجمعة العروبة، وأول من نقل العروبة
إلى يوم الجمعة كعب بن لؤى ، قال الكرمانى : فان قلت لم أنث الجمعة وهو صفة
اليوم، قلت: ليست التاء للتأنيث بل البالغة كما يقال رجل علامة أو هى صفة للساعة
انتهى ما قاله العينى، وذكر ابن القيم فى الهدى ليوم الجمعة ثلاثاً. (١) وثلاثين
خصوصية يختص ذلك اليوم بها حكى بعضها عنه الحافظ ، وقال : وفيها أنها يوم
عيد ولا يصام منفرداً، وقراءة ((ألم تنزيل)هو ((هل أتى، فى صبيحتها، والجمعة والمنافقين
فيها ، و الغسل لها و الطيب والسواك، ولبس أحسن الثياب وتبخير المسجد ،
و التبكير والاشتغال بالعبادة حتى يخرج الخطيب والخطبة والانصات، وقراءة
الكهف ونفى كراهة النافلة وقت الاستواء ، ومنع السفر قبلها ، وتضعيف أجر
الذاهب إليها بكل خطوة أجر سنة ونفى تسجير جهنم فى يومها ، وساعة الاجابة
وتكفير الآنام وإنها يوم المزيد والشاهد و المدخر بهذه الأمة، وخير أيام
الأسبوع، وتجتمع فيه الأرواح إن ثبت الخبر فيه، وذكر أشياء أخر فيها نظر
وترك أشياء يطول تتبعها، انتهى ملخصاً، والله أعلم .
[ حدثنا القعنى] عبد الله بن مسلمة [عن مالك] بن أنس الامام [ عن
(١) وقال السيوطى فى شرح الترمذى: قد تتبعت خصائص الجمعة ، فبلغت مأة
أوردتها فى التأليف إلخ .
بذل المجهود
(٥)
الجزء السادس
يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبى
سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة قال: قال رسول الله
تمثّ : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم
يزيد بن عبدالله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم] النيمى [ عن أبى سلمة بن عبد الرحمن
عن أبى هريرة قال قال رسول اللّه مَله: خير يوم (١) طلعت فيه الشمس يوم الجمعة]
قال الشوكانى : قال صاحب المفهم صيغة خير وشر يستعملان الفاضلة ولغيرها فاذا
كانت المفاضلة فأصلها أخير وأشرر على وزن أفعل ، و أما إذا لم يكونا الفاضلة
فيهما من جملة الأسماء كما قال تعالى: إن ترك خيراً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وهى
فى حديث الباب الفاضلة ومعناها فى الحديث أن يوم الجمعة أفضل من كل يوم طلعت
شمسه، وهذا الحديث يدل على أن أفضل الأيام يوم الجمعة ، وبه جزم ابن العربى
و يشكل على ذلك ما رواه ابن حبان فى صحيحه من حديث عبد الله بن قرط أن
النبي مَّم قال: أفضل الأيام عند الله تعالى يوم النحر، وسيأتى فى آخر أبواب
الضحايا ، ويأتى الجمع بينه وبين ما أخرج أيضاً ابن حبان فى صحيحه عن جابر قال
قال رسول اللّه مَّ ما من يوم أفضل عند الله تعالى من يوم عرفة هنالك إن شاء
الله تعالى.
وقد جمع العراقى فقال : المراد بتفضيل الجمعة بالنسبة إلى أيام الجمعة ، وتفضيل
يوم عرفة أو يوم النحر بالنسبة إلى أيام السنة ، و صرح بأن حديث أفضلية يوم
الجمعة أصح، وقال الشوكانى أيضاً فى الضحايا فى شرح حديث عبد الله بن قرط إن
(١) وفى الشامى نقل عن بعض الشافعية: أفضل الليالى ليلة مولده عليه السلام،
ثم القدر ثم الاسراء، ثم ليلة عرفة ، ثم الجمعة ثم النصف من شعبان ثم العيد ،
انتهى، ونقل فى السعاية أن من حلف بطلاق امرأته فى أفضل الأيام تطلق
يوم عرفة .
بذل المجهود
( ٦ )
الجزء السادس
و فيه أهبط و فيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة
رسول الله وَثم قال: أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر، ويوم النحر
هو يوم الحج الأكبر على الصحيح عند الشافعية و مالك وأحمد لما فى البخارى أنه
مَالتّ وقف يوم النحر بين الجمرات وقال: هذا يوم الحج الأكبر ، وفى الحديث
دلالة على أنه أفضل أيام السنة و لكنه يعارضه حديث خير يوم طلعت عليه الشمس
يوم الجمعة، ويعارضه أيضاً ما أخرجه ابن حبان فى صحيحه عن جابر قال قال رسول
اللّه مَثّ : ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ينظر الله تعالى إلى سماء الدنيا
فيباهى بأهل الأرض أهل السماء فلم ير يوم أكثر عتقاً من النار من يوم عرفة وقد
ذهبت الشافعية (١) إلى أنه أفضل من يوم النحر ولا يخفى أن حديث الباب ليس
فيه إلا أن يوم النحر أعظم، وكونه أعظم وإن كان مستلزماً لكونه أفضل لكنه
ليس كالتصريح بالأفضلية كما فى حديث جابر رضى الله عنه، إذ لا شك أن الدلالة
المطابقية أقوى من الالتزامية فان أمكن الجمع بحمل أعظمية يوم النحر على غير الأفضلية
فذاك وإلا يمكن، فدلالة حديث جابر على أفضلية يوم عرفة أقوى من دلالة حديث
عبد الله بن قرط على أفضلية يوم النحر، انتهى
[ فيه خلق آدم (٢) ] الذى هو مبنى العالم وأصل جميع الأنبياء والرسل، وفى
رواية مسلم والترمذى: وفيه أدخل الجنة ، وفيه دليل على أن آدم عليه السلام
لم يخلق فى الجنة بل خلق خارجها ثم أدخل إليها [ وفيه أهبط] منها وفى رواية
مسلم: وفيه أخرج منها أى أنزل من الجنة إلى الأرض لعدم تعظيمه يوم الجمعة
لما وقع له من الزلة ليتداركه بعد النزول فى الطاعة والعبادة فيرتقى أعلى درجات
(١) قال ابن القيم: اختلف العلماء هل هو أفضل أم يوم عرفة على قولين هما
وجهان الشافعية ، انتهى ، وجعل فى تحفة المحتاج ، أفضلية الجمعة على عرفة شاذاً
فى المذهب .
(٢) قال ابن العربى : الأمور كلها خير ثم ذكرها.
بذل المجهود
( ٧ )
الجزء السادس
وما من دابة إلا وهى مسيخة (١) يوم الجمعة من حين
الجنة ، وليعلم قدر النعمة لأن المنحة تتبين عند المحنة ، قاله الشوكانى وحكى النووى
عن القاضى عياض .
الظاهر أن هذه القضايا المعدودة ليست الذكر فضيلته، لأن إخراج آدم وقيام
الساعة لا يعد فضيلة و إنما هو بيان لما وقع فيه من الأمور العظام وما سيقع
ليتأهب العبد فيه بالأعمال الصالحة لنيل رحمة الله و دفع نقمته ، هذا كلام القاضى،
وقال أبو بكر بن العربى فى كتابه الأحوذى فى شرح الترمذى : الجميع من الفضائل
وخروج آدم من الجنة هو سبب وجود الذرية، وهذا النسل العظيم و وجود الرسل
و الأنبياء والصالحين والأولياء، ولم يخرج منها طرداً بل لقضاء أو طار ثم يعود
إليها، وأما قيام الساعة فتعجيل لجزاء الأنبياء والصديقين والأولياء وغيرهم وإظهار
کرامتهم و شرفهم ، انتهى
[وفيه قيب عليه] هو ماض مجهول من تاب أى وفق للتوبة وقبلت التوبة منه وهى
أعظم المنة عليه، قال الله تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [وفيه] أى فى يوم
الجمعة [ مات] والموت تحفة المؤمن كما ورد عن ابن عمر موقوفاً رواه الحاكم
و البيهقى وغيرهما ، قال القاضى: لا شك أن خلق آدم فيه شرفاً وكذا وفاته فانه
سبب لوصوله إلى جناب الأقدس و الخلاص عن النكبات [ وفيه تقوم الساعة]
وفيها نعمتان عظيمتان المؤمنين ، وصولهم إلى النعيم المقيم وحصول أعدائهم فى عذاب
الجحيم [ وما من دابة] زيادة من لافادة الاستغراق فى النفى [ إلا وهى مسيخة]
روى بالسين و الصاد ، وهما لغتان أى مصغية مستمعة كقول الشاعر :
أصاخت إلى الواشى قلج بها الهجر
قال القارئ: ووجه إصاخة كل دابة وهى مما لا يعقل هو أن الله تعالى
يجعلها ملهمة بذلك مستشعرة عنده ، فلا عجب فى ذلك من قدرة الله تعالى، ولعل
(١) و فى نسخة: مصيخة.
بذل المجهود
(٨)
الجزء السادس
تصبح (١) حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلا الجن
والانس، وفيها (٢) ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو
يصلى يسأل الله عزوجل حاجة إلا أعطاه إياها، قال كعب
ذلك فى كل سنة يوم، فقلت : بل فى كل جمعة ، قال :
الحكمة فى الاخفاء عن الجن والانس أنهم لو كشفوا بشئى من ذلك اختلت قاعدة
الابتلاء والتكليف وحق القول عليهم، ذكره الطبي ، وتبعه ابن حجر ، وفيه أنهم
لو ألهموا بما ألهمت الدواب ، وانتظروا وقوع القيامة لا يلزم منه اختلال قاعدة
التكليف ولا وقوع القيامة فتدبر [ يوم الجمعة من حين تصبح] قال الطيبي: بنى على
الفتح لاضافته إلى الجملة ، ويجوز إعرابه إلا أن الرواية بالفتح [حتى تطلع الشمس]
لأن القيامة تظهر يوم الجمعة بين الصبح و طلوع الشمس [ شفقا] أى خوفاً [من
الساعة ] أى من قيام القيامة، وإنما سميت ساعة لوقوعها فى ساعة [ إلا الجن
والانس ] فانهم لا يلهمون ذلك بأن هذا يوم يحتمل وقوع القيامة فيه ، بل المعنى
أن غالبهم غافلون عن ذلك إلا أنهم لا يعلمون وإخفاؤها عنهم ليتحقق عنهم الايمان
بالغيب و لأنهم لو عدوها لتنغص عنهم عيشهم ، ولم يشتغلوا بتحصيل كفافهم من
القوت خوفاً من ذلك [ وفيها ] أى فى الجمعة أو فى ساعات يوم الجمعة ، وفى
رواية بالتذكير أى فى يوم الجمعة ، والمراد جنسه [ساعة لا يصادفها] أى لا يوافقها
[ عبد مسلم وهو يصلى] حقيقة أو حكماً بالانتظار، أو معناه يدعو [ يسأل الله
عز وجل] حال أو بدل [ حاجة] من أمر الدنيا والآخرة [ إلا أعطاه إياها]
أى بالشروط المعتبرة فى آداب الدعاء [ قال كعب: ذلك] إشارة إلى اليوم المذكور
المشتمل على تلك الساعة الشريفة مبتدأ [ فى كل سنة يوم ] ويوم خبره [ فقلت:
بل فى كل جمعة ] أى هى الساعة فى كل جمعة أو هذا اليوم فى كل أسبوع يوم أى
هذا اليوم المشتمل على ما ذكر كائن فى كل أسبوع، وهذا أظهر مطابقة للجواب
(١) وفى نسخة: يصبح. (٢) وفى نسخة: وفيه .
بدل المجهود
(٩ )
الجزء السادس
فقرأ كعب التوراة ، فقال: صدق رسول اللّه ◌ُلّ قال
أبو هريرة ثم لقيت عبد الله بن سلام حدثته بمجلسى مع
كعب فقال عبد الله بن سلام: قد علمت أنه ساعة هى قال
أبو هريرة : فقلت له فأخبرنى بها فقال عبد الله بن سلام
هى آخر ساعة من يوم الجمعة فقلت كيف هى آخر ساعة
من يوم الجمعة ، وقد قال رسول اللّه بع: لا يصادفها
عبد مسلم وهو يصلى و تلك الساعة لا يصلى فها فقال
عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله ثه من جلس
[ قال: فقرأ كعب التوراة ] بالحفظ أو بالنظر [ فقال: صدق رسول الله {لَه]
وفى هذا معجزة عظيمة دائة على كمال علمه عليه الصلاة والسلام مع أنه أمى حيث
أخبر بما خفى على أعلم أهل الكتاب { قال أبو هريرة ثم لقيت عبد الله بن سلام]
صحابي جليل كان من أحبار اليهود، فأسلم حين قدم رسول الله معرفتى المدينة [ حدثته
بمجلسى ] أى بجلوسى [ مع كعب] الأحبار [ فقال عبد الله بن سلام، قد علمت
أية ساعة هى ] بنصب أية على مفعولية علمت، و فى نسخة برفعها كقوله تعالى :
النعلم أى الحزبين [ قال أبو هريرة فقلت له ] أى لعبد الله بن سلام [فأخبر نى بها]
أى بتلك الساعة [ فقال عبد الله بن سلام هى آخر ساعة من يوم الجمعة] يدل عليه
ما أخرجه الترمذى عن أنس قال: قال رسول الله رؤوفضع: التمسوا الساعة التى ترجى
يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس ، قال أبو هريرة [ فقلت ] لعبد الله بن
سلام [ كيف هى ] أى تلك الساعة [ آخر ساعة من يوم الجمعة، وقد قال رسول
اللّهِ وَّ] أى والحال أنه مَّم قال: [ لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى وتلك
الساعة لا يصلى فيها] على صيغة المجهول الكراهة [ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل
رسول اللّه مَّ من جلس مجلساً] أى جلوساً أو مكان جلوس {ينتظر الصلاة]
بذل المجهود
(١٠ )
الجزء السادس
مجلساً ينتظر الصلاة فهو فى صلاة (١) حتى يصلى ، قال :
فقلت بلى، قال هو ذاك (٢) .
حدثنا هارون بن عبدالله نا حسين بن على عن عبدالرحمن
بن يزيد بن جابر عن أبى الأشعث الصنعانى عن أوس بن
أوس قال: قال رسول (٣) اللّه ◌َّه: إن من أفضل أيامكم
يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض، وفيه النفخة و فيه
الصعقة، فأكثروا على من الصلاة فيه فان صلاتكم معروضة
فيه [ فهو فى صلاة] أى حكماً [ حتى يصلى] حقيقة [قال: فقلت على] أى قال
رسول اللّه مَّمِ ذلك [ قال] عبد الله [ هو ذاك ].
[ حدثنا هارون بن عبد اللّه] بن مروان [نا حسين بن على] الجعفى [عن
عبد الرحمن (٤) بن يزيد بن جابر ] الأزدى أبو عتبة الشامى الدارانى ثقة [عن أبى
الأشعث الصنعانى] شراحيل بن آدة [عن أوس بن أوس] الثقفى [قال: قال رسول الله
◌َّى: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة ] زيادة لفظ من تدل على أن يوم الجمعة
داخل فى الأفاضل من الأيام ، فعلى هذا فيه إشارة إلى أن يوم عرفة أفضل أو مساو
له [ فيه خلق آدم] أى طينته [وفيه ] أى فى جنسه [ قبض] أى روحه [وفيه
النفخة ] أى النفحة الثانية التى توصل الأبرار إلى النعم الباقية، قال الطيبي وتبعه
ابن حجر : أى النفخة الأولى فانها مبد قيام الساعة ومقدم النشأة الثانية ، ولا منع
من الجمع [ و فيه الصعقة] أى الصيحة، والمراد بها الصوت الهائل الذى يموت
(١) وفى نسخة: فى الصلاة. (٢) وفى نسخة: ذلك (٣) وفى نسخة: النبي.
(٤) والحديث صححه الحاكم على شرط البخارى و ذكره ابن أبى حاتم فى العلل ،
ونقل عن أبيه أنه منكر لأن عبد الرحمن منكر الحديث ، قاله الشوكانى و قريب
منه ما قال القارىّ والبسط فى الصارم المنكى فى الرد على السبكى .
بذل المجهود
( ١١ )
الجزء السادس
على ، قال قالوا يا رسول اللّه وكيف تعرض صلاتنا عليك
وقد أرمت قال : يقولون بليت فقسال : إن الله عز
وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء .
الانسان من هوله وهى النفخة الأولى، قال تعالى: (( ونفخ فى الصور فصعق
من فى السماوات ومن فى الأرض إلا من شاء اللّه، فالتكرار باعتبار تغاير الوصفين
والأولى ما أخترناه من التغاير الحقيقى ، وقيل إشارة إلى صعقة موسى عليه السلام
[فأكثروا على من الصلاة فيه] أى فى يوم الجمعة فان الصلاة من أفضل العبادات وهى
فيها أفضل من غيرها ولكونه سيد الأيام فيصرف فى خدمة سيد الأنام عليه الصلاة والسلام
[فإن صلاتكم معروضة على] يعنى على وجه القبول فيه وإلا فهى دائما تعرض عليه
بواسطة الملائك إلا عند روضته فيسمعها بحضرته [ قال قالوا يا رسول الله وكيف
تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ] جملة حالية بفتح الراء وسكون الميم وفتح التاء
المخففة - ويروى بكسر الراء أى بليت، وقيل على البناء للمفعول من الأرم وهو
الأكل ، أى صرت مأكولا للارض وقال الخطابى أصله أربعمت (١) خذفوا إحدى
الميمين كظلت و هى لغة بعض العرب [ قال ] أوس [ يقولون ] الصحابة أى
يريدون بهذا القول [ بليت فقال] رسول اللّه عَّله [ إن الله عز وجل حرم على
الأرض ] أى منعها [ أجساد الأنبياء (٢)] أى من أن تأكلها فان الأنبياء فى قبورهم
أحياء (٣) قال الطبى فان قلت ما وجه الجواب بقوله: إن الله حرم على الأرض
(١) و هكذا فسره المجد فى القاموس فى رمه .
(٢) قال السيوطى فى الدور الحسان: خمسة حرم الله أجسادهم، الأنبياء والعلماء
و الشهداء الذين يقتلون فى سبيل الله وقارئ القرآن والمؤذن احتساباً.
(٤) واستدل بالحديث على حياة الأنبياء كما بسط فى الحاشية ويؤيده حديث في
اللّه حى يرزق ، كذا فى المشكاة: عن ابن ماجه وسيأتى من حديث رد الله على
روحى و أجمل الكلام على المسألة ابن القيم فى الهدى .
.
بذل المجهود
( ١٢ )
الجزء السادس
( باب الاجابة أية ساعة هى فى يوم الجمعة ) حدثنا أحمد
بن صالح نا ابن وهب أخبرنى عمرو يعنى ابن الحارث أن
الجلاح مولى عبد العزيز (١) حدثه أن أبا سلمة يعنى ابن
عبد الرحمن حدثه عن جابر بن عبد الله عن رسول الله
مؤكد أنه قال يوم الجمعة ثنتا عشرة يريد ساعة لا يوجد
مسلم (٢) يسأل الله شيئاً إلا آتاه الله عز وجل فالتمسوها
أجساد الأنبياء فان المانع من العرض والسماع هو الموت وهو قائم ، قلت : لا
شك أن حفظ أجسادهم من أن ترم خرق العادة المستمرة فكما أن اللّه تعالى يحفظها
منه فَكذلك يمكن من العرض عليهم ومن الاستماع منهم صلوات الأمة ويؤيده ما
سيورد فى الحديث الثالث من الفصل الثالث فنبى الله حى يرزق .
[ باب الاجابة أية ساعة هى فى يوم الجمعة ] معناه ساعة الاجابة أية ساعة
هى فى يوم الجمعة ، أو يقال الاجابة فى أية ساعة فى يوم الجمعة [ حدثنا أحمد بن
صالح نا ابن وهب] عبد الله [ أخبرنى عمرويعنى ابن الحارث أن الجلاح مولى عبد
العزيز] يعنى ابن مروان أبو كثير الأموى المصرى ، قال الدارقطنى: لا بأس به ،
وقال ابن عبد البر: هو مصرى تابعى ثقة [ حدثه أن أبا سلمة يعنى ابن عبد الرحمن
حدثه عن جابر بن عبد الله عن رسول اللّه ◌َطيع أنه قال يوم الجمعة ثنتا عشرة يريد ساعة]
أى لم يقل رسول اللّه مَّى لفظ ساعة بل أراد ذلك من العدد، ويمكن أن يقال
إن جابر بن عبد الله أو غيره من رواة السند لم يقل بها ، فزاد تلميذه لفظ يريد
إشارة إلى أنه لم يقل الشيخ لفظ ساعة ولكن أراده ، والمراد بالساعة النجومية ،
وفى منتقى الأخبار: وفيها ساعة [ لا يوجد] عبد [ مسلم يسأل الله] فيها [ شيئاً
إلا آتاه الله عز وجل] بالشروط المعتبرة فى الدعاء [فالتمسوها] أى الساعة
(١) وفى نسخة: يعنى ابن مروان. (٢) وفى نسخة: عبد مسلم.
بدر المجهود
( ١٣)
الجزء السادس
آخر ساعة بعد العصر .
حدثنا أحمد بن صالح نا ابن وهب أخبرنى مخرمة يعنى
ان بكير عن أبيه عن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى
قال قال لى عبد الله بن عمر أسمعت أباك يحدث عن رسول
اللّه ◌َ (١) فى شأن الجمعة يعنى الساعة، قال قلت نعم سمعته
يقول سمعت رسول اللّه عليه يقول هى ما بين أن يجلس الامام
إلى أن تقضى الصلاة ، قال أبو داؤد : يعنى على المنبر .
العرفية التى هى ساعة الاجابة [ آخر ساعة] أى فى آخر ساعة نجومية [بعد العصر .
حدثنا أحمد بن صالح نا ابن وهب أخبرنى مخرمة يعنى ابن بكير ] بن عبد الله بن
الأشج أبو المور المدنى صدوق وروايته عن أبيه وجادة من كتابه ، قاله أحمد
وابن معين وغيرهما، وقال ابن المدينى : سمع من أبيه قليلا [عن أبيه ] بكير
بن عبد الله بن الأشج مولى بى مخزوم أبو عبد الله أو أبو يوسف المدنى نزيل مصر
نقة [ عن أبى مردة بن أبى موسى الأشعرى قال قال لى: عبد الله بن عمر أسمعت
أباك ] أى أبا موسى الأشعرى [ يحدث عن رسول اللّه مَيقع فى شأن الجمعة يعنى
الساعة ] أى ساعة الإجابة [ قال قلت: نعم سمعته ] أى أبى [ يقول سمعت رسول
اللّهِ مَُّ يقول هى] أى ساعة الاجابة [ ما بين أن يجلس الامام] أى جلوس
الامام للخطبة [ إلى أن تقضى الصلاة] أى إلى تمام الصلاة [ قال أبو داؤد يعنى
على المنبر ] أى المراد بالجلوس فى الحديث جلوس الامام للخطبة على المتبر أو
الجلوس بين الخطبتين ، وقد اختلفت الأقوال فى تلك الساعة ، وذكرها الحافظ
فى فتح البارى مفصلة، وأنا ألخصها لك وأبينها مخصرة بحذف الدلائل إلا
ما لا بد منها ، قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم من الصحابة
(١) و فى نسخة : قال .
بذل المجهود
( ١٤ )
الجزء السادس
والتابعين ومن بعدهم فى هذه الساعة هل هى باقية أو رفعت ، و على البقاء هل
هى فى كل جمعة أو فى جمعة واحدة من كل سنة ، وعلى الأول هل هى وقت
من اليوم معين أو مبهم ، و على التعيين هل تستوعب الوقت ، أو تبهم فيه ،
وعلى الابهام ما ابتداؤها وما انتهاؤها، وعلى كل ذلك هل تستمر أو تنتقل،
وعلى الانتقال هل تستغرق اليوم أو بعضه، وها أنا أذكر لك ما اتصل إلى من
الأقوال ثم أعود إلى الجمع بينها و الترجيح
فالأول - إنها رفعت، حكاه ابن عبد البر عن قوم وزيفه ، وقال عياض:
رد السلف على قائله ، وقال صاحب الحدى : إن أراد قائله إنها كانت معلومة فرفع
عليها عن الأمة فصارت مبهمة احتمل وإن أراد حقيقتها فهو مردود على قائله .
القول الثانى - إنها موجودة، لكن فى جمعة واحدة من كل سنة ، قاله كعب
الأحبار لأبى هريرة فرد عليه فرجع إليه - الثالث - إنها مخفية فى جميع اليوم كما
أخفيت ليلة القدر فى العشر . وهو قضية كلام جمع من العلماء : كالرافعى وصاحب
المغنى وغيرهما حيث قالوا: يستحب أن يكثر من الدعاء يوم الجمعة رجاء أن يصادف
ساعة الاجابة ، ومن حجة هذا القول تشبيهها بليلة القدر، و اسم الأعظم فى
الأسماء الحسنى، والحكمة فى ذلك بعث العباد على الاجتهاد فى الطلب واستيعاب
الوقت فى العبادة الرابع - إنها تنتقل فى يوم الجمعة ولا تلزم ساعة معينة لا
ظاهرة ولا مخفية، قال الغزالى هذا أشبه الأقوال ، وجزم به ابن عساكر وغيره
وقال المحب الطبرى: إنه الأظهر. الخامس - إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة، ذكره شيخنا
الحافظ أبو الفضل فى شرح الترمذى و شيخنا سراج الدين ابن الملقن فى شرحه على
البخارى ، ونسباء لتخريج ابن أبى شيبة عن عائشة، وقد رواه الرؤياف فى مسنده
عنها فأطلق الصلاة ولم يقيدها، ورواه ابن المنذر فقيدها بصلاة الجمعة . السادس -
من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. السابع - مثله ، وزاد ومن العصر إلى الغروب.
الثامن - مثله، وزاد وما بين أن ينزل الامام من المتبر إلى أن يكبر. الناسع - إنها
بذل المجهود
( ١٥ )
الجزء السادس
أول ساعة بعد طلوع الشمس. العاشر - عند طلوع الشمس. الحادى عشر - إنها فى آخر
الساعة الثالثة من النهار . الثانى عشر - من الزوال إلى أن بصير الظل نصف ذراع .
الثالث عشر - مثله لكن قال إلى أن يصير الظل ذراعاً، الرابع عشر - بعد زوال
الشمس بشبر إلى ذراع، الخامس عشر - إذا زالت الشمس. السادس عشر - إذا
أذن المؤذن لصلاة الجمعة ، وهذا يغاير الذى قبله من حيث إن الأذان قد يتأخر
عن الزوال ، قال الزين بن المنير : وينعين حمله على الأذان الذى بين يدى الخطيب
السابع عشر - من الزوال إلى أن يدخل الرجل فى الصلاة ، وحكاه بن الصباغ : بلفظ إلى
أن يدخل الامام الثامن عشر - من الزوال إلى خروج الامام. التاسع عشر -
من الزوال إلى غروب الشمس. العشرون - ما بين خروج الامام إلى أن تقام
الصلاة الحادى والعشرون - عند خروج الامام . الثانى والعشرون - ما بين خروج
الامام إلى أن تنقضى الصلاة. الثالث والعشرون - ما بين أن يحرم البيع إلى أن
يحل. الرابع والعشرون - ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة . الخامس والعشرون -
ما بين أن يجلس الامام على المنبر إلى أن تنقضى الصلاة ، رواه مسلم وأبو داؤد
من طريق مخرمة بن بكير عن أبيه عن أبى بردة بن أبى موسى أن ابن عمر سأله عما
سمع من أبيه فى ساعة الجمعة ، فقال سمعت أبى يقول سمعت رسول الله مَيضع فذكره،
و هذا القول يمكن أن يتحد مع الذين قبله ، السادس والعشرون - عند التأذين
وعند تذكير الامام وعند الاقامة، السابع والعشرون - إذا أذن وإذا رقى المنبر وإذا
أقيمت الصلاة . الثامن والعشرون - من حين يفتح الأمام الخطبة حتى يفرغ ،
التاسع والعشرون - إذا بلغ الخطيب المتبر وأخذ فى الخطبة. الثلاثون - عند
الجلوس بين الخطبتين . الحادى والثلاثون - إنها عند نزول الامام من المنبر . الثانى
و الثلاثون - حين تقام الصلاة حتى يقوم الامام فى مقامه . الثالث والثلاثون -
من إقامة الصف إلى تمام الصلاة الرابع والثلاثون - هى الساعة التى كان يصلى
التى مَّ فيها الجمعة، وهذا يغاير الذى قبله من جهة إطلاق ذاك وتقييد
بعد المجد
(١٩ )
الجزء السادس
هذا . الخامس والثلاثون - من صلاة العصر إلى غروب الشمس ، وذكر ابن عبد
البر أن قوله فالتمسوها إلى آخره مدرج فى الخبر الذى رواه ابن جرير من طريق
صفوان بن سليم عن أبى سلمة عن أبى سعيد مرفوعاً، بلفظ فالتمسوها بعد العصر من
قول أبى سلمة السادس والثلاثون - فى صلاة العصر . السابع والثلاثون - بعد
العصر إلى وقت الاختيار حكاه الغزالى فى الاحياء. الثامن والثلاثون - بعد العصر
مطلقاً . التاسع والثلاثون - من وسط النهار إلى قرب آخر النهار . والأربعون -
من حين تصفر الشمس إلى أن تغيب وهو قريب من الذى بعده . الحادى
والأربعون آخر ساعة بعد العصر ، رواه أبوداؤد والنسائى و الحاكم باسناد حسن
عن أبى سلمة عن جابر مرفوعاً، ورواه مالك وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن
جان من طريق محمد بن إبراهيم عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن عبد الله بن سلام
قوله: وفيه مناظرة أبى هريزة له فى ذلك ، و احتجاج عبد الله بن سلام بأن
منتظر الصلاة في صلاة . الثانى والأربعون - من حين يغيب نصف قرص الشمس
أو من حين تدلى الشمس للغروب إلى أن يتكامل غروبها ، وهذا جميع ما اتصل
إلى من الأقوال فى ساعة الجمعة ، وليست كلها متغايرة من كل جهة بل كثير منها
يمكن أن يتحد مع غيره ، ثم ظفرت بعد كتابة هذا بقول زائد لصاحبنا العلامة
الحافظ شمس الدين الجزرى فى كتابه المسمى بالحمن الحصين ما نصه : والذى
اعتقده أنها وقت قراءة الامام الفاتحة فى صلاة الجمعة إلى أن يقول آمين جمعاً بين
الأحاديث التى صحت، ولا شك أن أرجح الأقوال المذكورة، حديث أبى موسى
وحديث عبد الله بن سلام كما تقدم ، قال المحب الطبرى: أصح الأحاديث فيها حديث
أبى موسى، وهو الخامس والعشرون، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن
سلام و هو الحادى والأربعون، وما عداهما إما موافق لهما أو لأحدهما ، أو
ضعيف الاسناد أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف ، ولا يعارضها
حديث أبى سعيد فى كونه مَوقّع أنسيها بعد أن علمها لاحتمال أن يكونا معا ذلك
بذل المجهود
( ١٧ )
الجزء السادس
( باب فضل الجمعة ) حدثنا مسدد نا أبو معاوية عن
منه قبل أن أنسى ، وأشار إلى ذلك البيهقى وغيره ، وقد اختلف السلف فى أيهما
أرجح فقال مسلم : حديث أبى موسى أجود شئى فى هذا الباب وأصحه ، وبذلك
قال البيهقى و ابن العربى وجماعة : و قال القرطبى: هو نص فى موضع الخلاف
فلا يلتفت إلى غيره ، وقال النووى : هو الصحيح بل الصواب وجزم فى الروضة
أنه الصواب ورجحه أيضاً بكونه مر فوعاً صريحاً ، وفى أحد الصحيحين، وذهب آخرون
إلى ترجيح قول عبد الله بن سلام، لحكى الترمذى عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث
على ذلك ، وقال ابن عبد البر: إنه أثبت شئى فى هذا الباب ، وروى سعيد بن
منصور باسناد صحيح إلى أبى سلمة بن عبد الرحمن أن ناسا من الصحابة اجتمعوا
فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة ، ورجحه
كثير من الأئمة أيضاً كأحمد وإسحاق، ومن المالكية الطرطوشى، وحكى العلائى
أن شيخه ابن الزملكانى شيخ الشافعية فى وقته كان يختاره ويحكيه عن نص الشافعى،
وأجابوا عن كونه ليس فى أحد الصحيحين بأن الترجيح بما فى الصحيحين أو أحدهما
إنما هو حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ كحديث أبى موسى هذا فانه أعل بالانقطاع
والاضطراب ، أما الانقطاع فلان مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه ، وأما
الاضطراب فقد رواه أبو إسحاق و واصل الأحدب ومعاوية بن قرة وغيرهم عن
أبي بردة من قوله : وهؤلاء من أهل الكوفة و أبو بردة كوفى فهم أعلم بحديثه من
بكير المدنى ، وهم عدد ، وهو واحد ، وبهذا جزم الدارقطنى بأن الموقوف هو
الصواب ، وسلك صاحب الهدى مسلكا آخر ، فاختار أن ساعة الاجابة منحصرة فى
أحد الوقتين المذكورين وأن أحدهما لا يعارض الآخر وسبق إلى نحو ذلك الامام
أحمد وهو أولى فى طريق الجمع .
[ باب فضل الجمعة (١)] أى فضل صلاة الجمعة [حدثنا مسدد نا أبو معاوية
(١) يشكل عليه ما فى المؤطا عن عثمان أن النصت مثل ما السامع.
بذل المجهود
(١٨ )
الجزء السادس
الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال رسول الله
وثّ من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة قال فاستمع
وأنصت غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة ، وزيادة ثلاثة
أيام ، ومن مس الحصى فقد لغا .
حدثنا إبراهيم بن موسى أنا عيسى نا عبد الرحمن بن يزيد
بن جابر حدثنى عطاء الخراسانى عن مولى امرأته أم عثمان
عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال رسول الله مَّ من توضأ فأحسن
الوضوء ] أى أكمله [ ثم أتى الجمعة] أى أتى المسجد لصلاة الجمعة [ قال] هكذا
فى أكثر النسخ الهندية وليس فى المصرية والكانفورية ، والضمير إلى رسول الله
وَُّ [ فاستمع وأنصت] ولم يلغ فيها [ غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة (١)]
أى ما كان فيها من الخطايا والزلات [ وزيادة ثلاثة أيام] أى غفر له ما صدر
منه من الخطابا فى ثلاثة أيام زائدة على الأسبوع لأن الحسنة بعشرة أمثالها (٢)
[ومن مس الحصى] أى لتسويتها سواء مسها فى الصلاة أو قبلها بطريق اللعب فى حال
الخطبة [ فقد لغا ] أى ارتكب (٣) اللغو المنهى عنه فلا يحصل له كمال الفضيلة.
[ حدثنا إبراهيم بن موسى] الرازى [ أنا عيسى] بن يونس بن أبى إسحاق
[ نا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنى عطاء] ين أبى مسلم [الخراسانى] واسم
أبى مسلم ميسرة - أبو عثمان [ عن مولى امرأته أم عثمان] ولم أقف على ترجمة
(١) الماضية كما فى رواية المشكاة .
(٢) هذا اذا احتسب من صلاة الجمعة إلى مثلها لكنها إذا احتسب من صبحة جمعة
إلى الجمعة الأخرى تزيد على عشرة ، كذا فى العرف الشذى .
(٣) قال فى المجمع: أى تكلم أو عدل عن الصواب أو غاب، والأصل الأول
جعل المس كالغر لأنه يشغله عن سماع الخطبة كما يشغله الكلام .
م
بذل المجهود
( ١٩ )
الجزء السادس
قال سمعت علياً رضى الله عنه على منبر الكوفة يقول :
إذا كان يوم الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق
فيرمون (١) الناس بالترابيث أو الربائث ويشبطونهم عن
الجمعة وتغدو الملائكة فتجلس (٢) على باب (٣) المسجد
مولى امرأة عطاء أم عثمان فيما عندى من الكتب، لكن قال الشوكانى فى النيل: حديث
على فى إسناده رجل مجهول لأن عطاء الخراسانى رواه عن مولى امرأته أم عثمان
قال سمعت علياً، الحديث [قال] أى مولى امرأة عطاء [ سمعت علياً رضى الله
عنه على منبر الكوفة ، يقول : إذا كان يوم الجمعة غدت الشياطين] أى يمشون
[ براياتها ] جمع راية، وهى العلم الذى فى العسكر، ويحتمل أن يكون معناه
الغل و الطوق الذى فى العنق ، وهذا المعنى أقرب ، قال فى المجمع: وفيه
الدين راية الله فى الأرض يجعلها فى عنق من أذله ، أنّهى، وقال فى القاموس:
والقلادة هى التى توضع فى عنق الغلام الآبق ، قال ابن الأثير : الراية مديدة مستديرة
على قدر العنق تجعل فيه ، ومنه حديث قتادة فى العبد الآبق ، كره له الراية
ورخص فى القيد وهما من تأليف يأبين وراء ، قاله فى اللسان [ إلى الأسواق
فيرمون ] قال فى المجمع عن شرح الجامع الصغير: فإنما هو يربون [ الناس] أى
مكان يرمون الناس [ بالترابيث أو الربائث] قال فى فتح الودود: قال الخطابي:
إنما هو الربائث جميع ربيئة وهى ما يعوق الانسان عن الوجه الذى يتوجه إليه ،
و أما الترابيث فليس بشئى، وقال فى النهاية: يجوز إن صحت الرواية أن يكون
جمع تربيثة و هى المرة الواحدة من التربيث، يقال ربئه عن الأمر تريناً،
وتربيئة واحدة إذا حبسه وثبطه [ يشبطونهم] أى يعوقونهم [عن الجمعة] أى عن
(١) و فى نسخة : فيربون .
(٢) و فى نسخة : فيجلسون .
(٣) و فى نسخة : أبواب.
بذل المجهود
( ٢٠)
الجزء السادس
فيكتبون الرجل من ساعة ، و الرجل من ساعتين حتى
يخرج الامام فاذا جلس الرجل مجلساً يستمكن فيه من
الاستماع و النظر فأنصت ولم يلغ كان له كفلان من
أجر (١)، وإن جلس مجلساً يستمكن فيه من الاستماع
و النظر فلغا ولم ينصت كان له كفل من وزر ،
ومن قال يوم الجمعة لصاحبه صه فقد لغا و من لغا فليس
صلاتها [وتغدو الملائكة فتجلس على باب المسجد فيكتبون الرجل] الداخل فى المسجد [من
ساعة (٢) ] أى بعدساعة الأذان أو من أهل ساعة واحدة، والمراد بالساعة الساعة العرفية
[والرجل] الداخل [من ساعتين] أى يكتبون الرجل الداخل فى المسجد بعد الساعتين أو
يكتبون الرجل من أهل الساعتين [ حتى يخرج الامام] أى للخطبة [ فإذا جلس
الرجل مجلساً يستمكن فيه من الاستماع ] للخطبة [والنظر] إلى الامام [فأنصت]
أى سكت سكوت مستمع [ ولم يلغ] أى لم يرتكب اللغو من الفعل والقول وإن
كان من قبيل الأمر بالمعروف [ كان له كفلان] أى نصيبان [ من أجر و إن
جلس مجلساً يستمكن فيه من الاستماع ] للخطبة [ والنظر] الى الامام [ فلنا ولم
ينصت كان له كفل ] أى نصيب، وفى البيقى كفلان أو كفل [ من وزر ]
الوزر الحمل و الثقل، ويطلق كثيرا على الاثم والذنب [ ومن قال: يوم الجمعة
لصاحبه ] أى لمن هو قريبه [ صه ] أى هذه الكلمة الخفيفة المركبة من حرفين
ومعناها اسكت [فقد لغا] وإن كان هذا من قبيل الأمر بالمعروف [ ومن
(١) وفى نسخة: الأجر. وفى نسخة: فان نأى وجلس حيث لا يسمع
فأنصت ولم يبلغ كان له كفل من أجر ، وإن جلس مجلساً يستمكن فيه من
الاستماع و النظر فلغا ولم ينصت كان عليه كفلان من وزر .
(٢) من الصباح عند الجمهور و من الزوال عند مالك .