النص المفهرس

صفحات 221-240

بذل المجهود
( ٢٢١)
الجزء الرابع
عبد الله يقول إن معاذا كان يصلى مع النبى 45 ثم
يرجع فيؤم قومه .
مولاهم ثقة ثبت، مات سنة ١٢٦ه [ سمع جابر بن عبد الله يقول إن معاذاً (١)
كان يصلى مع النبى مَ ◌ّ] أى العشاء [ ثم يرجع فيؤم قومه] أى فى تلك الصلاة
قال العبى : استدل الشافعى بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمنتفل بناء على
أن معاذاً كان ينوى بالأولى الفرض وبالثانية النفل وبه قال أحمد فى رواية واختاره
ابن المنذر وهو قول عطاء و طاؤس وسليمان بن حرب و داؤد ، و قال أصحابنا
لا يصلى المفترض خلف المتنفل ، وبه قال مالك : فى رواية وأحمد فى رواية أبي
الحارث عنه، وقال ابن قدامة (١) اختار هذه الرواية أكثر أصحابنا وهو قول.
الزهرى و الحسن البصرى وسعيد بن المسيب والنخعى و أبى قلابة ويحى بن سعيد
(١) قال ابن العربى: لا خلاف فى صحة هذا الحديث و اختلفوا فى توجيهه على
خمسة أقوال ، الأول : المفترض خلف المتنقل وبه قال الشافعى: وأباه مالك
و أبو حنيفة وليس فى حديثه بيان النية ، وقال جابر : هى له تطوع ولحم
فريضة إخبار بالمغيب ، الثانى: من المحتمل أن يصلى معاذ معه - عليه الصلاة
و السلام - صلاة النهار و معهم صلاة الليل إذ كانوا أصحاب أعمال لا يأتون
الصلاة فى النهار فأخبر الراوى حال معاذ فى الوقتين، الثالث : حكاية حال لا يعلم
كيفيتها فلا عمل عليها ، الرابع : يعارضه إنما جعل الإمام ليؤتم به ولا يحل
مخالفته فى الركوع والسجود فكيف يحل مخالفة الفية إلخ ، الخامس : يعارض قوله
عليه الصلاة والسلام الامام ضامن إلخ ، السادس : يعارض قوله - عليه الصلاة
والسلام - لا تصلوا صلاة فى يوم مرتين تقدم قريباً .
(٢) قال الشعرانى: قول أبى حنيفة ومالك وأحمد لا يجوز إقتداء المفترض
بالمتنفل، كما لا يجوز أداء فرض خلف من يقرأ فرضاً آخر ، وقال الشافعى :
يجوز و شتى من هذا البحث فى الأوجز .

بذل المجهود
(
( ٢٢٢
الجزء الرابع
الأنصارى وقال الطحاوى : وبه قال مجاهد و طاؤس : قال الحافظ ابن حجر فى
الفتح: وأما احتجاج أصحابنا لذلك بقوله ◌َّ إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا
المكتوبة فليس يجيد لأن حاصله الفهى عن التلبس بصلاة غير التى أقيمت من غير
تعرض لنية فرض أو نفل ولو تعينت نية الفرض لامانع على معاذ أن يصلى الثانية
بقومه لأنها حينئذ ليست فرضاً له ، وكذلك قول بعض أصحابنا لا يظن بمعاذ أن
يترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمة فى المسجد الذى هو من أفضل المساجد فانه
وإن كان فيه نوع ترجيح لكن الخالف أن يقول إذا كان ذلك بأمر النبي محر ◌ّم
لم يمتنع أن يحصل له الفضل بالاتباع وكذلك قول الخطابى أن العشاء فى قوله
كان يصلى مع النبى مَّ العشاء حقيقة فى المفروضة فلا يقال كان ينوى بها التطوع
لأن لمخالفه أن يقول هذا لا ينافى أن ينوى بها التنفل ، وأما قول ابن حزم إن
المخالفين لا يجيزون لمن عليه فرض إذا أقيم أن يصليه متطوعاً فكيف ينسبون إلى معاذ
ما لا يجوز عندهم فهذا إن كان كما قال نقض قوى و أسلم الأجوبة التمسك بالزيادة
المتقدمة وهو ما رواه عبد الرزاق و الشافعى و الطحاوى و الدارقطنى وغيرهم من
طريق ابن جريج عن عمرو بن دينا عن جابر فى حديث الباب زاد وهى له تطوع
ولهم فريضة وهو حديث صحيح رجاله رجال الصحيح، وقد صرح ابن جريج
فى رواية عبد الرزاق بسماعه فيه فاتفى تهمنة تدليسه فقول ابن الجوزى إنه لا يصح
مردود واعترض عليه الطحاوى بأن ابن عيينة قد روى هذا الحديث عن عمرو
بن دينار ، كما رواه ابن جريج وجاء به تاماً وساقه أحسن من سياق ابن جريج غير
أنه لم يقل فيه هذا الذى قاله ابن جريج هى له تطوع ولهم فريضة فيجوز أن
يكون ذلك من قول ابن جريج(١) ويجوز أن يكون من قول عمرو بن دينار ويجوز
أن يكون من قول جابر فمن أى هؤلاء الثلاثة كان القول فليس فيه دليل على حقيقة
(١) وجزم فى فيض البارى بأنه مدرج عن ابن جريج وفى العرف الشذى أنها
ليست فى رواية الشافعى أيضاً .

بذل المجهود
( ٢٢٣ )
الجزء الرابع
فعل معاذ أنه كذلك أم لا لأنهم لم يحكموا ذلك عن معاذ إنما قالوا قولا على أنه
عندهم كذلك وقد يجوز أن يكون فى الحقيقة بخلاف ذلك ولو ثبت ذلك أيضاً
عن معاذ لم يكن فى ذلك أنه كان بأمر رسول الله مؤلف ولا أن رسول الله من فضله
لو أخبره به لأقره عليه أو غيره، وقد روينا عن رسول الله مَ له ما يدل على
خلاف ذلك حدثنا فهد قال : ثنا يحيى بن صالح الوحاظى ح وثنا على بن عبد
الرحمن ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قالا ثنا سليمان بن بلال ثنا عمرو بن يحي
المازنى عن معاذ بن رفاعة الزرقى أن رجلا من فى سلمة يقال له سليم أتى رسول
اللّه مَلِلّ، فقال: أنا نظل فى أعمالنا فأتى حين يمسى فتصلى فيأتى معاذ بن جبل فينادى
بالصلاة فنأتيه فيطول علينا، فقال له النبي مَّم يا معاذ لا تكن فتانا، إما أن
تصلى معى، وإما أن تخفف عن قومك فقول رسول اللّه ◌َالله هذا لمعاذ يدل على
أنه عند رسول الله مَّ كان يفعل أحد الأمرين إما الصلاة معه أو بقومه وأنه
لم يكن يجمعهما لأنه قال: إما أن تصلى معى ولا تصل بقومك، وإما أن تخفف
بقومك ولا تصلى معى فلما لم يكن فى الآثار الأول من قول رسول اللّه مؤ لم شئى
وكان فى هذا الأثر ما ذكرنا ثبت بهذا الأثر أنه لم يكن من رسول الله مؤلفه فى
ذلك لمعاذ شئ متقدم ولا علمنا أنه كان فى ذلك أيضاً منه شئ متأخر فيجب به
الحجة علينا ولو كان فى ذلك من رسول اللّه مَ اقهل أمر كما قال أهل المقالة الأولى
لاحتمل أن يكون ذلك كان من رسول اللّه مَ ◌ّه فى وقت ما كانت الفريضة تصلى
مرتين فار ذلك قد كان يفعل فى أول الاسلام حتى نهى عنه رسول اللّه مؤ ئه وقد
ذكرنا ذلك بأسانيده فى باب صلاة الخوف ففعل معاذ الذى ذكرنا يحتمل أن يكون
قبل النهى عن ذلك ثم كان النهى فنسخه ويحتمل أن يكون كان بعد ذلك فليس
لأحد أن يجعله فى أحد الوقتين إلا كان لمخالفه أن يجعله فى الوقت الآخر .
انتهى ملخصاً

بذل المجهود
(٢٢٤ )
الجزء الرابع
قلت : وحاصل كلام (١) الطحاوى منوع على الاستدلال بهذا الحديث وبالزيادة
التى زادها ابن جريج فى روايته وحاصل المنع الأول أن الزيادة التى استدل بها غير
حقيق بالاستدلال فان ابن عيينة روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار تاماً وساقه
أحسن من سياق ابن جريج غير أنه لميقل فيه هذا الذى قاله ابن جريج هى له تطوع
ولهم فريضة ، فلما جاء به تاماً وسنه أحسن من سياق ابن جريج فغير ممكن أن ابن
عينة يترك هذه الزيادة التى عليها مدار الاستدلال وهذا يقتضى ريبة فى نقل ابن
جريج توجب التوقف عنها و أجاب الحافظ ابن حجر فى الفتح عن هذا بأن ابن
جريج أسن و أجل من ابن عيينة و أقدم أخذاً عن عمرو منه ولو لم يكن كذلك
فهى زيادة من ثقة حافظ ليست منافية لرواية من هو أحفظ ولا أكثر عدداً
فلا معنى للتوقف فى صحتها، قال العينى فى جوابه هذه مكابرة لتمشية كلامه فى حق
الطحاوى فان هذه الزيادة قد تكلموا فيها فزعم أبو البركات ابن تيمية أن الامام
أحمد ضعف هذه الزيادة ، وقال : أخشى أن لا تكون محفوظة لأن ابن جريج يزيد
فيها كلاماً لا يقوله أحد ، وقال ابن قدامة فى المغنى: و روى الحديث منصور
بن زاذان وشعبة فلم يقولا ما قال ابن جريج : وقال ابن الجوزى : هذه الزيادة
لا تصح و لو حت لكانت ظنا من جابر وبنحوه ذكره ابن العربى فى العارضة فهل
ذكر هذا عند قول أحمد وهو أجل من ابن جريج وابن عينه هذه الزيادة ضعيفة
أو عند كلام ابن الجوزى أن هذه الزيادة لا تصح أو عند كلام ابن العربى على
ما ذكرنا وهذا الرافعى الذى هو من أكابر أمتهم و ممن يعتمد عليهم ، قال فى
شرح هذا الحديث : هذا غير محمول على ما قالوا لأن الفرض لا يقطع بعد الشروع
فيه و كون ابن جريج أسن من ابن عيينة و أقدم أخذاً عن عمرو بن دينار منه
(١) و الحاصل أجاب عنه ابن العربى بخمسة و الطحاوى بأربعة، والعاشر أنه
يخالف لا تصلوا الصلاة مرتين، والحادى عشرأنه عليه الصلاة والسلام ردعليه بقوله
إما أن تصلى معنا وإما أن تخفف عن قولك ، والثانى عشريخالف إذا أقيمت الصلاة .
٤

بذل المجهود
( ٢٢٥ )
الجزء الرابع
بعد التسليم لا يستلزم نفى ما قاله الطحاوى ، انتهى، فثبت بهذا أن هذه الزيادة غير
ثابتة ولا صحيحة بل هى زيادة شاذة لأن هذا الحديث رواه غير واحد من الحفاظ
من أصحاب عمرو بن دينار عنه بدون هذه الزيادة كشعبة عند البخارى فى صحيحه
و سليم بن حبان فى الأدب وابن عينة ومنصور و أيوب عند مسلم وغيرهم عند
غيرهما ، وكذلك أصحاب جابر من الثقات الاثبات كلهم لم يذكروا هذه الزيادة مع
توفر دواعيهم على الأخذ فظهر كالشمس أن هذه الزيادة شاذة لا يعتبر بها ،
وحاصل الثانى أن هذه الزيادة ليست من كلام رسول اللّه مٍَّ ولا من كلام معاذ
وهذا ظاهر جداً فيحتمل أن يكون من قول ابن جريج أومن قول ابن دينار أومن
قول جابر فمن أى هؤلاء الثلاثة كان القول فليس فيه دليل على حقيقة فعل معاذ أنه
كذلك أم لا لأنهم لم يحكوا ذلك عن معاذ إنما قالوا قولا على أنه عندهم كذلك ،
وقد يجوز أن يكون فى الحقيقة بخلاف ذلك فأجاب عنه الحافظ ابن حجر ، وأما
رد الطحاوى لها باحتمال أن تكون مدرجة بجوابه أن الأصل عدم الادواج حتى يثبت
التفصيل فمهما كان «عموماً إلى الحديث فهو منه لاسيما إذا روى من وجهين والأمر ههنا
كذلك فأن الشافعى أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعاً لعمرو بن دينار عنه ورده العيفى بقوله
قلت لادليل على كونها غير مدرجة لجواز أن يكون من ابن جريج وجواز أن يكون من عمرو
بن دينار ويجوز أن يكون من قول جابر فمن أى هؤلاء الثلاثة كان هذا القول فليس
فيه دليل على حقيقة ما كان يفعل معاذ وقول الحافظ فمهما كان مضموماً إلى الحديث
فهو منه غير صحيح لأنه بوجب أن لا يوجد مدرج أصلا ، انتهى ، قلت : وأما
قول الحافظ فان الشافعى أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعاً لعمرو بن دينار
عنه رده فى آثار السنن بقوله قلت هذا الوجه الآخر لا يصلح أن يذكر فى المتابعة
لأن الشافعى أخرجها عن إبراهيم بن أبى يحمي الأسلمى عن ابن عجلان عن عبيد الله
بن مقسم عن جابر وإبراهيم بن أبى يحي الأسلمى متروك، قال الذهبي فى الميزان:
قال يحيى بن معين : سمعت القطان يقول إبراهيم بن أبي يحيى كذاب ، وروى

بذل المجهود
( ٢٢٦ )
الجزء الرابع
أبو طالب عن أحمد بن حنبل قال تركوا حديثه، وقال البخارى : تركه ابن المبارك
والناس وروى عباس عن ابن معين كذاب رافضى ، وقال محمد بن عثمان بن أبى شيبة
سمعت علياً يقول إبراهيم بن أبى يحيى كذاب وكان يقول بالقدر وأخوه أنيس ثقة
وقال النسائى و الدارقطنى وغيرهما متروك، انتهى، قلت: فاصل الكلام أن هذه
الزيادة قد تفرد بها ابن جريج و لا يتابع عليها بمتابع صحيح ، انتهى .
وحاصل المنع الثالث . لو ثبت أن هذه الزياة نقله جابر عن معاذ وسمعه منه
لم يكن فى ذلك دليل أنه كان بأمر رسول اللّه مَّةٍ و لا أن رسول الله لو أخبره
به لأقره عليه أو غيره فهذا الفعل لوثبت أن معاذاً فعله فى عهد رسول الله عز له لم يكن
فى ذلك دليل على أنه بأمر رسول اللّه مَ وأجاب عنه الحافظ ابن حجر بقوله
بجوابه أنهم لا يختلفون فى أن رأى الصحابى إذا لم يخالفه غيره حجة والواقع هاهنا كذلك
فان الذين يصلى بهم معاذ كلهم صحابة فيهم ثلاثون عقياً و أربعون بدرياً قاله ابن
حزم قال ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك بل قال معهم بالجواز عمر
وابن عمر وأبو الدرداء وأنس وغيرهم، انتهى، فرده العينى بقوله «قلت يحتمل
أن يكون عدم مخالفة غيره له بناء على ظنهم أن فعله كان بأمر النبى معَّه ويكون
من هذا الوجه أيضاً عدم امتناع غيره من ذلك وأقول يمكن أن يجاب بأن سكوت
الصحابة وعدم مخالفتهم ليس فيه دليل لأن رسول اللّه مَّم لما بلغه هذه القصة
غضب على معاذ وقال له لا تكن فتاناً، إما أن تصلى معى و إما أن تخفف على
قومك فلما ثبت عن رسول اللّه مَّ إنكاره على معاذ فكوت الصحابة لا يكون حجة
وسيأتى بحث هذا الحديث، وحاصل المنع الرابع لو سلمنا أن الذى كان يفعل معاذ
من الصلاة مرتين كان بأمر رسول اللّه مَّه و باذنه فيمكن أن يكون ذلك كان من
رسول اللّه عَّه فى وقت كانت الفريضة تصلى مرتين فإن ذلك قد كان يفعل فى أول
الاسلام حتى نهى عنه رسول اللّه مَّ و قد ذكرنا ذلك بأسانيده فى باب صلاة
الخوف ففعل معاذ الذى ذكرنا يحتمل أن يكون قبل النهى عن ذلك ثم كان النهى

بذل المجهود
( ٢٢٧ )
الجزء الرابع
فنسخه، ويحتمل أن يكون كان بعد ذلك فليس لأحد أن يجعله فى أحد الوقتين إلا
كان لمخالفه أن يجعله فى الوقت الآخر ، انتهى ونقل الحافظ ابن حجر الجواب عن
هذا المنع بقوله فقد تعقبه ابن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال وهو
لا يسوغ وبأنه يلزمه إقامة الدليل على ما ادعاه من إعادة الفريضة ثم اعترض
الحافظ على الجواب الثانى بقوله وكأنه لم يقف على كتابه فانه قد ساق فيه دليل ذلك
وهو حديث ابن عمر رفعه لا تصلوا الصلاة فى اليوم مرتين ، ومن وجه آخر مرسل
أن أهل العالية كانوا يصلون فى بيوتهم ثم يصلون مع النبى مَّ فبلغه ذلك فنهاهم ثم
قال الحافظ ففى الاستدلال بذلك على تقدير صحته نظر لاحتمال أن يكون النهى عن
أن يصلوها مرتين على أنها فريضة وبذلك جزم البيهقى جمعاً بين الحديثين بل لوقال قائل
هذا النهى منسوخ بحديث معاذ لم يكن بعيداً ولا يقال القصة •قديمة لأن صاحبها (١)
استشهد بأحد لأنا نقول كان أحد فى أواخر الثالثة فلا مانع فى أن يكون المنع فى
الأولى والاذن فى الثالثة مثلا انتهى، فرد العلامة العينى الجواب الأول الذى أجاب
به ابن دقيق العيد بقوله ((قلت)، يستدل على ذلك بوجه حسن وذلك لأن إسلام
معاذ متقدم وقد صلى النبى معَّ بعد سنين من الهجرة صلاة الخوف غير مرة من
وجه وقع فيه مخالفة ظاهرة بالأفعال المناقضة للصلاة فيقال لو جازت صلاة المفترض
خلف المتنفل لأمكن ايقاع الصلاة مرتين على وجه لا تقع فيه المناقضات المفسدات
فى غير هذه الحالة و حيث صليت على هذا الوجه مع إمكان دفع المفسدات فى تقدير
جواز اقتداء المفترض بالمنتفل دل على أنه لا يجوز ذلك ، انتهى ، فقال الحافظ فى
جوابه بقوله وأما تقوية بعضهم لكونه منسوخاً بأن صلاة الخوف وقعت مراراً
على صفة فيها مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية فى حال الأمن فلو جازت صلاة المفترض
خلف المتنفل لصلى الفبى معَ ◌ّه بهم مرتين على وجه لا تقع فيه منافاة فلما لم يفعل دل
(١) يعنى الذى شكا معاذاً إلى النبى معَفيه وهو سليم كما فى العرف الشذى وسيأتى
الاختلاف فيه فى «باب فى تخفيف الصلاة».

بذل المجهود
( ٢٢٨ )
الجزء الرابع
ذلك على المنح جوابه أنه ثبت أنه مَ لقّ صلى بهم صلاة الخوف مرتين كما أخرجه أبوداؤد
عن أبى بكرة ولمسلم عن جابر تحوه ، وأما صلاته بهم على نوع من المخالفة فلبيان
الجواز ، انتهى .
و أجاب الطحاوى عن رواية أبى بكرة و جابر بن عبد الله بعد ما ساقهما
بقوله ولاحجة لهم عندنا فى هذه الآثار لأنه يجوز أن يكون النبى محمد مت صلاها كذلك
لأنه لم يكن فى سفر يقصر فى مثله الصلاة فصلى بكل طائفة ركعتين ثم قضوا بعد
ذلك ركعتين ركعتين ، و هكذا نقول نحن إذا حضر العدو فى مصر فأراد أهل ذلك
المصر أن يصلوا صلاة الخوف فعلوا هكذا يغنى بعد أن تكون تلك الصلاة ظهراً و
عصراً و عشاءاً قالوا فان القضاء ما ذكر قيل لهم قد يجوز أن يكونوا قد قضوا ولم
ينقل ذلك فى الخبر وقد يجينى فى الأخبار مثل هذا كثيراً وإن كانوا لم يقضوا فان
ذلك عندنا لا حجة لهم فيه أيضاً لأنه يجوز أن يكون ذلك كان من رسول اللّه مؤلفه
و الفريضة تصلى حينئذ مرتين فيكون كل واحدة منهما فريضة، وقد كان ذلك يفعل
فى أول الإسلام ثم نسخ انتهى .
قلت: وكذلك نقل القارئ عن صاحب المصابيح الشافعى قال فى شرح السنة
يحتمل أن يكون هذا فى حال كون النبى مَ ضَ مقيما والمقيم يصلى صلاة الخوف فى
المصر كذلك إلا أنه لم يذكر فى الحديث أن القوم قضوا ويجوز أن يكونوا قضوا
ومثل هذا جائز فى الأحاديث ويحتمل أن يكون ذلك قبل نزول الآية بالقصر فهذا
بحمد الله شافعى منصف غاية الانصاف ومجتهد مجتمع جميع الأوصاف حمل الحديث
على ما اخترناه فيه و صاحب البيت أدرى بما فيه ، انتهى ، قات و هذا الجواب
الذى أجاب به الطحاوى أولا و صاحب المصابيح يتمشى على الروايات التى ساقها
الطحاوى عن أبى بكرة و جابر بأنه ليس فيها لفظ ثم سلم وكذلك ما أخرجه
الشيخان من رواية جابر فانهما لم يذكر فيه لفظ ثم سلم وكذلك ما أخرجه النسائى

بذل المجهود
( ٢٢٩ )
الجزء الرابع
من طريق يحيى بن سعيد ثنا الأشعث عن الحسن عن أبى بكرة ومن ظريق يونس
عن الحسن حدث جابر فان هذه الروايات كلها ليس فيها ذكر السلام على الركعتين
الأوليين وكذلك ما روى عن جابر يزيد الفقير وعطاء و أبو الزبير قانهم لم
يذكروا السلام ولا الركعتين ، وأما على الرواية التى أخرجها أبو داؤد من طريق
أشعث عن الحسن عن أبى بكرة وما رواه النسائى من هذا الطريق عن أبى بكرة
وكذلك ما أخرجه النسائى من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن جابر
فلا يتمشى الجواب فانها ذكر فيها ثم سلم على الركعتين الأوليين فلا يمكن أن يحمل على
أنهم كانوا مقيمين وقدصلوا مع رسول الله من فضله ركعتين ركعتين وقضوا ركعتين ركعتين
لأن السلام مانع عن ذلك فعلى هذه الروايات التى ذكر فيها السلام لايجاب إلا ما
أجاب به الطحاوى ثانياً بقوله وإن كانوا لم يقضوا فان ذلك عندنا لا حجة لهم فيه
أيضا لأنه يجوز أن يكون ذلك كان من رسول مَ ل و الفريضة تصلى حينئذ مرتين
فيكون كل واحدة منهما فريضة وقد كان ذلك يفعل فى أول الاسلام ثم نسخ أو
يقال إن ذكر السلام اختلفت الرواية فيه ، ولم يذكر أكثر الروات فوقع الشك
فيه فلا يفيد ثبوت الحكم والله أعلم .
فلت : وهذا تبرع من العلامة العينى فليس على المانع أن يستدل على منعه فان
الاحتمال يكفيه وقول ابن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال مجيب من
مثله فان جواز الصلاة فى اليوم مرتين و نسخه ثابت ليس فيه احتمال أصلا ، نعم
وقوع فعل معاذ إما أن يكون قبل النسخ ويحتمل أن يكون بعده فلما احتمل أن
يكون وقوعه قبل النسخ فسد الاستدلال به حتى يثبت أنه وقع بعد النسخ ودون،
إثباته خرط القتاد ثم رد العلامة العينى ما أجاب به الحافظ بقوله وفى الاستدلال
بذلك على تقدير صحته نظر بقوله ((قلت)، إن كان الرد بالاحمال وانحن أيضاً نقول
أن يكون النهى فى ذلك لأجل أن أحداً يقتدى به فى واحدة من الصلائين
اللتين صلاهما على أنهما فوض وفى نفس الأمر فرضه إحداهما من غير تعيين فيكون

بذل المجهود
( ٢٣٠ )
الجزء الرابع
الاقتداء به فى صلاة مجهولة فلا بصح، انتهى ، ثم استدل الطحاوى على أن فعل
معاذ هذا لم يكن بأمر رسول الله ولا بعلمه فانه روينا عن رسول اللّه مَفى ما يدل
على خلاف ذلك حدثنا فهد ثنايحيى بن صالح الوحافظى ح وثنا على بن عبد الرحمن ثنا
عبد الله بن مسلمة بن قعنب قالا ثنا سليمان بن بلال ثنا عمرو بن يحيى المازنى عن
معاذ بن رفاعة الزرقى أن رجلا من بنى سلمة يقال له سليم أتى رسول اللّه مؤتم فقال
إنا نظل فى أعمالنا فنأتى حين نمسى فتصلى فيأتى معاذ بن جبل فينادى بالصلاة فنأتيه
فيطول بنا فقال له النبي مُؤغير بامعاذ لاتكن فتاناً إما أن تصلى معى وإما أن تخفف عن (١)
قومك فقول رسول الله مَّم هذا لمعاذ يدل على أنه عند رسول اللّه ◌َو فى كان يفعل
أحد الأمرين إما الصلاة معه أو بقومه وأنه لم يكن يجمعهما لأنه قال إما أن تصلى
معى أى ولا تصل بقومك وإما أن تخفف بقومك أى ولا تصل معى فظما لم يكن
فى الآثار الأول من قول رسول اللّه موقع شئى وكان فى هذا الأثر ما ذكرنا ثبت
بهذا الأمر أنه لم يكن من رسول اللّه عَ لى فى ذلك لمعاذ شتى متقدم ولا علمنا أنه
كان فى ذلك أيضاً منه شئى متأخر فيجب به الحجة علينا، انتهى، فأجاب عنه الحافظ
ابن حجر بقوله وأمااستدلال الطحاوى أنه مؤ ثيم نهى معاذاً عن ذلك بقوله فى حديث
سليم بن الحارث إما أن تصلى معى وإما أن تخفف بقومك ودعواه أن معناه إما أن تصلى
معى ولاتصل بقومك وإما أن تخفف بقومك ولا تصل معى ففيه نظر لأن لمخالفه أن
يقول بل التقدير إما أن تصلى معى فقط إذالم تخفف وإما أن تخفف أن بقومك فتصلى معى
وهو أولى من تقديره لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف لأنه هو المسؤل عنه
المتنازع فيه، انتهى، فرده العينى بقوله « قلت، الذى قدره المخالف باطل لأن لفظ
الحديث لا تكن فتاناً، إما أن تصلى معى و إما أن تخفف عن قومك فهذا يدل
على أنه يفعل أحد الأمرين إما الصلاة معه أو بقومه ولا يجمعهما فدل على أن
المراد عدم الجمع والمنع وكل أمرين بينهما منع الجمع كان بين نقيضيهما منع الخلو
(١) وفى نسخة على.

بذل المجهود
( ٢٣١ )
الجزء الرابع
كما قد بين هكذا فى موضعه .
و أما الحنفية ومن وافقهم فى عدم جواز اقتداء المفترض بالمنتفل استدلوا
عليه أولا بما روى أن النبي ◌َّ صلى بالناس صلاة الخوف لجعل الناس طائفتين
وصلى بكل طائفة شطر الصلاة لينال كل فريق فضيلة الصلاة ولو جاز اقتداء
المفترض بالمنتفل لأتم، الصلاة بالطائفة الأولى ثم نوى النفل وصلى بالطائفة الثانية
لينال كل طائفة فضيلة الصلاة خلفه من غير الحاجة إلى المشى وأفعال كثيرة ليستمن
الصلاة، وثانياً بما أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح عنه مَّم قال. الامام ضامن
بمعنى أنه تضمن صلاته صلاة المقتدى والمفترض أقوى حالا من المتفل والشئى لا
يتضمن ما هو فوقه .
وثالثاً بما أخرجه الطحاوى بسنده أن النبى معَّم قال لمعاذ يا معاذ لا تكن فتاناً
إما أن تصلى معى و إما أن تخفف على قومك والذى صح عند أنمتنا وترجح
أن معاذ بن جبل كان يصلى مع النبى مَ ◌ّ نفلا وبقومه فرضاً لقوله حين شكوا
تطويله بهم يا معاذ إما أن تصلى معى و إما أن تخفف على قومك فشرع له أحد
الأمرين الصلاة معه ولا يصلى بقومه أو الصلاة بقومه على وجه التخفيف ولا
يصلى معه هذا حقيقة اللفظ أفاد منعه من الامامة إذا صلى معه عليه السلام ولا
تمتنع إمامته مطلقاً بالاتفاق فعلم أنه منعه من الفرض .
ورابعاً بما أخرجه مسلم فى صحيحه فى باب إيتمام المأموم بالامام حدثنا قتيبة
بن سعيد قال نا المغيرة يعنى الحزامى عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة أن
رسول اللّه مَ ◌ّه قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، الحديث، قال
النووى قوله عليه السلام إنما جعل الإمام ليؤتم به فمعناه عند الشافعى و طائفة فى
الأفعال الظاهرة و إلا فيجوز أن يصلى الفرض خلف النفل وعكسه والظهر خلف
العصر وعكسه وقال مالك وأبو حنيفة وآخرون لا يجوز ذلك وقالوا معنى
الحديث ليؤتم به فى الأفعال والنيات . انتهى.

بذل المجهود
(٢٣٢ )
الجزء الرابع
( باب الامام يصلى من قعود ) حدثنا القعنى عن مالك
عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن رسول اللّه مؤثر
ركب فرساً فصرع عنه فحش شقه الأيمن فصلى صلاة
من الصلوات وهو قاعد فصلينا (١) وراءه قعوداً فلما
[باب (٢) الامام يصلى من قعود ] من بمعنى الباء أو زايدة وفى نسخة
مكتوبة على الحاشية باب إذا صلى الامام قاعداً وهو أوضح
[حدثنا القعنى عن مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن رسول اللّه مريح
ركب فرساً فصرع (٣)] بصيغة المجهول أى سقط [عنه] أى عن الفرس [جحش]
بضم الجيم وكسر حاء أى انخدش وجحش متعد [ شقه ] أى جنيه [الأيمن ]
أى تأثر تأثراً منعه استطاعة القيام ، قال الحافظ قال عياض: يحتمل أن يكون أصابه
من السقطة رض فى الأعضاء منعه من القيام ، قلت : وليس كذلك و إنما كان
قدمه مَ ◌ّ انفكت وفى رواية يزيد عن حميد عن أنس جحش ساقه (3) أو كتفه وأفاد
ابن حبان أن هذه القصة كانت فى ذى الحجة سنة خمس ن الهجرة [ فصلى صلاة
من الصلوات ] وفى رواية سفيان عن الزهرى حضرت الصلاة و المراد بها
الفرض لأنها التى عرف من عادتهم أنهم يجتمعون لها بخلاف النافلة ومن قال إنها
كانت نفلا فغير معتد به إلا أن فى حديث أنس فصلى بنا يومئذ فكأتها نهارية الظهر
أو العصر [وهو قاعد] لأنه لم يقدر (٥) على القيام [ فصلينا وراءه ] أى
خلفه [ قعوداً ] أى قاعدين ظاهره يخالف حديث عائشة الذى عند البخارى ولفظه:
(١) وفى نسخة: وصلينا. (٢) هذا الباب يدل على كون الامام أبى داؤد حنبلياً
وله نظائر فى أبواب كتابه . (٣) بالمدينة كما يأتى وذكر فى الخميس سقوطه عليه الصلاة
والسلام سنة ٥ ٥ (٤) قال ابن رسلان: ولا تنافى بينهما لاحتمال الأمريين.
(٥) وقد صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قاعداً فى ثلاثة مواضع، هذه،
وفى غزوة أحد، وفى مرض موته. قاله ابن رسلان: وبسط فى هامش اللامع أيضاً .

بذل المجهود
( ٢٣٣ )
الجزء الرابع
انصرف قال إنما جعل إلامام ليؤتم به فإذا صلى قائماً
فصلوا قياماً و إذا ركع فاركعوا وإذارفع فارفعوا وإذا
قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا صلى
فصلى جالساً وصلى وراه قوم قياماً فأشار إليهم أن اجلسوا و الجمع بينهما
أن فى رواية أنس هذه اختصاراً وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم
بالجلوس وجمع القرطبى بين الحديثين باحتمال أن يكون بعضهم قعد من أول الحال
وهو الذى حكاه أنس وبعضهم قام حتى أشار إليهم بالجلوس وهذا الذى حكته
عائشة وتعقب باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنه معرقم بأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد
لأن فرض القادر فى الأصل القيام ، وجمع آخرون بينهما باحتمال تعدد الواقعة وفيه
بعد لأن حديث أنس إن كانت القصه فيه سابقة لزم منه ماذكرنا من النسخ بالاجتهاد
وإن كانت متأخرة لم يحتج إلى إعادة قول إنما جعل الإمام ليؤتم به إلى آخره
لأنهم قدامتثلوا أمره السابق و علموا قعوداً لكونه قاعداً قاله الحافظ فى الفتح
[ فلما انصرف] أى من صلاته بالسلام [ قال] أى رسول الله {قّ [إنما
جعل الإمام ليؤتم به (١) ] أى ليقتدى به وظاهره شمول النهى عن مخالفة الامام
فى هيئة الصلاة من القيام والقعود [ فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً ] إما مصدر
أى ذوى قيام أو جمع أى قائمين [ وإذا ركع فاركعوا (٣) وإذا رفع ] أى
رأسه [ فارفعوا وإذا (٣) قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا
(١) استدل به مالك والحنفية على أن إختلاف نية الامام والمأموم يفد الصلاة
وعند الشافعية وهو أشهر روايتى أحمد يصح فيصح الظهر خلف من يصلى العصر
بسطه ابن رسلان. (٢) استدل بالفاء على التعقيب قيل فاجزاء لا يدل على التعقيب
بل فاء العطف. ((ابن رسلان)
(٣) به قال الثلاثة خلافاً للشافعى إذقال المقتدى يجمع بينهما بسطه ابن رسلان:

بذل المجهود
( ٢٣٤ )
الجزء الرابع
جالساً فصلوا جلوساً أجمعون .
صلى ] أى الامام [ جالساً فصلوا جلوساً ] جمع جالس وهو حال بمعنى جالسين
[ أجمعون] قال الحافظ استدل به على صحة إمامة الجالس وادعى بعضهم أن
المراد بالامر أن يقتدى به فى جلوسه فى التشهد وبين السجدتين لأنه ذكر ذلك عقب
ذكر الركوع والرفع منه و السجود قال فيحمل على أنه لما جلس للتشهد قاموا
تعظيماً له فأمرهم للجلوس تواضعاً ، وقد نبه على ذلك بقوله فى حديث جابر إن
كدتم أن تفعلوا فعل فارس و الروم يقومون على ملوكهم وهم قعود وتعقبه ابن
دقيق العيد و غيره باستبعاد وبأن سياق طرق الحديث يأباه وبأنه لو كان المراد
الأمر بالجلوس فى الركن لقال و إذا جلس فاجلسوا ليناسب قوله وإذا سجد فاسجدوا
فلما عدل عن ذلك إلى قوله وإذا صلى جالساً كان كقوله وإذا صلى قائماً فالمراد
بذلك جميع الصلاة. يؤيد ذلك قول أنس فصلينا ورده قعوداً و نقل فى مشكاة
المصابيح (( وقال الحميدى قوله إذا صلى جالساً، أى بعذر « فصلوا جلوساً هو فى
مرضه القديم حين آلى من نسائه (( ثم صلى بعد ذلك، أى ذلك المرض, النبى
عَّ، أى قبل موته بيوم « جالساً والناس خلفه قيام، قال الطبى (١) عند أحمد
و إسحاق أن الامام إذا صلى جالساً أى بعذر و افقه المأموم وعند مالك لا يجوز
أن يؤم الناس قاعداً ودليل مالك ما روى أن رسول اللّه عَل قال: لا يؤم أحد
بعدى جالساً وهو مرسل و محمول على التنزيه («لم يأمرهم بالقعود. إنما يؤخذ،
أى يعمل بالآخر فالآخر من فعل النبى مَّه، وعندنا معشر الخفية يجوز اقتداء
(١) وذكر ابن العربى فيه ثلاثة مذاهب للعلماء، بسطه ابن رسلان، وقال :
لا خلاف فيه عند الصحابة والتابعين فهو يلزم والشافعى أيضاً لقوله إذا صح
الحديث فهو مذهبى وبسطه ابن رسلان .

بذل المجهود
( ٢٣٥ )
جزء الرابع
حدثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا جرير و وكيع عن الأعمش
عن أبى سفيان عن جابر قال ركب رسول اللّه علّم فرساً
بالمدينة (١) فصرعه على جسدم نخلة فانفكت قدمه فأتيناه
القائم الذى يركع ويسجد بالقاعد الذى يركع ويسجد استحساناً، وهو قول أبى
حذفه و أبو يوسف و القياس أن لا يجوز وهو قول محمد وعلى هذا الاختلاف
اقتداء القائم المؤمى بالقاعد المؤمى وجه القياس ما روى عن التى وَي أنه قال :
لا يؤمن أحد بعدى جالساً أى لقائم لاجماعنا على أن الجالس لو أم لجالس لجاز
وجه الاستحسان ما روى أن آخر صلاة صلاها رسول اللّه مٍَّ فى ثوب واحد
مترشحاً به قاعداً و أصحابه خلفه قيام يقتدون به فقد ثبت الجواز على وجه لا يتوهم
ورود النسخ عليه .
[ حدثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا جرير و وكيع عن الأعمش عن أبى سفيان ]
هو طلحة بن نافع القرشى مولاهم أبو سفيان الواسطى ويقال المكى الاسكاف
ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال أحمد والنسائى وابن عدى : ليس به بأس ،
وقال ابن معين : لا شئ، وقال أبو خيثمة: عن ابن عينة حديث أبى سفيان
عن جابر إنما هى صحيفة روى له البخارى مقروناً بغيره ، وقال أبو بكر البزار هو
فى نفسه ثقة [عز جابر] أى ابن عبد الله الأنصارى - رضى الله عنه - [ قال
ركب رسول اللّه مَّ فرساً بالمدينة فصرعه] أى أسقطه [ على جذم نخلة ] قال
فى القاموس : الجذم بالكسر الأصل ويفتح جمعه أجذام وجذوم [فانفكت قدمه(٣)]
الفك نوع من الوهن والخلع وأنفك العظم انتقل من مفصله يقال فككت الشئى
(١) وفى نسخة: فى المدينة .
(٢) وتقدم الجمع بينه وبين رواية الساق.

بذل المجهود
( ٢٣٦ )
الجزء الرابع
نعوده فوجدناه فى مشربة لعائشة يسبح جالساً قال فقمنا
خلفه فسكت عنا ثم أتيناه مرة أخرى نعوده فصلى
المكتوبة جالساً فقمنا خلفه فأشار إلينا فقعدنا قال فلما قضى
الصلاة قال إذا صلى الامام جالسساً فصلوا جلوساً وإذا
صلى الامام قائماً فصلوا قياماً و لا تفعلوا كما يفعل
أهل فارس بعظمائها .
ابنت بعضه من بعض [فأتيناه] أى رسول اللّه عَ لَّه [نعوده (١)] قال فى القاموس
العود زيارة المريض كالعياد والعيادة [فوجدناه] أى رسول اللّه منز له [فى مشرية]
بفتح الراء وضمها و هى الغرفة و العلية يخزن فيه الطعام وغيره [لعائشة ] رضى
اللّه عنها [ يسبح] أى يصلى السبحة [ جالساً قال] جابر [ فقمنا خلفه فسكت
عنا ] أى لم يمنعنا من القيام وأجاز قيامنا خلفه [ ثم أتيناه مرة أخرى (٢) نعوده
فصلى المكتوبة جالساً فقمنا (٣) خلفه ] أى كما قمنا قبل [ فأشار إلينا] أى بالقعود
[ فقعدنا قال] أى جابر [ فلما قضى] رسول الله مَّه [الصلاة قال] أى رسول
الله عٍَّ [ إذا صلى الامام جالساً فصلوا جلوساً] أى لا تخالفوه بأنكم تصلون قياماً
وهو جالس [ وإذا صلى الامام قائماً فصلوا قياماً ولا تفعلوا كما يفعل أهل
فارس بعظمائها ] فانهم يقومون لعظمائها وهم جلوس.
(١) فيه أن العيادة لا تختص بمرض بل يعاد بالخدش والوجع أيضاً بسطه
ابن رسلان. (٢) فيه تكرار العيادة وقد ورد العيادة غبأ ووجه بأن الغب
لا ينافى التكرار بسطه ابن رسلان. (٣) وهل كانوا مفترضين حديث الباب
ساكت فيحتمل أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلى المكتوبة وهم كانوا متطوعين
وقد صلوا فى المسجد .

بذل المجهود
( ٢٣٧ )
الجزء الرابع
حدثنا سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم المعنى عن وهيب
عن مصعب بن محمد عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال
رسول الله (١) فى إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا
ولا تكبروا حتى يكبر وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى
يركع وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا
لك الحمد قال مسلم ولك الحمد و إذا سجد فاسجدوا ولا
تسجدوا حتى يسجد وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً وإذا صلى
قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون (٢) قال أبو داؤد اللهم ربنا
[ حدثنا سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم المعنى ] أى معناهما واحد وإن
اختلفا فى الألفاظ [ عن وهيب ] بن خالد بن عجلان [ عن مصعب بن محمد ] ابن
عبد الرحمن بن شرحيل العبدرى المكى وثقه ابن معين ، وذكره ابن حبان فى
الثقات ، وقال البخارى : روى عنه ابن عيينة و قال : كان رجلا صالحاً، وقال
أبو حاتم: صالح يكتب حديثه ولا يحتج به [عن أبى صالح ] السمان [ عن أبى
هريرة قال: قال رسول اللّه مَّه: إنما جعل الإمام ليؤتم] أى ليقتدى [ به فاذا
كبر فكبروا و لا تكبروا حتى يكبر] أى لا تسبقوه بالتكير [ وإذا ركع فاركعوا
ولا تركعوا حتى يركع] أى لا تسبقوه بالخرور فى الركوع [وإذا قال سمع
الله لمن حمده ، فقولوا : اللهم ربنا لك الحمد ، قال مسلم ] أى ابن إبراهيم أستاذ
أبى داؤد [ ولك الحمد ] بزيادة الواو وهذه إشارة إلى الاختلاف الواقع بين
أستاذيه سلمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم فان سليمان بن حرب قال : بدون الواو
[ و إذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد] أى لا تسبقوه فى السجود [وإذا
(١) وفى نسخة: الني. (٢) وفى نسخة: أجمعين.

بذل المجهود
( ٢٣٨ )
الجزء الرابع
لك الحمد أفهمنى بعض أصحابنا عن سليمان .
حدثنا محمد بن آدم المصيصى نا أبو خالد عن ابن عجلان
عن زيد بن أسلم عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبى
يّ قال إنما جعل الإمام ليؤتم به بهذا الخبر زاد وإذا
قرأ فأنصتوا قال أبو داؤد وهذه الزيادة واذا قرأ
صلى قائماً فصلوا قياماً و إذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون ] قال الخطابي ذكر
أبو داؤد هذا الحديث من رواية أنس وجابر وأبى هريرة وعائشة ولم يذكر
صلاة رسول اللّه مَوفتح آخر ما صلاها بالناس وهو قاعد والناس خلفه قيام وهذ
آخر الأمرين من فعله ومن عادة أبى داؤد فى ما أنشأه من أبواب هذا الكتاب
أنه يذكر الحديث فى بابه ويذكر الذى يعارضه فى باب آخر على أثره ولم أجده
فى شئ من النسخ فلست أدرى كيف أغفل بذكر هذه القصة وهى من أمهات السنن
وإليه ذهب أكثر الفقهاء (١) انتهى [ قال أبو داؤد: اللهم ربنا لك الحمد ] أى
هذه الكلمة [ أفهمنى بعض أصحابنا عن سليمان] حاصل هذا الكلام أن أبا داؤد
يقول لما حدث سليمان بن حرب بهذا الحديث لم أفهم هذا اللفظ منه فأفهمنى بعض
أصحابى الذين كانوا معي فى سماع الحديث .
[ حدثنا محمد بن آدم المصيصى ثنا أبو خالد الأحمر ] سليمان بن حيان بتحتانية
الأزدى الكوفى الجعفرى نزل فيهم [عن ابن عجلان] محمد [ عن زيد بن أسلم ]
العدوى [ عن أبى صالح] السمان [عن أبى هريرة عن النبي ◌َّ قال ] أى النبى
◌َّةِ [ إنما جعل الإمام ليؤتم] أى يقتدى [ به بهذا الخبر] أى المتقدم متعلق
بلفظ حدثنا [ زاد ] أى أبو خالد [ وإذا قرأ فأنصتوا قال أبو داؤد: هذه الزيادة
(١) قال العينى: أما تركها سهواً وغفلة أو كان رأيه فى هذا الباب مثل ماذهب
إليه أحمد فلم يذكر ما ينقضه ((عمدة القارى،،

بذل المجهود
( ٢٣٩ )
الجزء الرابع
فأنصتوا ليست بمحفوظة و الوهم عندنا من أبى خالد (١)
و إذا قرأ فأنصتو ليست بمحفوظة والوهم عندنا من أبى خالد ] وتعقبه المنذرى
فى مختصره، فقال : هذا فيه نظر فان أبا خالد الأحمر هذا هو سليمان بن حيان وهو
من الثقات الذين احتج البخارى ومسلم بحديثهم فى صحيحيهما ومع هذا لم يتفرد
بهذه الزيادة بل قد تابعه عليها أبو سعيد محمد بن سعد الأنصارى الأشهلى المدنى نزيل
بغداد ، وقد سمع من ابن عجلان وهو ثقة وثقه يحيى بن معين و محمد بن عبد
الله الخرمى والنسائى، وقد أخرج هذه الزيادة النسائى فى سنته من حديث أبى
خالد الأحمر و من حديث محمد بن سعد ، وقد أخرج مسلم فى الصحيح (٢) هذه
الزيادة فى حديث أبى موسى الأشعرى من حديث سليمان التيمى عن قتادة وضعف
أبو داؤد و الدار قطنى والبيهقى وغيرهم لتفرد سليمان القيمى به. وقال الدار قطنى:
هذه اللفظة لم يتابع سليمان التيمى فيها عن قتادة . وقد رواه أصحاب قتادة الحفاظ
منهم هشام الدستواى و سعيد وشعبة وحمام و أبو عوانة وأبان و عدى بن
أبى عمارة فلم يقل أحد منهم وإذا قرأ فأنصتوا، قال: وإجماعهم على مخالفته يدل
على وهمه ولم يؤثر عند مسلم تفرده بها لثقته وحفظه وصححها من حديث أبى
موسى و أبى هريرة، انتهى ، وقد أخرج أبو داؤد هذه الزيادة فى حديث
أبى موسى الأشعرى من رواية سليمان القيمى ، وقال : زاد وإذا قرأ فأنصتوا ،
قال أبوداؤد: قوله أنصتوا ليس بمحفوظ لم يجى به إلا سليمان القيمى فى هذا الحديث
وكذلك روى عن يحيى بن معين وأبى حاتم الرازى والدار قطنى وأبى على النيسابورى
وصححها مسلم فى صحيحه، قال أبو إسحاق: قال أبو بكر بن أخت أبي النضر فى هذا
الحديث : فقال مسلم: تريد أحفظ من سليمان. فقال له أبوبكر حديث أبى هريرة،
(١) وفى نسخة: من أبى خالد عندنا .
(٢) فى باب التشهد .

بذل المجهود
( ٢٤٠ )
الجزء الرابع
فقال هو صحيح يعنى وإذا قرأ فانصتوا فقال هو عندى صحيح فقال لم لم تضعه هاهنا قال.
ليس كل شئى عندى صحيح وضعته هاهنا إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا (١) عليه انتهى .
قلت : أما ادعاؤهم فى حديث أبى هريرة بتفرد أبى خالد كما قال الخاوى فى
جزئه ولم يتابع أبو خالد فى زيادته وكذلك ادعاؤهم الاجماع على خطأ هذه
اللفظة فى الحديث غلط فاضح و تعصب واضح فانه قد تابع أبا خالد أبوسعيد محمد
بن سعد الأنصارى عن ابن عجلان أخرجه النسائى ومحمد بن سعد الأنصارى ثقة ،
وقال الدارقطى بعد تخريج رواية أبى خالد الأحمر تابعه محمد بن سعد الأشهلى ثم
أخرج روايته بسنده ثم ذكر فى آخرها قال أبو عبد الرحمن كان المخرمى يقول هو
ثقة يعنى محمد بن سعد فالعجب من البخارى كيف يدعى عدم متابعة أبى خالد والعجب
من البيهقى كيف يدعى الاجماع على خطأ هذه الزيادة مع أنها صمحها مسلم فى صحيحه
على رؤوس الأشهاد .
قلت : وقد قال البيهقى فى كتاب القراءة خلف الإمام ، قال الامام أحمد
- رحمه الله - وقد روى ذلك عز حسان بن إبراهيم الكرمانى و إسماعيل بن أبان
الغنوى عن محمد بن عجلان وإسماعيل ضعيف ، ويقع فى أحاديث حسان بن إبراهيم
بعض ما ينكر ، انتهى ، أما قوله إسماعيل ضعيف فمسلم ، وأما تضعيف هذه الجملة
برواية حسان بن إبراهيم وتكلمه فيه فغير مقبول فانه قال الحافظ فى تهذيب التهذيب
قال حرب الكرمانى سمعت أحمد يوثق حسان بن إبراهيم ويقول حديثه حديث
أهل الصدق ، وقال عثمان الدارمى وغيره عن ابن معين ليس به بأس ، وقال
المفضل الغلابى عن ابن معين ثقة ، وقال أبو زرعة لا بأس به ، وقال ابن المدينى
(١) قلت: وعلم من هذا أن الزيادة فى حديث أبى موسى مجمع عليه عند مسلم
ولذا وضعها فيه مسلم ولم يضعها فى حديث أبى هريرة ، وبسط فى فيض
البارى الكلام على هذه الروايات و رجح أنهما حديثان مختلفان اختلطا على
المحدثين تحكموا بالضعف .